مقالة هامة حول حقوق المرأة في التشريعات البحرينية بين الواقع والتطلعات

حقوق المرأة في التشريعات البحرينية… الواقع والتطلعات
ابتسام علي خميس
شرع الإسلام منذ أربعة عشر قرنا حقوق الإنسان في شمول وعمق وأحاطها بضمانات كافية لحمايتها وصاغ المجتمع الإسلامي على مبادئ وأسس لتمكن هذه الحقوق وتدعمها. فحقوق الإنسان مدونة في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة – قبل المواثيق الدولية لحقوق الإنسان – وهي بالتالي لا تقبل حذفا ولا تعديلا ولا نسخا ولا تعطيلا، وهي المدخل الصحيح لإقامة مجتمع يتمتع فيه كل الناس بالمساواة في الحقوق والتكليف بالواجبات، لا تمييز فيه بين الإنسان وأخيه على أساس الأصل أو العنصر أو الجنس أو اللون أو اللغة أو الدين.

إن حقوق الإنسان للمرأة هي جزء من الحقوق العالمية لكل إنسان والتي تعتبر الشخصية القانونية من جوهر هذه الحقوق فالاعتراف للمرأة بالشخصية القانونية التي تؤهلها بالتمتع بمجموعة الحقوق والالتزامات، هو البداية الصحيحة لتحسين وضعية المرأة في الإطار العام للتنمية وللنهوض بالمجتمع والدولة.

استمدت التشريعات البحرينية مصدرها من الشريعة الإسلامية كما اعتمدت أيضا الأعراف المرعية في البلاد، وتفاعلت بأشكال مختلفة مع بعض مضامين المواثيق الدولية لحقوق الإنسان لتشكل في مجموعها قواعد قانونية عامة لضبط وتنظيم حياة ونشاط الأفراد بجميع فئاتهم وأصولهم. وفي هذه الورقة تم رصد ثلاثة قوانين فقط بالإضافة إلى الدستور، حتى يكون النقاش مركزا، علما بأن المشرع البحريني قد استخدم مصطلح “المواطنين” في صوغه التشريعي في الكثير من التشريعات، ما يعنى ان حقوق المرأة مصانة على المستوى القانوني النظري.

أولا نبدأ بالواقع من خلال رصد المواد القانونية الواردة في دستور مملكة البحرين والقوانين البحرينية الأخرى التي تقرر عددا من الحقوق القانونية والسياسية والاجتماعية للمرأة في مختلف الأوضاع والظروف التي قد تجد المرأة نفسها فيها.

يقرر دستور مملكة البحرين في الكثير من موادها ان المواطنين متساوون أمام القانون في الحقوق والواجبات، وعلى مساواة المرأة بالرجل في ميادين الحياة المختلفة فلا يوجد تمييز فيه فيما يتعلق بحقوق المرأة، غير أن الدستور لم يرد به نص يحظر التمييز بجميع أشكاله ومنها خصوصا التمييز ضد المرأة. ولتكافؤ الفرص بين الجنسين كان من الأجدى النص صراحة في الدستور على هذا الموضوع لتوفير المناخ الملائم الذي يضمن إدماج المرأة بشكل سلس وسهل في المجتمع، وفي بيئة العمل والترقي الوظيفي خصوصا.

فالمادة “1” من الباب الأول المتعلق بالدولة – البند “ه” تنص على: “للمواطنين، رجالا ونساء، حق المشاركة في الشئون العامة والتمتع بالحقوق السياسية، بما فيها حق الانتخاب والترشيح، وذلك وفقا لهذا الدستور وللشروط والأوضاع التي يبينها القانون. ولا يجوز ان يحرم احد المواطنين من حق الانتخاب أو الترشيح إلا وفقا للقانون.

كما إن المادة “4” من الباب الثاني “المقومات الأساسية للمجتمع” تنص على: “العدل أساس الحكم، والتعاون والتراحم صلة وثقى بين المواطنين، والحرية والمساواة والأمن والطمأنينة والعلم والتضامن الاجتماعي وتكافؤ الفرص بين المواطنين دعامات للمجتمع تكفلها الدولة”.

أما المادة “5” – البند ب فتنص على: “تكفل الدولة التوفيق بين واجبات المرأة نحو الأسرة وعملها في المجتمع، ومساواتها بالرجال في ميادين الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية دون إخلال بأحكام الشريعة الإسلامية”.

وبالنسبة للمساواة في تولي الوظائف العامة فقد نصت عليه صراحة المادة “16 “ – البند ب كالتالي: “المواطنون سواء في تولي الوظائف العامة وفقا للشروط التي يقررها القانون”.

والمادة “18” تناولت مبدأ المساواة أمام القانون كالتالي: “الناس سواسية في الكرامة الإنسانية ويتساوى المواطنون لدى القانون في الحقوق والواجبات ولا تمييز بينهم بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو العقيدة”.

