شرح موجز لمصلحة المفتقر فيما افتقر به في دعوى الإثراء بلا سبب

مصلحـة المفتقـر فيما افتقـر بـه في دعـوى الإثـراء بلا سـبب

إعادة نشر بواسطة محاماة نت

خطا القانون المدني السوري وأصله المصري , خطوة متميزة في التشريع المدني الحديث بجعله قاعدة الإثراء بلا سبب قائمة بذاتها كمصدر من مصادر الالتزام , وحرر هذا المبدأ مما كان باقياً من قيوده التقليدية , فنفى عنه الصفة الاحتياطية , نص على أن الإثراء لا يشترط فيه أن يكون قائماً وقت رفع الدعوى .
وأقام في المواد
الـرأي الأول :
فنجد بعض الفقهاء[1] قد اشترط أنه يجب ألا يكون هناك فائدة عادة على المفتقر من وراء افتقاره ومن ثم لا يجوز للمدعى أن يدعى أنه قد أصابته خسارة , حتى لوكان عمله قد ترتب عليه إثراء الغير , إذا كان عمله قد أفاد هو منه , ودللوا على رأيهم بأمثلة عدة منها أنه إذا أقام المزارع سداً يريد به وقاية أرضه من الفيضان وترتب على ذلك أيضاً أن اتقى به الجار كذلك من الفيضان فلا يجوز لمن أقام السد أن يرجع على الجار قد أثرى ولكن من أقام السد قد استفاد منه ولم يترتب على استفادة الجار من ذلك السد أن زادت تكاليف إقامة ذلك السد .
كذلك إذا أنشأ شخص قناة لري أرضه فاستفاد منها الملاك المجاورون , لا يجوز في هذه الحالة أن يرجع من أنشأ القناة على الملاك بسبب أنهم أثروا , حقيقة أنهم أثروا ولكنه لم يفتقر فهو قد استفاد من هذه القناة ولم يترتب على استفادة الجيران من هذه القناة زيادة مصاريف إنشاء تلك القناة[2].

وكذلك إذا أنشأ شخص حديقة في منزله يطل عليها منزل الجار , وجمل هذه الحديقة حتى أصبحت سبباً في رفع قيمة منزل الجار , فالجار في هذه الحالة يكون قد أثرى , ومع ذلك لا يجوز لصاحب الحديقة أن يرجع على الجار الذي أثرى من هذه الحديقة وذلك لأن صاحب الحديقة لم يفتقر فما أنفقه في إنشأ الحديقة قد عاد عليه بالفائدة التي قدرها فهو إذن قد أخذ مقابل ما أنفقه فلم يخسر شيئاً .[3]

ومن ثم فإنه يقاس على هذه الحالات كل حالة ينفق فيها الشخص لجلب منفعة يستوفيها فهو قد انتفع بقدر ما أنفق , وإذا كان غيره قد أفاد من عمله فهو لم تلحقه أية خسارة , ويمكن القول هنا إن الافتقار له سبب هو المنفقة التي حصل عليها [4].

ويبررون عدم توافر أركان الإثراء بلا سبب هنا بانعدام السببية المباشرة بين الإثراء والافتقار , ذلك أنه يجب أن يكون الافتقار هو السبب المباشر في إثراء المدين وهذا يتحقق إذا كانت واقعة واحدة هي المسبب المباشر لكل منهما , بل يكفي كي تقوم هذه السببية المباشرة التثبت من أن إثراء المدين لم يكون ليتحقق لولا افتقار الدائن , أي أن الافتقار كان هو السبب المنتج للإثراء .

