بحث ودراسة توضح الإطار القانوني للشركة ذات المسؤولية المحدودة

الإطار القانوني للشركة ذات المسؤولية المحدودة في الجزائر حسب تعديلات 2015

ط/ د. دربال سهام، سنة ثالثة دكتوراه تخصص قانون الأعمال بجامعة أبو بكر بلقايد تلمسان/ الجزائر

ملخص:
تعدّ الشركة ذات المسؤولية المحدودة من أهمّ مقومات الاقتصاد الوطني، وقد أدرك المشرّع الجزائري ذلك؛ على هذا الأساس قام بمراجعة بعض الأحكام المنظمة لها في القانون التجاري، وأصدر مجموعة من التعديلات سنة 2015 ، تهدف إلى تسهيل إنشاء هذا النوع من الشركات التي تعدّ النموذج الأمثل لتكوين المؤسسات الصغيرة والمتوسطة ، التي تعرف انتشاراً كبيراً في الجزائر.

Résumé:

La société à responsabilité limitée représente l’un des éléments les plus importants de l’économie nationale, le législateur Algérien a pris conscience et pour cela il a révisé certaines dispositions régissant cette société en droit commercial et il a apporté une série de modifications en 2015, dont le but de faciliter la création de ce type de sociétés qui représente le prototype idéal pour former de petites et moyennes entreprises, largement répandues en Algérie.

Abstract:

The limited liability company is one of the most important elements of the national economy, the Algerian legislator became aware and for this he revised certain provisions governing this company in commercial law and made a series of amendments in 2015 whose aim is to facilitate the creation of this type of company which represents the ideal prototype for forming small and medium-sized enterprises, widely spread in Algeria.

مقدمة :
تتبوأ الشركات التجارية مكانة بارزة في اقتصاديات الدوّل ، باعتبارها الركيزة التي تسمح بتضافر جهود الأشخاص والأموال لمباشرة مشاريع ضخمة ، ولهذا تكفل المشرّع في مختلف الأنظمة القانونية بتنظيم حياة هذه الشركة من التأسيس إلى الانقضاء.

وتأخذ هذه الشركات عدّة أشكال منها الشركة ذات المسؤولية المحدودة التي نظم المشرّع الجزائري أحكامها على غرار العديد من التشريعات ، وذلك راجع إلى أهمية هذه الشركة على المستوى الاقتصادي خاصّة وأنّها تعتبر النموذج الأمثل لتكوين المؤسسات الصغيرة والمتوسطة[1] التي تلقى رِواجاً كبيراً في الجزائر ؛ و بناء علي ذلك قام المشرّع الجزائري ببعض التعديلات الخاصة من خلال القانون 15-20 لمُسايرة الأوضاع الاقتصادية الراهنة .

و تهدف هذه الدراسة إلى التعرّف على هذه التعديلات التي قام بها المشرّع الجزائري ومدى فعّاليتها في تحسين مناخ الأعمال في الجزائر. وهذا ما يدفعنا إلى إثارة التساؤل التالي:

ما هي التعديلات التي كرّسها المشرّع الجزائري في تنظيم الشركة ذات المسؤولية المحدودة ؟ وما مدى فعّاليتها ؟ .

المبحث الأوّل: ماهية الشركة ذات المسؤولية المحدودة

يمكن تقسيم الشركات التجارية حسب خصائصها إلى شركات مالية تقوم على الاعتبار المالي كشركات المساهمة ، وشركات أشخاص يغلب عليها الطابع الشخصي كشركات التضامن[2] ، بينما نجد نوعاً آخر من الشركات تتضمن مزيج من الخصائص كالشركة ذات المسؤولية المحدودة ، هذه الأخيرة تتميّز بطابع قانوني يختلف نوعاً ما عن باقي الشركات التجارية الأخرى وهو ما يدفعنا إلى البحث عن المقصود منها في (المطلب الأوّل) ، و الجدير بالذكر أن هذه الشركة لم تكن وليدة التشريعات الحديثة وإنّما تمتدّ جذورها إلى الحضارات القديمة و هو ما سنبينه من خلال (المطلب الثاني).

المطلب الأوّل: الإطار المفاهيمي للشركة ذات المسؤولية المحدودة

سنبين من خلال هذا المطلب المقصود بالشركة ذات المسؤولية المحدودة ، ثم نحدد خصائصها.