فمن خلال المواد السابقة نرى ان دستور مملكة البحرين قد ساوى بين المرأة والرجل في المجالات السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية وفي تولي الوظائف العامة وفي أهلية الأداء أمام القانون.

بالنسبة إلى القوانين البحرينية والتي تعتبر ترجمة فعلية لما جاء في الدستور، فلنبدأ بقانون العقوبات وذلك لأهمية هذا القانون في نظري إذ يحتوي على أكثر المواد التي تتناول المرأة كجنس، بعيدا عما ذهب إليه المشرع البحريني في صوغه التشريعي باستخدامه لكلمة “المواطنين” لتشمل كلا الجنسين. فالمرسوم بقانون رقم “15” لسنة 1976 بإصدار قانون العقوبات – الفصل الثاني الخاص بالاغتصاب والاعتداء على العرض، ينص في مادتيه 344 و345 على أنه يعاقب بالسجن المؤبد كل من واقع انثى بغير رضاها، وترتفع هذه العقوبة إلى الاعدام إذا كانت المجنى عليها لم تتم السادسة عشرة، ويفترض عدم رضاها حكما إذا كانت لم تتم الرابعة عشرة، وبهذا فقد اسبغ المشرع الحماية القانونية على المرأة الطفلة وصان كرامتها وطفولتها من العبث.

ويعاقب كل من واقع انثى بالسجن عشرين عاما إذا كانت هذه الانثى لم تتجاوز السادسة عشرة ولم تتم الحادية والعشرين وتم فعل المواقعة برضاها اما إذا بلغت المرأة الحادية والعشرين من العمر فإن العقوبة تكون الحبس عشر سنوات فقط. “يعاقب بالسجن المؤبد من واقع أنثى بغير رضاها، وتكون العقوبة الإعدام أو السجن المؤبد اذا كانت المجنى عليها لم تتم السادسة عشرة ويفترض عدم رضا المجنى عليها اذا لم تتم الرابعة عشرة”. “يعاقب بالسجن مدة لا تزيد على عشرين سنة من واقع أنثى اتمت الرابعة عشرة ولم تتم السادسة عشرة برضاها. ويعاقب بالحبس لمدة لا تزيد على عشر سنوات من واقع انثى اتمت السادسة عشرة ولم تتم الحادية والعشرين برضاها”.

معالجة جرائم الفجور والدعارة

المادة 348: شدد المشرع البحريني العقوبة على من ارتكب جريمة الاغتصاب أو الاعتداء على العرض وكانت نتيجة هذا الاعتداء حمل المجنى عليها أو فض بكارتها، إذ نص في البند الخامس من المادة المذكورة على: “يعتبر ظرفا مشددا في الجرائم المنصوص عليها في المواد السابقة من هذا الفصل: إذا حملت المجنى عليها أو زالت بكارتها بسبب الجريمة”. ويستمر قانون العقوبات في حمايته لحقوق المرأة بنصه في المواد التالية على صون عفاف المرأة وحيائها من أي فعل فاضح سواء تم هذا الفعل في العلن أو في الخفاء، وسواء تم عن طرق القول أو الممارسة أو عن واسطة الهاتف.

المادة 350: “يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنة أو بالغرامة التي لا تجاوز مئة دينار من أتى علنا فعلا مخلا بالحياء. ويعاقب بالعقوبة ذاتها من ارتكب فعلا مخلا بالحياء مع انثى ولو في غير علانية”.

المادة 351: “يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على ثلاثة أشهر أو بالغرامة التي لا تجاوز عشرين دينارا من تعرض لأنثى على وجه يخدش حياءها بالقول أو بالفعل في طريق عام أو مكان مطروق. ويعاقب بذات العقوبة إذا كان التعرض بطريق التلفون”.

المادة 324: “1 – كل من حرض ذكرا أو انثى على ارتكاب الفجور أو الدعارة، أو ساعدها على ذلك بأية طريقة كانت يعاقب بالحبس”.

المادة 325: “1 – كل من حمل، ذكرا أو انثى على ارتكاب الفجور أو الدعارة عن طريق الإكراه أو التهديد أو الحيلة يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن سنتين ولا تجاوز سبع سنين”.

المادة 334: “يعاقب بالحبس من فاجأ زوجه متلبسا بجريمة الزنا فقتله وشريكه في الحال أو اعتدى عليهما اعتداء أفضى إلى موت أو عاهة. ويسري هذا القانون على من فاجأ أحد أصوله أو فروعه أو أخواته متلبسة بجريمة الزنا. ولا يجوز استعمال حق الدفاع الشرعي ضد من يستفيد من هذا العذر”.

إن قانون العقوبات البحريني قد ساوى بين الزوجين في حال ارتكاب جريمة الزنا من احدهما، فكلاهما تنالهما العقوبات نفسها بعكس بعض القوانين العربية التي منحت للزوج عذرا يستطيع من خلاله الاستفادة من احكام مخففة في حال قتله لشريكة حياته عند مفاجأتها بجريرة الزنا بينما تنال الزوجة العقوبة كاملة سواء عقوبة الإعدام أو عقوبة السجن المؤبد.

أما القانون الثاني الذي سأتناوله فهو مرسوم بقانون رقم “46” لسنة 2002 بإصدار قانون الإجراءات الجنائية، الفصل الرابع الخاص بدخول المنازل وتفتيشها وتفتيش الأشخاص: المادة ،66 الجزء الثاني، إذ نصت: “وإذا كان المتهم انثى وجب ان يكون التفتيش بمعرفة أنثى يندبها لذلك مأمور الضبط القضائي بعد أن تحلف يمينا بأن تؤدي مهمتها بالصدق والأمانة”.

نرى ان قانون الجزاءات قد اشترط ان تقوم بالتفتيش امرأة إذا كانت المتهمة امرأة، وهو في هذه الحالة قد راعى الشريعة الإسلامية في المقام الأول والعادات والتقاليد المرعية في البلد والتي تحرم على الرجل مس جسم المرأة الغريبة عنه الا في حالات الضرورة القصوى.

ثالثا: مرسوم بقانون مباشرة الحقوق السياسية رقم “14” لسنة 2002م: قرر قانون مباشرة الحقوق السياسية في مادته الأولى على: “يتمتع المواطنون – رجالا ونساء – بمباشرة الحقوق السياسية الآتية:

1– إبداء الرأي في كل استفتاء يجري طبقا لاحكام الدستور.

2- انتخاب أعضاء مجلس النواب.

ويباشر المواطنون الحقوق سالفة الذكر بأنفسهم وذلك على النحو وبالشروط المبينة في هذا القانون. هذا القانون فتح المجال واسعا وترجم التوجهات الواردة في الدستور بخصوص مشاركة المرأة في الحياة السياسية من خلال النص على حقها في ممارسة الترشح للمجالس المنتخبة، البلدية أو مجلس النواب أو من خلال ممارسة حقها في الانتخاب أو الأداء بصوتها في الاستفتاءات العامة.

التطلعات

1- يشكل غياب قانون للأحوال الشخصية في البحرين إهدارا صارخا وإجحافا لحق المرأة كإنسانة، كفلت لها النصوص الدستورية الحق في العدل والأمان والطمأنينة، فالمرأة البحرينية تعاني أشد المعاناة نتيجة غياب مثل هذا القانون على رغم المطالبة المستمرة بسنه، والتي مضى عليها حتى الآن أكثر من عشرين عاما، ليشكل المظلة الواقية لتوفير الحماية اللازمة للأسرة عموما وللمرأة خصوصا، بدلا من خضوع الأسرة الآن لاجتهادات القضاة المختلفة والمتضاربة في بعض الحالات. وفي متن الدستور ما يعزز هذه المطالبات بحماية الأسرة فقد نصت المادة”5″ – البند أ، على ان “الأسرة أساس المجتمع، قوامها الدين والأخلاق وحب الوطن، يحفظ القانون كيانها الشرعي، ويقوي أواصرها وقيمها، ويحمي في ظلها الأمومة والطفولة، ويرعى النشء ويحميه من الاستغلال، ويقيه الإهمال الأدبي والجسماني والروحي. كما تعنى الدولة بنمو الشباب البدني والخلقي والعقلي”.

2 – وضع إجراءات وتدابير إدارية وتنفيذية وقانونية لحماية المرأة من العنف الواقع عليها بسبب جنسها ولصيانة كرامتها وسلامتها سواء كان هذا العنف مرتكبا في إطار الحياة الخاصة كالعنف الأسري أو في إطار الحياة العامة فالعنف المرتكب على أساس جنسوي يعيق المرأة عن ممارسة حقوقها كانسان.

وختاما، فان التشريعات البحرينية في الواقع قابلة للتطور لتسبغ حماية أكبر للمرأة الإنسان في مجالات السياسة والاجتماع والأسرة، ولتمثل الأرضية المتينة للارتقاء بهذه الحقوق إلى مستوى حقوق الإنسان. فكلما كانت شاملة وقائمة على أساس اللاتمييز بين الجنسين ستكون مواكبة بلاشك بما جاء في المواثيق والإعلانات الدولية المتعلقة بهذا الخصوص.

*ورقة عمل مقدمة في ورشة العمل «الإسلام والديمقراطية – تجربة البحرين» في الفترة من إلى ديسمبر/ كانون الأول

إعادة نشر بواسطة محاماة نت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *