الحجر الماهية والمشروعية

امل شبيب الركاض*
يعرف الحجر في الشريعة الاسلامية بأنه منع الإنسان عن التصرف في ماله، سواء كان المنع من الشرع كمنع الصغير والمجنون والسفيه أو من الحاكم كمنع المشتري من التصرف في ماله حتى يؤدي الثمن الحال عليه. وهو مشروع لقوله تعالى (فإن كان الذي عليه الحق سفيهاً أو ضعيفاً أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل). فالمعنيون في الآية السفيه والمبذر ، والضعيف أي الصبي الذي لا يستطيع أن يمل والكبير المختل فينوب عنهم أولياؤهم ويثبت بذلك الحجر عليهم. ولقد ثبت في السنة الصحيحة أن النبي صلى الله عليه وسلم: حجر على معاذ ماله وباعه في دين كان عليه. كما ثبت عن الصحابة رضوان الله عليهم فحجر عثمان بن عفان بسبب التبذير على عبدالله بن جعفر.

والحجر في حقيقته ليس إهدارا لكرامة الإنسان، وإنما هو صون لماله من عبث العابثين وحد لهوى النفس من الإنفاق في وجوه غير صحيحة. فهو لمصلحة الفرد والمجتمع ودفع للضرر عنهما، فالمحجور عليه إن كان صغيراً أو مجنوناً أو معتوهاً أي ناقص العقل والأهلية وغير قادر على تقدير المصلحة، فلا يتصور منه الرضا الصحيح ولا القصد ولا الاختيار فالحجر عليه، إنما كان حفظاً لماله، فإن كان مغفلاً لا يهتدي إلى التصرفات الرابحة، وإنما يغبن في البيوع ويتضرر بها أو كان مدينا فلابد من رعاية حقوقه وحقوق الدائنين على حد سواء. لأن المال عصب الحياة فيجب إنفاقه في غير إسراف أو تبذير، لقوله تعالى( إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين).

وأسباب الحجر كثيرة منها ما هو متفق عليه كالحجر بسبب الصغر والجنون والعته (لفقد الأهلية أو نقصها) .ومنها ما هو مختلف فيه كالحجر بسبب (السفه والغفلة والدين) وسبب الحجر هنا لا لقصور الأهلية، وإنما لدفع الضرر عنهم وعن الناس. ويختلف أثر الحجر في تصرف المحجور عليه باختلاف سببه. وينقسم الحجر بحسب نوع المصلحة إلى نوعين: أولا: حجر لمصلحة المحجور عليهم وشرع لمصلحتهم وهم المجنون – والصغير – والسفيه – والمبذر ومن في حكمهم . ثانيا: حجر لمصلحة الغير: أي لمصلحة غير المحجور عليهم كالحجر على المدين والمفلس لحق الغرماء (الدائنين)، ومريض الموت لحق الورثة فيما زاد على ثلث التركة حيث لا دين. وحجر الراهن لحق المرتهن في العين المرهونة.

ونخلص إلى أن المحجور عليه سواء كان سفيها أو مريضا أو مفلسا لا يمنع من التصرفات غير المالية كالتصرف بالطلاق وكالعبادات البدنية واجبة أو مندوبة، وتنفلات العبادة المالية الواجبة كالحج، لكن الصبي والمجنون لا يصح تصرفهما في شيء مطلقاً من الأموال أو الذمم أو الأحوال الشخصية من زواج وطلاق.

وننبه إلى أن مسؤولية الأولياء والأوصياء عظيمة أمام الله تعالى الحكم العدل الذي لا يحتاج المدعى عنده الى بينة خاصة في حقوق وأموال الضعفاء من اليتامى والنساء وغيرهم فعلى الأولياء مسؤولية حماية أموال المحجور عليهم ومن خلفهم من ورثتهم والإشراف على شؤونهم بالحق والعدل والمعروف لأنه ربما ترك الإنسان ذرية ضعافاً يحتاجون لمعاونة غيرهم ممن أعطاهم الله حق الولاية عليهم لقوله سبحانه (وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافاً خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولاً سديداً، إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً وسيصلون سعيراً).

