بحث مميز عن التكييف في القانون الدولي الخاص

خـــطــة البــحــث

مقدمة:
المبحث الأول: ماهية التكييف
المطلب الأول: مفهوم التكييف
الفرع الأول: تعريف التكييف
الفرع الثاني: أهمية التكييف
المطلب الثاني: نشأة التكييف
الفرع الأول:وصية الهولندي و ميراث المالطي
الفرع الثاني:زواج الفرنسي و زواج اليوناني
المبحث الثاني: موقف الفقه و التشريع من التكييف
المطلب الأول: الاتجاهات الفقهية بشأن القانون الذي يحكم التكييف
الفرع الأول:التكييف يخضع لقانون القاضي
الفرع الثاني:التكييف يخضع للقانون المختص بحكم النزاع
الفرع الثالث:التكييف يخضع للقانون المقارن
المطلب الثاني:موقف التشريعات من مسألة التكييف
الفرع الأول:موقف القوانين المقارنة من مسألة التكييف
الفرع الثاني:موقف المشرع الجزائري
خاتمة:

المبحــــــث الأول: مـــــاهيـة التكـييـــف

عندما يريد القاضي أن يطبق قواعد الإسناد في قانونه تعترضه صعوبات مرجعها وجود مسائل أأولية من الضروري الحسم فيها بمنظور قانوني معين قبل التطرق إلى التقنية القانونية المعمول بها للفصل في الموضوع، و مرجع هذه الصعوبات هو اختلاف النظم القانونية من بلد لآخر.(1)
يكمن حل هذه الصعوبات في “التكييف” الذي سيكون أول مبحث في بحثنا مخصص للتعريف به و هذا في مطلبين: الأول عنوانه مفهوم التكييف ، و الثاني بعنوان أصل التكييف.

المطلب الأول: مفهوم التكييـف

سنتعرض في هذا المطلب لبعض تعريفات التكييف في فرع أول ثم ننتقل لتبيين أهمية التكييف في فرع ثاني.

الفرع الأول: تعريف التكييـف
الحقيقة أن مشكلة التكييف لا تظهر فقط في مجال القانون الدولي الخاص، بل هي مشكلة تفرض نفسها كلما طرح نزاع أمام القاضي أو الباحث في مختلف فروع القانون.(2)
فكلما كان القاضي مطالبا بالفصل في نزاع ما كان عليه بداية تكييف هذا النزاع سواء تعلق الأمر بمسائل القانون المدني ، أو القانون التجاري، أو الجنائي، أو العمل أو الأسرة…(3) بعبارة أخرى فكل دعوى ترفع أمام المحكمة يكون على القاضي أولا أن يحدد طبيعتها حتى يعرف سندها القانوني و مدى اختصاصه بها. مثلا هل التصرف مدني، تجاري، أحوال شخصية….
و التكييف بهذا المعنى هو تنسيب النزاع إلى قانون معين ذلك أن القانون ليس واردا في مجموعة واحدة أو كتاب واحد فهناك عدة قوانين، و كل قانون يتفرع إلى أقسام و أبواب و مباحث، مثلا القانون المدني ينقسم إلى عدة كتب: مقدمة، التنازع،الحق ، الإلتزامات، العقود هذه الأخيرة تنقسم إلى: شروط انعقاد ، آثار،انتهاء… و عليه فعندما يثور نزاع يقع على عاتق القاضي أن ينسبه إلى جزء القانون المخصص له. مثل أن تحكم المحكمة تصرف قانوني مدني يقع ضمن العقود المسماة، عقد بيع، و النزاع متعلق بالشروط الموضوعية و بالضبط الأهلية.(4)
ــــــــ
(1):د-زروتي الطيب-القانون الدولي الخاص الجزائري مقارنا بالقوانين العربية-ج1-تنازع القوانين – مطبعة الكاهنة-الجزائر-س2000-ص87
(2):د هشام صادق علي-د حفيظة السيد الحداد-القانون الدولي الخاص-دار الفكر الجامعي-الاسكندرية-مصر-ط1-س2008-ص53
(3):د عليوش قربوع كمال-القانون الدولي الخاص الجزائري-ج1-تنازع القوانين-دار هومه-الجزائر-ط2-س2007-ص91
(4):د ممدوح عبد الكريم- القانون الدولي الخاص-تنازع القوانين-دار الثقافة للنشر و التوزيع-عمان-الأردن-ط2005

و الحال كذلك في مجال القانون الجنائي ، حيث يقوم القاضي مثلا بتحديد ما إذا كان سلب مال الغير هو من قبيل السرقة ، أو النصب أو خيانة الأمانة، أو أن يحدد ما إذا كانت جريمة القتل عمدية و ما إذا اقترنت بظرف تشديد مثل سبق الإصرار و الترصد أو أنها تخلو منهما.(1)
و التكييف في هذا الصدد يمكن تشبيهه بمهمة تشخيص المرض من قبل الطبيب مثلا: عند شعور المريض بألم في البطن فإن الطبيب يستعمل كل الوسائل المساعدة من أشعة و تحاليل و غيرها ليتوصل لتشخيص المرض على أنه التهاب في المعدة أو القولون أو الزائدة أو غيرها…فكل من هذه الأمراض له علاجه الخاص لذا لابد بداية من التعرف على المرض.(2)
بناء على كل ما سبق يمكننا تعريف التكييف عموما بأنه: ” تحليل للوقائع و التصرفات القانونية تمهيدا لإعطائها وصفها الحق و وضعها في المكان الملائم من بين التقسيمات السائدة في فرع معين من فروع القانون”(3) أو هو: “عملية تحديد الوصف القانوني أو الطبيعة القانونية لعلاقة قانونية”(4) و يعفه كاتب آخر بأنه: “تنسيب النزاع إلى فكرة أو مبدأ أو سابقة قضائية في حالة عدم جود قانون مكتوب”(5) و يعرفه آخر: ” التكييف هو تحديد الطبيعة القانونية لواقعة أو تصرف لتحديد القانون الواجب التطبيق و شروط تطبيقه، و هو يمثل جانب من تفسير القانون لأن القاضي الذي يقوم بتفسير القانون يقوم في حقيقة الأمر بعمليات التكييف”(6)
يلاحظ مما سبق أن التكييف بدأ أولا في القانون الداخلي قبل انتقاله إلى القانون الدولي الخاص و هو بشكل خاص”طبيعة المسألة التي تتنازعها القوانين لوضعها في نطاق إحدى الفكر المسندة التي خصها المشرع بقاعدة إسناد”(7)
لكن يمكن القول أن التكييف في القانون الداخلي يؤدي إلى تحديد النص القانوني الموضوعي الواجب التطبيق، بينما في القانون الدولي الخاص يؤدي إلى وضع المسألة محل النزاع ضمن طائفة من طوائف النظم القانونية المقررة في قانون القاضي تمهيدا لإسنادها إلى القانون المختص.(Cool
ــــــــــ
(1):د زروتي الطيب-المرجع السابق-ص88
(2):د ممدوح عبد الكريم-المرجع السابق-ص35
(4):د هشام صادق-د حفيظة السيد الحداد-المرجع السابق-ص53
(5):د صلاح الدين جمال الدين-القانون الدولي الخاص-الجنسية و تنازع القوانين-دار الفكر الجامعي-الاسكندرية-مصر-ط1-س2008-ص274
(6):د ممدوح عبد الكريم-المرجع السابق-ص35
(7):د عليوش قربوع كمال-المرجع السابق-ص93
(Cool:د صلاح الدين جمال الدين-تنازع القوانين دراسة مقارنة بين الشريعة و القانون-دار الفكر
الجامعي-الاسكندرية-مصر-ط2-س2007-ص

