بحث قانوني مميز حول المسؤولية المدنية و المسؤولية الجنائية

أ/ أحمد أبو الزنط

تاريخيا يصعب الجزم بوجود قطيعة باثة بين المسؤولية المدنية و المسؤولية الجنائية, فكلاهما يرتكز على منطق واحد<العدالة الاجيماعية و الدي يشكل لحمة المسؤولية بصفة عامة رغم تعدد الأشكال المتبناة من طرف المؤسستين <المسؤولية المدنية : التعويض, المسؤولية الجنائية: العقاب>. لكن رغم هده الوحدة التاريخية ظل المعيار الفيصل بينهما هو مبدأ الشرعية الدي يميز المسؤولية الجنائية, اد لا عقاب بدون نص صريح, بالا ضافة إلا بعض المعايير الفرعية : المصلحة العامة التي تسعى المسؤولية الجنائية إلا تحقيقها و ما يترتب عن ذلك من قواعد مسطرية كالجنائي يعقل المدني.

المسؤولية العقدية و المسؤولية التقصيرية

رغم انتمائهما إلا فصيلة المسؤولية المدنية, إلا أن المسؤولية العقدية و المسؤولية التقصيرية تختلفان في مجموعة من النقط :

-فالمسؤولية العقدية تكون مترتبة عن إخلال بالتزام عقدي, في حين أن المسؤولية التقصيرية ناتجة عن إخلال بالتزام قانوني
-المسؤولية العقدية تعد أثرا من آثار عدم تنفيد العقد في حين أن المسؤولية التقصيرية هي مصدر من مصادر الالتزام
-الخطأ العقدي يستلزم أن يكون متوقعا أثناء التعاقد في حين أن هدا الشرط غير متطلب في المسؤولية التقصيرية….

و باعتبار الماهية الحمائية التي تحكم قواعد قانون الإستهلاك, فإن هذا الأخير يكرس مجموعة من المقتضيات الحمائية,إن على مستوى تكوين عقود الإستهلاك,أو على مستوى تنفيذها. ولعل أهم تجليات هذه الحماية الخاصة تتمظهر من خلال تشديد قواعد المسؤولية المدنية للمهني بصفة عامة, و المسؤولية العقدية بصفة خاصة.و تجدر الإشارة إلى أن معالجتنا لهذا الموضوع سوف لن تنصب على المسؤولية العقدية للمستهلك نظرا لكونه الطرف الأجدر بالحماية من جهة, و لكون القواعد التي تحكم المسؤولية العقدية للمستهلك لا تثير إشكالا و تبقى خاضعة للقواعد العامة, و بالتالي سيقتصر حديثنا عن المسؤولية العقدية للمهني.

و بالعودة إلى موضوع المسؤولية العقدية نرى أن معالجته وفق منظور تقليدي يبقى غير كافي للإحاطة بكنهه, لذلك كان لزاما علينا البحث عن إطار بديل لمسؤولية المهني العقدية, هذا الإطار البديل هو قانون الاستهلاك .فوفقا للمنطق الحمائي الذي يحتكم إليه هذا الأخير فان المهني يتحمل مجموعة من التزامات المضافة والتي تؤدي إلى توسيع مسؤوليته العقدية مما ينعكس إيجابا على المستهلك بحيث أن توسيع مسؤولية المهني حتما تؤدي إلى الزيادة في ضمان المستهلك. هذا التمديد الكمي و الكيفي لقواعد المسؤولبة العقدية للمهني يرمي بظلاله على المسؤولية العقدية عن الفعل الشخصي,و عن فعل الشيء, و هذا ما سيتم التطرق إليه تباعا من خلال هذا الموضوع.

اتساع مكونات مسؤولية المهني العقدية عن فعله الشخصي

لا يمكننا البثة التحدث عن الإطار البديل المتعلق بالمسؤولية العقدية للمهني عن فعله الشخصي, دونما التطرق إلى الإطار العام الذي يحكم قواعد المسؤولية العقدية, ثم استنباط مكامن قصور هذا الأخير, و منه التأصيل للإطار بديل أكثر حمائية

نقائص الإطار التقليدي للمسؤولية العقدية عن الفعل الشخصي

حدد قانون الالتزامات و العقود المغربي في فصله 263, الإطار العام و المجرد لتحقق المسؤولية العقدية : حيث تنص المادة : ” يستحق التعويض إما بسبب عدم الوفاء بالالتزام, وإما بسبب التأخر في الوفاء به, و ذلك ولو لم يكن هناك أي سوء نية من جانب المدين”.