وحيث إن الصغير لا تتوفر فيه أهلية التصرف لعدم اكتمال الإدراك اللازم لتقدير ما يترتب على تصرفاته، فقد اجمع الفقهاء على وجوب الحجر على الأيتام الذين لم يبلغوا الحلم لقوله تعالى ( وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح ) والفقهاء في حكم تصرفات الصغير وأثر الحجر عليه لم يفرقوا بين المميز وغير المميز، فيجب على كل من الصبي والمجنون ضمان ما أتلف من مال أو نفس، ويصح تصرف المميز بإذن الولي، وينفك عنه الحجر فيما أذن له فيه من تجارة وغيرها، ويصح إقراره فيما أذن له فيه.

ولا يسلم الصغير أمواله إلا بتحقق شرطين هما البلوغ والرشد لقوله تعالى ( وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم) فإذا بلغ رشيداً يرفع الحجر عن الصغير بدون الحاجة لحكم القاضي لأن الحجر عليه ثبت بغير حكم القاضي، ويرفع الحجر عن الصغير عند الجمهور بأذن الولي إياه بالتجارة وبلوغه رشيداً. أما إذا بلغ الصغير غير رشيد فلا تسلم إليه أمواله، ويحجر عليه بسبب السفه.

ويحدث البلوغ أما بالإمارات الطبيعية أو بالسن، والعلامات ثلاث مشتركة بين الرجل والمرأة وهي الإنزال (الاحتلام) والإنبات والسن واثنان تختص بهما المرأة الحيض والحبل. وحدد سن البلوغ بالخامسة عشرة لحديث ابن عمر (عرضت على النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد ، وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم يجزني ولم يرني بلغت ، وعرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة ، فأجازني ، ورآني بلغت). والرشد عند الفقهاء هو صلاح المال، أي توفر الخبرة في إدارة المال واستثماره وحفظه وإصلاحه ويختبر رشد الصبي في الدين والمال. ويشترط تكرار الاختبار مرتين أو أكثر قبل البلوغ وبعده.

والولي هو صاحب السلطة الشرعية التي يتمكن بها من التصرف في مال المحجور عليه من غير توقف على إجازة أحد. وولي المحجور عليه صبياً أو غيره في الأموال هو الأب إن كان موجوداً ولم يكن مجنوناً أو محجوراً عليه. وبذلك تكون الولاية على الصبي والمجنون للأب ، ثم لوصيه من بعده ثم للحاكم. لكن أن جدد الحجر على الشخص بعد بلوغه فالولاية عليه للحاكم، لأن الحجر يفتقر إلى حكم الحاكم وزواله يفتقد إليه فكذلك النظر في ماله. واتفق الفقهاء على أن الولي يتصرف وجوباً في مال الصبي القاصر بالمصلحة وعدم الضرر لقوله تعالى ( ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده)، ولا يجوز لولي الصغير أو المجنون أن يتبرع بهبة أو صدقة أو يحابي في شراء أو بيع أو يزيد في النفقة، فإن حدث منه تفريط فإنه يضمن ذلك لأنه مفرط لتصرفه في مال غيره. ويجب على الولي إخراج الزكاة من المال والتجارة به في مواضع الأمن وغلبة السلامة لقول عمر رضي الله عنه اتجروا في أموال اليتامى لئلا تأكلها الصدقة.

ويجوز للولي الإذن للقاصر في التجارة إذا آنس منه الخبرة لتدريبه على طرق المكاسب والأذن بمثابة التوكيل ، فلا ينفك الحجر بالإذن إلا فيما أذن له فيه وليه فقط، وإذا أذن في نوع من التجارة يتقيد المولى عليه بهذا النوع لأن تصرفه جاز بالإذن. ويصح إقرار المميز المأذون بقدر ما أذن له فيه لأن الحجر أنفك عنه فيه، والولي إن كان غنياً لم يجز له الأجر، وإن كان فقيراً جاز له ويحدد الأجر بحسب العرف الشائع لقوله تعالى (ومن كان غنياً فليستعفف ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف).

أثر الحجر في تصرفات المجنون الذي زال عقله فيكون كالصبي غير المميز وفاقد الأهلية فتسلب منه الولاية الثابتة بالشرع كولاية الزواج أو الثابتة بالإيصاء والقضاء، وتبطل أقواله وتصرفاته لعدم صحة قصده. وكذلك المعتوه وهو من كان قليل الفهم، مختلط الكلام، فاسد التدبير نتيجة لاضطراب في عقله سواء لمرض خلقي أو طارئ، فيعتبر عند الفقهاء كالمجنون والمعتوه غير المميز فتكون تصرفاته كلها باطلة، أما السفيه الذي يبذر ماله، ويصرفه في غير موضعه الصحيح بما لا يتفق مع الحكمة والشرع فيحجر عليه بحكم القاضي، ولا يرفع الحجر عنه إلا بحكم الحاكم، وولي السفيه هو الأب، أو وصيه من بعده، أو الحاكم عند أنعدامها.

ويصح تصرف السفيه في نكاحه بإذن وليه وبغير إذن لأن في الزواج مصلحة محضة على أن يتقيد بمهر المثل بلا زيادة لأن الزيادة تبرع والسفيه ليس أهلاً للتبرع. ويصح طلاقه لأن الطلاق ليس تصرفا في المال. ويصح ظهاره وإيلاؤه ولعانه ونفي النسب باللعان عن السفيه وإقراره بنسب ولد منه. وتصح وصيته باتفاق الفقهاء لأنها محض مصلحته لأنها تقرب إلى الله تعالى بماله. ولا يصح إقراره بالدين أو بما يوجب الدين كجناية الخطأ، وعند بعض الفقهاء أنه يلزمه ما أقر به بعد فك الحجر عنه.

والحكم في السفيه كالصبي والمجنون في وجوب ضمان ما اتلف من مال الغير بغير إذنه، ولا تصح تبرعاته كالهبة والوقف، ولا تصح شركة السفيه ولا حوالته ولا الحوالة عليه ولا كفالته لغيره لأنها تصرفات مالية لا تصح منه كالبيع والشراء بغير إذن وليه فتكون باطلة، لأنه محجور عليه لحفظ ماله. وكذلك يحجر على ذي الغفلة وهو من يغبن في البيوع ولا يهتدي إلى التصرفات الرابحة في بيعه وشرائه لقلة خبرته، وحكم تصرفاته كالسفيه. ويجوز الحجر على المريض مرض الموت لحق الورثة. فيحجر عليه في تبرعاته فقط كالهبة والصدقة والوصية والوقف وبيع المحاباة وكل بيع مشتمل على غبن فيما زاد على ثلث ماله. والحكم كالوصية فتنفذ في الثلث وتكون الزيادة موقوفة على إجازة الورثة. فإن بريء من مرضه صح تبرعه.

ولا يجوز الحجر على المرأة الرشيدة في التصرف في مالها كله أو بعضه بالتبرع أو المعاوضة فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ( يا معشر النساء تصدقن ولو من حليكن). وهذا هو أوجه رأي لأن ذمة المرأة المالية مستقلة عن الزوج في الإسلام، وهذا من مفاخر الشريعة التي أعطت المرأة أهلية كاملة في التملك والتصرف. ويحجر على المدين المفلس في تصرفاته المالية باتفاق الفقهاء، حفاظاً على حقوق وأموال الدائنين من الضياع بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم حجر على معاذ وباع ماله في دين كان عليه، وقسمه بين غرمائه، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم ليس لكم إلا ذلك. ولا يحجر على المدين إلا بقضاء القاضي فتكون تصرفاته قبل القضاء نافذة، ويحجر عليه بطلب من الغرماء وأن يكون عليه ديون حالة تزيد على ماله.

ونخلص إلى أنه من المقرر شرعاً أن الحكم يدور مع سببه أو علته وجوداً أو عدماً، فيرفع الحجر عن السفيه وذي الغفلة بحكم القاضي إذا ظهر رشده وحسن تصرفه في ماله، أما المجنون والمعتوه فيزول عنهما الحجر متى ما شفيا ودون حكم القاضي. وكذلك الصغير إذا كان مميزاً فيرفع الحجر عنه بشيئين.. أولا: الأذن له بالتجارة، ثانيا: بلوغه عاقلاً رشيداً، ويزول الحجر على المفلس بتصفية أمواله وقسمتها بين الغرماء إذا تضمن حكم القاضي بالحجر أن يتم تصفية أموال المفلس فإذا تحقق هذا الغرض زال أثر الحجر تلقائياً.

*محامي
إعادة نشر بواسطة محاماة نت

تكلم هذا المقال عن : مدى مشروعية قضايا الحجر في ضوء الأنظمة والقوانين السعودية