قواعد قانونية لتنظيم عقود الباطن
د. محمد عرفة
أصبح اللجوء إلى عقود المقاولة من الباطن ضرورة عملية تحتمها طبيعة بعض الأعمال الإنشائية وغيرها والتي تتميز بضخامتها، وتنوع التخصصات الفنية المطلوبة لإنجازها، وحاجتها إلى عدد كبير من العمال والفنيين المتخصصين في مجالات متنوعة ومختلفة. فقد أسفر التطور الذي تشهده المجتمعات المعاصرة، وبصفة خاصة في المجال التجاري والصناعي عن أهمية تقسيم العمل والتخصص فيه؛ حيث أصبحت المهنة الواحدة تضم أكثر من متخصص في العمل الواحد. ومن أهم المجالات التي تتضمن تقسيماً للعمل مجالات التشييد والبناء؛ حيث يوجد إلى جانب المهندس المعماري أو الإنشائي، مهندس كهربائي ومهندس متخصص في مجال الإلكترونيات ومهندس استشاري ينحصر عمله في تقديم الخدمات الاستشارية والرسوم والنماذج الإنشائية والإشراف على تنفيذ المشروع الإنشائي.

كما أن المقاولين ليسوا فئة واحدة، وإنما هناك مقاول عمومي يتعاقد مع صاحب العمل، سواء أكان من القطاع العام أو الخاص، بموجب عقد مقاولة، على إنجاز مشروع بشروط محددة، ومقاول يتولى القيام بعمليات الحفر والردم، ومقاول يتولى تنفيذ الأعمال الصحية في المبنى، ومقاول يتولى تنفيذ الأعمال الكهربائية، ومقاول يتولى تنفيذ الأعمال الخرسانية، ومقاول يتولى القيام بعمليات الديكور والتشطيب النهائي.

وبناء عليه فقد انتشرت في مجال قطاع التشييد والبناء ظاهرة المقاولات من الباطن؛ حيث أصبح المقاول العمومي الذي يتعاقد مع رب العمل على تشييد مبنى معين أو هدمه أو تعليته أو ترميمه لا يستطيع في غالب الأحوال أن يقوم بكل الأعمال المُسندة إليه بمفرده ، بل يسند إلى مقاول آخر متخصص جزءا من تلك الأعمال؛ كما ساعد على ظهور المقاولة من الباطن أن بعض الشركات الوسيطة لا تقوم بعملية التشييد بنفسها وإنما تتقدم إلى الجهة الحكومية أو إلى صاحب العمل من القطاع الخاص وتتعاقد معه على المشروع من خلال المناقصة أو المنافسة أو من خلال التعاقد المباشر، ثم تعهد إلى بعض الشركات أو المؤسسات المتخصصة بتنفيذ تلك الأعمال وتظل الشركة الأولى هي المسؤولة قانونياً أمام رب العمل عن إنجاز المشروع بالشروط والمواصفات المتفق عليها؛ وبذلك يحقق المقاول العمومي أو الأصلي نسبة من الربح من خلال وساطته وتحمله تبعة تنفيذ الأعمال في مواجهة صاحب المشروع. والحقيقة أن نشاط المقاولة من الباطن لم يعد يقتصر على قطاع التشييد والبناء بل إنه يمتد إلى قطاعات كثيرة من النشاط الاقتصادي، كنشاط التصدير وكذلك في مجال التصنيع، والتسويق… إلخ.

وتتضمن القوانين الوطنية في العديد من الدول تنظيماً للعلاقات الناشئة عن عقود المقاولة من الباطن، مثال ذلك ما تنص عليه المادة (661) من التقنين المدني المصري، والمادة (681) من القانون المدني الكويتي، والقانون الفرنسي رقم 1334/75 الصادر في31 /12/ 1975م. ولكن التنظيم القانوني لهذا النوع من العقود ليس متطابقاً وإنما توجد اختلافات بينها، ومن ثم فإنه لا يمكن التوصل إلى قاعدة موضوعية موحدة تطبق على جميع عقود المقاولة من الباطن ذات الطبيعة الدولية، ولهذا فقد سعت بعض المنظمات الدولية المهنية المتخصصة إلى وضع شروط موحدة لعقود مقاولات أعمال الهندسة المدنية تسمى بـ “شروط الفيديك”.

أما في السعودية فلا يوجد تنظيم قانوني شامل للعلاقات الناشئة عن عقود المقاولة من الباطن، سواء أكانت عقوداً داخلية بحتة أم كانت عقودا ذات طبيعة دولية، وذلك على الرغم من اتساع نطاق قطاع المقاولات والتشييد في المملكة، وما تشهده من نهضة عمرانية وتنموية غير مسبوقة. ولذا فإنني أرى أهمية وجود تنظيم قانوني لهذا النوع من العقود، وخاصة أن هناك العديد من الإشكاليات القانونية التي تثيرها، سواء في العلاقة بين المقاول العمومي أو الأصلي والمقاول من الباطن، أو في العلاقة بين المقاول من الباطن والغير. و

من أهم تلك الإشكاليات: إشكالية تتعلق بنوع المسؤولية التي يخضع لها المقاول من الباطن؛ بمعنى: هل يخضع للمسؤولية العقدية؟ أم يمكن إثارة مسؤوليته التقصيرية؟ وهناك إشكالية أخرى تتعلق بمدى تطبيق الضمان العشري على المقاول من الباطن؛ إذ يظل المقاول العمومي أو الأصلي مسؤولاً في مواجهة صاحب العمل عن سلامة المبنى الذي عهد إليه بإنشائه لمدة عشر سنوات من تاريخ التسليم النهائي، فهل يسري هذا الضمان على المقاول من الباطن، حيث يستطيع المقاول الأصلي أن يدخل المقاول من الباطن في دعوى المسؤولية التي يمكن أن يرفعها عليه صاحب العمل؟ وتوجد إشكالية ثالثة تتعلق بطبيعة التزام المقاول من الباطن بإنجاز العمل موضوع عقد المقاولة من الباطن: هل يعد التزاماً بتحقيق نتيجة أم التزاماً ببذل عناية؟ ومن المعلوم أن حسم هذه الإشكالية له أهمية خاصة فيما يتعلق بإثبات إخلال المقاول من الباطن بالتزاماته؛ إذ إن تكييف التزامه على أنه التزام بتحقيق نتيجة يترتب عليه نقل عبء إثبات إخلاله بالتزامه من على عاتق المضرور (صاحب العمل) إلى عاتق المقاول من الباطن؛ ومن ثم يكفي المضرور أن يقيم الدليل على وجود العيب في الأعمال التي نفذها المقاول من الباطن دون أن يُكلف بإثبات الخطأ المؤدي إلى حدوث العيب. وهناك إشكالية رابعة تتعلق بمدى الالتزامات التي يلتزم بها المقاول من الباطن في مواجهة صاحب العمل وفي مواجهة المقاول العمومي؛ وما الدفوع التي يمكن أن يدفع بها المقاول من الباطن في مواجهة المقاول العمومي؟ كما أن هناك إشكالية قانونية أخرى تتعلق بالحالة التي لا يتضمن فيها عقد المقاولة من الباطن تحديداً للطريقة التي يتم بها تنفيذ العمل موضوع العقد، وما هو المعيار الذي يتم عن طريقه حسم الخلاف بين المقاول العمومي والمقاول من الباطن بشأن تلك المسألة؛ وإذا كانت القاعدة العامة التي يذكرها بعض شراح القانون وتتضمنها بعض أحكام القضاء المقارن تقضي بضرورة مراعاة قواعد العرف وأصول المهنة أو الصناعة؛ إذ لكل صناعة أو مهنة أو عمل أصول فنية ومهنية تجب مراعاتها؛ إلا أن هذه القاعدة تظل قاعدة عامة ومرنة وغير منضبطة ولا تحسم المنازعات التي يمكن أن تثار بشأن هذه المسألة.

إعادة نشر بواسطة محاماة نت

تكلم هذا المقال عن : القواعد التي تحكم عقود المقاولة من الباطن وفقاً للنظام السعودي