و التكييف في إطار القانون الدولي الخاص لا يكتفي بتحديد موضوع النزاع تحديدا عاما بل يجب البحث عن الهدف منه مثلا: إذا تعلق الأمر بوصية يجب تحديد ما إذا كان النزاع منصبا حول موضوعها أو يتعلق بشكلها إضافة إلى وصفها على أنها وصية.(1)
و لا يمكننا تعريف التكييف دون التعريج على مشكلة محل التكييف لما له من الأهمية في تعريف التكييف.
مشكلة محل التكييف أو ما ينصب عليه التكييف من المسائل الفنية الحديثة في إطار القانون الدولي الخاص حيث أن الفقه لم يهتم بمعالجة هذه المسألة إلا مؤخرا نسبيا و ذلك راجع إلى سببين أحدهما منهجي و الثاني عملي و منطقي.
السبب الأول يعود إلى الاعتقاد الذي أبرزه الأستاذ “سافيني” و الخاص بفكرة الاشتراك القانوني أو التوافق في الفكر القانوني، مفاده أن أي مركز واقعي تتمخض عنه مصلحة أساسية تهدف كل القوانين مهما اختلفت إلى حمايتها، و بالتالي فالتباين لا يمس طبيعة المصلحة فهي محمية في كل الأحوال، لكن الواقع أثبت إمكانية اختلاف المصالح المحمية و الأهداف من تنظيم المراكز، و عليه فإن فكرة التوافق القانوني لم يعد لها وجود حيث حدث انقطاع في الاشتراك القانوني بين الأنظمة المتنافسة.(2)
و على الرغم من وجاهة هذا التحليل هناك سبب آخر عملي و منطقي يبرر عدم اهتمام الفقه بموضوع التكييف، و هو يتمثل في أن مشكلة التكييف كمشكلة خاصة في القانون الدولي الخاص تعد حديثة نسبيا، و بالتالي بدأ الفقه بمحاولة تأهيل مسألة التكييف و البحث عن أساسها و اختيار النظام الذي يحكمها فانشغل عن مسألة محل التكييف لكن مع تأكيد ذاتية التكييف في القانون الدولي الخاص و بروز أهميته كان لزاما البحث عن حل لمسألة محل التكييف.(3) و السؤال الذي يطرح هنا هو : ما الذي يتم إسناده أو ما هو موضوع قاعدة الإسناد؟
لقد اختلف الفقه في الإجابة على هذه الأسئلة و ظهرت عدة اتجاهات في الصدد: أو لها يغلب الجانب القانوني و ثانيها يغلب الاتجاه الواقعي.(4)
و عليه تتحول الأسئلة المطروحة إلى:ما هو محل التكييف اللازم لإعمال قاعدة الإسناد؟
هل ينصب هذا المحل على المراكز الواقعية و العلاقات المادية الخالصة؟ أم يتعلق بالنصوص الموضوعية التي تستغرق هذه العلاقات و التي تتضمنها القوانين المتزاحمة لحكم المسألة محل المنازعة؟(5)
ــــــــ
(1):د زروتي الطيب-المرجع السابق-ص90
(2):د حفيظة السيد الحداد-الموجز في القانون الدولي الخاص-الكتاب الأول-المبادئ العامة في تنازع القوانين-منشورات الحلبي الحقوقية-بيروت-لبنان-ط1-س2004-ص103
(3):د حفيظة السيد الحداد-المرجع السابق-ص104
(4):د عكاشة محمد عبد العال-تنازع القوانين-دراسة مقارنة-منشورات الحلبي الحقوقية-بيروت-لبنان-ط1-س2004-ص103
(5):د زروتي الطيب-المرجع السابق-ص89

إذن و كما سبق الذكر الاتجاه الأول يغلب الجانب القانوني أي يجعل محل التكييف هو النص الموضوعي الذي يحكم النزاع، لكن هذا الاتجاه انقسم أيضا إلى ثلاثة آراء:
فالبعض يرى أن التكييف ينصب على النظم القانونية، و البعض الآخر يرى أنه ينصب على العلاقات القانونية، أما الرأي الأخير فيرى تعلقه بالقواعد القانونية الموضوعية.
فيكون تعريف التكييف وفق هذه الآراء: “تحديد طبيعة النظام القانوني”، أو “تحديد طبيعة العلاقة القانونية”، “تحديد طبيعة القاعدة الموضوعية”(1)
أما الاتجاه الثاني الذي يجعل محل التكييف هو الواقعة أو المركز الواقعي فيعرف التكييف بأنه:” إعطاء الواقعة الطابع القانوني الذي يدخلها في طائفة معينة من طوائف النظم القانونية التي خصها المشرع بقاعدة إسناد”(2)
و بين الاتجاهين السابقين ظهر اتجاه توفيقي لا يرجع التكييف لأي من القانون أو الواقع منفردا و يجعل التكييف ينصب على موضوع النزاع أو على المسألة القانونية التي يثيرها المركز الواقعي.(3)
يعرف هذا الاتجاه الأخير التكييف بأنه” تحديد طبيعة المسألة التي تتنازعها القوانين و إعطائها الوصف القانوني الملائم لوضعها في نطاق طائفة من النظم
القانونية التي خصها المشرع بقاعدة إسناد معينة تمهيدا لإسنادها إلى قانون معين”(4)
يمكننا أخيرا أن نعرف التكييف في تنازع القوانين بأنه” عملية فنية تستهدف تحديد الطبيعة أو الوصف القانوني للمسألة التي تثيرها وقائع المنازعة ذات العنصر الأجنبي، و ذلك بغية إدراجها في طائفة معينة من طوائف العلاقات القانونية التي وضع لها القانون قاعدة تنازع”(5)
ـــــــــــ
(1):د عكاشة محمد عبد العال-المرجع السابق-ص104
(2):د زروتي الطيب-المرجع السابق-ص90
(3):د عكاشة محمد عبد العال-المرجع السابق-ص105
(4):د زروتي الطيب-المرجع السابق-ص90
(5):د أحمد عبد الكريم سلامة-القانون الدولي الخاص(الجنسية-الموطن-معاملة الأجانب-التنازع الدولي للقوانين-المرافعات المدنية الدولية)-دار النهضة العربية-القاهرة-مصر-ط1-س200ص677

الفرع الثاني:أهمية التكييف
تبدو أهمية التكييف في مجال القانون الداخلي بوصفه عملية أولية و لازمة لإخضاع التصرف أو الواقعة القانونية محل النزاع للنص القانوني الذي يحكم هذا التصرف أو تلك الواقعة.(1)
و إذا كان للتكييف أهميته السابقة في القانون الداخلي، فإن أهميته تزداد بصفة خاصة في مجال القانون الدولي الخاص، ذلك أن قواعد الإسناد لا تضع حلا لكل من المسائل التي تطرح أمام القضاء على حدا، و إنما هي تضع حلا لكل طائفة ، مثلا القاعدة التي تقضي بإخضاع أهلية الأشخاص لقانون جنسيتهم تتضمن الأهلية كفكرة مسندة و ضابط الإسناد هو الجنسية.(2)
إن اختلاف القوانين في تحديد الوصف القانوني للمسألة بسبب ذاتية تكييفات كل نظام قانوني و المفاهيم السائدة فيه يجعل تصرفا واحدا محلا لعدة تكييفات مختلفة(3)، فمثلا ما يعتبر من الشكل في بلد قد يعتبر من الأهلية في بلد آخر، و الواضح في مثالنا أن كلا من الأهلية و الشكل يمثل فكرة مسندة متميزة عن الأخرى يحكم كل منهما ضابط إسناد معين.(4)
إذن فكون التكييف يأتي كمرحلة أولية و ضرورية قبل الإسناد و كذا الاختلاف بين التشريعات في وصف التصرفات القانونية هو الذي يكسب التكييف أهميته.(5)
و بالدرجة الأولى فإن أهمية التكييف في القانون الدولي الخاص مستمدة من خصوصية و ذاتية القواعد القانونية التي يستخدمها هذا القانون.(6)
إذن فنقل مسألة التكييف إلى المجال الدولي أكسبها طابعا خاصا لأنها تلعب الدور الأكبر في الطريق نحو تحديد القانون الواجب التطبيق.(7)
إذن فخلاصة القول أن التكييف يكتسي أهميته لأن تحديد القانون الواجب التطبيق يقوم أصلا على التكييف.(Cool
ــــــــــــ
(1):د عليوش قربوع كمال-المرجع السابق-ص93
(2):د هشام صادق-د حفيظة السيد الحداد-المرجع السابق-ص54
: د سعيد يوسف البستاني-القانون الدولي الخاص-منشورات الحلبي الحقوقية-بيروت –لبنان-ط1-س2004-ص131
(3):د زروتي الطيب-المرجع السابق-ص91
(4):د صلاح الدين جمال الدين-تنازع القوانين مقارنة بين الشريعة و القانون-ص55
(5):د زروتي الطيب-نفس المرجع و الصفحة
(6):د حفيظة السيد الحداد-المرجع السابق-ص96
(7):د عليوش قربوع كمال- نفس المرجع و الصفحة
(Cool:د ممدوح عبد الكريم-المرجع السابق-ص38

رغم الأهمية البالغة للتكييف في القانون الدولي الخاص إلا أن هذا لا ينفي وجود صعوبات تعرقل التكييف و التي سنبينها فيما يلي:
إن صعوبة التكييف تتعاظم في القانون الدولي الخاص عنها في أي فرع من فروع القانون الأخرى و تنجم هذه الصعوبات عن اختلاف النظم القانونية فيما بينها في تحديد الأوصاف القانونية للمسائل، و إلى اختلافها في تحديد الطوائف التي يمكن رد هذه المسائل إليها ، فما يعد وفقا لقانون دولة ما من آثار الزواج الشخصية قد يعتبر وفقا لقانون دولة أخرى من الأهلية ، و ما قد يعتبر في دولة ما من الشروط الموضوعية للزواج قد يعد في دولة أخرى الشروط الشكلية للزواج.
و يترتب على اختلاف النظم القانونية في تحديد الوصف القانوني لنفس المسألة أن تكتسب مشكلة تنازع القوانين التي قد تثور بصدد هذه المسألة بعدا إضافيا أو صعوبة إضافية، ذلك أن النزاع ذو الطابع الدولي الذي يثور بصدد هذه المسألة لا يثير تنازعا بين قوانين الدول حول القانون الذي يتعين أن تخضع له هذه المسألة فقط بل إنه يثير أيضا تنازعا بين هذه القوانين حول القانون الذي يتعين أن يتجدد بمقتضاه الوصف القانوني لها، و الذي يتم عن طريق رد المسألة إلى طائفة قانونية معينة خصها المشرع بقاعدة إسناد.

