القصد الجرمي في جريمة استماع المحادثات الخاصة او نقلها او تسجيلها :

يتخذ الركن المعنوي لهذه الجريمة صورة القصد الجرمي المتمثل بالعلم والارادة ، اذ ان تطلب القصد الجرمي مستفاد من تعريف المشرع المقارن(1) ، لهذه الجريمة بأنها : “اعتداء على حرمة الحياة الخاصة ” ، اذ ان الاعتداء يفترض توافر القصد الجرمي الذي يقوم على عنصرية العلم والارادة ، اذ انه يجب على الجاني ان يعلم بالصفة الخاصة للحديث ، أي ان يكون معبراً عن المعاني والافكار المرتبطة ، وقد سبقت الاشارة الى ذلك عند بحث الركن المادي لهذه الجريمة ، كما انه يجب ان يكون عالماً بان من شان الجهاز الذي يستعمله ان ينقل الحديث او يسجله ، علاوة على ذلك يجب ان تتجه ارادته الى فعله والى النتيجة المتمثلة بالحصول على الحديث او نقله ، بمعنى اخر ان تنصرف ارادة الفاعل الى استراق السمع الى حديث الغير او تسجيله او نقله دون رضاء صاحبه(2) ، وتطبيقاً لذلك فانه لا يرتكب هذه الجريمة من استمع الى محادثة هاتفية لتشابك الخطوط ، او من ترك سهواً جهاز التسجيل في مكان خاص فسجل حديثاً جرى فيه(3) ، او اذا وقع الفعل في اثناء اجتماع على مرأى او مسمع من الحاضرين في ذلك الاجتماع ، وبناءً على رضاء الشخص المقصود بالحماية ، لدرجة تزيل عن الحديث صفة السرية ، فانه لا يكون هناك جريمة(4). والقصد الجرمي المطلوب لقيام هذه الجريمة هو القصد العام اياً كانت الدوافع (البواعث) وراء القيام بهذا الفعل ، سواء أكان دافع الفعل ابتزاز الاموال ام خدمة نظام سياسي ، ام استغلاله في وسيلة اعلامية ام مجرد الفضول وحب الاستطلاع(5) .

___________________

1- ينظر : المادة (309) مكرر من قانون العقوبات المصري والمادة (256) من قانون العقوبات اليمني .

 

 

 

للحصول على استشارة مجانية

تفضل الى رقم مكافحة الابتزاز

 

 

2- ينظر : د.رمسيس بهنام ، الجرائم المضرة بأحاد الناس ، منشاة المعارف ، الاسكندرية ، 1990م ، ص410 .

3- ينظر : د. محمود نجيب حسني ، شرح قانون العقوبات / القسم الخاص ، جرائم الاعتداء
على الأشخاص ، دار النهضة العربية ، القاهرة ، 1978م ، ص773 . وينظر كذلك : د. محمود محمود مصطفى ، شرح قانون العقوبات / القسم الخاص ، ط(7) بدون مكان نشر، 1975م ، ص433.

4- ينظر : د. محمود محمود مصطفى ، المصدر السابق ، ص 434 .

5- ينظر : د. محمود نجيب حسني ، شرح قانون العقوبات / القسم الخاص ، مصدر سابق ، ص 773 ، وينظر كذلك : حسن محمود ربيع ، حماية حقوق الانسان والوسائل المستحدثة للتحقيق الجنائي ، ص 590 . لكن يرى بعضهم ان القصد العام لا يكفي ، انما يلزم قصداً خاصاً باتجاه النية الى استعمال التسجيل او النقل باعتبار انه لا خطر من الفعل اذا جرد من النية الخاصة . ينظر : د. محمود محمود مصطفى ، المصدر السابق ، ص 443 .

الركن المادي في جريمة استماع المحادثات الخاصة او نقلها او تسجيلها :

لقد تناولت بعض التشريعات الجزائية المقارنة(1) هذه الجريمة تحت عنوان الاعتداء على الحياة الخاصة ، أما بعضها الآخر(2) فقد تناولتها تحت عنوان إفشاء الإسرار ، ومهما كانت المسميات فموضوع الجريمة قوامة محادثات تجري في مكان خاص أو عن طريق الهاتف ، إذ اعتبر لمشرع المقارن أن الحديث الخاص من الأمور التي تدخل بحق في دائرة الحياة الخاصة ، وبالخصوصية بصفة خاصة ، ومن ثم أحاطه بالحماية من الحصول عليه بغير رضاء صاحبه سواء عن طريق استراقه أم نقله أم تسجيله(3) . وعليه يتمثل السلوك المادي للفاعل باستراق السمع أو تسجيله أو نقله عن طريق أي جهاز أو عن طريق الهاتف ، ويقصد باستراق السمع التنصت على الحديث أو الاستماع إليه خلسة ، أي دون علم قائله أو رضائه ، وهو فعل يتم باستخدام الأذن وحدها دون الحاجة إلى الاستعانة بأية أداة أو جهاز، وعليه يرتكب الجريمة من تنصت بأذنيه على حديث خاص سواء حفظه في ذاكرته ثم نقله أم لم ينقله(4) ، أما التسجيل فيقصد به حفظه على الأشرطة المخصصة لذلك و يمكن بوساطتها إعادة الاستماع إليه ، أما العنصر الأخير الذي يكمل قيام الجريمة فهو نقل الحديث من المكان الذي يدور فيه بوساطة أجهزة استماع أو ميكروفونات إرسال إلى مكان آخر أيا كان بعده وبأي جهاز كان نوعه، نظراً الى التطور العلمي الحديث في هذا المجال(5) ، مع ملاحظة أن الركن المادي في هذه الجريمة يحتوي على عنصرين سلبيين هما: عدم رضاء صاحب الحديث ، وعدم وجود ترخيص من القانون بالتقاط الحديث .

__________________

1- لقد جاء في المادة (309) مكرر من قانون العقوبات المصري أن الاعتداء على حرمة الحياة الخاصة للمواطن يتمثل بارتكاب أحد الأفعال الآتية في غير الأحوال المصرح بها قانوناً أو بغير رضا المجني عليه: أ- استرق السمع أو سجل أو نقل عن طريق جهاز من الأجهزة أيا كان نوعه محادثات جرت في مكان خاص أو عن طريق التليفون.

ب- إلتقط أونقل بجهاز من الأجهزة أياً كان نوعه صورة شخص في مكان خاص.

كما تعاقب المادة نفسها الموظف العام الذي يرتكب أحد الأفعال المبينة في هذه المادة اعتماداً على سلطة وظيفته. وعلى النهج ذاته سار المشرع اليمني لدرجة المطابقة في المادة (256) من قانون العقوبات، غير أنه لم يستخدم مصطلح (للموطن) الوارد في المادة (309) مكرر من قانون العقوبات المصري، وحسناً فعل المشرع اليمني، على اعتبار أن مصطلح ( المواطن) لا يشمل المقيمين والأجانب، وبذلك تخلص مما كان قد يقع فيه من لبس عند بسط الحماية على موضوع البحث.

2- تنص المادة (356/2) من قانون العقوبات الأردني على : ” ويعاقب بالحبس مدة ستة أشهر أو بالغرامة حتى عشرين ديناراً من كان ملحقا بمصلحة الهاتف وأفشى مخابرة هاتفية اطلع عليها بحكم وظيفته أو عمله”. كما تنص المادة (438/1) من قانون العقوبات العراقي على : ” من نشر بإحدى طرق العلانية أخباراً أو صوراً أو تعليقات تتصل بأسرار الحياة الخاصة أو العائلية للافراد ولو كانت صحيحة إذا كان من شأن نشرها الإساءة إليهم ” . وينظر كذلك : المادة (328) من القانون نفسه.

3- ينظر : د. طارق سرور، دروس في جرائم النشر، ط(1) ، دار النهضة العربية ، القاهرة ، 997م ، ص 250.

4- ينظر : د. محمد زكي أبو عامر، الحماية الجنائية للحريات الشخصية، موسوعة القضاء والفقه
للدول العربية، الجزء السابع والعشرون القسم الثالث، الدار الجامعية، بيروت، بدون
سنة نشر ، ص60، وينظر كذلك : د رمسيس بهنام، الجرائم المضرة بآحاد الناس ، منشاة المعارف ، الإسكندرية ،1990م ، ص 407.

5- ينظر : حسن محمد ربيع، حماية حقوق الإنسان والوسائل المستحدثة للتحقيق الجنائي، رسالة دكتوراه مقدمة إلى كلية الحقوق في جامعة الإسكندرية، 1985م، ص587.

