الحاجة إلى تعديل نظام التحكيم السعودي
د. محمد عرفة
تتضمن القوانين الوطنية في مختلف دول العالم المعاصر أحكاماً قانونية خاصة تنظم الحماية القانونية المؤقتة للحقوق لحين الفصل الموضوعي والنهائي فيها من قبل القضاء الموضوعي. التي تسمى “الإجراءات الوقتية والتحفظية والمستعجلة”. ونظراً لأهمية التحكيم التجاري الدولي في حل منازعات التجارة الدولية، لاسيما “عقود التجارة الدولية”، يلجأ أطراف هذه العقود إليه لتسوية منازعاتهم، بناء على ما يُسمى “اتفاق التحكيم”، وبموجبه يختص المُحكم الدولي بالفصل في المنازعة، ومن ثم تخرج هذه الأخيرة من نطاق ولاية المحاكم الوطنية المختصة أصلاً.

لذا أثير التساؤل حول مدى اختصاص هذه المحاكم باتخاذ الإجراءات الوقتية والتحفظية بمناسبة النزاع المطروح على التحكيم التجاري الدولي, مثل توقيع الحجز التحفظي على البضاعة المعرضة للتلف. وتتضمن القوانين الوطنية في مختلف الدول وبعض المعاهدات الدولية ذات الصلة بالتحكيم التجاري الدولي ولوائح التحكيم المؤسسي أو المُنظم, نصوصاً تحدد الجهة المختصة باتخاذ الإجراءات الوقتية والتحفظية, حيث إن بعضها يجعل الاختصاص بها للقضاء الوطني على الرغم من وجود اتفاق للتحكيم بين الأطراف، أي أن هذا الاتفاق لا يُفيد تنازل هؤلاء عن الالتجاء لهذا القضاء بشأن التدابير الوقتية والتحفظية؛ على حين ينص بعض القوانين على أن للمُحكم الدولي سلطة اتخاذ الإجراء الوقتي بناءً على طلب أحد الأطراف.

ولكن بعض القوانين الوطنية قد سكت عن تنظيم هذه المسألة، مما ترتب عليه اختلاف آراء المختصين والمهتمين بمسائل التجارة الدولية: فرأى بعضهم أن القضاء الوطني هو صاحب الاختصاص الأصيل في اتخاذ الإجراءات الوقتية والتحفظية، نظراً لأن هذه الإجراءات بطبيعتها تتصل بفكرة التنفيذ الجبري وطرق التنفيذ ووسائله التي تدخل في الاختصاص القاصر لهذا القضاء والذي يكون أقدر من غيره على اتخاذها؛ أما التحكيم الدولي فمهمته قاصرة على الفصل الموضوعي في منازعة التحكيم المعروضة عليه، وبيان القانون الواجب التطبيق عليها، ومن ثم فهو غير مُكلف بتنفيذ الأحكام التي يُصدرها.

وإذا كان اتفاق التحكيم يُرتب أثراً سلبياً يتمثل في سلب الاختصاص من القضاء الوطني المُختص أصلاً، فإن نطاق هذا الأثر ينحصر في موضوع النزاع ذاته ولا يتضمن المسائل الإجرائية التبعية التي تثار بمناسبته مثل الإجراءات الوقتية والتحفظية. ويرى فريق آخر منح المُحكم الدولي سلطة اتخاذ الإجراءات الوقتية والتحفظية، بحجة أن هذا الحل يتفق مع إرادة أطراف النزاع التي تهدف إلى تمكين المُحكم من الفصل في المنازعة برُمتها، أي أن هذه الإرادة قد اتجهت إلى عدم إخضاع المنازعة للقضاء الوطني، لذا يجب احترامها. وإذا كان المُحكم لا يتمتع بسلطة إجبار الأطراف على تنفيذ الإجراء الوقتي، فإنه يستطيع أن يأخذ في اعتباره مسلك الطرف الذي امتنع عن تنفيذه عند إصداره الحكم الفاصل في موضوع الدعوى، فيعتبر هذا الطرف سيئ النية.

وأخيراً يرى بعضهم إمكانية اختصاص كل من القضاء الوطني في الدولة وقضاء التحكيم التجاري الدولي بالفصل في الإجراءات الوقتية والتحفظية، أي يكون الاختصاص بها مُشتركاً بينهما. بل يُعطي بعض القوانين الوطنية للمُحكمين الدوليين سلطة مُخاطبة الجهات القضائية الوطنية، من أجل ضمان فعالية ما يصدر عنهم من قرارات.

وتؤكد اتفاقيتا نيويورك لعام 1958 وواشنطن لعام 1965 اختصاص قضاء التحكيم التجاري الدولي باتخاذ الإجراءات الوقتية؛ ومن ثم تستبعد اختصاص القضاء الوطني للدولة بها. ونلاحظ أن نظام التحكيم السعودي الصادر بالمرسوم الملكي رقم ( م /46) وتاريخ 12 /7/1403 هـ ولائحته التنفيذية الموافق عليها بخطاب رئيس مجلس الوزراء رقم 7/2021 / م وتاريخ 8/9/1405هـ لم يتضمنا أية إشارة إلى الاختصاص باتخاذ الإجراءات التحفظية والوقتية, لهذا أرى أنه بعد انضمام السعودية إلى منظمة التجارة العالمية فإن الضرورات العملية تدعو إلى إعادة النظر في هذا النظام ولائحته التنفيذية بحيث يتضمن نصوصاً واضحة وصريحة تنظم مسألة الاختصاص باتخاذ الإجراءات التحفظية والوقتية, وغيرها من المسائل القانونية ؛ لأنه من المتوقع أن تثار منازعات ذات طبيعة دولية بين شركات سعودية وأخرى أجنبية ويكون القانون السعودي هو الواجب التطبيق عليها.

ويُمكن الاستعانة في هذا الصدد بما يتضمنه القانون النموذجي الذي أعدته لجنة الأمم المتحدة لقانون التجارة الدولية والمعروف اختصاراً باسم يونسترال UNCITRAL في 21 حزيران (يونيو) 1985م, حيث تنص المادة التاسعة منه على أنه: “لا يُعتبر مناقضاً لاتفاق التحكيم أن يطلب أحد الطرفين، قبل بدء إجراءات التحكيم أو أثنائها، من إحدى المحاكم أن تتخذ إجراء وقائياً مؤقتاً، وأن تتخذ المحكمة إجراء بناءً على هذا الطلب”.

كما نصت المادة 26/3 من لائحة التحكيم التي وضعتها هذه اللجنة على أن: “تقديم أحد الأطراف لطلب اتخاذ إجراءات وقتية لدى السلطات القضائية لا يُعد متعارضاً مع الاتفاق على التحكيم، كما أنه لا يُعد بمثابة تنازل عن هذا الاتفاق على التحكيم”. وهو ما تنص عليه المادة 8/5 من لائحة التحكيم لدى غرفة التجارة الدولية في باريس بقولها: “للأطراف قبل تسليم ملف الدعوى إلى المُحكم، واستثناءً من ذلك بعد تسليمهم إياه، الحق في طلب اتخاذ إجراءات وقتية أو تحفظية من السلطة القضائية، وذلك دون أن يُشكل هذا الأمر مُخالفة أو انتهاكاً لاتفاق التحكيم الذي يجمع بين الأطراف، ودون المساس بالسلطة المحجوزة للمُحكم في هذا الشأن”.

إعادة نشر بواسطة محاماة نت

تكلم هذا المقال عن : مقال قانوني حول ضرورة تعديل نظام التحكيم السعودي