المطلب الثاني: نشأة التكييف

نعرض في هذا الصدد لبعض القضايا التقليدية المعروفة في القانون الدولي الخاص التي فصل فيها القضاء الفرنسي لاستجلاء ماهية التكييف، أهميته و بدرجة أكبر نشأته

االفرع الأول: وصية الهولندي و ميراث المالطي
وصية الهولندي: تتلخص وقائع القضية في أن هولنديا كتب وصيته في فرنسا بخط يده طبقا لأحكام المادة999 مدني فرنسي التي تجيز للفرنسي و لو كان بالخارج أن يكتب وصية عرفية، توفي الهولندي و طعن ورثته الهولنديون ببطلان الوصية طبقا لأحكام المادة 992 مدني هولندي التي تشترط الكتابة الرسمية لصحة الوصية و نفاذها بل و أكثر من ذلك تعتبر الشكل الرسمي للوصية مكملا للأهلية ، عرض النزاع أمام محكمة فرنسية فوجدت نفسها أمام مشكلة في التكييف.(1) لحل المشكل يجد القاضي نفسه أمام فرضين ، فإما أن يطبق قاعدة الإسناد القاضية بأن الكتابة من الشكل و بالتالي خضوعها لقانون موقع الإبرام أي القانون الفرنسي مما يترتب عليه صحة الوصية و نفاذها، أو أن يطبق التكييف الهولندي الذي يعتبر الكتابة الرسمية من متممات الأهلية و بالتالي خضوعها لقانون الجنسية أي القانون الهولندي و بالتالي بطلان الوصية.(2)
ــــــــــ
(1):Marie Christine-droit international privé-garaude-édition 2-2008-p68
د غالب علي الداودي-د حسن محمد الهداوي-القانون الدولي الخاص-ج1-ص67
(2):د أعراب لبقاسم- القانون الدولي الخاص الجزائري-ج1تنازع القوانين-دار هومه-الجزائر-س2003-ص77

ميراث المالطي: تتلخص وقائع القضية في أن زوجان مالطيان قدما للعيش في الجزائر أثناء الاستعمار الفرنسي، تملك الزوج عقارات في الجزائر و بعد وفاته طالبت الزوجة أمام محكمة الاستئناف بحقها في ميراث زوجها على أساس قاعدة(نصيب الزوج الفقير)(1) و هو نظام معروف في القانون المالطي دون القانون الفرنسي الذي لم يكن يعترف للزوجة آنذاك إلا بحق اقتسام الأملاك المشتركة و استرداد أملاكها الخاصة(2)، في هذه الحالة أيضا يجد القاضي نفسه أمام مشكلة في التكييف، فإما أن يكيف طلب المرأة على أساس أنه من قبيل الميراث المتعلق بالعقار و بالتالي يطبق قانون موقع العقار و في هذه الحالة القانون الفرنسي و بالتالي يرفض طلب الزوجة، و إما أن يكيف الواقعة على أساس أنها من النظام المالي للزوجين الذي يدخل في طائفة الأحوال الشخصية و يحكمها قانون الجنسية و هنا القانون المالطي و بالتالي يلتزم القاضي بالاعتراف للزوجة بحقها في تركة الزوج المتوفى(3)

الفرع الثاني:زواج الفرنسي و زواج اليوناني
زواج الفرنسي:تتلخص وقائع القضية في أن شابا فرنسيا قاصرا(19ستة)انتقل إلى انجلترا و تزوج هناك من إنجليزية دون حصوله على موافقة الأب التي تشترطها م148 مدني فرنسي و التي تفرض موافقة الأب على زواج ابنه إذا كان عمره أقل من (25سنة)، مباشرة بعد رجوع الزوج الفرنسي إلى فرنسا سارع للمطالبة ببطلان الزواج أمام المحاكم الفرنسية على أساس أنه خالف المادة السالفة الذكر، فوافقت المحكمة الفرنسية على طلبه و أبطلت الزواج، تزوج الزوج مرة ثانية من فرنسية و كذلك زوجتة الإنجليزية تزوجت من إنجليزي، لما علم هذا الأخير بالزواج الأول طالب المحاكم الإنجليزية بإبطال الزواج الثاني على أساس أن الزواج الأول لازال قائما وفقا للقانون البريطاني، و وافقت المحكمة على طلبه منعا لتعدد الأزواج(4) نلاحظ إذن في هذه القضية تضاربا في الأحكام و مرد هذا الاختلاف راجع إلى اختلاف في التكييف ، فالقانون الفرنسي يعتبر موافقة الأب من متممات الأهلية التي لا يتم الزواج بدونها و عليه يحكمها قانون الجنسية أي القانون الفرنسي و على هذا الأساس حكم القاضي الفرنسي ببطلان الزواج، أما القانون الإنجليزي فيعتبر
موافقة الأب من الأشكال الخارجية التي تخضع لقانون محل الإبرام أي القانون الإنجليزي و على هذا الأساس حكم بصحة الزواج الأول و استمراره.(5)
ــــــــــــ
(1):د ممدوح عبد الكريم-المرجع السابق-ص41
(2):د زروتي الطيب-المرجع السابق-ص92
(3):دغالب علي الداودي-د حسن محمد الهداوي-المرجع السابق-ص69
(4):د ممدوح عبد الكريم-المرجع السابق-ص39
(5):د زروتي الطيب-المرجع السابق-ص93

زواج اليوناني الأرثودكسي: تتمثل وقائع القضية في أن يونانيا تزوج في فرنسا من فرنسية طبقا للشكل المدني المعمول به في فرنسا، فطعن أولياؤه اليونانيون ببطلان هذا الزواج على أساس أنه لم يتم وفقا للشكل الديني الذي يشترطه القانون اليوناني لصحة الزواج(1) و هنا كان أمام القاضي حلين : إما أن يكيف الشكل الديني على أنه من الأشكال الخارجية التي تخضع لقانون محل الإبرام أي القانون الفرنسي و بالتالي صحة الزواج ، أو أن يكيفها على أساس أنها من الشروط الموضوعية لعقد الزواج و بالتالي تدخل في الأحوال الشخصية التي يحكمها قانون الجنسية أي القانون اليوناني و بالتالي
بطلان الزواج.(2)
بالإضافة لحالات الاختلاف في التكييف التقليدية و التي ذكرناها في الأمثلة السابقة هناك حالات أخرى يمكن أن ندرجها باختصار:
-في بعض الدول مثل أمريكا يكيف التقادم بمرور الزمن على أنها مسألة أصولية تخضع للقانون الأمريكي، في حين بعض الدول الأوربية تكيفها على أنها مسألة موضوعية جوهرية تخضع للقانون الذي يحكم أساس النزاع.
-دعوى إثبات نسب المولود من زواج غير شرعي تكيف في بعض القوانين على أساس الفعل غير المشروع الذي يخضع لقانون وقوع الفعل، بينما تكيفها قوانين أخرى على أنها من الحقوق العائلية التي تخضع لقانون الجنسية.
-يكيف التعويض عن فسخ الخطبة في بعض القوانين على أساس المسؤولية التقصيرية و يخضع لقانون وقوع الفعل الضار ، بينما يكيف في قوانين أخرى من الحقوق العائلية التي تخضع لقانون الجنسية.
-الحضانة تكيف في بعض القوانين على أنها من آثار الزواج و تخضع لقانون الدولة التي ينتمي لها الزوج أثناء عقد الزواج ، بينما تكيفها قوانين أخرى على أنها من آثار الطلاق و تخضعها لقانون الدولة التي ينتمي لها الزوج أثناء رفع دعوى الطلاق، في حين تكييفها قوانين أخرى على أنها من الولاية على النفس و تخضعها لقانون من تجب حمايته أي قانون جنسية المحضون.(3)
عليه يمكننا القول من خلال الأمثلة السالفة أن تحديد القانون الذي يحكم النزاع يختلف باختلاف القانون الذي يحكم التكييف، و عليه فإنه من الضروري تحديد القانون الذي يتم وفقه التكييف لنصل إلى تكييفات متطابقة.
لكن اختلفت الآراء الفقهية في هذا الصدد و اختلفت تبعا لها واقف التشريعات الوضعية(4)، سنعرض أهم هذه الآراء في المبحث الثاني من بحثنا.
ــــــــــ
(1):د زروتي الطيب-المرجع السابق-ص93
Marie Chrisine-m o-p69
(2): د أعراب بلقاسم-المرجع السابق-ص 78
(3):- غالب علي الداودي—حسن محمد الهداوي-ص70
(4):د أعراب بلقاسم –المرجع السابق-ض78