الركن الخاص في جريمة استماع المحادثات الخاصة أو نقلها أو تسجيلها :

كي يتم تحديد هذا الركن بشكل واضح يقتضي الأمر تحديد ماهية المحادثات ، مع إيضاح المقصود بكون الحديث خاصاً . وعليه فالحديث عبارة عن كل صوت له دلالة التعبير عن مجموعة من المعاني والافكار المترابطة ، فإذا كان هذا الصوت فاقد الدلالة على أي تعبير كالهمهمة والصيحات المتناثرة او اذا اعطى دلالة فلا تكون هذه الدلالة معبرة عن مجموعة من المعاني والافكار المترابطة كاللحن الموسيقي فإنه لا يعد حديثاً ، ويستوي فيما يعد محادثة ان تكون مفهومة لجمهور الناس او لفئة محددة منه ، ولا عبرة في ذلك باللغة التي يجري فيها الحديث(1) . اما فيما يتعلق بالصفة الخاصة للحديث ، في الحقيقة ان المشرع المقارن لا يعتد بموضوع الحديث بقدر ما يعتد بالمكان الذي جرى فيه ليكون قرينة لا تقبل اثبات العكس عن طبيعته ، فيكون الحديث خاصاً اذا جرى في مكان خاص او بالهاتف ولو تناول موضوعاً عاماً ، وعليه فهو معيار يتسم بالوضوح ، اما الأخذ بمعيار طبيعة موضوع الحديث فقد يؤدي تفسيره الى التوسع في تطبيق النص أكثر مما يجب ، كما ان الحديث الذي يلقي به الشخص في مكان عام يكون متاحاً للكل سماعه ، ومن ثم لا يمثل تسجيله او نقله عدواناً على خصوصيته ، حتى لو تناول أخص شؤونه لانه لا يجوز للشخص ان يفرط في اسراره ثم يطلب حماية القانون(2) . غير ان بعضهم (3) يرى ان الأخذ بمعيار المكان الخاص او بالهاتف لا يكفل الحماية الكافية لحرمة الحديث ، باعتبار ان الهدف ينصب على خصوصية الحديث لقائله لا على المكان الذي يجري فيه ، فوقوع الحديث في مكان عام لا ينفي عنه صفة الخصوصية ، ولا يجرده من الحماية اذا كان متعلقاً بشؤون صاحبه واسراره ، وتم بينه وبين من يريد الافضاء به ودون ان يجهر بالقول بحيث لا يكون في استطاعة طرف ثالث عدم سماعه مع وجود قرينة مطلقة على خصوصية الاحاديث التي تجري في مكان خاص او عن طريق الهاتف (4) لذلك كانت المناداة في معيار صفة موضوع الحديث على اساس انه الاجدر بالتطبيق . الا ان هناك(5) من يعترض على المعيار السابق في تحديد خصوصية الحديث ، بحجة ان هناك حالات يتعذر بشأنها الوقوف على طبيعة الحديث فيما اذا كان عاماً ام خاصاً ، وحتى اذا امكن التمييز بين النوعين ، فانه لا يتسنى من الناحية العملية معرفة طبيعة الحديث الذي يجري تسجيله الا بعد تفريغ التسجيل ، والاستماع الى الشريط المسجل ، وحينها يكون الاعتداء على حرمة الحديث قد وقع ، بل يتحقق الاعتداء في الواقع بمجرد الشروع في استراق السمع والبدء باجراء التسجيل(6) . فضلاً عن ذلك فقد برز معيار حديث مؤداه ان خصوصية الحديث تتحدد على اساس طبيعة المكان من جهة ، ومن جهة اخرى على اساس طبيعة الحديث ذاته ، أي بناءاً على معيار مزدوج ، اذ يعد الحديث خاصا متى ما دار في مكان خاص بصرف النظر عن موضوعه ، ويكون ذلك مشمولاً بالحماية القانونية ، اذا كان يتعلق بامور شخصية للمتحدث اينما جرى ولو كان في مكان عام(7) ، باعتبار ان الكثير من الاحاديث الخاصة تجري في الاماكن العامة وهذا ليس من شانه ان يجردها من خصوصيتها، ويتوقف كون الحديث الذي يدور في مكان عام خاصاً ام لا ، على ارتفاع صوت المتحدثين والوضعية التي عليها هؤلاء ، و مدى ازدحام المكان الذي يدور فيه الحديث من عدمه ، وغير ذلك من الظروف والاعتبارات المختلفة(8) . وهذا المعيار باعتقادنا المتواضع هو الاجدر بالتأييد ولكن على الرغم من وجاهتة ، وقوة المنطق الذي يسنده ، يصعب الاخذ به وتطبيقه في ظل النصوص الراهنة التي تشترط وقوع الاعتداء بمكان خاص ، وعليه يقتضي التدخل لتعديل بعض النصوص القانونية المقارنة القائمة بهذا الشكل بما يكفل مد نطاق الحماية القانونية للاحاديث الخاصة التي تدور في مكان عام شانها شأن التي تجري في مكان خاص ، وان القول بمد نطاق هذه الحماية دون اجراء تعديل لتلك النصوص الحالية ، على اساس القياس هوما لم يمكن قبوله ، لان القياس محظور في مسائل التجريم والعقاب(9) ، ولكن على الرغم مما تقدم يتضح ان المشرع المقارن رجح الضابط والمعيار المستمد من صفة الحديث ، لكونه اكثر تحديداً ووضوحاً ولا يثير من المشكلات ما يثيره معيار موضوع الحديث من صعوبات ليس من السهل على السياسة التشريعية حسمها(10) .

_____________

1- ينظر: د. محمود نجيب حسني، شرح قانون العقوبات، القسم الخاص، ط 1988م ، ص68 . وينظر كذلك : د. محمد زكي أبو عامر ، قانون العقوبات ، القسم العام ، بدون مكان نشر ، 1990م ، ص88 .

2- ينظر: د. محمد زكي أبو عامر ، المصدر السابق ، ص88 –89 .

3- ينظر: د. عوض محمد ، الوجيز في قانون الاجراءات الجنائية ، دار المطبوعات الجامـعيـة ، الاسكندرية ، 1977م ، ص 312 .

4- ينظر : حسن محمد ربيع ، حماية حقوق الانسان والوسائل المستحدثة للتحقيق الجنائي ، رسالة دكتوراه مقدمة الى كلية الحقوق في جامعة الاسكندرية ، 1985م ، ص 586-587 .

5- ينظر : د. مراد رشدي ، نظرة في حرمة الحياة الخاصة للإنسان ، بحث مقدم الى مؤتمر الحق في حرمة الحياة الخاصة ، المنعقد في كلية الحقوق ، جامعة الاسكندرية في الفترة من 4-6 يونيو 1987م ، ص21.

6- ينظر : د. حسام الدين الاهواني ، الحق في احترام الحياة الخاصة ، دار النهضة العربية ، القاهرة ،1978م ، ص 129 .

7- ينظر : احمد ضياء الدين محمد خليل ، مشروعية الدليل في المواد الجنائية ، رسالة دكتوراه ، مقدمة الى كلية الحقوق في جامعة القاهرة ، 1989م ، ص 836 وما بعدها .

8- ينظر : د. حسام الدين الاهواني ، مصدر سابق ، ص 194 وما بعدها ، مضيفاً الى ان ما سبق يرجع فيتحديد ما يتوقعه الشخص من الخصوصية الى الاختلافات والطبائع السائدة لدى كل شعب من الشعوب ،ليس هذا فحسب بل ينبغي مراعاة الوضع الاجتماعي للمتحدث ، وذلك عن طريقة المحادثة التي قد تختلف احياناً من فئة الى اخرى وعلى هذا الاساس ، فان ما يجري بين الزوجين من حديث هامس داخل مكانعملهما بشان امور زوجية لا يمكن اعتباره حديثاً علنياً .

9- ينظر : د. مأمون محمد سلامة ، قانون العقوبات/ القسم العام ، دار الفكر العربي ، القاهرة ،1979م ، ص42 .

10- ينظر : د. محمود نجيب حسني ، شرح قانون العقوبات / القسم الخاص ، مصدر سابق ، ص770 .

المؤلف : علي احمد عبد الزعبي
الكتاب أو المصدر : حق الخصوصية

اعادة نشر بواسطة محاماة نت .

لمزيد من المعلومات تفضل للتواصل مع محامي متواجد الان

تكلم هذا المقال عن : جريمة استماع المحادثات الخاصة وتسجيلها وفقاً للقانون