يتضح مما سبق أن الخطأ العقدي يتخذ أكثر من مظهر قانوني, يختلف باختلاف نوعية الإخلال الذي يرتكبه المدين فهو قد يتمثل في امتناع أحد المتعاقدين عن التنفيذ العيني للالتزام كليا أو جزئيا فصل (259), أو في شكل تأخر في التنفيذ.

مما ينتج عنه إلحاق الضرر بالطرف الدائن, و تجدر الإشارة إلى أن الفصل 263 الذي يحد من مظاهر استحقاق التعويض في عدم التنفيذ أو التأخر في التنفيذ, هو وارد على سبيل المثال لا الحصر, بدليل أن هناك الكثير من الأشكال الأخرى, و المتعلقة بهذا العقد أو ذاك, التي يتحقق فيها المسؤولية العقدية عن الفعل الشخصي:

تسليم شيء معين.

تسليم شيء غير مطابق كما أو كيفا.

و بغض النظر عن تنظيمات المسؤولية العقدية, و المتعلقة ببعض العقود الخاصة : إلا أن صياغة الفصل 263 جاءت عامة و شاملة, و لكن في نفس الوقت غير كافية لضمان حماية فعالة للمستهلكين, و يتجلى ذلك على عدة مستويات :

* فعلى مستوى عدم التنفيذ:

كما هو الشأن في النظرية العامة للعقود, فإن عدم التنفيذ, في عقود الاستهلاك

يحتمل مستويين:

انعدام الأداء الكلي.

تسليم شيء أو خدمة غير مطابقة للمواصفات التي اختارها المستهلك.

ففي هذه الحالة, يتدخل الفصل 259 بحيث يعطي للمستهلك 3 خيارات :

الإجبار على التنفيذ عند حدود الإمكان.

فإن لم يكن ممكنا جاز للمستهلك الدائن أن يطلب الفسخ, وله الحق في التعويض في الحالتان.

وإن أصبح تنفيذ العقد غير ممكن إلا في جزء منه, جاز للدائن إما تنفيذ العقد لما تبقى منه, أو فسخه, مع إبقاء حق التعويض في الحالتين.

هذه الحماية و إن تبد فعالة إلا أنها شكلية لا غير, بحيث يحد من إعمالها جملة من المعوقات.

حجية الإثبات : تقع على عاتق المستهلك, الذي يستوجب عليه إثبات :

العقد الذي يربطه بالمدين.

الضرر و المتمثل في عدم التنفيذ أو عدم المطابقة للمواصفات.

العلاقة السببية.

يجب على المستهلك أن يتكبد مصاريف الدعوى القضائية المطالبة إما بالتعويض أو الفسخ أو هما معا.

و هذا يتعذر غالبا, خاصة إن تعلق الأمر بالعقود الاستهلاكية المعتادة أو الزهيدة.

إدراج المهنيين في بعض العقود النموذجية, أو في عقود الإذعان لبعض الشروط التي تحرم المستهلكين من بعض حقوقهم :

كتلك التي تسمح للمهني بتعديل أحادي للمواصفات محل العقد وذلك بعد إبرامه.

كتلك التي تلغي أو تخفف من مسؤولية المهني في حالة عدم تنفيذ التزاماته التعاقدية.

* على مستوى التأخر في التنفيذ :

يطرح مشكل التأخر في التنفيذ عن الحالة التي لا يقوم فيها المهني بأداء خدمة أو تسلم الشيء المتفق عليه في الوقت المحدد, و في هذا الخصوص فرق فصل 255 من قانون الالتزامات و العقود بين حالتين:

1- إذا عين للالتزام أجل : يعتبر المدين في حالة مطل بمجرد حلول الأجل المنصوص عليه في السند المقرر للالتزام, دون الحاجة لأي وسيلة أخرى, رغم ذلك استحب للدائن إرسال إعذار للمدين : – كوسيلة ضغط

كحجية إثبات.

2- إذا لم يتضمن المسند المنشئ للالتزام أجلا للوفاء : لا يعتبر المدين في حالة مطل إلا بعد تواصله بإعذار صريح يأمره بتنفيذ الالتزام بحلول اجل “الوفاء” و إلا اعتبر متسامحا.

لكن يلاحظ آنيا, أن التنظيم القانوني للتأخر في التنفيذ أصبح متجاوزا, حيث لا يتلاءم و التوجهات الحديثة و التي ترنو إلى إعادة التوازن العقدي في العلاقات التي تجمع المهنيين بالمستهلكين. فناهيك عن القيود التي يضعها الفصل 255 و صعوبة تقييم الضرر المترتب عن التأخر في التنفيذ, نجد أن المهني أصبح يتعسف عن إلزام المستهلك ببعض الشروط التي قد تعفيه كلا أو جزءا من احترام آجال التنفيذ المنصوص عليها في العقد:

كمثل اعتماد أجل اعتباري غير محدد.

التخفيف أو إعفاء المهني من المسؤولية إزاء التأخر في التنفيذ.

يتضح مما سبق على أن الحلول التي اعتمدها المشرع المغربي منذ 91 سنة و التي تشكل الإطار العام لتحقيق المسؤولية العقدية عن الفعل الشخصي, أصبحت متجاوزة في ظل التطورات التي عرفتها جل التشريعات المعاصرة, كل هذا و ذاك أدى إلى ظهور إطار بديل, يعتبر أكثر ملائمة لمتطلبات العدالة التعاقدية.

دور النظام العام الحمائي في توسيع المسؤولية العقدية عن الفعل الشخصي

التطورات الاقتصادية و الاجتماعية التي عرفتها العلاقات التعاقدية أدت إلى ظهور “النظام العام التعاقدي” أي مجموع القيم و المبادئ التي يجب أن تسود العلاقات التعاقدية بين الأفراد بحيث تضمن المساواة, العدل و الإنصاف, و لعل أهم تجليات هذه التغيرات ما عرفته الالتزامات الملقاة على عاتق المهني من تمطيط, بحيث انسلخت عن ذلك الإطار التقليدي الهش الذي رسمته الشريعة العامة, فعرفت تمددا كميا و كيفيا, تحددت من خلاله معالم نظرية عامة مستحدثة للمسؤولية العقدية للمهني, هذه الطفرة لم تنشأ من عبث بل تضافرت فيها مجهودات المشرع و خاصة القضاء.

القانون و دوره في تشديد المسؤولية العقدية للمهني.:

يتدخل القانون لتحديد الالتزامات الناشئة عن العقد, عن طريق تقنيتين:

النصوص المكملة

و هي عبارة عن نصوص واصفة, يسوقها المشرع لا من قبيل الإلزام, و لكن على سبيل الاستئناس فقط, بحيث يهدف من خلالها إلى مساعدة المتعاقدين على إبرام العقد عن طريق اقتراح بنود نموذجية عامة لتسهيل عملية التعاقد, وفي نفس الوقت تسهيل عملية التكييف و التفسير في حالة اللجوء إلى القاضي, و لكن قد يتبادر إلى الذهن سؤالين مشروعين:

النصوص المكملة لا يمكن تبنيها إلا في إطار “العقود المسماة” : و نظرا لأن عددها محدود قانونا, فإن نطاق تطبيق هذه القواعد يظل ضيقا جدا, فالإجابة عن هذا السؤال هي من اختصاص القاضي, ذلك أن هذا الأخير عن طريق تقنيات التفسير و التكييف يقوم بعملية إسقاط ذكية لمقتضيات العقد اللامسمى على النظام القانوني لأحد العقود المسماة و المطابق له إلى حد كبير, و بذلك يمكنه تطبيق هذه المقتضيات المكملة, فعقد Renting مثلا تعامله مع القضاء على أساس إيجار صنعة, نفس المصير لقاه عقد Sous-traitance (المقاولة من الباطن) بحيث طبق عليه القضاء مقتضيات تارة إيجار خدمة و تارة بيع.

باعتبارها نصوص مكملة يمكن التخلي عنها بإرادة الطرفان أو بإرادة أحدهما (الطرف القوي غالبا) .لكن في بعض الحالات لا يكون لهذه الإرادة من سلطان, خاصة إذا تعلق الأمر باحترام الضوابط الجوهرية,

النظام العام التعاقدي.

حسن النية في تنفيذ الالتزامات.

فحتى و لو تعلق الأمر هنا بقواعد تفسيرية, فلا يمكن للطرفان إزاحتها إذا تعلق الأمر بأحد هذه الجوانب.

مثلا : *بنود عدم مسؤولية الشخص عن خطئه الجسيم أو عن تدليسه(فصل 232), لأن القاعدة هي تنفيذ الالتزامات بحسن نية (فصل 231).

*بنود تحديد آجال التسليم…..

من هنا ينطلق الفقيهTrudel ليطرح التساؤل الآتي ” أليس من الأنسب مراجعة مفهوم القواعد المكملة…فيما يتعلق بالعقود الخاصة” تم يعود ليقول “القواعد المكملة يجب أن تتحول إلى قواعد ملزمة لأنها في مجملها ضرورية لصحة الواقع التعاقدي” .

* النصوص الآمرة الملزمة باسم النظام العام التعاقدي:

نظرا لتنامي الوعي بأهمية العقد في المعاملات الاقتصادية الاجتماعية, فقد أدى هذا إلى ظهور نظام عام من نوع جديد إنه “النظام العام التعاقدي” و الذي أصبح يخيم حتى على العقود المتداولة, فهو يتدخل لحماية الطرف الضعيف في العقد. و لعل أهم صور هذا النظام العام الجديد هو في العلاقة بين المستهلك و المهني, لذا فإن حماية المستهلك كجزء لا يتجزأ من النظام العام التعاقدي مرت بمرحلتين:

مرحلة الفوضى: عن طريق بعض التنظيمات الخاصة و المشرذمة, بيع, كراء, تأمين…

مرحلة التنظيم : عن طريق ظهور قانون خاص مستقل قائم بذاته لحماية المستهلك, ظهور هذا القانون أنشأ مجموعة من الالتزامات على عاتق المهني لحماية مصالح المستهلكين و ذلك عن طريق مجموعة من النصوص التشريعية. و عدا المقترح القانون المتعلق بإخبار وحماية المستهلك قيد الدرس حاليا في البرلمان9 و الذي لم يخرج بعد إلى حيز التنفيذ, فإن قانون الاستهلاك في المغرب مازال في مرحلة جنينية, مرحلة البحث عن الذات فسوف نسوق على ما قلناه أمثلة فرنسية أنشأت التزامات جديدة على عاتق المهني :

قانون 1978/1/ 10:و المتعلق بحماية و إخبار المستهلك. قانون 1992/1/10: حماية المستهلكين من خلال قواعد التسليم. ومدونة الإستهلاك الفرنسية ل 1993.

و هكذا فقبل قانون 1978 كانت العقود تخضع لتنظيمات الشريعة العامة, أو إلى بعض العقود الخاصة, و التي كانت تقر الحد الأدنى من الالتزامات, و لكن بعد دخولها حيز التنفيذ أعطت جملة من الضمانات الخاصة, خاصة تلك المتعلقة بتنظيم الشروط التعسفية و إعطاء القاضي حق مراقبتها.

2- مساهمة القضاء في توسيع مكونات المسؤولية العقدية

يلعب القضاء دورا فعال في خلق القانون عن طريق الاجتهاد القضائي, فالقاضي له مهمة إنطاق العقد و إغناء فحواه, ولعل من أهم النتائج التي حققها القضاء في هذا الباب هي إقرار بعض الالتزامات التعاقدية على عاثق المهنين و ذلك عن طريق التوسع في تفسير العقود, و فق مبادئ حسن النية, العدل و الإنصاف كمثال على ذلك : الالتزام التعاقدي بالأمن و السلامة , و الالتزام بالإخبار.

دور القضاء في توسيع نطاق الضرر: الضرر المحتمل -الالتزام بالسلامة-

لقد كان للاجتهاد القضائي سباقا إلى إقرار التزام تعاقدي بالأمن على عاتق المهني أو الذي يتعهد بعدم المس بالسلامة الجسدية للمهني خاصة عن الأضرار التي قد تسببها السلعة أو الخدمة التي يعرضها, و لكن هذه النتيجة لم تأت من عبث, و إنما تمخضت عن عملية ولادة عسيرة عرف فيها الاجتهاد القضائي مدا و جزرا, فمثلا في عقد البيع أقرت بعد القرارات القضائية على أن هذا العقد لا يحتوي على أي التزام بالأمن لصالح المشتري و هذا ما أدى إلى إعمال قواعد المسؤولية التقصيرية لصاحب العمل عن الأضرار التي تصيب الزبناء أثناء ارتيادهم له, ثم عاد القضاء في بعض القرارات ليقر أن المسؤولية هي مسؤولية عقدية خاصة إذا وقع الضرر بفعل الشيء المبيع بعد البيع, نفس التردد عرفه القضاء في عقود إيجار خدمة, حيث ميز بين وقوع الضرر قبل تسلم الخدمة وبعدها.

و هكذا وخلافا لقواعد المسؤولية العقدية كما كرستها الشريعة العامة تتحقق المسؤولية العقدية للمهني بمجرد وقوع الضرر دون البحث إذا كان هذا الضرر متوقعا أو لا أثناء إبرام العقد. إلا أن هذا يعد في نظرنا تطاولا على مجال المسؤولية التقصيرية,للأنها الوحيدة التي تقيم التعويض على وقوع ضرر غير متوقع ما دام أن الخطأ المكون للمسؤولية هو فعل غير مشروع. كل هذا يدفعنا للتساؤل عن مذا مصداقية التمييز بين المسؤولية العقدية و المسؤولية التقصيرية؟.

دور القضاء في توسيع نطاق الخطأ: الخطأ السلبي-الالتزام بالإخبار-:

عدا بعض النصوص الخاصة التي تقر التزام بالإخبار (قانون 99-06), فإن الاجتهاد القضائي المغربي, رغم كثافته كما و كيفا لم يلعب الدور الحاسم في إقرار التزام بالإخبار إلا في بعض المواقف المحتشمة التي يرتبط فيها الاجتهاد القضائي ببعض الهياكل التقليدية للقانون المدني (كالعيوب الخفية, عيوب الرضى…) لذلك آثرنا في تحليلنا أن نتطرق إلى دور الاجتهاد القضائي الفرنسي في بلورة التزام بالإخبار, يقع على عاتق المهني في مختلف المجالات المهنية, سواء تلك التي يكون الإخبار فيها تابع من توابع أداء الخدمة أو متعلق بنقل حق عيني.

* المجالات التي يكون فيها الإخبار تابع لأداء خدمة معينة:

الأمثلة على ذلك لا تحصى نورد منها :

* الموثق : لقد أقر المجتهد القضائي على أن :الالتزام بالإعلام يكون على عاتق الموثق ليس فقط عندما يقوم بإبرام العقد, و إنما عندما يكلف بتوثيق العقود العرفية.بل يجب على الموثق إعلام المتعاقدين و لم يستفسروا بأنفسهم.

يجب عليه تبصيرهم في حالة وجود مخالفات قانونية أو أخطار تهدد مصالحهم (وجود رهن مثلا…). و في جميع الأحوال يقع عبء الإثبات على عاتق الموثق .

* المقاول والمهندس : وجب عليهم بمقتضى مجموعة من الاجتهادات القضائية:

إعلام رب العمل بكل الجوانب التقنية: طبيعة التربة, المواد الأولية, التقنيات…و القانونية : المساطر, الهياكل الإدارية…

*الطبيب : يلتزم الطبيب بإخبار المريض بكل المخاطر المتوقعة و المتعلقة بطبيعة العلاج أو بالعملية التي سيقوم بها, و يجب أن تكون المعلومات واضحة و مبسطة, و أن تتجاوز التفاصيل التقنية المعمقة, ولا يعفي الطبيب من هذا الالتزام إلا إذا كان من شأن هذه المعلومات أن تسبب مضاعفات مرضية للمريض, في هذه الحالة يلزم بإخبار عائلته و دائما عبئ الإثبات يقع على عاتق الطبيب.

* في الحالات التي يكون الإعلام فيها تابعا لنقل حق عيني(البيع نموذجا)

عرف الاجتهاد القضائي المتعلق بالتزام البائع بإخبار المشتري تطورا كما و كيفا. أدى إلى بزوغ نظرية مستقلة لمسؤولية المنتج و البائع المهنية12, فالالتزام بالإخبار يقع على عاتق كل بائع, لا فرق في ذلك بين المنتج أو الموزع أو البائع الحقيقي للشيء, ماهيته في ذلك تسليم منتوج موافق لحاجيات المستهلك, و بصفة عامة يجب أن تتصف المعلومات بالوضوح و الصحة. و يؤدي الإخلال بهذا الالتزام إلى تحقيق المسؤولية العقدية للمهني الذي يقع على عاتقه عبئ الإثبات.

يتبين لنا مما سبق الدور الخلاق الذي لعبه القانون و القضاء من أجل التأصيل لنظرية مستحدثة للمسؤولية عن الفعل الشخصي, فماذا عن المسؤولية العقدية عن فعل الشيء؟

اتساع مكونات مسؤولية المهني العقدية عن فعل الشيء

إلى وقت قريب, ظلت تطبيقات المسؤولية عن فعل الشيء ضيقة لانعدام نظام قانوني واضح المعالم إلا أننا نلاحظ حاليا أنها أصبحت في تزايد مستمر نتيجة إقبال المستهلكين على اقتناء الأشياء الخطرة و لتزايد رقعة الأسواق المركزية التي يقصدها المستهلكين, مما قد يتسبب في إلحاق أضرار جسدية أو مالية بهؤلاء, كل هذا حتم تشديد النظم القانونية لمسؤولية المهني عن فعل الشيء بل التوسع فيها, عن طريق اعتباره مسؤولا ليس فقط عما أحدثه الشيء المستعمل لتنفيذ التزام تعاقدي من ضرر بل أيضا عن فعل الشيء (محل الالتزام التعاقدي).

مسؤولية المهني العقدية عن فعله الشيء : المستعمل لتنفيذ التزام تعاقدي.

كثيرا ما يضع المهنيون تحت إشارة المستهلكين جملة من الأشياء (آلات, تقنيات حديثة…) تستعمل كوسيلة لتنفيذ التزام تعاقدي: مثلا استعمال عربة لنقل السلع في سوق مركزي, فيا ترى ما هي طبيعة المسؤولية في حالة وقوع الضرر بفعل الشيء المستعمل؟

وضع هذا الإشكال بوزره على نظرية المسؤولية العقدية و كان القاضي الفرنسي سباقا إلى الحسم في هذه المسألة, حيث أبى أن يطبق الفصل 1384 و المتعلق بالمسؤولية على حراسة الأشياء في مجال العلاقات التعاقدية, خاصة فيما يتعلق بالمسؤولية الطبية, و رغم ذلك ظل هذا الحل الترقيعي غير كاف لجبر الهوة في هذا الباب, ذلك أن هذا الاجتهاد القضائي ارتبط بشرطين أساسين لتطبيقه:

أن يكون الضرر الناجم عن فعل الشيء المستعمل مرتبط ارتباطا وثيقا بتنفيذ التزام تعاقدي.

أن تبقى آثار الدعوى محصورة على المتعاقدين فقط. لتجاوز هاتين العقبتين حاول القضاء التوسيع من قاعدة هذا الاجتهاد وذلك عن طريق :

التشدد في إلزام المهنيين باحترام التزام الأمن و السلامة, في كل العقود التي يضع فيها المهني تحت يد المستهلك: آلات أو مواد لتنفيذ التزام تعاقدي أساسي.

الالتزام بجبر الضرر الذي سببه عيب في الشيء المستعمل لتنفيذ العقد مثلا التمييز في تقدير طبيعة التزام الطبيب: فهو يلتزم ببذل الجهد أو استعمال جميع الوسائل التي من شأنها أن تؤدي إلى العلاج دون التعهد بأية نتيجة. أما فيما يتعلق بالمواد و الآلات التي يستعملها أثناء العلاج فالتزامه في هذه الحالة إنما هو التزام بنتيجة يترتب عن الإخلال به المسؤولية العقدية للطبيب.

التطبيق الحرفي لمفهوم المسؤولية عن فعل الشيء في المجال التعاقدي حيث اعتبرت محكمة النقض أن المسؤولية عن الحريق الذي نشأ في العمارة و الذي كان قد انطلق من الغرفة التي كانت مستعملة من طرفه كمستودع للآلات و الذهان, هي مسؤولية عقدية كرستها في ذلك مجموعة من القرارات الأخرى الصادرة عن نفس الهيئة.

مسؤولية المهني العقدية عن فعله الشيء : محل التزام تعاقدي.

محل العقد يمكن أن يكون إما إعطاء شيء معين أو خدمة معينة, على الطرف المدين تقديمها للدائن.

المسؤولية العقدية عن فعل السلعة:

في ظل غياب إطار قانوني خاص بحماية المستهلك, يبقى هذا الأخير تحن براثين القواعد العامة التي تنظم المسؤولية عن فعل الشيء و تشكل النظرية الهشة للعيوب الخفية أهم هذه القواعد, و بما أن الحماية التي توفرها هذه القواعد غير كافية اعتمدت التشريعات الحديثة على تطويرها من جهة, و إقرار المسؤولية عن فعل الشيء المترتبة عن الإخلال بالالتزام بالأمن و السلامة من جهة أخرى.

نقائص نظرية العيوب الخفية:

تجدر الإشارة أولا على أن ضمان العيوب الخفية في قانون الالتزامات و العقود المغربي يخص كل مشتري أو بائع دون التمييز ما إذا كان أحدهما مستهلكا والآخر مهني, انطلاقا من هذه الملاحظة الأولية يتبين لنا أن ضمان العيوب الخفية كما هو مكرس في القانون المغربي لا يوفر الحماية الكافية للمستهلك كطرف ضعيف في العقد. بالإضافة إلى هذا فان قانون الالتزامات و العقود المغربي يقيد المشتري بشروط مجحفة يصعب في الغالب إثباتها, فيجب على العيب أن يكون :

خفيا مما ينفي ضمان العيوب الظاهرة.

أن ينقص من قيمة الشيء أو يجعله غير صالح للاستعمال.

أن يكون قبل إبرام العقد.

يزيد الطين بلة الآجال الضيقة التي يجب على المستهلك في إطارها أن يتحرك وإلا طاله التقادم:* بحيث يجب عليه إعلام البائع في أجل لا يتجاوز7 أيام من تسلم الشيء, عدا إن كان العيب خفيا يتعذر اكتشافه في هذا الأجل.

* رفع دعوى في أجل 30 يوما من تاريخ التسليم (بالنسبة للمنقولات) و 365 يوما بالنسبة للعقارات.

و بما أن المجتمع المغربي جله أميون, فإنه يصعب عليهم احترام الآجال المحددة قانونا, و ما يزيد الأمر تعقيدا المصاريف القضائية التي يجب أن يتكبدها المستهلك خاصة إذا تعلق الأمر بمواد الاستهلاك اليومية مما يجعل القضاء آخر ما يفكر فيه المستهلك المغربي.

المسؤولية عن فعل المنتوج الناشئة عن إخلال بالتزام بالأمانة:

قد يختلط الأمر على البعض لأن المسؤولية عن فعل الشيء الناتج عن إخلال بالتزام بالأمانة قد تكون ناتجة عن عيب في الشيء نفسه مما يتعذر معه التمييز بين العيوب الخفية و الإلزام بالأمانة, و بالفعل فإلى وقت قريب كان هذا الالتزام و المسؤولية المرتبة عن الإخلال به منصهرين في نظرية العيوب الخفية, ولم يتم الاعتراف به كالتزام مستقل إلا بعد 1991 من خلال الاجتهاد صادر الغرفة المدنية بمحكمة النقض الفرنسية بتاريخ 11 يونيو 1991, بهذه الطريقة ساهم الاجتهاد القضائي مساهمة فعالة في تقوية ميكنزمات حماية المستهلك في ظل غياب تشريعي منظم, في هذا الإطار جاء هذا الالتزام ليشدد من مسؤولية المهنيين عن الأضرار الناجمة عن الأشياء المبيعة, فهو يتميز عن العيوب الخفية في كون أن هذه الأخيرة ناتجة عن عيب عن الشيء أما المسؤولية المترتبة عن إخلال بالتزام بالأمن والسلامة, إنما هو ناتج عن ضرر سببه الشيء نفسه للغير(باعتبار طبيعته الخطرة بالإضافة إلى ذلك فإن الالتزام بالأمن و السلامة غير خاضع للمهلة الزمنية المرتبطة بالعيوب الخفية مما يجعله أكثر حماية, ناهيك عن أن الإخلال بهذا الالتزام يسمح للمستهلك بمتابعة كل الباعة المتتالين للمنتوج إلى أن يصل إلى المنتج نفسه، و ذلك على أساس قواعد المسؤولية العقدية بالرغم من عدم وجود رابطة تعاقدية, و هذا ما يستحيل وفق قواعد المسؤولية العقدية التقليدية و يؤسس لنظرية مستحدثة تنبذ التفرقة التقليدية بين المسؤولية العقدية و التقصيرية و ترسي دعائم نظرية خاصة للمسؤولية للمهني و هذا هو الاتجاه الذي صارت عليه التشريعات المتطورة, خاصة في بعض الدول الأوروبية كفرنسا و التي صادقت على توجيهة 25 يوليوز 1985. هذه الأخيرة تكرس لهذه النظرية و تقر بمبدأ المسؤولية المباشرة للمنتج, خاصة و أنه المسؤول الأول عن سلامة السلعة دون الحاجة لإثبات الرابطة العقدية بل و حتى الخطأ المسبب للمسؤولية يكفيالمتضرر إثبات الضرر و العلاقة السببية و العيب الذي لحق المنتوج.

المسؤولية العقدية عن فعل خدمة :

أضحى قطاع الخدمات من أهم القطاعات الحيوية في اقتصاديات الدول المتقدمة, و رغم تطور هذا القطاع في المغرب بصفة ملحوظة إلا أنه مازال يعيش مرحلة الفوضى القانونية خاصة إذا تعلق الأمر بإقرار مسؤولية المهني عن الأضرار التي تصيب المستهلكين بفعل الخدمة المقدمة, فجل التنظيمات و المدونات التوجيهية الخاصة بهذه المهنة أو تلك لا تكرس بصفة مدققة مقتضيات قانونية خاصة بالمسؤولية المدنية العامة و بالمسؤولية عن فعل الشيء بصفة خاصة. لمحاولة سد هذه الثغرات القانونية نأخذ على سبيل المثال لا الحصر:

قطاع التأمينات.

قطاع نقل الأشخاص.

التأمينات:

تعتبر عقود التأمين من أهم صور عقود الإذعان و التي تنتشر فيها بصورة مهولة الشروط الأسدية أو الشروط الأحادية المبرمة قبلا من طرف المؤمن باعتباره الشخص القوي في العقد و تتضح ملامح هذا الاختلال أكثر فأكثر على مستوى المسؤولية العقدية في حالة وقوع كارثة لا يتردد المؤمن في استعمال مجموعة من الحيل و الخدع للتهرب من مسؤوليته العقدية , كأن يدعي المسؤولية الشخصية للمؤمن له مثلا, أو أن يلقي على عاتق السمسار المسؤولية كاملة ذلك أن هذا الأخير قد قام بإيصال معلومات غير واضحة أو مغلوطة أثرت على رضا المؤمن و جعلته يتعاقد في حين أنه ما كان ليفعل ذلك لو علم بالحقيقة كاملة. و حتى في الحالات التي يتحكم فيها لصالح المؤمن له بالتعويض, يستمر المؤمن له في التلاعب بمصالح هذا الأخير و المراوغة, و ذلك عن طريق الإكثار من الطعون التي يصعب على المستهلك إثبات طابعها التعسفي أو عن طريق التأخر العمدي عن أداء التعويض و حتى و إن حاول المستهلك المؤمن له أن يتحرك على صعيد المسؤولية التعاقدية للمؤمن, صعب عليه إثبات الخطأ العقدي للمؤمن, بالإضافة إلى ذلك فإن القضاء المغربي يتماطل بل و يتعنت أحيانا في التوسع في تفسير المسؤولية العقدية خارج التعبير الصريح للعقد.

نقل الأشخاص:

لم يكن اختيارنا لهذا القطاع الحيوي, اعتباطيا و إنما هو راجع لمجموعة من العوامل:

هو في الحقيقة القطاع الأكثر شيوعا في المعاملات اليومية من جهة.

من جهة أخرى نظرا للأرواح التي يحصدها يوميا جراء حوادث السير و رغم كل هذا و ذلك فإن مسؤولية الناقل عن الضرر الحاصل للمستهلك أثناء تنفيذ عقد النقل لا ينظمه إلا فصل يتم هو الفصل 485من مدونة التجارة ل 1996 ناهيك على أن هذا الفصل يطبق على كل أنواع وسائل النقل الجوية البحرية والنهرية, فبمقتضى المادة 485تبقى مسؤولية الناقل مستمدة فقط من التزامه بأمن وسلامة الركاب من نقطة الانطلاق إلى نقطة الوصول في المقابل يمكن للناقل أن يستبرئ من مسئوليته عن طريق إثبات إما القوة القاهرة أو الحادث الفجائي أو خطأ الضحية, أو إذا كان الراكب غير شرعي مثلا أو نزل قبل الوقوف النهائي للحافلة و الأمثلة القضائية على ذلك كثيرة.

أما الطامة الكبرى فهي على مستوى التعويض عن الضرر الحاصل,إذ لم يعد للقاضي السلطة التقديرية في تحديد التعويض و إنما هذا الأخير هو خاضع لجدولة وظيفية تتغير بتغير الضرر المسبب.

لمزيد من المعلومات تفضل للتواصل مع محامي متواجد الان

تكلم هذا المقال عن : بحث قانوني مميز حول المسؤولية المدنية و المسؤولية الجنائية