المبحث الثاني: موقف الفقه و التشـريـع من التكــييف

إن التكييف ينقل قاعدة الإسناد من المجرد إلى الواقع للتمكن من تطبيقها و عليه فهو ضرورة أولية، لذالك فالسؤال الذي يطرح وفقا لأي قانون يتم التكييف؟ للإجابة علىهذا السؤال نقول أن التكييف من مسائل القانون الدولي الخاص الأكثر إثارة لنظريات و مناقشات حادة و طويلة حول القانون الذي يحكمه (1)و سنعرض لأهم هذه الآراء الفقهية فيما يلي(مطلب أول) و كنتيجة حتمية لتضارب الآراء الفقهية سيكون هناك اختلاف في مواقف التشريعات في الأخذ بأحد هذه الآراء(مطلب ثاني)

المطلب الأول: الاتجاهات الفقهية بشأن القانون الذي يحكم التكييف

لتحديد القانون الواجب التطبيق على المسألة القانونية المعروضة على القاضي ، لابد أن يرجع هذا الأخير إلى قانون معين من أجل تكييف و تحديد وصف تلك المسألة(2) فما هو هذا القانون الذي يحكم التكييف؟ للإجابة على هذا السؤال ظهرت العديد من النظريات الفقهية ، أهمها 3 آراء: إخضاع التكييف لقانون القاضي(فرع1)، إخضاع التكييف للقانون الذي يحكم النزاع(فرع2)، إخضاع التكييف للقانون المقارن(فرع3)

الفرع الأول:التكييف يخضع لقانون القاضي

أولا: مفهوم المبدأ و حججه
أول من جاء بهذه النظرية كان الفقيه الألماني كان في 1891 ثم تبعه الفقيه الفرنسي بارتان، و أقرها اتفاق لاهاي في 1925.(3)
مفاد هذا المبدأ أن” القاضي يكيف النزاع المعروض عليه وفقا لقانونه الوطني” و لقد أسس الفقيه بارتان هذه النظرية على الحجج التالية:
إن إخضاع التكييف لقانون القاضي نتيجة حتمية لمبدأ السيادة: بحيث اعتبر قواعد التنازع قواعد وطنية داخلية محضة، و أن كل دولة تضع القواعد الخاصة بها فيما يتعلق بمسألة تنازع القوانين(4) و أنه إذا تم التكييف وفقا لقانون أجنبي داخل إقليم دولة القاضي المعروض عليه النزاع فإنه يؤدي إلى إنقاص السيادة التشريعية لدولة القاضي.(5)
ـــــــــــ
(1):د غالب علي الداودي-د محمد حسن الهداوي-المرجع السابق-ص71
(2):د أعراب بلقاسم –المرجع السابق-ص79
(3):د غالب علي الداودي-دمحمد حسن الهداوي-المرجع السابق-72
(4):د علي علي سليمان-مذكرات في القانون الدولي الخاص الجزائري-ديوان المطبوعات الجامعية-الجزائر-ط2-س2003-ص33
(5):د أعراب بلقاسم-المرجع السابق-ص81

مرحلة التكييف تسبق مرحلة الإسناد إلى القانون الأجنبي: و قد برر هذه الحجة على أساس أن القاضي لا يطبق القانون الأجنبي إلا إذا تبين له من خلال النزاع المعروض عليه أن هذا الأخير يخضع للقانون الأجنبي.(1)
غير أن الفقه الحديث الذي قبل النظرية و أخذ بها قرر تأسيسها على حجج غير حجج بارتان(2):
التكييف هو تفسير لقاعدة الإسناد: معنى ذلك أن التكييف يقوم بتبيان المسائل التي تدخل في نطاق تطبيق قاعدة الإسناد و مثال ذلك:
-إذا كانت قاعدة الإسناد تقضي بـ”إخضاع شكل التصرف لقانون بلد الإبرام” و تطبيقا لهذه القاعدة يتم الرجوع إلى وصية الهولندي(*1) و يتعين على القاضي في هذه الحالة قبل أن يقوم بتطبيق هذه القاعدة أن يقوم بتبيان معنى شكل التصرف ، من أجل معرفة ما إذا كان هذا المعنى يتطابق مع المنع الوارد في القانون الهولندي من إبرام الوصية في الشكل العرفي.
-إذا كانت قاعدة الإسناد تقضي بـ”إخضاع الميراث لقانون جنسية المتوفى” و تطبيقا لها يتم الرجوع إلى قضية ميراث المالطي(*2) فهنا يتعين على القاضي قبل أن يطبق القاعدة أن يحدد معنى الميراث من أجل معرفة ما إذا كان يتطابق مع ما تطلبه الزوجة من حقوق على عقارات زوجها المتوفى.
انطلاقا مما سبق ذكره فإنه لا يعقل أن يطلب تفسير قاعدة الإسناد الوطنية من قانون أجنبي غير القانون الذي تنتمي إليه هذه القاعدة
-لا تكون هناك أية فائدة من عملية التكييف، في حالة ما إذا تمت هذه الأخيرة وفقا للقانون الأجنبي لأن هذا الأخير لا يكون معروفا قبل عملية التكييف، فضلا عن أن ذلك يفيد أن القانون الأجنبي هو الواجب التطبيق.
§ إذا كان التكييف عملية أولية و القاضي هو الذي يقوم بها، فإن لإسناد القضائي هو الذي يظهر عند القيام بهذه العملية، و هذا ما يبرر أن التكييف يتم وفقا لقانون القاضي.(3)
ــــــــــ
(1):د علي علي سليمان-المرجع السابق-ص34
(2):د هشام صادق علي-حفيظة السيد الحداد-المرجع السابق-ص61
(3):د أعراب بلقاسم-المرجع السابق-ص81
(*1):إحالة إلى قضية وصية الهولندي-ص08 من بحثنا
(*2):إحالة إلى قضية ميراث المالطي-ص09 من بحثنا

ثــانــيـــا: تحديد نطاق النظرية
تحديد نطاق هذه النظرية يقتضي التمييز بين التكييف الأولي(السابق) و التكييف الثانوي(اللاحق).
و لقد عرف الفقيه بارتان التكييف الأولي بأنه:” التكييف اللازم لإعمال قاعدة الإسناد و تحديد القانون الواجب التطبيق” أو” وصف المركز القانوني محل النزاع و إدراجه في إحدى النظم تمهيدا لإعمال قاعدة الإسناد المختصة” (1)
و حسب بارتان التكييف الأولي هو وحده الذي يخضع لقانون القاضي.، فإذا تبين للقاضي عند تكييفه للمسألة المعروضة عليه أنها تدخل في نطاق مضمون العقد و أخضعها لـ”قانون إرادة المتعاقدين” يتعين على القاضي بعد ذلك الرجوع لقانون إرادة المتعاقدين لتحديد وصف العقد مثلا:إيجار، بيع، رهن…
أما إذا تبين للقاضي من خلال التكييف أن القضية المعروضة عليه تتعلق بشكل التصرف، فيخضعها “لقانون بلد الإبرام” ليرجع بالتالي لهذا الأخير لتحديد شكل التصرف محل النزاع، إذا ما كان يتعلق بالشكل الرسمي أو الشكل العرفي. و هنا يمكن القول أن “التكييف الخاضع لقانون القاضي هو التكييف الأولي لأنه الوحيد الذي يتعلق بفكرة السيادة”(2)
و فيما يخص التكييف اللاحق حسب بارتان هو يثار في مرحلة لاحقة على مرحلة الإسناد، و يكون ذلك عند تطبيق القانون الذي أشارت إليه قاعدة الإسناد و من هنا التكييف اللاحق يعد تفسيرا لأحكام القانون الذي أشارت إليه قاعدة الإسناد.(3)
وما تجدر الإشارة إليه هو أنه في بداية الأمر ذهب بارتان للقول أن خضوع التكييفات الثانوية للقانون المختص هو استثناء من القاعدة العامة التي تقضي بإخضاع التكييف لقانون القاضي غير أنه استدرك ذلك و قال أن هذا التمييز ما هو إلا نتيجة منطقية للأساس الذي بنيت عليه القاعدة العامة و هو ‘فكرة السيادة’ أين ربط بارتان التكييف الأولي بها في حين لا يرتبط التكييف الثانوي بها.
و أهمية هذا التمييز بين التكييفين لا تظهر أساسا إلا إذا كان القانون الذي عينته قاعدة الإسناد استنادا للتكييف الأولي قانونا أجنبيان و مثال ذلك التوصل من
التكييف الأولي أن النزاع متعلق بمسألة ميراث و أعطت قاعدة الإسناد الاختصاص للقانون الأجنبي فإذا ثارت فيما بعد مسائل تتعلق بموانع الإرث أو حالات الحجب من الإرث فهنا يرجع القاضي إلى القانون الأجنبي المعين و هذا هو التكييف الثانوي اللاحق.(4)
ـــــــــــــــ
(1):د هشام صادق علي-د حفيظة السيد الحداد-المرجع السابق-ص64
(2): د هشام صادق علي-د حفيظة السيد الحداد-نفس المرجع-ص65
(3): نفس المرجع-ص66
(4):د يوسف البستاني-القانون الدولي الخاص-منشورات الحلبي الحقوقية-بيروت-لبنان-ط1-س2004-ص138