الرأي الثاني
إلا أن من الفقهاء من ذهب عكس الرأي الأول[5] , فقالوا بأن لا يشترط في دعوى الإثراء على حساب الغير ألا يكون للمفتقر صالح فيما أنفق أو فيما افتقر به بحيث لو وجد له صالح في ذلك امتنع عليه الرجوع على المثري بدعوى الإثراء , ودللوا على خطأ ذاك الرأي بالخلط الذي وقع فيه من قال بهذا الشرط بين هذه الدعوى الإثراء بغير سبب , ودعوى الفضالة , فالأخيرة فقط هي التي يشترط فيها أن يكون الفضولي قد عمل لمصلحة رب العمل وحده أي دون مصلحة شخصية له , وهذا الشطر هو الذي يبرر فيها تخويل الفضولي الحق في استرداد جميع ما أنفق مع فوائده من يوم الإنفاق والحق في التعويض عن كل ما تكبده فيما قام به لمصلحة رب العمل , أما من يرجع بدعوى الإثراء فلا يخوله القانون إلا بعض هذه الحقوق فقط لأنه لا يفرض فيه أن عمله تجرد عن الصالح الشخصي , لذلك يتعين القول بأنه لا يصح أن يشترط فيه هذا التجرد , بل أنه إذا عمل لمصلحته الشخصية وافتقر بأكثر مما يلزم عادة لتحقيق مثل هذه المصلحة وعاد من ذلك نفع على غيره دون سبب , فلا مانع يمنع من رجوعه على المثري بدعوى الإثراء .

وإذا كان المالك في المثل المتقدم لا يجوز له الرجوع على جيرانه فليس ذلك لتوافر الصالح الشخصي لديه بل لأن ما قام به من عمل لا يعدو ما يلزم القيام به عادة لتحقيق مثل هذا الصالح , فلا يعتبر عمله افتقاراً أصلاً لأنه يقابله ما سعى إليه من غنم شخصي , أما إذا كان من قام بحفر القناة أو المصرف مستأجراً فقط للأرض وقام بذلك بقصد تسهيل انتفاعه بها أو زيادة هذا الانتفاع ثم انتهت إجارته أو فسخت , فإن تحقيق صالحه الشخص الموقوت بمدة انتفاعه يغلب ألا يعتبر مقابلاً كاملاً لما أنفق , فيكون هناك افتقار له يقابله إثراء للمالك , وحينئذ تقتضي العدالة أن يعوض الأخير الأول بعد استنزال ما يقابل صالحه الشخصي[6] .
ونجد أن القانون المدني المصري أورد أحكام كثيرة مسلم أنها تعتبر تطبيقاً لقاعدة الإثراء دون سبب على حالات معينة مع أن المفتقر في بعض هذه الحالات يكون له في الغالب صالح شخصي , الأمر الذي يؤيد ما ذهب إليه الرأي الثاني من عدم اشتراط انتفاء الصالح الشخصي لدى المفتقر لتخويله دعوى الإثراء دون سبب , من هذا القبيل أحكام المواد 924 إلى 926المتعلقة بكسب الملكية من طريق الالتصاق بالعقار , حيث جعل القانون صاحب الأرض يتملك ما أقامه غيره عليها من منشآت سواء كان ذلك الغير حسن النية أو سيئ النية , وسواء كان هو مالك المواد التي أقام بها المنشآت أم لا , على أن يلزم مالك الأرض في حالة احتفاظه بتلك المنشآت أن يدفع إلى من أقامها أقل القيمتين : قيمة الافتقار أو قيمة الإثراء , وهذا بالرغم من أن المفروض فيمن أقام هذه المنشآت أنه أقامها لمصلحته الشخصية لا لمصلحة مالك الأرض .أو أو

[1] عبد الحي حجازي , النظرية العامة للالتزام , ج2 , مصادر الالتزام , طبعة 1954 , ص580 .

[2] عبد الحي حجازي , النظرية العامة للالتزام , ج2 , مصادر الالتزام , طبعة 1954 , ص580 .

[3] السنهوري , الوسيط , ج1 , مجلد 2 , مصادر الالتزام , طبعة 2000 , ص1279.

[4] السنهوري , المرجع السابق , ص1279, الهامش رقم 1.

[5] انظر , سليمان مرقس , الوافي في شرح القانون المدني , المجلد الثالث , الطبعة الثالثة , 1990 .

[6] سليمان مرقس , المرجع السابق , ص115 , ف30 .

تكلم هذا المقال عن : شرح موجز لمصلحة المفتقر فيما افتقر به في دعوى الإثراء بلا سبب
شارك المقالة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الالكتروني.