سوق الأسهم .. المطلوب تجريم استعمال المعلومة
د. محمد عرفة
لقد أصبح الاستثمار فـي الأوراق المالية (شراء أسهم الشركات وبيعها والسندات المالية) أحد أهم قنوات الاستثمار التي يفضلها قطاع مهم من المستثمرين بدلاً من إيداع أموالهم لدى البنوك؛ فـيقوم أصحابها ببيع ما لديهم من أسهم للغير, وشراء أسهم أخرى لشركات يتوقعون ارتفاع قيمتها على المدى القصير, مما يُحقق السيولة النقدية داخل البلاد عن طريق تداول القيم المنقولة (أسهم الشركات) المقيدة فـيها؛ إلا أن هذه السوق شهدت فـي هذه الآونة أزمة اقتصادية ملحوظة تمثلت فـي انخفاض مؤشرات الأسهم بشكل ملحوظ, وقد حاولت الجهات المختصة ومازالت معالجة هذه الأزمة, فأصدر ولاة الأمر قرارات جديدة تتمثل فـي تجزئة قيمة الأسهم والسماح للمقيمين بشرائها وبيعها لإيجاد وسيلة إضافـية لتمويل السوق وإنعاشها, وفتح قنوات استثمارية جديدة.

ونرى أن هذه الأزمة لا يمكن أن يكون سببها وجود خلل فـي الاقتصاد السعودي, نظراً لأنه حقق فـي السنوات القليلة الماضية نمواً اقتصادياً ملحوظاً, كما تم اعتماد الميزانية العامة للمملكة, وهي تعد أعلى ميزانية فـي تاريخها لدرجة أن الكثير من المراقبين والمحللين الاقتصاديين اعتبروا الاقتصاد السعودي فـي مرحلة انطلاقة قوية وتوقعوا له مستقبلاً مشرقاً, فـي ضوء ما لوحظ من رواج اقتصادي لم يسبق له مثيل وتحسن فـي البنية التحتية, استناداً إلى ما تتمتع به السعودية من موارد دخل طبيعية متنوعة على رأسها النفط. وهنالك العديد من الأسئلة التي يمكن طرحها الآن: هل هناك ارتباط بينها وبين ما حدث فـي الأسواق المالية فـي بعض الدول العربية الشقيقة مثل الإمارات, مصر, قطر, الكويت, وغيرها من حيث العوامل التي ساعدت على حدوثها, ومن حيث التوقيت, ومن حيث كيفـية المعالجة؟ وهل يمكن إسنادها إلى بعض الأعمال غير المشروعة التي قام بها بعض المتعاملين فـي السوق؟ مثال ذلك حصول بعض الأشخاص على بعض المعلومات عن السوق بحكم وظائفهم واستغلالها لحسابهم الخاص أو لحساب الغير فـي السوق المالية قبل عرضها على جمهور المستثمرين؟ وهل هذه الأزمة عارضة ومؤقتة؟ أم أنها يمكن أن تتكرر مرة أو مرات عديدة؟ وهل ستنتهي حدتها بدخول المقيمين بمدخراتهم والمستثمرين الجدد من ذوي الرساميل الضخمة إلى السوق وضخ كميات كبيرة من الرساميل فيها؟ وإذا ارتفعت أسعار الأسهم بسبب هذه الإجراءات الاقتصادية, وترتب على ذلك تشبع السوق بالرساميل وواصلت ارتفاعها إلى معدلات قياسية, فهل يمكن أن تعاود أسعار الأسهم الانخفاض مرة أخرى؟ لذا فإن التوصل إلى علاج جذري لهذه الأزمة يتطلب أولاً تشخيص ما حدث في السوق المالية السعودية, وهذا التشخيص لا بد أن يرتكز فـي المقام الأول على عملية التحول الاقتصادي الذي شهدته البلاد باتجاهها نحو الاقتصاد الحر, بمنح القطاع الخاص دوراً فاعلا فـي إدارة الاقتصاد باتباع أسلوب التخصيص أو الخصخصة.

كما نرى أن هذه الأزمة ما هي إلا أزمة مؤقتة فـي سبيلها إلى الحل, نظراً لوجود رغبة حقيقية لمواجهتها بالحلول الموضوعية مع دراسة البدائل واختيار القرار المناسب, ولكن ذلك يتطلب من بين ما يتطلبه حسن توجيه الأموال التي يتم استثمارها فـي سوق المال نحو القطاعات الإنتاجية من ناحية, وإقامة مناخ من الثقة لدى المستثمر فـي سوق المال من ناحية أخرى, بحيث يدرك تماماً أن هناك شفافـية فـي التعامل مع المعلومات داخل السوق, وأن هذا التعامل يخضع لقانون اقتصادي معروف لدى الاقتصاديين ورجال الأعمال وغيرهم وهو قانون العرض والطلب ليس إلا, وذلك لأن التعامل فـي سوق رأس المال يقتضي أن يكون مجموع المستثمرين المتعاملين فـيها على قدم المساواة فـي كمية المعلومات المتوافرة لديهم ونوعيتها المتعلقة بأخبار الأسهم فـي السوق, وأوضاع الشركات ومراكزها المالية, ومع ذلك فقد يتم التعامل مع المعلومة بغير شفافـية من خلال الوسطاء الماليين أثناء قيامهم بعمليات التوسط فـي تداول الأسهم والسندات في السوق.

فهم بسبب طبيعة وظائفهم المرتبطة بالسوق المالية يطلعون على بعض البيانات والمعلومات الداخلية المتعلقة ببعض الشركات ثم يعمدون إلى استغلال المعلومات السرية التي لم يتم نشرها سواء لحسابهم الخاص أو تسريبها إلى بعض المستثمرين للاستفادة منها إما فـي شراء أسهم جديدة تحسباً لارتفاع قيمتها أو فـي بيع ما لديهم من أسهم خشية انخفاض قيمتها, وذلك بناء على تلك المعلومات المسربة.

 

 

 

للحصول على استشارة مجانية

تفضل الى رقم مكافحة الابتزاز

 

 

وقد يعمد بعض الوسطاء إلى تسريب بعض المعلومات الخاطئة فـي السوق المالية قاصداً إحداث بلبلة فـيها قد تؤدي إلى إصابة بعض المستثمرين بخسائر مالية نظير تحقيق بعض المكاسب له أو لآخرين. وقد تصدت بعض القوانين الحديثة (كالقانون المصري رقم 95 لعام 1992م والقانون التونسي رقم 17 لسنة 1994 م والقانون الفرنسي الصادر فـي 2 يناير عام 1996 لهذا النوع من الأفعال حيث اعتبرته جريمة يُطلق عليها اسم جريمة استعمال المعلومة المتوصل إليها بحكم الوظيفة أو استغلالها للحساب الخاص أو لحساب الغير فـي السوق المالية قبل عرضها على جمهور المستثمرين Le delit d`initie. ولهذا أرى ضرورة تجريم هذا النوع من التعامل غير المشروع فـي السوق المالية, وفرض رقابة صارمة على الأشخاص الذين يتعاملون فـي السوق لتحقيق الشفافـية وخلق مناخ من الثقة لدى المستثمرين.

إعادة نشر بواسطة محاماة نت

لمزيد من المعلومات تفضل للتواصل مع محامي متواجد الان

تكلم هذا المقال عن : تجريم استعمال المعلومة في سوق الأسهم – النظام السعودي