غير أن بارتان قد وضع استثناء على قاعدة إخضاع التكييف لقانون القاضي، و تمثل هذا الاستثناء في المسائل المتعلقة بتكييف المال، إذا ما كان منقولا أم عقار، و أخضعه لقانون موقع المال أو تواجده و مبرره في هذا أنه ربطه بفكرة الطمأنينة في اكتساب الحقوق العينية و كذا استقرار المعاملات، و حرص الدول على حماية ثروتها خاصة العقارية(1)
لم يكتفي الفقه الحديث بهذا الاستثناء و أضاف استثناءين آخرين:
الأول هو: إذا استحال تكييف العلاقة محل النزاع وفقا لقانون القاضي نظرا لجهله بها و عدم اعتمادها.
و الثاني: وجود نص في قانون خاص أو معاهدة نافذة في دولة القاضي يقضي بإخضاع التكييف لقانون غير قانون دولة القاضي.
بالإضافة لهذه الاستثناءات فإن النظرية لم تسلم من النقد على أساس أن هدفها هو حل التنازع بين السيادات التشريعية، بينما الهدف من قواعد الإسناد هو تقرير العدالة بإعطاء الاختصاص للقانون الأنسب لحكم النزاع.(2)

الفرع الثاني:التكييف يخضع للقانون المختص بحكم النزاع
نظرا لكون نظرية بارتن لم تسلم من الانتقاد ، تبنى بعض الفقه نظرية أخرى مبنية على أساس إخضاع التكييف إلى القانون المختص بحكم النزاع، و من رواد هذه النظرية الفقيه “ديسبانيه”

أولا: مفهوم المبدأ و حججه
إن المقصود من إخضاع التكيف لا لقانون المختص بحكم العلاقة نفسها هو “أن التكيف يكون حسب القانون الأجنبي المحتمل تطبيقه ” (3) أو”إخضاع الوصف القانوني للعلاقة محل النزاع للقانون الذي يحتمل أو يرجح تطبيقه للفصل فيها ، أي إخضاع الوصف القانوني للقانون الذي يرجح أن ترشد إليه
قاعدة الإسناد” و تطبيقا لهذا يتم الرجوع إلى وصية الهولندي(*1) و زواج اليوناني(*2)
فبالنسبة لوصية الهولندي فإن احتمال تطبيق القانون الهولندي باعتباره قانون جنسية الموصي يلزم القضاء الفرنسي بالحكم ببطلان الوصية، لأن القانون الهولندي في م992 مدني يمنع اللجوء إلى الوصية الخطية، حتى و لو كان ذلك في بلاد أجنبية. (4)
ـــــــــــــ
(1):د هشام صادق علي –د حفيظة السيد الحداد-المرجع السابق-ص66
(2):د غالب علي الداودي-د محمد حسن الهداوي-المرجع السابق-ص73
(3):د صلاح الدين جمال الدين-المرجع السابق(الجنسية و تنازع القوانين)-ص285
(4):د عليوش قربوع كمال-المرجع السابق-ص96 و ما بعدها
(*1):إحالة إلى وصية الهولندي-ص08 من البحث
(*2):إحالة إلى زواج اليوناني-ص10 من البحث

و بالنسبة لزواج اليوناني من طائفة الروم الأرثدكس الذي أبرم عقد زواجه في فرنسا حسب الشكل المدني، فيحتمل تطبيق القانون اليوناني باعتباره قانون جنسية الزوج يلزم القضاء الفرنسي الحكم ببطلان الزواج ، و ذلك لأن القانون اليوناني يفرض تدخل رجل الدين لصحة الزواج و يعتبره شرطا موضوعيا و بالتالي يخضع لقانون الجنسية و لا يعتبر شرطا شكليا يخضع لقانون محل الإبرام.(1)
و لقد استند ديسبانيه على 3 أسانيد رئيسية يمكن عرضها على النحو التالي:
Ø اختيار أحد القوانين لحكم النزاع يكون اختيار كلي و اعترافا كاملا للقانون المختار باختصاصه بحكم العلاقة محل النزاع، خاصة فيما يتعلق بوصفها القانوني، و القول بغير ذلك يؤدي إلى التقليل من فرص تطبيق القانون الأجنبي و هذا ما يتعارض مع وظيفة قاعدة الإسناد التي تهدف إلى تحقيق التعايش بين مختلف النظم القانونية.
Ø أن ترك مسألة التكييف تخضع للقانون الواجب التطبيق فيه ضمان أكبر لصحة تطبيق هذا الأخير لأن عدم الرجوع إليه قد يؤدي إلى مخالفته ، إما بتطبيقه على غير الحالات التي أراد المشرع تطبيقه عليها، أو عدم تطبيقه على حالات يفترض تطبيقه فيها. و إذا رجعنا في هذه الحالة إلى القضية المتعلقة بزواج اليوناني وفقا للشكل المدني في فرنسا نجد أنه كان هناك خلاف بين القانونين اليوناني و الفرنسي حول وصف الشرط محل النزاع، و هذا ما يترتب عليه اختلف في قاعدة الإسناد المطبقة و بالتالي اختلاف الحكم الفاصل في النزاع.
Ø إن إخضاع التكييف للقانون المختص بحكم النزاع يؤدي إلى تحقيق العدالة على عكس ما يحققه التكييف وفقا لقانون القاضي و ذلك في حالة ما إذا كان
القانون الأجنبي المختص يعرف و ينظم المسألة المعروضة في حين أن قانون القاضي يجهلها.(2)

ثانيا: الانتقادات الموجهة لـ ديسبانيه
رغم منطقية هذه النظرية التي تقضي بأن التكييف القانوني للمسالة المعروضة جزء لا يتجزء من القاعدة الموضوعية التي يتضمنها القانون الأجنبي المختص بحكم النزاع و أنه إذا لم يتم التكييف وفقا لهذا القانون فإن ذلك قد يشكل خرقا أو مخالفة لأحكامه، إلا أن هذا المنطق لم يسلم من الانتقادات التي يمكن إجمالها فيما يلي:
§ إن تطبيق هذه الفكرة في إطار العلاقات الخاصة الدولية تؤدي إلى نتائج غير مقبولة خاصة عندما يجهل القانون الواجب التطبيق المسألة محل النزاع(3)
§ إن معرفة القانون المختص بحكم النزاع لا تتأتى إلا بعد التكييف باعتباره مسألة أولية، فكيف يحكم القانون المختص التكييف ما دام هذا القانون لم يتم تعيينه بعد؟
§ إن القول بتطبيق القانون المختص بحكم النزاع على التكييف يعد تنبؤا سابقا لأوانه يصطدم بالاستحالة العملية و بالحدود التي يضعها المشرع الوطني للسماح بتطبيق قانون أجنبي في إقليم دولته.
ــــــــــــــ
(1):د عليوش قربوع كمال-المرجع السابق-ص101
(2):د صلاح الدين جمال الدين-المرجع السابق(الجنسية و تنازع القوانين)-ص288
(3):د صلاح الدين جمال الدين-المرجع السابق(دراسة مقارنة بين الشريعة و القانون)-ص50-51

§ افتراض النتيجة(تطبيق القانون المختص) قبل معرفة السبب(التكييف) من شأنه إيجاد حلقة مفرغة يتعذر الخروج منها ما دام التكييف يعتبر مرحلة أولية ضرورية لمعرفة القانون الواجب التطبيق.(1)

الفرع الثالث:التكييف يخضع للقانون المقارن
أمام الانتقادات الموجهة لكل من الفقيهين بارتان و ديسبانيه، ظهرت نظرية ثالثة من أهم روادها الفقيه الألماني “أرنست رابل” الذي دعا إلى عدم التقيد بالمفاهيم الواردة في كل من قانون القاضي و القانون الأجنبي المحتمل التطبيق و نادى بضرورة الرجوع إلى مفاهيم عالمية موحدة للأفكار المسندة و التي يتم استخلاصها بإتباع منهج البحث المقارن للقوانين. (2)

أولا:أساس مبدأ خضوع التكييف للقانون المقارن
هذه النظرية تدعو إلى إخضاع اختلاف الأوصاف في التكيف للأفكار العالمية في القانون المقارن، أي للأفكار المجردة السائدة في قوانين دول العالم المتمدن على أساس أن تنازع القوانين يتصف بالدولية مما يجب معه إضفاء صفة عالمية عليه باستخلاص مفهومه المطلق عن طريق الدراسة المقارنة لقوانين و فقه و قضاء الدول المتمدنة بما يتفق و حاجة المعاملات الدولية و الوصول إلى الحكم العادل دون التقيد بقانون دولة معينة بالذات.(3)
و بمعنى آخر يتوجب على القاضي أن لا يتقيد عند قيامه بالتكييف بالمبادئ الوطنية السائدة سواء في قانونه أو في قانون أية دولة أخرى، بل عليه أن يستخدم مفاهيم ذاتية خاصة بالقانون الدولي الخاص و التي يتم استخلاصها من القانون المقارن.
و تطبيقا لقاعدة إخضاع التكييف للقانون المقارن نأخذ كمثال: لو أن القاضي الألماني يجد قاعدة الإسناد” إخضاع الوصية لقانون الشخص الذي تجب حمايته” فالقاضي لا يرجع إلى القواعد الموضوعية سواء تلك الموجودة في القانون الألماني أو في أي قانون آخر من أجل تحديد فكرة الوصية، و إنما عليه أن يقوم باستخلاص مفهوم الوصية من دراسة مقارنة لقوانين دول مختلفة.(4)
ـــــــــــــ
(1):د غالب علي الداودي-د محمد حسن الهداوي-المرجع السابق-ص73-74
(2):د صلاح الدين جمال الدين-المرجع السابق(الجنسية و تنازع القوانين)-ص290
(3):د غالب علي الداودي-د محمد حسن الهداوي-المرجع السابق-ص71
(4):د حفيظة السيد الحداد-المرجع السابق-ص128

ثـانــيــا:النقد الموجه لهذه النظرية
لقد برزت عدة نقاط ضعف في هذه النظرية سواء من ناحية الصعوبة التي يتلقاها القاضي المعروض عليه النزاع أو من ناحية النتائج التي يتم التوصل إليها(1) نبين ذلك فيما يلي:
ü نظرا للصعوبة الكبيرة في تطبيق هذه النظرية خاصة من الناحية العملية ، إذ أنه من العسير على القاضي المطلوب منه تكييف مسألة معينة أن يرجع إلى قوانين دول مختلفة من أجل أن يستمد منها الوصف القانوني الملائم.
ü إنه من الصعب على القاضي أن يتخلى عن تكوينه الثقافي و النفسي المتأثر بالقانون الوطني و خاصة الظروف الاجتماعية المحيطة به.
ü اختلاف النظم القانونية حول الوصف القانوني قد يؤدي بالقاضي إلى نتائج متضاربة، و في كثير من الأحيان لن يجد ما يساعده في مجال الدراسات الفقهية للقانون المقارن، خاصة و أن هذه الأخيرة لازالت في مرحلة العموميات و هذا ما لا يسمح للقاضي بأن يتقصى منها حلا واضحا للمسألة المعروضة عليه.(2)و هذا لأن قواعد القانون المقارن لم تتبلور بعد و لم يتم توحيد الأوصاف القانونية فيها، و يحتاج ذلك إلى دراسات و بحوث و مستويات عالية.(3)
ــــــــــــــ
(1):د عكاشة محمد عبد العال-المرجع السابق-ص135
(2):د صلاح الدين جمال الدين-المرجع السابق(الجنسية و تنازع القوانين)-ص290
(3):د غالب علي الداودي-د محمد حسن الهداوي-المرجع السابق-ص71

المطلب الثـانـي:موقف التشريعات من مسألة التكييف

إن نظرية التكييف لقانون القاضي أو قانون المحكمة كانت مقبولة في معظم دول العالم(1) و من خلال هذا المطلب سنتطرق لموقف القوانين المقارنة(فرع1) ثم موقف المشرع الجزائري(فرع2).

الفرع الأول:موقف القوانين المقارنة من مسألة التكييف
لقد أخذت معظم التشريعات العربية و الأجنبية بنظرية بارتان في التكييف، أي التكييف وفقا لقانون القاضي بحيث وردت نصوص صريحة بهذا الشأن(2)
إذ أنه نصت المواد التالية:م 11مدني أردني،م17 مدني عراقي،م15 مدني إيطالي،م15 مدني برتغالي… و غيرها من المواد على أن القانون الوطني هو المرجع في تكييف العلاقات عندما يطلب تحديد نوع هذه العلاقات في قضية تتنازع القوانين لمعرفة القانون الواجب التطبيق من بينها.(3) و من أجل التعرف أكثر على ذلك سنتطرق بشيء من التفصيل إلى بعض القوانين المقارنة.

أولا:التكييف في القانون المصري
من خلال م 10 من القانون المدني المصري نجد أن المشرع المصري قد أخذ بمذهب بارتان حيث تنص المادة:”القانون المصري هو المرجع في تكييف العلاقات عندما يطلب تحديد نوع هذه العلاقات في قضية تتنازع فيها القوانين لمعرفة القانون الواجب تطبيقه من بينها”
باستقراء هذه المادة يتبين أن المشرع المصري قد ميز بين التكييف الأولي و التكييف الثانوي، إذ أن النص كان صريحا في ذلك من قوله”عندما يطلب تحديد نوع العلاقة لمعرفة القانون الواجب التطبيق” و هذا ما يمكن أن نؤوله إلى أن المرجع في التكييف الأولي هو القانون المصري(قانون القاضي)، إضافة إلى ذلك فإن المادة قد أشارت إلى أن مهمة القانون المصري تنتهي في التكييف أي بتحديد القانون الواجب التطبيق، ليرجع القاضي بعد ذلك إلى القانون المختص و يطبقه في مسائل التكييفات الثانوية بمناسبة تطبيقه للقانون المختص.(*)
و فيما يخص الاستثناء الذي يتعلق بتكييف المال فقد نصت م 10/2 من مشروع القانون المدني المصري على:”القانون الذي يعين ما إذا كان الشيء عقارا أو منقولا هو قانون الجهة التي يوجد فيها هذا الشيء” غير أن هذه الفقرة حذفت من المشروع و التعليل الذي جاء بهذا الشأن هو أن مسألة تكييف المال مسألة تفصيلية يستحسن أن تترك للإجتهاد.(4)
ـــــــــــــ
(1):د ممدوح عبد الكريم-المرجع السابق-ص46
(2):د عبده جميل غصوب-المرجع السابق-ص57
(3):د ممدوح عبد الكرم-نفس المرجع و الصفحة
(4):د محمد كمال فهمي-أصول القانون الدولي الخاص- مؤسسة الثقافة الجامعية-الاسكندرية-مصر-ط1-س2006-ص406-407
(*):إحالة لأهمية التمييز بين التكييف الأولي و التكييف الثانوي-ص13 من بحثنا

ثــانـيا: التكييف في القانون اللبناني
على عكس القانون المصري لا يوجد نص صريح في القانون اللبناني يخضع التكييف لقانون القاضي(1) و من أجل معرفة الحل المعمول به في لبنان لابد أن نتطرق إلى موقف الفقه ثم موقف القضاء.(2)
Ø موقف الفقه: عدم وجود نص صريح في القانون اللبناني حول القانون الذي يخضع له التكييف ، أفسح المجال للآراء الفقهية على أن غالبية الفقه أخذت بنظرية بارتان التي تخضع التكييف لقانون القاضي(3)
موقف القضاء: إن القرارات القضائية اللبنانية تشير في مجملها إلى أن القضاء اللبناني قد أخضع التكييف لقانون القاضي، و خير دليل على ذلك القضية المتعلقة بزواج لبناني من أمريكية في ولاية نيويورك، و على إثر خلاف بينهما اتفقا خطيا على الانفصال أو الهجر، بعد عامين عاد الزوج إلى لبنان و رفع دعوى الطلاق أمام محكمة بيروت ، و طبقا لقانون الأحوال الشخصية لولاية نيويورك أصدرت المحكمة حكما غيابيا في حق الزوجة بالطلاق كون أن القانون السالف الذكر يجيز الطلاق متى انقضت سنتين على الاتفاق الخطي على الهجر.(4)غير أن الزوجة اعترضت على هذا الحكم على أساس أن
المحكمة لم تحترم ما ورد في قانون نيويورك من أنه يجب إجراء المصالحة بين الزوجين قبل السير في دعوى الطلاق، إضافة على إلزام المدعي بأن يضع إنذارا في مكتب المصالحة قبل 10 أيام من إقامة الدعوى.
ردا على اعتراض الزوجة قضت المحكمة بأن تلك المصالحة تعهد لجهاز خاص هو مكتب المصالحة و هو غير موجود في لبنان، و لذا لم يكن من الممكن إجراء هذه المصالحة، استأنفت الزوجة الحكم فقررت محكمة الاستئناف بعد قبولها الدعوى شكلا من حيث الموضوع فسخ الحكم المستأنف و إجراء المصالحة بواسطة رئيس محكمة الاستئناف بدلا من مكتب المصالحة.(5)
من خلال الإجراءات السالفة الذكر و الأحكام الصادرة عن المحكمة الابتدائية و محكمة الاستئناف يظهر أنه كان هناك بحث ضمني عن مسألة التكييف من خلال البحث عن مدى قدرة القاضي اللبناني على إجراء المصالحة عن طريق أجهزة خاصة غير المكتب الموجود في نيويورك بسبب عدم وجود هذا المكتب في لبنان و هو بصدد تطبيق قانون نيويورك على دعوى الطلاق؟ في إطار الإجابة على هذا السؤال سارت المحكمتين على نفس الرأي و هو
أن ” محاولة المصالحة تطرح مسألة تصنيف أولي يخضع لقانون القاضي و هذا ما يبين جليا أن القضاء اللبناني أخذ بنظرية بارتان”(6)
ـــــــــــــ
(1): د عبده جميل غصوب-المرجع السابق-ص57
(2):د عكاشة محمد عبد العال-المرجع السابق-ص139
(3): د عبده جميل غصوب-نفس المرجع و الصفحة
(4): د عكاشة محمد عبد العال-المرجع السابق-ص145
(5): د عكاشة محمد عبد العال-المرجع السابق-ص146
(6): د عكاشة محمد عبد العال-المرجع السابق-ص147