تعريف الشركة ذات المسؤولية المحدودة و خصائصها .

عرّف المشرّع الجزائري الشركة ذات المسؤولية المحدودة في المادة 564 من القانون التجاري[3] بأنّها : «تؤسس الشركة ذات المسؤولية المحدودة من شخص واحد أو عدّة أشخاص لا يتحمّلون الخسائر إلاّ في حدود ما قدموا من حصص ، إذا كانت الشركة ذات المسؤولية المحدودة المؤسسة طبقاً للفقرة السابقة ، لا تضمّ إلاّ شخصاً واحداً كشريك وحيد ، تسمى هذه الشركة “مؤسسة ذات الشخص الوحيد وذات المسؤولية المحدودة “….وتعيّن بعنوان للشركة يمكن أن يشتمل على اسم واحد من الشركاء أو أكثر على أن تكون هذه التسمية مسبوقة أو متبوعة بكلمات “شركة ذات مسؤولية محدودة ” ، أو الأحرف الأولى منها أي ش.م.م وبيان رأسمالها».

فالشركة ذات المسؤولية المحدودة هي الشركة التي تتألف بين عدد من الشركاء غالباً ما يكون محددا ،ً يسألون مسؤولية محدودة عن ديونها والتزاماتها بقدر حصصهم في رأس مالها ، ولا يكتسبون صفة التاجر ، وتتمتع هذه الشركة بالشخصية المعنوية ولا يمكن جمع رأسمالها عن طريق الاكتتاب العام كما لا يمكن انتقال حصص الشركاء إلاّ بموجب أحكام القانون[4] ، تأسس من شخص واحد أو عدّة أشخاص، تتميّز ببعض الخصائص التي تنفرد بها من بينها :

شركة تجارية:
تستمد هذه الخاصّية فحواها من المادة 544 من القانون التجاري التي تنص على: «يحدد الطابع التجاري لشركة إمّا بشكلها أو موضوعها.

تعدّ شركات التضامن وشركات التوصية والشركات ذات المسؤولية المحدودة وشركات المساهمة ، تجارية بحكم شكلها ومهما يكن موضوعها » .

من خلال استقراء المادة القانونية يمكن القول أنّ الشركة ذات المسؤولية المحدودة تعتبر شركة تجارية بحسب الشكل بغض النظر عن موضوع النشاط التي تمارسه سواء كان تجاري أو مدني.

المسؤولية المحدودة للشريك:
من أهمّ مميزات الشركة ذات المسؤولية المحدودة أنّ مسؤولية الشريك فيها غير مطلقة ، بل هي مسؤولية محدودة بقدر الحصة التي ساهم بها في رأسمال الشركة ، فلا يسأل عن ديونها إلاّ في حدود حصته ، غير أنّ تحديد مسؤوليته لا تقوم إلاّ إذا كان تصرفه في الشركة سليماً ومطابقاً للقانون ، وبعدّ تحديد المسؤولية مبدأ مطلقاً سواء في العلاقة بين الشركاء بعضهم ببعض أو في علاقتهم مع الغير[5].

وقد تكون هذه “المسؤولية المحدودة ” هي التي أدّت إلى تسميتها بالشركة ذات المسؤولية المحدودة ، وهي تسمية خاطئة ، لأنّ تحديد المسؤولية يتمتع به الشريك فقط ، فلا يمتد هذا التحديد إلى الشركة ، بل تسأل مسؤولية مطلقة عن جميع التزاماتها ، فتشمل كافة أموالها وموجوداتها [6].

عدم اكتساب الشريك صفة التاجر:
لا يكتسب الشريك في هذا النوع من الشركات صفة التاجر وذلك راجع إلى طبيعة المسؤولية التي يتحمّلها ، فمسؤوليته تكون محدودة بقدر نسبة مساهمته في رأس المال ، إلاّ إذا كانت له هذه الصفة (أي صفة التاجر) قبل دخوله في الشركة.

يمكن القول أنّ هذه الشركة لا تندرج في طائفة معروفة من الشركات، بل هي خليط بين شركات الأشخاص وشركات الأموال[7] .
عدم قابلية الحصص للتداول:
تنص المادة 569 من القانون التجاري الجزائري على أنّه: «يجب أن تكون حصص الشركاء اسمية ولا يمكن أن تكون ممثلة في سندات قابلة للتداول ».

فحصص الشركاء لا يمكن انتقالها إلى الغير، وهذا هو الأصل، هذه الخاصّية نلمسها في شركات الأشخاص، بيد انّه يمكن أن تنتقل هذه الحصص إلى أشخاص أجانب ولكن بشرط موافقة أغلبية الشركاء التي تمثل ثلاثة أرباع رأسمال الشركة على الأقل[8].كما يجوز أن تنتقل هذه الحصص عن طريق الإرث، ويمكن إحالتها بكل ” حرية بين الأزواج والأصول والفروع[9].

عدم تأثر الشركة ذات المسؤولية المحدودة بِما يطرأ على شخص الشريك من عوارض[10] ، سواء بالوفاة أو الإفلاس أو الإعسار أو الحجر عليه.

سيادة قانون الأغلبية بالنسبة للقرارات المتعلقة بنشاط الشركة ومصيرها، وهذا عكس شركات الأشخاص حيث السيادة لقانون الإجماع [11].
المطلب الثاني: التطور التاريخي للشركة ذات المسؤولية المحدودة

سنعطي في هذا المطلب لمحة تاريخية عن شركة ذات المسؤولية المحدودة بصفة عامة ثم في القانون الجزائري.

لمحة تاريخية عن شركة ذات المسؤولية المحدودة.

نتيجة لاستمرار تطور التجارة وتوسعها ، ظهر نوع جديد من الشركات لمواكبة التطور الصناعي والتجاري الهائل المصاحب لنموّ الرأسمالية هي الشركات المحدودة ، ويعتبر المشرّع الألماني أوّل من أوجد تنظيماً تشريعياً لها وذلك بموجب القانون الصادر في 1892 وأطلق عليها تسمية “شركة مع مسؤولية محدودة “[12].

وقد انتقل هذا النوع من الشركات إلى الكثير من الدول الأوروبية نظراً للمميزات الخاصة التي تتمتع بها لاسيما بالنسبة للمسؤولية المحدودة الملقاة على عاتق الشركاء. وفي سنة 1900 ظهر في انجلترا نوع يشبه هذا الشكل من الشركات ، وكان يسمى بالشركة الخاصة المحدودة «Private limited company» ، وفي فرنسا بعد أن استعادَت منطقة “الألـزاس” و”اللوران” وجدت هذه الشركات منتشرة في هاتين المنطقتين ممّا اضطرها إلى إصدار قانون في 7 مارس 1925 يتبنى هذا النوع من الشركات في الاقتصاد الفرنسي[13].

الشركة ذات المسؤولية المحدودة في القانون الجزائري.

نظم المشرّع الجزائري أحكام الشركة ذات المسؤولية المحدودة من خلال القانون 75-59 المؤرخ في 26 سبتمبر 1975 المتضمن القانون التجاري ، وعدّل أحكامها من خلال الأمر 96-27 المؤرخ في 9 ديسمبر 1996 الذي أدخل من خلالها شركة الشخص الواحد محدودة المسؤولية.

وفي سنة 2015 ومن خلال قانون رقم 15-20 المؤرخ في 18 ربيع الأوّل عام 1437 ﮪ الموافق ل 30 ديسمبر سنة 2015 أدخل المشرّع الجزائري بعض التعديلات في المواد القانونية التي تنظم هذه الشركة في القانون 75-59 سالف الذكر و المتمثلة في:

المادة 566 المتعلقة بحذف رأس المال الأدنى لتأسيس الشركة .

المادة 567 من خلال هذه المادة ألغي المشرع إلزامية تقديم الحصص النقدية كاملة أثناء التأسيس.

أدرج المشرع المادة 567 مكرر و التي من خلالها أجاز تقديم الحصة عمل.
المادة 567 مكرر 1 التي بموجبها حمي المشرع حصص المكتتبين بإرجاعها لهم في حالة عدم تأسيس الشركة.
و إضافة الي ذلك عدل المشرع المادة 590 حيث رفع عدد الشركاء الذي كان 20 بموجب النص القديم و أصبح 50 بموجب تعديلات القانون 15 – 20 .
ويختلف النظام القانوني للشركة ذات المسؤولية المحدودة عن الشركات الأخرى التي نظمها المشرّع الجزائري من خلال مواد القانون التجاري ، وهو ما سنتطرق إليه في النقاط التالية:

المبحث الثاني: النظام القانوني للشركة ذات المسؤولية المحدودة حسب القانون 15-20.

عند تأسيس الشركة ذات المسؤولية المحدودة لابدّ من توافر بعض الشروط التي لا تصح الشركة بدونها والمتمثلة في الأركان الموضوعية العامة والخاصة والشكلية (المطلب الأوّل) ، وهذه الأركان أدخل عليها المشرّع الجزائري بعض التعديلات الهادفة إلى تحسين مناخ الأعمال في الجزائر ، وذلك بتسهيل الإجراءات المتعلقة بتأسيس هذه الشركة التي تلقى رِواجاً كبيراً في الجزائر ، وهو ما يدفعنا إلى التساؤل حول أهمية وأبعاد هذه التعديلات (المطلب الثاني) .

المطلب الأوّل: شروط تأسيس الشركة ذات المسؤولية المحدودة حسب تعديلات 2015.

الشركة ذات المسؤولية المحدودة كغيرها من الشركات التجارية تتطلب توافر الأركان الموضوعية العامة المتمثلة في الرضا و المحل و السبب ، وهي الأركان الواجب توافرها في جميع العقود على غرار عقد الشركة ؛ إضافة إلى ذلك اشترط المشرّع ضرورة توافر كلّ من الأركان الموضوعية الخاصة والشكلية.

الفرع الأوّل: الأركان الموضوعية الخاصة.

هي الأركان التي تتميز بها هذه الشركة عن غيرها وتتمثل في:

تعدد الشركاء:
تنص المادة 590 من القانون التجاري : «لا يسوغ أن يتجاوز عدد الشركاء في الشركة ذات المسؤولية المحدودة خمسين (50) شريكاً وإذا أصبحت الشركة مشتملة على أكثر من خمسين (50) شريكاً وجب تحويلها إلى شركة مساهمة في أجل سنة واحدة ، وعند عدم القيام بذلك ، تنحل الشركة ما لم يصبح عدد الشركاء في تلك الفترة من الزمن مساوياً الخمسين (50) شريكاً أو أقل » .

كما تنص المادة 564 من القانون التجاري : «تؤسس الشركة ذات المسؤولية المحدودة من شخص واحد أو عدّة أشخاص لا يتحملون الخسائر إلاّ في حدود ما قدموا من حصص…» .

إذن فالشركة ذات المسؤولية المحدودة في القانون التجاري الجزائري يمكن أن تؤسس من شخص واحد وتسمى ب “مؤسسة الشخص الواحد ” ، بينما الحدّ الأقصى التي لا يجوز تجاوزه هو 50 شريكاً حسب القانون 15-20.

ويفسر حرص المشرع الجزائري على تمسّكه بالعدد المحدد للشركاء في هذه الشركة، بالرغبة في المحافظة على الاعتبار الشخصي بين الشركاء لزيادة الثقة المتبادلة بينهم[14].

رأسمال الشركة:
بالنسبة لرأسمال الشركة ذات المسؤولية المحدودة ، فالمشرّع الجزائري من خلال المادة 566 المعدلة بموجب القانون 15-20 قام بإلغاء الحدّ الأدنى لرأسمال المتمثل في 100.000د.ج ، وبالتالي أصبح للشركاء الحرية في تحديد قيمته في القانون الأساسي ، شرط أن يتم ذكر قيمة رأس المال في جميع وثائق الشركة[15].

تقديم الحصص:
كما سبق لنا الذكر أنّ رأسمال الشركة ذات المسؤولية المحدودة يتكون من حصص نقدية وحصص عينية ، فالحصص النقدية هي مبلغ من النقود يقدمه الشريك كجزء من رأسمال الشركة[16].

وحسب المادة 567 الفقرة 2 من القانون 15- 20 ، فالحصة النقدية يجب أن تكون قيمتها خُمس (1/5) مبلغ رأس المال التأسيسي على الأقل ، ويدفع المبلغ المتبقي على مرحلة واحدة أو عدّة مراحل بأمر من مسّير الشركة وذلك في مدة أقصاها خمس (05) سنوات من تاريخ تسجيل الشركة لدى السّجل التجاري[17].

و تكون حصة هذا الشريك عينية تتمثل في عقار أو محل تجاري أو وسيلة نقل أو آلة أو بضاعة تنصب الحصة على حق الانتفاع [18]. وقد نصت المادة 567 من القانون التجاري على إلزامية أن تقدم الحصص العينية كاملة.

وعليه، المشرّع الجزائري ألغى إلزامية تقديم الحصص النقدية كاملة، ولعلّ السبب في ذلك أنّ رأسمال الشركة لم يعد الضمان الوحيد للمتعاملين معها، بينما إلزامية تقديم الحصص العينية كاملة لم يدخل عليها أيّ تعديلات.

ولم يقتصر تعديل المادة على هذا النحو، بل ذهب المشرّع الجزائري إلى أبعد من ذلك، حيث أدرج مادة جديدة “المادة 567 مكرر ” أعطى للشركاء من خلالها الحق في تقديم حصة عمل. والقانون الأساسي للشركة هو الذي يحدد كيفية تقدير قيمة هذا العمل وما يخوّله من أرباح ، ولا تدخل هذه الحصة في تكوين رأسمال ؛ كما يشترط لصحة تكوين الشركة ضرورة توافر الشروط الشكلية.

الفرع الثاني : الشروط الشكلية.

يعتبر عقد الشركة من العقود الشكلية التي أوجب المشرّع فيها الكتابة الرسمية ، فلا يكفي توافق الإيجاب والقبول لتكوين شركة ذات المسؤولية المحدودة.

أوّلاً: إلزامية الكتابة الرسمية:

أوجب المشرّع الجزائري من خلال المادة 545 من القانون التجاري ضرورة إثبات الشركة بعقد رسمي وإلاّ كانت باطلة، وحمايةً للغير المتعامل معها، منح المشرّع لهؤلاء الحق في إثبات وجودها بجميع وسائل الإثبات في حالة عدم كتابتها رسمياً.

والمشرّع الجزائري لم يكتفِ عند هذا الحدّ بل وفّر كذلك حماية خاصة للشركاء في حالة عدم تأسيس الشركة بعد مرور 6 أشهر من تاريخ إيداعها وذلك باسترجاع أموالهم المودعة لدى الموثق ، ولهم الحق في اللّجوء إلى القضاء للترخيص لهم بسحب هذه المبالغ . [19]

ثانياً : شهر الشركة

يجب أن تُودع العقود التأسيسية والعقود المعدّلة للشركات التجارية لدى المركز الوطني للسّجل التجاري[20] ، ولا تتمتع هذه الشركة بالشخصية المعنوية إلاّ من تاريخ قيدها في السّجل التجاري[21] ، وهذا حتى يعلم الغير بوجود هذا الكيان القانوني.

المطلب الثاني: مدى فعّالية التعديلات الواردة في القانون 15-20.

كما وسبق لنا الذكر ، أنّ الشركة ذات المسؤولية المحدودة تعتبر النموذج الأمثل لتكوين المؤسسات الصغيرة والمتوسطة ، وتدخل المشرّع من خلال القانون 15-20 كان فعالا نوعاً ما ويتماشى مع متطلبات الوضع الاقتصادي الحالي ، وهو ما سنحاول التنويه إليه في النقاط التالية:

الفرع الأوّل: مدى أهمية التعديلات المتعلقة بتقديم الحصص.

سمح المشرّع الجزائري للشركاء تقديم خُمس (1/5) قيمة حصصهم النقدية، وإكمال الباقي خلال مدّة 5 سنوات وهو ما نص عليه في المادة 567 الفقرة الثانية و الثالثة المعدلة بموجب القانون 15 – 20 السالف الذكر التي تنص علي ” …. يجب أن تدفع الحصص النقدية بقيمة لا تقل عن خمس (1 /5) مبلغ رأس المال التأسيسي ، ويدفع المبلغ المتبقي علي مرحلة واحدة أو عدة مراحل بأمر من مسير الشركة و ذلك في مدة أقصاها خمس (5) سنوات من تاريخ تسجيل الشركة لدي السجل التجاري . يجب أن تدفع الحصص كاملة قبل أي اكتتاب لحصص نقدية جديدة و ذلك تحت طائلة بطلان العملية … “

و هذا علي خلاف ما كان منصوص عليه في المادة 567 من القانون التجاري قبل التعديل، التي كانت تلزم المكتتبين دفع قيمة الحصص النقدية كاملة أثناء التأسيس. [22]

فالمشرّع الجزائري إذن أدرك فكرة أنّ رأسمال الشركة لم يعد الضمان الوحيد للغير المتعامل معها ، و من خلال هذا التعديل سهل علي المستثمرين تأسيس هذا النوع من الشركات ؛ إضافة إلي ذلك قد تتوفر لدى الشخص الذي يريد الانضمام إلى هذه الشركة الرغبة في الدخول فيها دون أن يمتلك قيمة الحصة كاملة أثناء التأسيس ، لذلك وفّر له المشرّع إمكانية الاستثمار فيها مع التزامه بالمبلغ المتبقي خلال خمسة سنوات.

أمّا فيما يخصّ إدراج حصة عمل ، فبعد أن كان المشرع الجزائري يمنع تقديم هذا النوع من الحصص في المادة 567 من القانون التجاري [23] سمح بموجب المادة 567 مكرر المنتهجة بموجب القانون 15 -20 للراغبين بتكوين هذا النوع من الشركات و الذين لا يمتلكون قيمة الحصص النقدية و العينية تقديم حصة عمل .

فسهل بذلك للأشخاص الذين يملكون الخبرة وحاملي الأفكار و الشهادات الدخول في شراكة مع أصحاب الأموال من أجل خلق مؤسسات تجسد أفكارهم ، وبذلك أعطى المشرّع نوعاً من المرونة في تكوين هذه الشركة.

بالإضافة إلى استقطاب اليد العاملة خاصّة المؤهلة في مجالات معينة للاستفادة منها في هذه الشركات ، وتحدّد كيفية تقدير قيمة هذا العمل ، وما يخوّله من أرباح ضمن القانون الأساسي للشركة ، فترك بذلك الحرية للشركاء لتحديد قيمة هذه الحصة ، والجدير بالذكر أنّ هذه الحصة لا تدخل في تكوين رأسمال[24].

الفرع الثاني: أهمية إلغاء رأس المال.

تنص المادة 2 من القانون 15-20 و المعدِلة للمادة 566 من القانون التجاري علي “يحدد رأسمال الشركة ذات المسؤولية المحدودة بحرية من طرف الشركاء في القانون الأساسي للشركة و يقسم إلي حصص ذات قيمة اسمية متساوية. يجب أن يشار إلي الرأسمال في جميع وثائق الشركة ” .

و بالتالي حذف رأس المال الأدنى الذي كان يقدر ب 100.000دج مقسم إلي حصص ذات قيمة اسمية متساوية قيمتها 1000 دج [25] ، والهدف من ذلك هو تسهيل متطلبات وشروط مزاولة الأعمال التجارية ممّا يزيد من انتشار الشركات ذات المسؤولية المحدودة وإيجاد المزيد من الفرص الاستثمارية وفرص العمل.

فرأس المال في هذا النوع من الشركات التي تركز أغلبها في تأسيس مشاريعها علي الكفاءات و المهارات الشخصية لا يعد الضمان الوحيد للمتعاملين معها ؛ إضافة إلي ذلك فإلغاء الحد الأدنى لرأسمال الشركة سيؤدي حتما إلي العديد من النتائج الإيجابية التي تحقق النمو الاقتصادي و تحسن البيئة الاستثمارية خاصة في القطاع الخاص ، حيث يسمح ذلك باستثمار رؤوس الأموال الصغيرة التي ترغب في تكوين مشاريع تجارية مستقلة .

والجزائر بذلك سارت على نهج العديد من الدول التي تركت الحرية للشركاء في تحديد قيمة رأس المال كفرنسا سنة 2003.

خاتـمة:

نأتي إلى خاتمة هذه الدراسة التي من خلالها يمكن القول أنّ المشرّع الجزائري أدرك أهمية الشركة ذات المسؤولية المحدودة في الرفع بالاقتصاد الوطني ، وذلك بمراجعة العديد من الأحكام المتعلقة بتأسيسها ، هذه التعديلات التي يمكن القول أنها تعديلات جوهرية ، تساهم في تحسين مناخ الاستثمار في الجزائر ، خاصّة تلك المتعلقة بإلغاء الحدّ الأدنى لرأسمال .

و في الواقع فإن إلغاء رأس المال الأدنى لا يعني أن يقوم هؤلاء الشركاء بتكوين شركاتهم بمبالغ رمزية بالرغم من أن ذلك جائز قانونا ، لأن مقدار رأس مال هو الذي يعزز مكانتها المالية للحصول علي القروض و كذلك لكسب ثقة الغير .

قائمة المراجع:

الكتب :
إبراهيم سيد أحمد ، العقود والشركات التجارية – فقهاً وقضاءً – ، دار الجامعة الجديدة للنشر ، الطبعة الأولى ، الإسكندرية ، مصر ، 1999.
أحمد محرز ، القانون التجاري الجزائري ، الجزء الثاني ، مطابع سّجل العرب ، 1979.
أكرم ياملكي ، القانون التجاري- الشركات دراسة مقارنة – ، دار الثقافة للنشر والتوزيع ، الأردن ، 2008.
صفوت بهنساوي ، الشركات التجارية ، دار النهضة العربية ، 2007.
فوزي محمد سامي، الشركات التجارية الأحكام العامة والخاصة، دار الثقافة، الطبعة الخامسة، الأردن، 2010.
كريمة كريم ، شركة الشخص الواحد محدودة المسؤولية – الإطار القانوني للمشروعات المتوسطة والصغيرة ، دار الجامعة الجديدة ، الإسكندرية ، 2014.
نادية فضيل ، شركات الأموال في القانون الجزائري ، ديوان المطبوعات الجامعية ، الجزائر.
هيوا إبراهيم الحيدري ، شركة الشخص الواحد ذات المسؤولية المحدودة- دراسة مقارنة- ، منشورات الحلبي الحقوقية ، الطبعة الأولى ، لبنان ، 2010.
الرسائل:
كمال سامية ، المؤسسة ذات الشخص الوحيد وذات المسؤولية المحدودة- دراسة مقارنة- ، رسالة دكتوراه، كلية الحقوق ، جامعة مولود معمري ، تيزي وزو ، 2011.
النصوص القانونية:

الأمر 75-59 المؤرخ في 26 سبتمبر 1975 والمتضمن القانون التجاري المعدّل بموجب القانون 05-02 المؤرخ في 06 فبراير 2005.
الأمر 96-27 المؤرخ في 28 رجب 1417ﮪ الموافق لـ9 ديسمبر 1996م.
القانون 15-20 المؤرخ في 18 ربيع الأوّل عام 1437ﮪ الموافق ل30 ديسمبر سنة 2015م، يعدّل ويتمم الأمر رقم 75-59 المؤرخ في 20 رمضان عام 1395ﮪ الموافق ل26 سبتمبر 1975م والمتضمن القانون التجاري.
[1] تعتبر المؤسسات الصغيرة والمتوسطة من أهمّ مقومات الاقتصاد الوطني لكلّ دولة ، وعلى الرّغم من صغر حجمها فهي لا تعدّ مجرد مرحلة تاريخية في مسار التنمية الاقتصادية ، بل تعدّ حقيقة يقتضيها كلّ تطور اقتصادي لأنّها تتعايش مع المؤسسات أو الوحدات الكبرى المستخدمة للتكنولوجيا المتقدمة ورأس المال المرتفع والعدد المعتبر من العمال ، فوجودهما مع بعض يعتمد على التكامل بينهما ، فلا يمكن تواجد المؤسسات الكبرى لوحدها ولا الصغيرة والمتوسطة لوحدها.

راجع : كريمة كريم ، شركة الشخص الواحد محدودة المسؤولية – الإطار القانوني للمشروعات المتوسطة والصغيرة ، دار الجامعة الجديدة ، الإسكندرية ، 2014 ، ص.09.

[2] لمزيد من التفاصيل راجع : صفوت بهنساوي ، الشركات التجارية ، دار النهضة العربية ، 2007 ؛ أكرم ياملكي ، القانون التجاري – الشركات دراسة مقارنة – ، دار الثقافة للنشر والتوزيع ، الأردن ، 2008.

[3] الأمر 75-59 المؤرخ في 26 سبتمبر 1975 والمتضمن القانون التجاري ، المعدّل بموجب القانون 05-02 المؤرخ في 06 فبراير 2005.

عدّلت المادة 564 بموجب الأمر 96-27 المؤرخ في 28 رجب 1417 ﮪ الموافق ل ـ9 ديسمبر 1996 م.

[4] فوزي محمد سامي ، الشركات التجارية الأحكام العامة والخاصة ، دار الثقافة ، الطبعة الخامسة ، الأردن ، 2010 ، ص.181 وما يليها.

[5] نادية فضيل ، شركات الأموال في القانون الجزائري ، ديوان المطبوعات الجامعية ، الجزائر ، ص.27.

[6] نادية فضيل ، المرجع نفسه ، الصفحة نفسها.

[7] إبراهيم سيد أحمد ، العقود والشركات التجارية – فقهاً وقضاءً – ، دار الجامعة الجديدة للنشر ، الطبعة الأولى ، الإسكندرية ، مصر ، 1999 ، ص.200.

[8] المادة 571 من القانون التجاري.

[9] المادة 570 من القانون التجاري.

[10] نادية فضيل ، المرجع السابق ، ص.31.

[11] نادية فضيل ، المرجع نفسه ، ص.32.

راجع المادة 582 من القانون التجاري.

[12] هيوا إبراهيم الحيدري ، شركة الشخص الواحد ذات المسؤولية المحدودة – دراسة مقارنة -، منشورات الحلبي الحقوقية ، الطبعة الأولى ، لبنان ، 2010، ص.36.

شركة مع مسؤولية محدودة: Gesellschaft mit beschrankter Rafting (G.M.B.R)

[13] نادية فضيل ، المرجع السابق ، ص.23.

مرّ تنظيم المجموعة الأوروبية للشركة ذات المسؤولية المحدودة بعدّة مراحل : في المرحلة الأولى صدر التوجيه الثاني رقم 76/91 عن مجلس المجموعة الأوروبية بتاريخ 13 -12- 1976، وفي المرحلة الثانية صدر التوجيه الثاني عشر رقم 89-667 بتاريخ 21-12- 1989 ، وفي المرحلة الأخيرة صدرت لائحة رقم 2157/2001 تتعلق بالنظام الأساسي للشركة الأوروبية ، عن مجلس الاتحاد الأوروبي في 8-10-2001.

EZRAN CHARR IERE Nadine, L’entreprise Unipersonnelle dans les pays de l’Union Européenne L.G.D.J, Parcs, 2002, p.p.159-170.

مقتبس عن : كسال سامية ، المؤسسة ذات الشخص الوحيد وذات المسؤولية المحدودة – دراسة مقارنة – ، رسالة دكتوراه ، كلية الحقوق ، جامعة مولود معمري ، تيزي وزو ، 2011 ، ص.08.

[14] نادية فضيل ، المرجع السابق ، ص.34.

[15] تنص المادة 566 من القانون 15-20 سالف الذكر على : «يحدد رأسمال الشركة ذات المسؤولية المحدودة بحرية من طرف الشركاء في القانون الأساسي للشركة ، ويقسم إلى حصص ذات قيمة اسمية متساوية.

يجب أن يشار إلى الرأسمال في جميع وثائق الشركة ».

[16] نادية فضيل ، المرجع السابق ، ص.39.

[17] المادة 567 من القانون التجاري قبل التعديل كانت تنص على وجوب دفع قيمة الحصص كاملة.

[18] أحمد محرز ، القانون التجاري الجزائري ، الجزء الثاني ، مطابع سّجل العرب ، 1979 ، ص.198.

[19] تنص المادة 567 مكرر 1 ” إذا لم يتم تأسيس الشركة في مدة (6) أشهر ابتداء من تاريخ إيداع الأموال ، يجوز لكل مكتتب أن يطلب من الموثق سحب مبلغ مساهمته. وفي حالة تعذر ذلك بالطرق العادية، يمكنه أن يطلب من القاضي ألاستعجالي الترخيص بسحب هذا المبلغ ” .

[20] المادة 548 من القانون التجاري.

[21] راجع المادة 549 من القانون التجاري.

[22] نص المشرع في المادة 567 من القانون التجاري قبل التعديل علي « يجب أن يتم الاكتتاب بجميع الحصص من طرف الشركاء و أن تدفع قيمتها كاملة سواء كانت الحصص عينية أو نقدية …..”

[23] المادة 567 من القانون التجاري قبل التعديل “….لا يجوز أن تمثل الحصص بتقديم عمل.. “

[24] راجع المادة 567 مكرر من القانون 15-20 سالف الذكر.

[25] المادة 566 من القانون التجاري قبل التعديل كانت تنص علي ” لا يجوز أن يكون رأسمال الشركة ذات المسؤولية المحدودة أقل من 100.000 دج و ينقسم الرأسمال إلي حصص ذات قيمة اسمية متساوية مبلغها 1000 دج علي الأقل ….”

إعادة نشر بواسطة محاماة نت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *