بحث قانوني هام حول القواعد العامة للتبليغ و أثرها على سلامة الإجراءات

لمبحث الأول : الجهات المكلفة بالتبليغ.
أولا : التبليغ عن طريق كتابة الضبط.
ثانيا : التبليغ بالبريد المضمون.
– إثبات محتوى الرسالة المضمونة.
ثالثا : التبليغ بالطريقة الإدارية.
رابعا : التبليغ بالطريقة الديبلوماسية.
خامسا : التبليغ بواسطة العون القضائي.
المبحث الثاني : توقيت ومكان التبليغ.

المبحث الأول : الجهات المكلفة بالتبليغ.

تجدر الإشارة إلى أن التبليغ إما أن يكون تلقائيا أو بناء على طلب.
فالتبليغ التلقائي بالجلسة نص عليه قانون المسطرة المدنية في الفصل 50 منه ، والذي ورد فيه ” يبلغ كاتب الضبط حالا عند صدور الحكم حضوريا ومعاينة حضور الأطراف أو وكلائهم بالجلسة الحكم الذي صدر ويسلم لهم نسخة من منطوق الحكم ، ويشار في آخره إلى أن التبليغ والتسليم قـــد
وقعا … “.
إلا أن هذا النوع من التبليغ لا يخلو من مشاكل ، وقد أثبت الواقع العملي عدم جدواه لعدة أسباب أهمها :
– أن التبليغ بهذه الطريقة يقتصر على منطوق الحكم وبالتالي لا يستطيع معها المبلغ إليه معرفة ما إذا كان من مصلحته استئناف الحكم أم لا .
– ثم إن الفصل 142 ق.م.م يوجب أن يكون المقال الاستئنافي متضمنا موضوع الطلب والوقائع والوسائل المثارة ، وهي مسألة غير ممكنة إذا كان الحكم غير محرر ووقع تبليغ منطوقه وهو قابل للاستئناف .
– كما أن شهادة منطوق الحكم تستوجب أن يكون عدد النسخ مساويا لعدد الأطراف المذكورين في الدعوى ، وهو أمر قد لايتوفر عمليا ، إلى غير ذلك من الصعوبات التي اثبتت أن هذا النوع من التبليغ لا يفي بالغرض المطلوب ، ما حدا بالمشرع المغربي إلى العدول عنه بمقتضى التعديلات الواردة في ظهير -05/10/1984- على الفصل 433 من ق.م.م ، وقد نص المشرع في هذا التعديل على أن التبليغ يجب أن يكون بناء على طلب من المستفيد وبواسطة نسخة تتضمن العنوان الوارد في الفصل 50 والصيغة التنفيذية وتوقيع كاتب الضبط وطابع المحكمة.
إلا أن أهم إشكالية مرتبطة بهذا الموضوع وهو التبليغ بناء على طلب ، تتجلى في التساؤل التالي : هل يستوجب تبليغ الحكم القابل للطعن أداء الرسوم القضائية ؟
باستقراء مقتضيات الفصل 22 من ظهير الرسوم القضائية لسنة 1984 نجد عباراته تفيد أن الرسم القضائي الذي يؤدى عند تقديم الدعوى يشمل ويغطي أيضا مصاريف تبليغ الحكم للمحكوم عليه ، وفي نفس الاتجاه سار الفصل 55 من نفس الظهير الذي نص على أنه ” يستوفى فيما يتعلق بالرسم القضائي عن إجراءات الحجز لدى الغير ، بما في ذلك تبليغ المدين والغير المحجوز لديه ومحضر القاضي في حالة اتفاق بين الدائنين وتبليغ هذا المحضر …. مبلغ 50 درهم ، أي أن هذا المبلغ يغطي كل الإجراءات بما فيها تبليغ الأمر بالحجز ومحضر الصلح وتبليغ الحكم الصادر بالمصادقة على الحجز وذلك كله من أجل انطلاق أجل الطعن.
أما بخصوص الفصل 54 من ظهير 1984 فإنه ورد في باب التبليغات والتنفيذات القضائية مما يفيد أن التبليغ المقصود هنا ليس الرامي إلى فتح أجل الطعن وإنما التبليغ بناء على أمر مبني على طلب في إطار الفصل 148 من ق.م.م ، أو التبليغ الذي يتم في إطار الفصل 440 من ق.م.م الذي يعتبر كمقدمة لإجراءات التنفيذ.
أما الجهات المكلفة بالقيام بعملية التبليغ فقد حددها المشرع المغربي في الفصل 37 من ق.م.م وهي : التبليغ عن طريق كتابة الضبط ، التبليغ عن طريق العون القضائي ، التبليغ بالبريد المضمون ، التبليغ بالطريقة الإدارية والتبليغ بالطريق الديبلوماسي.

أولا : التبليغ بواسطة كتابة الضبط.

لقد أعطى المشرع لهذه الطريقة الأسبقية بذكرها هي الأولى ، وهي معروفة حيث يتولى عون التبليغ إبلاغ الاستدعاء أو الحكم إلى الشخص المراد تبليغه في المكان الذي يوجد بدائرة نفوذ المحكمة أو يقوم بتبليغ المحامي أو كاتبه بمكتب التبليغ شريطة التوقيع على شهادة التسليم التي يقوم العون بإرجاعها إلى المصلحة المعنية لإلحاقها بالملف ، ويتعين على أعوان كتابة الضبط القيام بعملية التبليغ وفق القانون مع مراعاة كل حالة على حدة من تواريخ الجلسات ومواضيع الدعوى ، وذلك حتى يتم تفادي التأخير في الفصل في القضايا وإعادة الإجراءات بسبب عدم التبليغ أو الخطأ في إجراءاته.

ثانيا : التبليغ بالبريد المضمون.

الأصل أن التبليغ يتم بواسطة عون التبليغ بكتابة الضبط أو العون القضائي أو بواسطة السلطة الإدارية ، لكن قد يتعذر القيام بهذا الإجراء لعدم العثور على الطرف أو على أي شخص في موطنه أو محل إقامته ، ونتيجة لذلك تقوم المحكمة بتوجيه الإستدعاء بالبريد المضمون مع الإشعار بالتوصل ، ويقوم هذا الإشعار الذي يرفق بالطي البريدي مقام شهادة التسليم وتحسب الآجال من تاريخ التوصل.
إلا أن هذه الطريقة بدورها كانت مثار العديد من الإشكاليات ، منها ما تم الحسم فيه نهائيا في العمل القضائي ومنها من لازال مثارا للجدل ، وأهم هذه الإشكاليات تتجلى فيما يلي :
– إذا رجع الإشعار بملاحظة غير مطلوب ، وهي توضح نية المبلغ إليه في عدم قبول سحب الرسالة المضمونة من المصلحة المختصة ، فهل يعتبر المبلغ إليه في حكم الرافض طبقا للفصل 39 ق.م.م ويعتبر الإستدعاء مسلما تسليما صحيحا في اليوم العاشر من تاريخ عدم السحب؟
لقد كان المجلس الأعلى في السنوات الأولى من إنشائه متشددا ، إذ اعتبر التبليغ صحيحا تجاه المرسل إليه الذي رغم ترك الإشعار بالسحب في منزله أو بصندوقه البريدي لم يتقدم لدى مصلحة البريد لسحب الرسالة المضمونة ، إلا أنه ومنذ أواسط الثمانينات بدأ المجلس الأعلى يخفف من حدة موقفه إلى أن حسم في هذه الإشكالية واعتبر أن هذه المسألة تتعلق بالواقع ولا تخضع لرقابة المجلس تاركا بذلك لقضاة الموضوع السلطة التقديرية لاستخلاص رفض التوصل بالرسالة البريدية من ظروف وموقف المرسل إليه بعد توصله بالإشعار بالسحب حسب كل حالة على حدة.

** إثبات محتوى الرسالة المضمونة :

قد يعمد شخص إلى بعث رسالة مضمونة إلى خصمه فارغة ، أو يضع بها ورقة معينة غير التي هي موضوع الإجراء وذلك ليفوت على خصمه أجلا معينا يترتب عنه سقوط حقه في سلوك مسطرة ما ، وبالمقابل قد يتوصل المرسل إليه بإنذار من أجل الإفراغ مثلا فيتقاعس عن اتخاذ الإجراء المناسب في الأجل المحدد ويعمد إلى إدعاء توصله بالرسالة المضمونة فارغة.
في هذا الإطار نجد العمل القضائي المغربي يحمل عبئ إثبات محتوى الرسالة المضمونة إلى المرسل ، لأنه لن يلحقه ضرر جسيم وإذا تعذر عليه الإثبات يمكنه تدارك الأمر بإعادة التبليغ عن طريق عون المحكمة أو العون القضائي ، ولم يحمل العمل القضائي للمرسل إليه أي عبئ لإثبات محتوى الرسالة لأن الضرر الذي سيلحقه في حالة صحة ما يدعيه من كون الرسالة فارغة سيكون جسيما ولا يمكن تداركه.
وتفاديا لهذه الإشكالية يبدو من المستحسن استبعاد التبليغ بالبريد المضمون في بعض الحالات الخطيرة كتبليغ الأحكام والاشعارات بالإفراغ ، وإن كان ولابد فينبغي أن يتم ذلك في غلاف يفتح عند تسليمه للمرسل إليه مع الإشارة إلى ذلك في الإشعار بالتوصل ، الشيء الذي سيحول دون كل الإدعاءات الكيدية من الطرفين ، وقد فطن المشرع الفرنسي لهذه الإشكالية فنص صراحة في الفصل 18 من قانون 136 لسنة 1981 على أن يتم التبليغ للمكتري عن طريق البريد المضمون مع الإشعار بالتوصل لكن دون غلاف او تبليغه بواسطة العون القضائي.

ثالثا : التبليغ بالطريقة الإدارية.

لم يحدد المشرع في الفصل 37 ق.م.م عناصر السلطة الإدارية التي خول لها القيام بإجراءات التبليغ ، وقد بين التطبيق العملي أن هذه المهمة تسند عادة إلى عناصر الشرطة والدرك الملكي أو إلى أعوان السلطة من شيوخ ومقدمين ، وهذا النوع من التبليغ يتسم بالتأخير في إنجاز المطلوب إذ غالبا ما تتأخر شهادة التسليم عن الأجل المحدد ، كما أن طريقة التبليغ تشوبها أخطاء ومخالفات تفقد للتبليغ نظاميته وحجيته ، وهذا راجع إلى النقص في الإلمام بالقواعد الأساسية لمسطرة التبليغ ، ولكون الجهاز الإداري غالبا ما يكون بمنأى عن أية مراقبة أو مساءلة الشيء الذي ينعكس أثره السلبي على سير المحاكم ويشكل سببا في إطالة عمر القضايا بالمحاكم وترتب عنه في كثير من الأحيان ضياع حقوق المتقاضين وساهم بشكل بارز في الإنتقادات الموجهة إلى الجهاز القضائي.

رابعا : التبليغ بالطريق الديبلوماسي.

نصت الفقرة الأخيرة من الفصل 37 ق.م.م على أنه ” إذا كان المرسل إليه يسكن خارج المغرب يوجه الاستدعاء بواسطة السلم الإداري على الطريقة الدبلوماسية عدى إذا كانت مقتضيات الاتفاقيات الدولية تقضي بغير ذلك ” ، وحسب هذه المقتضيات إذن يكون التبليغ إلى المرسل إليه الذي يسكن خارج المغرب إما بواسطة السلم الإداري على الطريقة الدبلوماسية أو على الكيفية التي تحددها الاتفاقيات الدولية ثنائية كانت أو متعددة الأطراف ، لكن التبليغ بالخارج لا يصح إلا لمن لا موطن له ولا محل إقامة بالمغرب ، وقد أشار الفصل 41 ق.م.م إلى آجال محددة للتبليغ بهذه الطريقة يجب احترامها.
وتعد اتفاقية لاهاي لفاتح مارس 1954 والتي صادق عليها المغرب ودخلت حيز التطبيق سنة 1972 أهم اتفاقية تتعلق بإجراءات التبليغات القضائية وغير القضائية ، وقد نصت في فصولها السبعة الأولى على أن التبليغ يتم عن طريق قنصل الدولة الطالبة شريطة ترجمة الوثائق بلغة البلد الذي سيتم فيه التبليغ ، مع إمكانية إنجاز التبليغ عن طريق الأعوان الديبلوماسيين أو القنصليين إن كان الإجراء يهم رعايا دولهم ، أما اتفاقية بروكسيل لسنة 1965 والتي تمتاز ببساطة إجراءات التبليغ وسهولتها حيث تعتمد على التبليغ المباشر فلم يصادق عليها المغرب حتى الآن.
من كل ما سبق يتضح أن المشرع في الفصل 37 ق.م.م قبل تعديله حدد أربعة طرق للتبليغ ، إلا أنه ونظرا لما يشوبها من عيوب ونواقص اتجه تفكير المشرع المغربي إلى البحث عن وسائل جديدة وفعالة تنعدم فيها جل سلبيات طرق التبليغ التقليدية فاهتدى إلى إحداث مؤسسة حرة أسند إليها مهمة التبليغ بالإضافة إلى مهام أخرى وهي هيئة الأعوان القضائيين ، وأصبح التبليغ بواسطة العون القضائي محط اهتمام المشرع لدرجة اختياره أحيانا كطريق وحيد للتبليغ كما سيتم بيانه.

خامسا : التبليغ بواسطة العون القضائي.

أحدثت هيأة الأعوان القضائيين بمقتضى القانون 41-80 بتاريخ 25/12/1980 ، لكن هذا القانون لم يدخل حيز التطبيق إلا في اوائل التسعينات ، ومنذ هذا التاريخ أصبح التبليغ مقصورا على الأعوان القضائيين شريطة أن لا يكون القانون قد حدد طريقة أخرى للتبليغ ، ومثال ذلك الفصل 63 ق.م.م الذي كان يوجب على الخبير استدعاء الأطراف بالبريد المضمون مع الإشعار بالتوصل ، وبعد تعديل الفصول المتعلقة بالخبرة في قانون المسطرة المدنية نص على وجوب استدعاء الأطراف لحضور الخبرة دون تحديد لطريقة التبليغ تاركا للخبير اختيار الطريق الممكن والمناسب ، وكذا الفصل 15 من قانون إحداث المحاكم التجارية الذي نص على توجيه الاستدعاء بواسطة العون القضائي مالم تقرر المحكمة توجيهه بالطرق المنصوص عليها في الفصول 37 ، 38 ، و 39 من ق.م.م.
والأصل أن العون القضائي ملزم بالقيام بالإجراء الراجع لاختصاصه كلما طلب منه ذلك ، وإلا أجبر على القيام به بموجب أمر صادر عن رئيس المحكمة العامل تحت مراقبتها ، إلا أن هناك حالات يمنع فيها على العون القضائي مباشرة أي إجراء بما في ذلك التبليغ إذا تعلق موضوع الدعوى به شخصيا أو بزوجه أو أحد اقاربه إلى الدرجة الثالثة قياسا على الفصل 33 ق.م.م بشأن تمثيل الأطراف أمام القضاء ، وبطبيعة الحال فالممنوع على العون القضائي هو القيام بالإجراء لحساب من ذكر ، أما القيام به ضدهم فجائز حسب مفهوم الفصل 16 من قانون 41-80.
ومهنة العون القضائي هي مهنة حرة ، وتنتمي إلى مساعدي القضاء وغير تابعة للوظيفة العمومية ولا للمحاكم باستثناء الرقابة من طرف وكيل الملك والإدارة الجبائية ، وبالتالي فإن اي علاقة بين العون القضائي وبين الغير تنبني على حرية التعاقد ، وقد نص الفصل 21 من قانون 41-80 على أن العون القضائي مسؤول شخصيا عن اوجه البطلان والغرامات والمصاريف والتعويضات التي يتسبب فيها كتابهم المحلفون أثناء قيامهم بالإجراءات المسموح لهم قانونا القيام بها ، والتي ينبغي التذكير بها في هذا الإطار ، وقد حددها الفصل 2 من ظهير 10/09/1993 المتمم لقانون 41-80 وحصر اختصاص كاتب العون القضائي في القيام بعمليات التبليغ الازمة للتحقيق في القضايا وتسليم استدعاءات التقاضي واستدعاءات الحضور ، وبالمفهوم المخالف يخرج عن اختصاصهم تبليغ الأحكام وتنفيذها وإجراء المعاينات التي تبقى من اختصاص العون القضائي.
وعلى كل حال فإن أي خطأ يرتكبه العون القضائي أو كاتبه المحلف تترتب عنه مسؤولية عقدية في مواجهة طالب الإجراء الذي أنجز لفائدته أو مسؤولية تقصيرية في مواجهة من اتخذ الإجراء ضده ، والمقصود بالمسؤولية تحمل العون مصاريف الإجراءات التي أبطلت او ألغيت وإلزامه بتعويض الضرر الذي وقع بسبب خطئه ، ولا تتحمل الدولة أية مسؤولية رغم أنها هي التي تمنحه الرخصة وتبقى تراقبه وهو يقوم بمهمته كما تعمل على تأديبه عن طريق الجهاز القضائي المختص.
كما يمكن ان تترتب عن تلك الأخطاء مسؤولية جنائية للعون القضائي ، فالإجراءات التي يقوم بها من تبليغ وتنفيذ وإنجاز للمعاينات تساهم في خدمة الدولة والمصلحة العامة بدليل قيام طائفة من الموظفين العموميين التابعين للجهاز القضائي والإداري بإنجازها ، وبذلك يكون العون القضائي موظفا عموميا في نظر القانون الجنائي ويخضع لمقتضيات الفصل 224 منه ، كما أن الفصل 12 من قانون 41-80 نص على استفادة العون القضائي من حماية مقتضيات الفصلين 263 و 264 من ق.ج المتعلقين بحماية الموظف العمومي من كل إهانة أو اعتداء أثناء قيامه بمهامه أو بمناسبة قيامه بها.
وكيفما كانت مسؤولية الأعوان القضائيين فإن الذمة المالية لكثير منهم عاجزة عن تغطية التعويض عن الأضرار التي قد يلحقونها بالمتعاملين معهم ، ولذا أوجب عليهم الفصل 3 من قانون 41-80 إبرام عقود تأمين ضمانا لمسؤوليتهم وإن كان المشرع لم يقرن هذا الوجوب بأي جزاء في حالة مخالفة هذا النص.

المبحث الثاني : توقيت ومكان التبليغ .

أولا : توقيت التبليغ .

إذا كان المشرع الفرنسي في الفصل 664 ق.م.م قد حدد توقيت التبليغ بين الساعة 6 صباحا و 9 ليلا ومنع صراحة إجراء التبليغ في أيام العطلة الرسمية إلا بإذن من رئيس المحكمة وفي أحوال الضرورة القصوى ، وإذا كان المشرع المصري بدوره في المادة 7 من قانون المرافعات يمنع إجراء أي تبليغ أو تنفيذ قبل الساعة 7 صباحا وبعد 8 مساءا وفي أيام العطل الرسمية إلا بإذن من قاضي الأمور الوقتية وفي حالة الضرورة.
فإن المشرع المغربي لم يشر لا في قانون المسطرة المدنية الملغى (1913) ولا في قانون المسطرة المدنية الحالي (1974) إلى منع التبليغ في أوقات معينة ، والإشارة الوحيدة التي تتحدث عن التوقيت وردت في الفصل 451 ق.م.م والذي منع إجراء الحجز قبل الخامسة صباحا وبعد التاسعة مساءا وفي أيام العطل الرسمية إلا في حالة الضرورة التابتة تبوتا قطعيا وبمقتضى أمر صادر عن رئيس المحكمة ، كما أن المادة 302 من مدونة التجارة نصت على عدم جواز إقامة الاحتجاج بعدم الدفع إلا في يوم عمل مستبعدة بذلك إقامة هذا الإجراء أيام العطل سواء منها الرسمية أو الأسبوعية .
والأصل في الموظف العمومي المكلف بالتبليغ أنه يقوم بمهمته في أوقات العمل المحددة قانونا ، لكن الواقع العملي أثبت أن تبليغ الأوراق القضائية يتم خارج اوقات العمل وفي أيام العطل خاصة من طرف أعوان السلطة الإدارية اللذين يستغلون فترة الأسواق الأسبوعية التي يحظرها سكان البوادي لكي يقوموا بتبليغ الاستدعاءات والأحكام ويتفادون الانتقال إلى الدواوير المنتشرة في الجبال ، ولعل المشرع قد أخذ هذه المسألة بعين الاعتبار فسكت عن حظر التبليغ في أوقات معينة خلال الليل وفي ايام العطل تاركا بعض المرونة في عملية التبليغ تسمح للمكلف بها بالقيام بالإجراءات اللازمة حسب ظروف كل حالة على حدة.
وفي انتظار أن يتدخل المشرع بنص صريح لتحديد وقت التبليغ ، فإنه يمكن للعمل القضائي التدخل لإبطال التبليغ الذي قد يتم خلال الليل أو العطل ، على اعتبار أن الليل خلق للراحة والسكينة وأن العطل توخى المشرع من إحداثها الخلود للراحة والاطمئنان ، ولاشك أن القيام بالتبليغ أو التنفيذ خلال هذه الأوقات فيه إزعاج وتعكير لصفو الراحة والسكينة ، فكان لابد وبالرغم من غياب النص من الأخذ بقاعدة منع التبليغ خلال الأوقات المذكورة لأنها تتمشى مع القواعد العامة ومع المنطق والعدالة.
وبالنسبة لإثبات وقوع التبليغ خارج الوقت القانوني فإن المشرع المغربي في الفصول المنظمة للتبليغ وكذا في شواهد التسليم لم يشر إلى ضرورة ذكر ساعة القيام بالإجراء وذلك بسبب عدم أخذه بقاعدة حظر التبليغ في أوقات معينة للأسباب السابق ذكرها ، إلا أنه إذا تعلق الأمر بحجز فإنه يفهم من مقتضيات الفصل 451 ق.م.م أنه يتعين على عون التنفيذ الإشارة في محضر الحجز إلى ساعة وقوعه لأن مخالفة تلك المقتضيات قد يترتب عنها البطلان إذا تمسك المحجوز عليه بأن الحجز قد تم خارج الوقت القانوني.

ثانيا : مكان التبليغ.

إن مكان التبليغ تمت الإشارة إليه في المادة 38 ق.م.م وهو الموطن الذي يسلم فيه الاستدعاء أو الحكم أو الإعلان بصفة عامة ، والموطن عرفه الفقه بأنه المقر القانوني للشخص بحيث يعتبر موجودا فيه على الدوام ولو تغيب عنه بصفة مؤقتة ، وهذا التعريف يستبعد محل الإقامة الذي يعتبر موطنا بصفة استثنائية بالنسبة لمن لا موطن له كما ورد في المادة المذكورة .
وأهمية معرفة الموطن تتجلى في اعتباره المكان الذي يجب أن تتم فيه الإجراءات ، فضلا عن معرفة المحكمة المختصة مكانيا في الدعاوى التي نص القانون على تقديمها أمام محكمة موطن الشخص.
والموطن يمكن أن يكون عاما وهو الموطن الأصلي الذي يستقر فيه الشخص بصفة عادية ومستمرة ويتخذه مقرا لأسرته وهو المشار إليه في المادة 519 من ق.م.م ، ويتم فيه تبليغ كل الإجراءات التي لها علاقة بالحقوق العائلية والأموال الشخصية ، كما أن تبليغ تلك الإجراءات في موطن العمل لا يترتب عنه البطلان كما ورد في نفس الفصل.
كما يمكن أن يكون الموطن خاصا ، وهو موطن الأعمال ، وقد وردت الإشارة إليه في الفصل 519 ق.م.م بمركز الأعمال والمصالح ، ويعتبر موطنا بالنسبة للحقوق الراجعة للنشاط المهني ، وإن كان بمفهوم المخالفة لا مانع يمنع من تبليغ كل الإجراءات بما فيها تلك المتعلقة بالحقوق العائلية والشخصية بموطن الأعمال الذي يمارس فيه الشخص نشاطه المهني ، وقد اعتبر المشرع المغربي مقر العمل بالنسبة للموظف العمومي موطنا قانونيا يجوز فيه التبليغ شريطة أن يتم التبليغ للموظف بصفة شخصية تحت طائلة البطلان ، وهذا ما اكده المجلس الأعلى في قراره عدد 206 بتاريخ 25/02/1985 ، معتبرا تبليغ الموظف بواسطة رئيس الإدارة باطلا لانتفاء علاقة التبعية بين الرئيس والموظف.
وبالنسبة للشركات فإن المكان الذي يجوز فيه التبليغ هو المقر الاجتماعي للشركة ، أي المكان الذي توجد به هيآتها الرئيسية ويتم فيه تسيير الشركة وتنعقد به الجمعيات العمومية وتصدر منه الأوامر والتوجيهات ، وهذا ما اشار إليه المشرع المغربي في الفصل 522 ق.م.م. ، وإذا كان للشركة أكثر من مقر اجتماعي جاز التبليغ في أي منها ، أما التبليغ للشركة عن طريق أحد فروعها أو محلها التجاري فهو باطل ، وهذا ما أكده المجلس الأعلى في العديد من قراراته ومنها القرار عدد 223 بتاريخ 25/02/1997 حينما اعتبر أن محكمة الاستئناف بالدار البيضاء قد خرقت مقتضيات الفصلين 38 و 522 ق.م.م حينما اعتبرت التبليغ الذي تم للشركة الطاعنة في غير مقرها الاجتماعي صحيحا ، وبالتالي عرضت قرارها للنقض.
وبالنسبة للموظف الذي يعمل خارج المغرب ، فإن موطنه القانوني هو مركز المؤسسة العمومية التي يعمل بها أو مركز إدارته الأصلية ، وإذا كان يعمل بإحدى المنظمات الدولية كهيئة الأمم المتحدة أو الجامعة العربية فإن موطنه هو القسم القنصلي بوزارة الخارجية بالرباط. ( الفصل 526 ق.م.م ).
وبالنسبة لفاقد الأهلية أو ناقصها فقد فرض القانون في الفصل 521 ق.م.م أن يتم التبليغ إليه في موطن حاجره ولا عبرة بموطنهما الأصلي الحقيقي لأنهما لا يباشران شؤونهما أو نشاطهما بصفة شخصية بل بواسطة من ينوب عنهما قانونا.
وقد يكون الشخص المطلوب تبليغه لا يتوفر على موطن ، وفي هذه الحالة أجاز المشرع في الفصل 38 ق.م.م إجراء التبليغ في محل إقامته ، ومحل الإقامة عرفه الفصل 520 ق.م.م بأنه المحل الذي يوجد به الشخص فعلا في وقت معين كما هو الشأن بالنسبة للمقيم في فندق بصفة مؤقتة أو مكان للاصطياف ، وما ينبغي ذكره في هذا الإطار هو أن التبليغ بمحل الإقامة مشروط بعدم توفر المعني بالأمر على الموطن الأصلي بالمغرب إلا إذا نص القانون صراحة على خلاف ذلك ، كما هو الشأن بالنسبة للفصل 469 ق.م.م الذي نص على أن عون التنفيذ يبلغ تحويل الحجز التحفظي إلى حجز تنفيذي للمنفذ عليه شخصيا أو في موطنه أو في محل إقامته ، وحرف ” أو ” يفيد الاختيار وبالتالي يكون التبليغ صحيحا في أي واحد من المواطن المذكورة.

• الموطن المختار :

إذا كان الموطن الأصلي يقع اختياره أول الأمر في شكل اتخاذه محل إقامة اعتيادية لمدة تنبئ عن نية المرء في الاستقرار ، فإن الموطن المختار هو الذي يختاره المرء لتنفيذ عمل قانوني معين ، كما هو الشأن بالنسبة لمالك العقار الذي ينذر المكتري بالإفراغ ويذكر عنوان وكيله فيكون الجواب في هذا العنوان أو تقديم دعوى الصلح في إطار ظهير 1955 في العنوان المختار في الإشعار.
وتعيين الموطن المختار أمر جوازي إلا أنه قد ينص القانون في حالات معينة على إلزام الشخص بتعيين موطن مختار كما في الفصل 330 ق.م.م الذي ألزم كل طرف يقيم خارج دائرة محكمة الاستئناف بتعيين موطن مختار ، والفصل 13 من ظهير التحفيظ العقاري الذي نص على أن يتضمن طلب التحفيظ لزاما تعيين موطن مختار في دائرة المحافظة الموجود بها الملك.
ويجب أن يتم التبليغ في الموطن المختار إلى صاحب هذا المحل نيابة عن المراد تبليغه الذي اتخذ المحل المذكور موطنا مختارا له.

• التبليغ بمكتب المحامي :

لقد ثار خلاف فقهي وقضائي كبير حول صحة التبليغ بمكتب المحامي باعتباره موطنا مختارا ، فتبليغ الاستدعاءات والمذكرات واالإشعارات وغيرها من الإجراءات العادية التي تتخذها المحكمة أثناء جريان الدعوى لا يطرح أي إشكال بل إن تبليغها للمعني بالأمر شخصيا يخل بحقوق الدفاع ويعرض الحكم للإلغاء والنقض ، وهكذا دأب العمل القضائي ببلادنا على القول بصحة تبليغ الأمر بالتخلي بمكتب المحامي وكذا الإنذار بأداء صائر الخبرة أو المعاينة ، بل أكثر من ذلك ذهب المجلس الأعلى في إحدى قراراته الحديثة إلى أن تبليغ مشروع التوزيع بالمحاصة طبقا لمقتضيات الفصل 508 ق.م.م بمكتب المحامي يجعل تعرض المعني بالأمر بعد مرور 30 يوما غير مقبول إذا لم يثبت أنه جرد دفاعه من النيابة قبل حصول التبليغ أو تخليه عن المهمة المسندة إليه.
أما بالنسبة للأحكام التمهيدية وإجراءات التحقيق كالخبرة وجلسة البحث والحضور بعين المكان فهناك من المحاكم من تعمل على تبليغها للمعنيين بالأمر بموطنهم الحقيقي على اعتبار أن المعطيات الضرورية المطلوبة والمفيدة لإجراء البحث أو الخبرة تتوفر لدى المعني بالأمر وليس دفاعه.
لكن مثار الخلاف والجدل بالنسبة لهذه النقطة هي تبليغ الحكم الابتدائي بمكتب المحامي باعتباره موطنا مختارا ، وسبب هذا الخلاف يرجع بالأساس إلى غموض فحوى المادة 46 من قانون المحاماة والتي تنص على أن المحامي يجب عليه أن يتتبع القضية المكلف بها إلى نهايتها ، وقد زاد من تعميق هذا الخلاف ايضا مقتضيات المادة 29 من قانون المحاماة التي تنص على عدم إلزامية توثيق وكالة الخصام لمعرفة مداها ، فعبارة ” نهايتها ” الواردة في المادة 46 تحتمل القول بأن وكالة المحامي تنتهي بانتهاء الدعوى في مرحلتها الابتدائية كما تحتمل القول باستمرار الوكالة إلى نهاية المرحلة الاستئنافية ، فالمشرع المغربي لم يحسم في موضوع وكالة المحامي ولذلك بقي الخلاف قائما حول تبليغ الحكم الابتدائي بمكتب المحامي باعتباره موطنا مختارا.
والقراءة المتأنية لمقتضيات الفصل 134 ق.م.م تفيد بان تبليغ الحكم الابتدائي يكون صحيحا بالموطن المختار للمعني بالأمر دون تمييز بين مكتب المحامي وغيره.
كما أن الفصل 50 ق.م.م سمح بتبليغ الحكم الابتدائي بالجلسة للطرف الحاضر أو لوكيله ، فكيف يجوز اعتبار هذا التبليغ صحيحا وتبليغ الحكم إلى نفس الوكيل بمكتبه غير قانوني والحال أن أثر التبليغين معا واحد وهو انطلاق أجل الاستئناف في مواجهة الطرف الأصلي.
لكن إذا سلمنا بجواز تبليغ الحكم الابتدائي بمكتب المحامي طبقا للنصوص القانونية المذكورة ( 50 و 134 ق.م.م ) فكيف سيتصرف المحامي إذا كان الحكم المبلغ إليه قابلا للاستئناف ويتطلب ذلك مصاريف قضائية قد تكون فوق استطاعته وتعذر عليه الاتصال بموكله لإشعاره بهذا التبليغ ، وما العمل إذا كان المحامي غير مقبول للترافع أمام المجلس الأعلى والحكم قابل للنقض ، أو إذا قبل المحكوم عليه الحكم تفاديا لتحمل مصاريف إضافية ، لذا نجد العمل القضائي لمحاكم الموضوع وكذا المجلس الأعلى يذهب إلى القول بأن انتهاء القضية يضع حدا للوكالة ، ونتيجة لذلك يكون تبليغ الحكم الابتدائي بموطن الوكيل غير نظامي ولايترتب عنه بالتالي سريان أجل الاستئناف .
وعلى نقيض الفصل 134 ق.م.م ، فإن مقتضيات المادة 358 ق.م.م تنص صراحة على أن أجل الطعن بالنقض ينطلق من يوم تبليغ القرار المطعون فيه إلى الشخص نفسه أو إلى موطنه الحقيقي ، ومعنى ذلك أنه لا يجوز تبليغ الأحكام والقرارات النهائية القابلة للطعن بالنقض بالموطن المختار ، ويجد هذا المنع تبريره في أن المحامي الذي ينوب في المرحلة النهائية ، والذي يعتبر مكتبه موطنا مختارا بقوة القانون قد يكون غير مقبول للترافع أمام المجلس الأعلى ، فإذا تعذر عليه الاتصال بموكله بعد التبليغ وانتهى أجل الطعن بالنقض فمن سيتحمل مسؤولية عدم التصريح بالنقض لاسيما وأن الأجل أصبح محصورا في ثلاثين يوما في قانون المسطرة المدنية الجديد.
لكن هناك حالة شادة في القانون المغربي تنص على إمكانية تبليغ القرار الاستئنافي بالموطن المختار ، وهي الواردة في المادة 47 من قانون التحفيظ العقاري والتي تنص على أن أجل الطعن بالنقض يبتدئ من تاريخ التبليغ بالموطن الحقيقي أو المختار ، ويرى بعض الفقه أن سبب سلوك المشرع لهذه المسطرة راجع إلى طبيعة نزاعات التحفيظ التي قد تستغرق مددا طويلة ، بالإضافة إلى تعدد الأطراف ومحلات إقامتهم ، إلا أنه يمكن للمحامي ودفعا لكل مسؤولية بمجرد صدور القرار أن يسلك مسطرة المادة 46 من قانون المحاماة والمتعلقة بسحب النيابة.

المبحث الثالث : الجهات المؤهلة لتسلم التبليغ.

أولا : التبليغ للمعني بالأمر شخصيا.

ثانيا : التبليغ لمن له الصفة في النيابة عن النعني بالأمر.
– رفض التوصل بالتبليغ.
1- الإدلاء بالهوية ورفض التوصل ،
2- رفض التوصل والإفصاح عن الهوية ،
3- رفض التوقيع.

ثالثا : التبليغ لجهة الإدارة .
1-كتابة الضبط ، 2- النيابة العامة ، 3- التبليغ للقيم.
المبحث الرابع : بطلان التبليغ.
المبحث الخامس : التبليغ في المادة التجارية.
خاتمة.

المبحث الثالث : الجهات المؤهلة لتسلم التبليغ .

تختلف الجهات المؤهلة لتسلم طيات التبليغ باختلاف من له الصفة في هذا التسلم ، فقد يكون الشخص المعني بالأمر شخصيا ، وقد يكون شخص تربطه به قرابة أو تبعية أو مساكنة ، وقد يكون جهة أخرى كالنيابة العامة أو القيم.

الفرع الأول : التبليغ للمعني بالأمر شخصيا.

من المفيد التأكيد في هذا الإطار على أن الشخص يستدعى في موطنه الأصلي الذي يستقر فيه بصفة مستمرة إما بمحل سكناه بالنسبة لحقوقه العائلية أو الشخصية أو بموطن أعماله بالنسبة للحقوق المرتبطة بالنشاط المهني ، إلا أن أي إجراء تم في هذا الموطن أو ذاك يبقى صحيحا ولا يطاله البطلان بصريح المادة 519 ق.م.م ، وعون التبليغ غير مطالب بالتحقق من هوية متسلم التبليغ ما دام هذا الإجراء قد تم في الموطن الأصلي ويجب على عون التبليغ أن يتأكد من تلك الهوية إذا تم التبليغ في غير الموطن الأصلي كأن يقع في الشارع العمومي او في المحكمة ويثبت ذلك في شهادة التسليم دفعا لكل مسؤولية.
وفي حالة تعدد المبلغ إليهم فيجب تبليغ كل واحد منهم حتى ولو كانوا متضامنين ، وإذا تعددت الصفة كأن يكون الشخص مدعى عليه بصفته الشخصية وبصفته ممثلا للشركة فيجب استدعاؤه بكل تلك الصفات ولا يكفي استدعاؤه بصفة واحدة.
ولا يشترط في متسلم طي التبليغ كمال الأهلية بخلاف الشخص المراد تبليغه والمعني بالإجراء ، بحيث نص الفصل 516 ق.م.م على أن فاقدي الأهلية يجب أن يبلغ ممثلوهم القانونيين بصفتهم تلك.
وبالنسبة للشخص الاعتباري إذا كان عاما كالدولة والجماعات المحلية والمؤسسات العمومية ، فإن التبليغ يجب أن يتم لمن يمثلها قانونا وذلك بالمكان الذي تمارس فيه نشاطها ، وإذا كان الشخص الاعتباري خاصا كالشركة فالتبليغ يتم لممثلها القانوني وإن كان المجلس الأعلى في كثير من قراراته ذهب إلى أنه يجوز التبليغ للشخص الاعتباري بواسطة أي شخص يعمل معه ولو كان حارس الشركة أو أي عامل تابع لها ، ولا يجوز تبليغ اللشركة في الموطن الشخصي لممثلها القانوني بل يجب أن يتم هذا التبليغ في المكان الذي يتواجد فيه مقرها الاجتماعي.

الفرع الثاني : التبليغ لمن له الصفة في النيابة عن المعني بالأمر.

لقد حدد المشرع من لهم الصفة في تسلم التبليغ نيابة عن المعني بالأمر في المادة 38 ق.م.م وهم الأقارب ، الخدم ، وكل شخص آخر يسكن مع المعني بالأمر.
والتبليغ في هذه الحالة يجب أن يتم إلى هؤلاء بالموطن الحقيقي للمراد تبليغه وحتى ولو كان هذا الأخير موجودا به ، بخلاف المشرع الفرنسي الذي لم يجز التبليغ للأقارب والخدم إلا في حالة عدم وجود المعني بالتبليغ ، وأوجب على عون التبليغ أن يبين في محضره التحريات الضرورية لإيصال الشخص بنفسه وأنه لم يفلح في ذلك. Si la signalisation à personne s’avère impossible; l’acte peut être délivré soit à domicile soit…..
كما أن المشرع لم يشترط الأهلية في متسلم التبليغ واتفق الفقه والقضاء على كفاية شرط التمييز ، وهذا ماذهب إليه المجلس الأعلى حينما اعتبر أن التبليغ صحيح للشخص الذي يبلغ من العمر 14 سنة .
ولم يبين المشرع المقصود بالقريب ولم يحدد درجة القرابة ، إلا أن هذه العبارة إذا أطلقت فهي تفيد علاقة الدم ، وبالتالي لا تشمل العلاقة الزوجية وعلاقة المصاهرة التي تدخل في صنف ( كل شخص آخر يسكن معه ).
أما الخادم فيشترط فيه توافر علاقة التبعية وأن يتم بموطن المعني بالتبليغ ولا يصح تسليم الإجراء إلى الخادم بالشارع العام أو منزله تحت طائلة البطلان.
وبالنسبة للصنف الثالث والمشار إليه بعبارة كل شخص آخر يسكن معه ، فيشترط فيه المساكنة وبالتالي لا يجوز تسليم التبليغ للمقيم بصفة مؤقتة كالزائر أو صديق في فترة عطلة سنوية ، أو المتواجد بالصدفة تحت طائلة بطلان التبليغ.

• رفض التوصل بالتبليغ.

يعتبر رفض التوصل بالتبليغ من أهم العراقيل التي تصادف عملية التبليغ ، وتتخذ هذه الظاهرة ثلاثة أشكال أساسية :

الشكل الأول : الإدلاء بالهوية ورفض التوصل.

أوجب المشرع الفرنسي في قانون المسطرة المدنية ، وكذا المشرع المصري في المادة 11 من قانون المرافعات على عون التبليغ أن يقوم بتسليم الاستدعاء إلى المبلغ إليه شخصيا أو إلى من له الصفة في تسلمها شريطة الإدلاء بهويتهم ، وإذا رفضوا تسلم التبليغ وجب على العون تسليم الورقة إلى الجماعة المحلية la mairie أو إلى العمدة أو شيخ البلدة التي يقع موطن المعني بالأمر في دائرته حسب الأحوال.
أما المشرع المغربي في المادة 39 ق.م.م فقد اعتبر الاستدعاء مسلما تسليما صحيحا في اليوم العاشر الموالي للرفض الصادر عن الطرف أو الشخص الذي له الصفة في تسلم الاستدعاء ، ويمكن للمحكمة من ناحية أخرى تبعا للظروف تمديد الآجال المذكورة أعلاه وتجديد الاستدعاء.
ويتضح أن المشرع المغربي بخلاف القانون المقارن لم يحط حالة رفض التوصل من طرف من له الصفة ( وليس من طرف المعني بالأمر ) بالضمانات الكافية ، فقد يكون سبب رفض التوصل هو الخوف من المسؤولية ، أو وجود خلاف بينه وبين المعني بالتبليغ ، أو تجنب التدخل فيما لا يعنيه ، فكيف يؤاخذ المعني بالتبليغ بتصرف من كانت له مثل هذه النوايا ، لذا كان حريا بالمشرع أن يسير على نهج نظيره الفرنسي الذي أوجب في حالة رفض التوصل من طرف من له الصفة أن يتم التبليغ لجهة الإدارة وإخطار المعني بالأمر برسالة مضمونة.

الشكل الثاني : رفض التوصل والإفصاح عن الهوية.

قد يرفض الشخص الموجود في المكان المراد إنجاز التبليغ فيه التوصل ويرفض أيضا الإدلاء بهويته ، مما يحول دون معرفة ما إذا كان المخاطب هو المعني بالأمر أو له الصفة في تسلم التبليغ ، وقد يتم الإدلاء بالصفة دون الإسم كأن يصرح المعني بالأمر أنه أب أو أم أو زوج المراد تبليغه ويرفض الإدلاء بالإسم وهذه هي الحالة الغالبة في الحياة العملية ، فهل يعتبر هذا الموقف بمثابة رفض التوصل الذي يترتب عنه التبليغ الصحيح بعد مرور 10 أيام طبقا للفصل 39 ق.م.م.
إن المشرع المغربي في المادة المذكورة يشترط لكي يكون رفض التوصل توصلا صحيحا أن يصدر عن الطرف المعني بالتبليغ او من له الصفة في تسلم الاستدعاء ، ولن يتأتى ذلك إلا بذكر الإسم والصفة ، وفي حالة رفض الإدلاء بهما فإن ذلك التبليغ لايعتبر صحيحا ، وهذا ما استقر عليه الاجتهاد القضائي للمجلس الأعلى في العديد من القرارات. غير أن هناك بعض القرارات الأخرى التي اعتبرت الإدلاء بالصفة دون الإسم بمثابة تبليغ صحيح كما لو صرح متسلم التبليغ بأنه أب المعني بالأمر بحيث لا يتصور أن يكون له إلا أب واحد أو أم واحدة أو زوج واحد…
وعليه فإن الحل العملي لهذه الإشكالية أي رفض التوصل ورفض الإدلاء بالهوية يتمثل في عدم تسليم طي التبليغ للشخص الذي رفض التوصل ورفض الإدلاء بهويته ، وأن على عون التبليغ أن يعتبر في هذه الحالة أنه لم يجد أحدا في الموطن وأن يحرر محضرا يشير فيه إلى التحريات التي قام بها وإلى مقتضيات الفصل 39 ق.م.م التي تشترط صدور الرفض من المعني بالأمر أو من له الصفة لكي يكون صحيحا.

الشكل الثالث : رفض التوقيع.

بالرجوع إلى مقتضيات الفصل 39 ق.م.م نجد المشرع قد سمح لعون التبليغ في حالة رفض التوقيع بالاكتفاء بالإشارة إلى ذلك في شهادة التسليم ، أما المشرع الفرنسي والمصري فقد أوجبا في هذه الحالة أيضا تسليم التبليغ إلى الإدارة ، وقد أكد المجلس الأعلى في بعض قراراته على أهمية التوقيع على شهادة التسليم واعتبر التبليغ باطلا إذا لم يشر عون التبليغ إلى سبب رفض التوقيع ، وهو السبب الذي قد تعتبره المحكمة في تقييمها وجيها وتتخذ على ضوئه الإجراء المناسب الذي قد يكون هو إعادة الاستدعاء أو عدم الاعتداد بالتبليغ نهائيا.
ومن الجدير بالذكر أن التبليغ بكتابة الضبط كموطن مختار لا يعتبر بمثابة رفض التوصل في حالة عدم سحب الطي من طرف المعني بالأمر بل يعتبر التبليغ صحيحا باعتبار مكتب الضبط صاحب صفة في تسلم الاستدعاء كموطن مختار بقوة القانون بالنسبة لمن يختاره محلا للمخابرة معه.

الفرع الثالث : التبليغ للإدارة.

لقد سبقت الإشارة إلى أن التبليغ يتم إما إلى المعني بالأمر مباشرة في موطنه أو إلى من له الصفة في تسلم التبليغ نيابة عنه ، إلا أنه في حالة تعذر التبليغ إلى هؤلاء فإنه يجب أن يوجه في هذه الحالة إلى جهة الإدارة ، والمقصود بجهة الإدارة هنا كتابة الضبط والنيابة العامة ، والقيم المنصب عن الطرف المجهول العنوان.

*** التبليغ لكتابة الضبط.

لقد نص الفصلان 33 و 330 ق.م.م على أن كل طرف يقيم خارج دائرة نفوذ المحكمة يجب عليه أن يعين موطنا مختارا تحت طائلة اعتبار كل تبليغ يتم له بكتابة ضبط تلك المحكمة تبليغا صحيحا ، كما يجب على المحامي تعيين محل للمخابرة معه تحت طائلة اعتباره متوصلا بصفة قانونية في كل تبليغ يسلم إلى مكتب الضبط ، لكن شريطة احترام أجل إعداد الدفاع المنصوص عليه في الفصلين 40 و 41 ق.م.م على اعتبار أن المحامي قد يحضر لدى كتابة الضبط لسحب الاستدعاء فينبغي على كتابة الضبط أن تضع على شهادة التسليم تاريخ التوصل الحقيقي احتراما لحقوق الدفاع وترد شهادة التسليم إلى الجهة القائمة بالتبليغ دون إخبار المحكمة بسحب او عدم سحب الطي المودع لديها ، لأن ذلك لا يؤثر بشيء فيما ستتخذه المحكمة من إجراءات في حالة غياب المعني بالأمر ولا في الوصف القانوني للحكم.
وخلاصة القول في هذه النقطة فإن التبليغ بكتابة الضبط يكون صحيحا وينتج آثاره من تاريخ تسليم الإجراء إليها بغض النظر عما إذا كان المبلغ إليه على علم بهذا الإجراء أم لا ودون إشعاره بهذا التبليغ من طرف كتابة الضبط على اعتبار أن المشرع افترض بأن الطرف الذي لم يعين موطنا مختارا أو محلا للمخابرة كما سبق الذكر كان متوقعا مخابرته بمكتب الضبط وعليه أن يسعى إليها لاستلام تبليغه.

*** التبليغ للنيابة العامة.

نص الفصل 13 من ظهير 12/08/1913 المتعلق بالتحفيظ العقاري على وجوب تعيين موطن مختار في دائرة المحافظة الموجود بها الملك المراد تحفيظه ، والجزاء المترتب على مخالفة هذا النص ورد في الفصل 26 من القرار الوزيري المؤرخ في 03/06/1915 الذي اعتبر التبليغات والإعلانات الموجهة إلى المعني بالأمر لدى النيابة العامة صحيحة إذا لم يعين محلا للمخابرة معه.
إلا أن التبليغ الذي يتم للنيابة العامة في هذه الحالة تقتصر اجراءاته على تسليم الورقة المعنية إلى كتابة النيابة العامة دون أن يعقب ذلك القيام بتحريات من شأنها العثور على المراد تبليغه ، لذلك اتخذ المجلس الأعلى منحى آخر بالنسبة للمرحلة القضائية للتحفيظ ، وذلك بتعيين قيم طبقا للفصل 39 ق.م.م على اعتبار أنه يوفر في هذه الحالة ضمانات شبه كافية تؤدي أحيانا إلى العثور على المعني بالأمر.
وهناك حالة أخرى في التشريع المغربي مماثلة لهذه الحالة وهي المتعلقة بقضايا نزع الملكية لأجل المنفعة العامة طبقا لظهير 22/12/1980 حيث ينص الفصل 46 منه على أنه إذا تعذر تسليم التبليغات الإدارية إلى المعنيين بالأمر اكتفي بتوجيهها إلى وكيل الملك التابع لنفوذ موقع العقار.

*** التبليغ للقيم.

إن مبدأ التواجهية يعد دعامة أساسية لحقوق الدفاع ، وعملية التبليغ التي تتحقق بها هذه المواجهة بين الخصمين تستوجب ذكر الموطن الحقيقي للخصم ومراعاة قواعد حسن النية التي يستلزمها الفصل 5 ق.م.م بحيث يتعين على المدعي عدم تغليط المحكمة بالإدلاء بعنوان وهمي لخصمه رغبة منه في الإلتجاء إلى مسطرة القيم.
وجدير بالذكر أن مسطرة التبليغ للقيم هي طريق استثنائي رسمه القانون لإتمام التبليغ في الحالات التي يكون فيها المعني بالأمر مجهول العنوان ، والملاحظ في الحياة العملية أنه يقع الخلط بين حالة عدم العثور على أي شخص في الموطن المراد التبليغ فيه ، وحالة كون المطلوب تبليغه مجهول العنوان ، والسؤال الذي يطرح هنا هو متى يمكن اللجوء إلى مسطرة القيم ؟
بدراسة وتحليل مقتضيات الفصل 39 ق.م.م نجده تناول الحالتين معا ، فبالنسبة للحالة الأولى المتعلقة بتعذر تسليم الاستدعاء بسبب عدم العثور أوجب إعادة الاستدعاء بالبريد المضمون مع الإشعار بالتوصل ووقف عند هذا الحد ، ولم يبين الخطوات الموالية ولم يوضح الأثر القانوني المترتب عن عدم التوصل أو عدم سحب الاستدعاء بالبريد ، وهذا الفراغ التشريعي خلق نوعا من البلبلة ودفع بعض العمل القضائي إلى القول بوجوب تنصيب قيم في حالة تعذر تسليم الاستدعاء بسبب عدم العثور ، وهذا السبب أي عدم العثور لا يشكل في الحقيقة مبررا لإجراء مسطرة القيم حسبما ذهبت إليه محكمة النقض الفرنسية في أحد قراراتها .
وسبب التجاء المحاكم إلى مسطرة القيم في حالة عدم العثور هو الفراغ التشريعي المذكور ، ولذا وجب على المشرع التدخل لحل هذه الإشكالية على اعتبار أنه من غير المبرر تنصيب قيم في حق شخص لا يتواجد بمسكنه إلا في وقت متأخر من الليل أو تفرض عليه ظروف العمل عدم التواجد بمنزله إلا في عطلة نهاية الأسبوع ، وينبغي ايجاد حلول مناسبة بأن يودع له إشعار بوجود استدعاء يهمه لدى السلطة المحلية أو الضابطة القضائية او النيابة العامة ومنحه اجلا معينا ، فإذا لم يتقدم لسحبه اعتبر ذلك منه بمثابة رفض ، إلا أن ذلك يجب أن يسبقه تحر دقيق من طرف العون المكلف بالتبليغ حتى يتاكد من أن المعني بالأمر لا زال يسكن بالعنوان والاستماع إلى الجيران أو إلى أعوان السلطة وتفادي ما تقدم عليه بعض المحاكم من تعيين قيم عن أحد الأطراف دون التأكد من مغادرته إلى مكان مجهول وهو أمر مخالف للقانون ومخل بحقوق الدفاع وموجب لإبطال الحكم.
وبالنسبة للحالة الثانية التي يكون فيها الموطن أو محل الإقامة غير معروف فإنه يتم تنصيب قيم في حق المعني بالأمر ، ويقوم هذا القيم بالبحث عن المطلوب في التبليغ بمساعدة النيابة العامة والسلطات الإدارية ، إلا أن خطورة هذه المسطرة تتجلى في عدم إنجازها وفق ما رسمه الفصل 39 ق.م.م ، إذ لو كان البحث يتم وفق ما يجب لكان جل مصير مسطرة القيم العثور على المعني بالأمر ، فعادة ما يصبح الخصم معروف العنوان بمجرد أن يضحى الحكم نهائيا في حق القيم بالإضافة إلى أنه عادة ما يدلي القيم بجوابه المتضمن لتصريحه بعدم العثور رغم انه لم ينصب عنه إلا لمدة قصيرة لا تكفي لإجراء البحث الكافي والتحري اللازم فضلا عن أن بعض المحاكم تحجز القضايا للمداولة دون انتظار إفادة القيم وهو ما يشكل إخلالا بمقتضيات الفصل 39 ق.م.م يترتب عنه حرمان المعني بالأمر من درجة من درجات التقاضي.
ولا بد من الإشارة إلى أن الاستدعاء بالبريد المضمون كما يبدو واضحا من الفقرة الثالثة من الفصل 39 يكون في حالة تعذر تسليم الاستدعاء لعدم العثور ، ولا يخص الحالة التي يكون فيها الموطن او محل الإقامة مجهولا ، بدليل أن الفقرة السابعة خالية مما يفيد ضرورة توجيه الاستدعاء بالبريد المضمون قبل تعيين المحكمة للقيم عن طرف مجهول العنوان.
ويبدو أن ما ذهب إليه بعض العمل القضائي المغربي من توجيه استدعاء بالبريد المضمون بالنسبة لمجهول العنوان يستند إلى ما سار عليه العمل القضائي الفرنسي ، إلا أن هذا الأخير يجد سنده في مقتضيات الفصل 659 ق.م.م الجديد الذي ينص على أنه ينبغي على العون القضائي توجيه رسالة مضمونة مع الإشعار بالتوصل إذا كان المعني بالأمر مجهول العنوان وإن كان بعض الفقه تساءل عن جدوى الرسالة المضمونة في هذه الحالة.
غير ان ما ينبغي الإشارة إليه أن مقتضيات الفصل 39 ق.م.م وردت في القسم الثالث من ق.م.م المتعلق بالمسطرة أمام المحكمة الابتدائية ، وعلى نفس المقتضيات أحال الفصل 329 بالنسبة للمسطرة أمام محاكم الاستئناف ، لكن التساؤل الذي يطرح هو هل تطبق نفس المقتضيات إذا تعلق الأمر بتبليغ الأحكام والقرارات؟
الأصل في تبليغ الأحكام والقرارات كما نص على ذلك الفصلان 54 و 349 ق.م.م أن يتم وفق الشروط المبينة في الفصول 37 ، 38 ، 39 ق.م.م ، وإذا تعلق الأمر بالتبليغ إلى القيم يتم ذلك وفق الشروط الواردة في الفصل 441 ق.م.م ، فإذا أصبح المحكوم عليه حضوريا مجهول العنوان فإنه أمام غياب نص صريح ينظم هذه الحالة استقر العمل القضائي على تنصيب قيم في حقه بواسطة أمر قضائي مبني على طلب حيث يتم التبليغ إليه ويصبح الحكم او القرار قابلا للتنفيذ بعد اتخاذ الاجراءات المنصوص عليها في الفصل 441 ق.م.م وهي تعليق نسخة الحكم لمدة ثلاثين يوما باللوحة المعدة لهذا الغرض بالمحكمة ، ثم إشهار الحكم بكل وسائل الإشهار حسب أهمية القضية ، وأخيرا إعداد اشهاد من طرف كاتب الضبط يثبت القيام بكل تلك الإجراءات وهذا ما أكده المجلس الأعلى في قراره عدد 258 الصادر بتاريخ 26/02/1985.

المبحث الرابع : بطلان التبليغ.

قبل الحديث عن هذا الموضوع لابد من الإشارة إلى أن شهادة التسليم تعتبر الوثيقة الأساسية لإثبات التبليغ باعتبارها تحمل توقيع المبلغ إليه ، وقد درج المجلس الأعلى على اعتبار شهادة التسليم المرجع الأساسي لإثبات التبليغ مقررا أن ما يعتد به لإثبات التبليغات القضائية في حالة النزاع هي شهادة التسليم المنصوص عليها في الفصل 39 ق.م.م ، ولا يمكن تعويضها بأية وثيقة أخرى حتى ولو كانت شهادة رسمية موقعة من طرف رئيس كتابة الضبط تتبث واقعة التسليم.
وتعتبر شهادة التسليم بذلك ورقة رسمية ولها حجية ثبوتية لا يجوز إثبات عكسها إلا عن طريق الطعن فيها بالزور ، وهذه الحجية تكون فقط لما يقوم به عون التبليغ كأن يكون هناك كشط أو محو أو حشو ، أما التصريحات التي يتلقاها أثناء التبليغ فهي تبقى على مسؤولية صاحبها ، فإذا وجد عون التبليغ شخصا ادعى أنه هو المعني بالأمر أو أنه ذا صفة في تسلم التبليغ فإن العون يكتفي بتسجيل تلك التصريحات على مسؤولية صاحبها ولا يلزم في هذه الحالة الطعن بالزور لاثبات عكس تلك التصريحات ، بل يمكن إثبات عكسها بجميع وسائل الإثبات وذلك بالطعن ببطلان التبليغ.
ولم يضع المشرع قواعد خاصة لهذه المسطرة ، بل تخضع للقواعد العامة التي نص عليها الفصل 49 ق.م.م ، وقد كرس المجلس الأعلى هذا التوجه بإعماله لقاعدة ( لابطلان بدون ضرر ) في العديد من قراراته وسار في اتجاه أن بطلان التبليغ ليس من النظام العام وبالتالي لا يمكن للمحكمة إثارته من تلقاء نفسها بل لابد من إثارته ممن له المصلحة في ذلك وقبل كل دفاع في الجوهر.
وبالنسبة للطريقة المعتمدة للطعن في التبليغ فإن المشرع المغربي لا يمنع تقديم دعوى أصلية لإبطال التبليغ بخلاف المشرع الفرنسي الذي نص في الفصل 460 ق.م.م على أنه لا يجوز طلب بطلان التبليغ إلا بمقتضى طرق الطعن المقررة قانونا ، ونلاحظ بأن الاجتهاد القضائي المغربي يسير في نفس المنحى ، إذ أن أغلب الاجتهادات الصادرة في الموضوع تسير في اتجاه رفض أو عدم قبول الدعوى الأصلية لبطلان تبليغ الحكم ، وهذا ما أكده المجلس الأعلى في مجموعة من القرارات الصادرة في المادة المدنية كالقرار عدد 1556 الذي جاء فيه أنه عندما ينازع المستأنف في تبليغ الحكم الابتدائي ، فإن محكمة الاستئناف هي التي لها صلاحية البت في هذا الدفع على ضوء شهادة التسليم التي يقع الإدلاء بها أو يقع الرجوع بشأنها إلى ملف التبليغ…
وجدير بالذكر أن بطلان التبليغ إذا كان ناتجا عن عدم احترام الأجل الفاصل بين تاريخ التوصل بالاستدعاء وتاريخ الجلسة فإن المعني بالأمر إذا حضر في الجلسة سقط حقه في التمسك بالبطلان ولا يبقى له سوى طلب مهلة لإعداد الدفاع تحت طائلة بطلان حكم المحكمة إذا رفضت منحه تلك المهلة ، ويعتد بهذا الحضور حتى ولو تعلق الأمر بقضايا المسطرة الكتابية وإن لم يدل بالمذكرة أو أي طلب فيسقط حقه في التمسك ببطلان التبليغ.
أما إذا تم التبليغ لفاقد الأهلية أو ناقصها ، أو بلغ الشخص المعنوي عن طريق شخص لا يعتبر ممثلا قانونيا له فإن الحضور في الجلسة لا يزيل العيب اللاحق بالتبليغ ويمكن التمسك بالبطلان حتى ولو تم الحضور بالجلسة لأن في ذلك خرق لقاعدة قانونية تم النص عليها صراحة في الفصل 516 ق.م.م.
وبالنسبة لتبليغ الأحكام والإنذارات التي تستوجب المنازعة فيها تسجيل دعوى داخل أجل معين ، فإن حق التمسك بالبطلان يسقط إذا بادر المعني بالأمر إلى الطعن في الحكم أو تقديم الدعوى داخل الأجل القانوني كما جاء في قرار المجلس الأعلى عدد 3424 بتاريخ 14/04/99 ، “أنه لا مصلحة للطاعنة للتمسك ببطلان حكم تم إليها في غير عنوانها مادامت قد مارست حقها في الطعن خلال الأجل القانوني وبذلك لم يلحقها أي ضرر…”

المبحث الخامس : التبليغ في المادة التجارية.

عموما يمكن القول بأن التبليغ في المادة التجارية تحكمه نفس القواعد العامة للتبليغ في المادة المدنية ، إلا أنه يتميز بخصوصيتين اثنتين تجسدهما المادتين 11 و 15 من قانون إحداث المحاكم التجارية ، وهاتين الخصوصيتين هما : التبليغ بواسطة العون القضائي – وتبليغ الشركة بمقر فرعها.

أولا : التبليغ بواسطة العون القضائي.

نصت المادة 15 من قانون 95-53 على أنه ” يوجه الاستدعاء بواسطة عون قضائي … مالم تقرر المحكمة الاستدعاء بالطرق المنصوص عليها في الفصول 37 ، 38 ، 39 ق.م.م ” ، ويفهم من هذه المقتضيات أن التبليغ في المادة التجارية يتم عن طريق العون القضائي ولا يمكن أن يتم بالطرق العادية إلا بناء على قرار من المحكمة ، ومعنى ذلك أن كتابة الضبط لا تملك سلطة اتخاذ مبادرة الاستدعاء بغير طريق العون القضائي ولا بد لها أن تستند في ذلك على قرار المحكمة لتتمكن من تنفيذه ، ونفس الشيء يطبق أمام محاكم الاستئناف التجارية بدليل أن المادة 19 من قانون 95-53 المتعلقة بالمسطرة أمام محاكم الاستئناف التجارية أحالت على المادة 15 المذكورة. لكن يبقى هناك تساؤلا مطروحا للنقاش وهو كالتالي : إذا أخذت كتابة الضبط مبادرة الاستدعاء بطريق غير طريق العون القضائي ، فهل ذلك يؤدي إلى بطلان التبليغ في حالة التمسك به من طرف من له المصلحة ، مع الأخذ بعين الاعتبار ان المادة 15 لا تستعمل صيغة الوجوب وأن المجلس الأعلى يتبنى قاعدة ( لا بطلان بدون ضرر ، ولا بطلان بدون نص ) ؟.

ثانيا : تبليغ الشركة بمقر فرعها.

تنص المادة 28 ق.م.م على أنه بالنسبة للشركات ترفع الدعوى ضدها أمام المحكمة التي يوجد في دائرتها مركزها الاجتماعي ، وهذا يتفق مع ما جاء في الفصل 522 من نفس القانون من أن موطن الشركة هو المحل الذي يوجد به مركزها الاجتماعي…
وحسب مفهوم هذين الفصلين فإنه يجب تبليغ الشخص المعنوي بالمركز الاجتماعي الذي يحدده قانونها الأساسي ، ولا يصح التبليغ بغيره كالموطن الشخصي أو فرع الشركة.
إلا أنه منذ صدور القانون 95-53 المحدث للمحاكم التجارية نص في مادته 11 على أنه ” استثناء من المادة 28 ق.م.م ترفع الدعاوى فيما يتعلق بالشركات إلى المحكمة التجارية التابع لها مقر الشركة أو فروعها.” وأصبحت تطرح من جديد تساؤلات حول جواز التبليغ للشركة بمقر فرعها.
بداية لا بد من الإشارة إلى أن رفع الدعوى ضد الفرع بدل الشركة الأم غير مقبول ولو تعلق الأمر بمسائل تدخل في نشاط الفرع ، لأن الفرع ليس كيانا قانونيا مستقلا عن الشركة ، وليس له ممثلين قانونيين يمكن أن توجه ضدهم الدعوى.
ولمتسائل أن يتساءل : ما جدوى السماح برفع الدعوى أمام المحكمة التابع لها مقر الفرع إن لم يتم تبليغ الإجراءات إلى الشركة بفرعها ؟ جوابا على هذا التساؤل يرى بعض الفقهاء أن المشرع عند تحديده المحكمة المختصة مكانيا يراعي أحيانا التسهيل على المدعي بجلب خصمه إلى أقرب محكمة لموطن المدعي ، ولا يكون هدفه من وراء ذلك أن يسهل على المحكمة تبليغ إجراءات الدعوى إلى المدعى عليه ، ولذلك فإن ما كان عليه العمل القضائي المغربي من التأكيد على عدم جواز تبليغ الشركة بمقر فرعها هو الجدير بالإتباع ، وهذا هو الاتجاه الذي سارت عليه محكمة النقض المصرية في قرارها الصادر بتاريخ 02/05/1963.

خاتمة:

من كل ما سبق يتضح بأن المشرع المغربي غلب مبدأ العلم الظني على العلم اليقيني ، ويبدو ذلك جليا من خلال المادة 37 ق.م.م حيث ساوى بين التبليغ للشخص نفسه أو أحد الأشخاص الذين حددهم دون أن يشترط على الأقل عدم إنجاز التبليغ للغير إلا في حالة عدم وجود المعني بالأمر كما فعل المشرعان الفرنسي والمصري ، وخلاصة يمكن القول أن التبليغ في التشريع المغربي يعرف العديد من المشاكل ، إذ بالإضافة إلى غموض وفراغ بعض النصوص وقابليتها لعدة تأويلات ، هناك أيضا سلوك وعمل القائمين به ، واقصد هنا بالدرجة الأولى هيئة الأعوان القضائيين ، هذه الهيئة التي وجهت لها العديد من الانتقادات لدرجة أن العديد اتفق على ضرورة الاستغناء عنها ، في حين أنه في الحقيقة لا مفر من اعتمادها شريطة تأهيل المنتمين إليها تأهيلا يوفر الضمانات الكافية للقيام بالإجراء وفق ما ينص عليه القانون ، بالإضافة إلى ضرورة التفكير في اعتماد التقنيات الحديثة في التبليغ كالفاكس والبريد الالكتروني وجعلها مقتصرة فقط على الاستدعاءات دون الأحكام ، والتبليغ إلى المحامين والخبراء والمقيمين بالخارج فقط مع النص على الضمانات الكافية للتأكد من ايصال الإجراء إلى المعني بالأمر.