الفرع الثــانــي: موقف المشرع الجزائري
إن القضاء الفرنسي كان سباقا لإخضاع التكييف لقانون القاضي، ثم قام الفقيه الفرنسي بارتان بوضع نظرية التكييف
أما المشرع الجزائري فقد أخذ بالقضاء الفرنسي مكرسا القرار المبدئي الصادر في قضية زواج اليوناني(*)(1)
تناول المشرع الجزائري التكييف في المادة 9 من القانون المدني الجزائري:
أول ملاحظة تجدر الإشارة إليها أن هناك اختلاف بين النصين العربي و الفرنسي للمادة المذكورة، حيث وردت في النص الفرنسي عبارة(pour qualifier la catégorie) أي تكييف الفئة و هذا غير صحيح لأن التكييف يتعلق بالعلاقات المطلوب تحديد نوعها كما جاء في النص العربي.
كما أن النص الفرنسي اشتمل على عبارة(objet du litige) بينما هذه الأخيرة غير موجودة في النص العربي، أي أنه ليس هناك تطابق تام بين النصين.(2)
جاء في م9:”يكون القانون الجزائري هو المرجع في تكييف العلاقات المطلوب تحديد نوعها عند تنازع القوانين لمعرفة القانون الواجب تطبيقه”
يتضح من نص المادة أن المشرع الجزائري أخضع التكييف لقانون القاضي، و يكون بذلك قد تبنى رأي القضاء الفرنسي و الفقيه بارتان في التكييف.
يلاحظ أن هذه المادة قد قصرت التكييف وفقا لقانون القاضي على التكييف الأولي الذي غرضه”معرفة القانون الواجب تطبيقه” و استبعدت التكييفات اللاحقة لأن لا علاقة لها بالاختصاص التشريعي و تدخل في إطار تطبيق القانون الأجنبي المختص، و بذلك يكون المشرع الجزائري قد أخذ بالتمييز الذي قال به بارتان بين التكييف ألولي و التكييف الثانوي، فالأول دون الثاني هو الذي يخضع لقانون القاضي.(3)
و نلاحظ أن م 9 أخذت بالقاعدة العامة لنظرية بارتان أي قانون القاضي، لكن هذا يدفعنا للتساؤل ، هل أخذ المشرع فقط بالقاعدة العامة دون الاستثناء؟ للإجابة على هذا التساؤل لابد من الرجوع للمواد 17-21 من القانون المدني الجزائري.
المادة 17: “يخضع تكييف المال سواء كان عقارا أو منقولا لقانون الدولة التي يوجد فيها. يسري على الحيازة و الملكية و الحقوق العينية الأخرى قانون موقع العقار، و يسري على المنقول المادي قانون الجهة التي يوجد فيها وقت تحقق السبب الذي ترتب عليه كسب الحيازة أو الملكية أو الحقوق العينية الأخرى أو فقدها”
ـــــــــــــ
(1):د عليوش قربوع كمال-المرجع السابق-ص95
(2):- عليوش قربوع كمال-المرجع السابق-ص100
(3):د أعراب بلقاسم-المرجع السابق-ص94
(*): إحالة إلى زواج اليوناني-ص10 من بحثناد

إذن فهذه المادة نصت صراحة على أن الأموال تخضع في تكييفها إلى منقول أو عقار لقانون المكان الذي يوجد فيه المال و لا يخضع لقانون القاضي المعروض أمامه النزاع، أما فيما يخص المنقولات فإنها تخضع لقانون البلد الذي توجد به وقت تحقيق السبب ،و يقول الأستاذ إسعاد موحند في هذا الصدد” إذا لم يكن المال موجودا فعليا ضمن الإقليم الجزائري، نظرا لوجوده ضمن إقليم أجنبي تحت ولاية قانون يكيفه بصفته عقارا، أي أن التكييف بصفته منقول أو عقار يعتبر حينئذ تكييفا ثانويا و لا يعود إلى قانون القاضي و إنما إلى القانون المختص بحكم العلاقة(1)
و يجد هذا الاستثناء مبرراته في أن كل دولة تهدف إلى حماية ثروتها، و خصوصا العقارية، فالمسألة إذن تتعلق بالنظام العام، ثم إن تطبيق قانون موقع المال يكون أصلح و أدق للتمييز بين ما هو منقول و ما هو عقار(2)
المادة 21:” لا تسري أحكام المواد السابقة إلا حيث لا يوجد نص على خلاف ذلك، في قانون خاص أو معاهدة دولية نافذة في الجزائر”
و بالتالي فالمادة 9 توجد ضمن المواد التي أشارت إليها المادة 21
يستخلص من المادة أنه إذا نصت معاهدة دولية على القانون الذي يحكم التكييف في أحكامها، فعلى القاضي أن يجري التكييف وفقا لهذه الأحكام، أما إذا لم تنص المعاهدة على ذلك فهناك رأيان:
الرأي الأول يقول بالتكييف وفقا لقانون القاضي لأن المعاهدة تدمج في النظام القانوني الداخلي للقاضي و بالتالي يكون التكييف وفقا لقانونه.(3)
الرأي الثاني يقول بالتكييف وفقا للإرادة المشتركة للأطراف المتعاقدة ، إن الاختلاف في التكييف يؤدي إلى تعطيل المعاهدة و التحلل منها.(4)
و تجدر الملاحظة أن هناك من لا يعتبر المعاهدة استثناء أمثال الدكتور علي علي سليمان.(5)
إضافة للمادتين السابقتين الفقهاء و الكتاب يدرجون استثناء ثالث هو الجريمة أو تكييف التصرف هل هو جناية أو جنحة، فيخضع هذا التكييف لقانون مكان وقوع الفعل.(6)
ــــــــــــ
(1):د عليوش قربوع كمال-المرجع السابق-ص107
(2):د علي علي سليمان-المرجع السابق-ص44
(3):د عليوش قربوع كمال-نفس المرجع و الصفحة
(4):د عليوش قربوع كمال-المرجع السابق-ص108
(5): د علي علي سليمان-نفس المرجع و الصفحة
(6):د عليوش قربوع كمال- نفس المرجع و الصفحة

و كذلك الأمر بالنسبة لتحديد ما إذا كان الفعل يشكل جريمة أم لا، و مبرر هذا الاستثناء أنه مما تقتضيه العدالة إلى جانب أنه يتعلق أيضا بالنظام العام.(1)
لكن في هذا الاستثناء الأخير نلاحظ جليا أنه يدخل في نطاق القانون العام و بالأخص الجنائي الذي يخضع لمبدأ الإقليمية.
و في الأخير الملاحظ أن هذه الاستثناءات تكون في الحالات التي لا تتطلب فيها المسألة تحديد القانون الواجب التطبيق ما دام القانون الواجب التطبيق معروف مسبقا.(2)
ــــــــــــ
(1):د علي علي سليمان-المرجع السابق-ص44
(2):د عليوش قربوع كمال-المرجع السابق-ص108

خــــــــاتـــــمـة:

خلاصة قولنا في التكييف أنه ضرورة أولية لا يمكن الوصول إلى تطبيق قاعدة الإسناد للتعرف على القانون المختص بحل النزاع دون المرور بها(التكييف) لتحديد الوصف القانوني للواقعة محل النزاع للتمكن فيما بعد من إدراجها ضمن طائفة محددة من التصرفات التي تحكمها قاعدة إسناد خاصة،تشير غلى القاضي الواجب التطبيق أو الذي يعود له الاختصاص لحكم النزاع،و قد عرفنا أن قانون القاضي هو الذي يحكم التكييف كقاعدة عامة، مع
وجود بعض الاستثناءات عليها كما رأينا. إذن فبمجرد انتهاء القاضي من التكييف يكون قد تجاوز مشكلة أو عائقا كان يقف في طريق وصوله إلى حل للنزاع المعروض عليه. لكن هل التكييف هو آخر مشكلة قد تعيق القاضي؟ أما من مشاكل أخرى قد تقف في طريقه؟
الواقع أن إيجاد حل لمشكلة التكييف ما هو إلا إزالة حجر من طريق القاضي المؤدي إلى حل النزاع و هناك عوائق أخرى لابد من إزالتها.
إذا انتهى القاضي من عملية التكييف و عين بإشارة من قاعدة الإسناد في قانونه الوطني القانون الواجب التطبيق على العلاقة القانونية ذات العنصر الأجنبي المعروضة عليه ، لا ينتهي الأمر بل تثور مشكلة أخرى، و هي أن القانون الأجنبي الذي يتقرر تطبيقه بإشارة من قاعدة الإسناد الوطنية، في قانون القاضي تحتوي على أحكام داخلية موضوعية تحسم النزاع مباشرة لو طبقت، و أحكام أخرى متعلقة بالقانون الدولي الخاص(قواعد الإسناد) قد تحيل حل النزاع إلى قانون آخر لو طبقت، فأية واحدة منهما ستطبق؟ هل الأحكام الموضوعية الداخلية و يحسم النزاع؟ أم الأحكام المتعلقة بالقانون الدولي الخاص، و عندئذ لا تقبل هذه الأحكام الاختصاص لقانون دولتها، بل تحيله إلى قانون آخر قد يكون هو قانون القاضي نفسه أو قانون دولة أخرى(1)
فهنا يقع نزاع بين قواعد الإسناد لدولتين مختلفتين قد يأخذ إحدى الصورتين:إما تنازعا إيجابيا حيث يقضي كل قانون باختصاصه و في هذه الحالة لا يثور إشكال بل يطبق كل قاضي قواعد الإسناد الموجودة في قانون دولته لأن مهمة القاضي هي تطبيق قانون دولته،أما الصورة الثانية فهي التنازع
السلبي أين يرى كل قانون عدم اختصاصه و يسند الاختصاص للقانون الأجنبي.(2) و هنا يثور المشكل الذي يدفعنا إلى بحث (الإحالة في القانون الدولي الخاص( التي أصبحت من أهم موضوعات هذا القانون منذ عام 1875 و أثارت مناقشات طويلة بين فقهاء القانون الذين انقسموا إلى خصوم و أنصار.(3) فما المقصود بالإحالة ؟و كيف نشأت؟و ما هو نطاقها؟ و ما هي أنواعها؟ و ما هي آراء الفقه و القضاء و التشريع فيها؟
هذه الأسئلة و غيرها ستكون موضوع البحث المقبل إنشاء الله
ـــــــــــ
(1):د غالب علي الداودي-د محمد حسن الهداوي-المرجع السابق-ص76
(2):دأعراب بلقاسم-المرجع السابق-ص96
(3): د غالب علي الداودي-د محمد حسن الهداوي-نفس المرجع و الصفحة

قــــائـــــمة المراجع

المراجع بالغة الفرنسية:
v Marie Christine: –Droit international privé-garaud-édition 2-2008
المراجع باللغة العربية:
-د أعراب بلقاسم-القانون الدولي الخاص الجزائري-ج1-تنازع القوانين-دار هومه-الجزائر-ط2003
-د أحمد عبد الكيم سلامة-القانون الدولي الخاص-دار النهضة العربية-القاهرة –مصر-ط1-س2008
-د دنوني هجيرة بن الشيخ الحسين- النظرية العامة للقانون و النظرية العامة للحق-الجزائر
– د هشام صادق علي-د حفيظة السيد الحداد-القانون الدولي الخاص-دار الفكر الجامعي-الاسكندرية-مصر-س1990
-د زروتي الطيب-القانون الدولي الخاص الجزائري مقارنا بالقوانين العربية-ج1 تنازع القوانين-مطبعة الكاهنة-الجزائر-ط1-س2000
-د زروتي الطيب-القانون الدولي الخاص الجزائري-ج1 تنازع القوانين(في ضوء قانون 05-10)دراسة مقارنة بالقوانين العربية و القانون الفرنسي-مطبعة الفسيلة-الدويرة-الجزائر-ط2-س2008
– د حفيظة السيد الحداد-الموجز في القانون الدولي الخاص-الكتاب الأول-المبادئ العامة في تنازع القوانين-منشورات الحلبي الحقوقية-بيروت-لبنان-ط1-س2004
-د ممدوح عبد الكريم-القانون الدولي الخاص(تنازع القوانين-الاختصاص القضائي الدولي-تنفيذ الأحكام الأجنبية)-دار الثقافة للنشر و التوزيع-عمان –الأردن-ط2005
-د محمد كمال فهمي-أصول القانون الدولي الخاص-مؤسسة الثقافة الجامعية-الاسكندرية-مصر-ط1-س2006
-د سعيد يوسف البستاني-القانون الدولي الخاص-منشورات الحلبي الحقوقية-بيروت-لبنان-ط1-س2004
-د علي علي سليمان-مذكرات في القانون الدولي الخاص الجزائري-ديوان المطبوعات الجامعية-الجزائر-ط2-س2003
-د عكاشة محمد عبد العال-تنازع القوانين دراسة مقارنة-منشورات الحلبي الحقوقية-بيروت-لبنان-ط1-س2004
-د عليوش قربوع كمال-القانون الدولي الخاص الجزائري-ج1تنازع القوانين-دار هومه-الجزائر-ط2-س2007
-د عبده جميل غصوب-محاضرات في القانون الدولي الخاص-منشورات زين الحقوقية-بيروت-لبنان-ط2-س2009
-د صلاح الدين جمال الدين-تنازع القوانين دراسة مقارنة بين الشريعة و القانون-دار الفكر الجامعي-الاسكندرية-مصر-ط2-س2007
-د صلاح الدين جمال الدين-القانون الدولي الخاص(الجنسية و تنازع القوانين)دراسة مقارنة-دار الفكر الجامعي-الاسكندرية-مصر-ط1-س2008
-د غالب علي الداودي-د محمد حسن الهداوي-القانون الدولي الخاص-ج1 تنازع القوانين-عمان-الأردن

المستخلص
لا ريب في أهمية التكييف والذي يعني تحديد الوصف القانوني الصحيح
للموضوع المعروض أمام القاضي ، وذلك في مختلف فروع القانون الداخلي سواء
كان جنائياً هذا الفرع أم إدارياً أم مدنياً . . . إلا أن التكييف في فرع
القانون الدولي الخاص ( قانون العلاقات الخاصة الدولية ) له أهمية خاصة إذ
من خلاله يتم التعرف على قاعدة الإسناد التي تحدد بدورها القانون الواجب
التطبيق لحكم النزاع ومن ثم فالتكييف هنا يعد عملية أولية وسابقة لابد من
إجرائها قبل تطبيق قاعدة الإسناد .
ولكن ما هو موضوع التكييف
أو على ما يرد التكييف ؟ هل هي الوقائع المجردة أم العلاقات القانونية أم
الوقائع القانونية ، هذا ما بحثناه في المبحث الأول واخترنا الرأي الراجح
من بين ما تقدم .
ثم من بعد ذلك وفقاً لأي مفاهيم قانونية يقوم
القاضي بمهمة التكييف ، هل يكيف موضوع النزاع وفقاً لقانونه الوطني أم
وفقاً للقانون المقارن أم القانون المختص نفسه ؟ هذا ما بحثناه في المبحث
الثاني وانتهينا فيه إلى ترجيح التكييف وفقاً لقانون القاضي كما هو معروض
في ثنايا البحث .
وأخيراً تضمنت خاتمة البحث أهم الإستنتاجات والمقترحات التي توصلنا إليها في دراستنا هذه .

Resume
The subject of classification ( determination of a correct legal
de–SS–ion ) has an importance in vary internal law departments ;
Criminal , Administrative , Civil . . . but it has a special importance
in Private International Law because without it , A judge can’t practice
a conflict rule and choice the applicable law .
So, what is
classification’s subject? Mere facts, or legal relationships, or legal
facts, in narrow or wide concept? This matter was studied in the first
chapter.
And according to any law must classification done?
According to an applicable law, or comparative law, or judge law? A many
proofs help to choice judge law and these matters are researched in the
second chapter.