الاستهداف السياسي للسلطة القضائية
القاضي سالم روضان الموسوي

تسعى الفئات المتنافسة في عالم السياسة إلى توظيف كل ما يتوفر لها من فرص تسوقها كبضاعة تدعم فيها طروحاتها، لذلك نرى بين الحين والأخر يظهر السياسيون سعيهم للتدخل أو التأثير على العمل القضائي، إما عبر التصريحات أو عبر استغلال مواقعهم الوظيفية ، لكن جميع محاولاتهم فشلت وخابت وستبقى غير قادرة على تحقيق مرادها لان القضاء بمنظومته التي تنظم أعماله وبقضاته الذين اقسموا على أن يكون عملهم حيادي ومستقل ومهني، لأنهم يدركون إن القضاء لم يكن يوماً امتيازاً لشخص أو جماعة بعينها، وإنما القضاء هو حق الإنسان وحاجة المجتمع وكان وظيفة الأنبياء عندما أرسلهم الله عز وجل إلى البشرية بالرحمة والعدل بمصداق قوله تعالى ((يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل اللّه)) ، ويرى البعض إنّ مسألة «الحكم بين الناس» أو القضاء تعتبر من الأهداف المهمّة الأساسية للدين الإسلامي، فهي تشغل نصف موضوع إدارة شؤون المجتمع التي وردت في الشريعة الإسلامية، ومن هذه المهمة الجسيمة والعظيمة تتجلى صورة القضاء البهية التي يعمل الجميع على الحفاظ على بهائها ونصاعتها، وهذا الأمر لم يكن وليد اليوم ، وإنما يتكرر كلما احتدم الصراع السياسي بين أطراف العملية السياسية في العراق، فنجدهم يذهبون إلى اتجاهات شتى لتشتيت الانتباه عن المشاكل التي يعاني منها البلد وتبرير للفشل السياسي الذي يعتري العمل السياسي أحيانا، وكانت إدارة السلطة القضائية بجناحيها، المحكمة الاتحادية العليا ومجلس القضاء الأعلى، الدرع الواقي الذي يتصدى لكل هذه المحاولات، لكن يبدو إن بعض السياسيين لن يتوقفوا عن محاولاتهم، مع علمهم بأنها سوف لن تحقق مآربهم، لان الدستور هو من يحصن التشكيلات السلطة القضائية تجاه كل تدخل سياسي، وهذا واضح في المبادئ الدستورية الواردة في دستور العراق لعام 2005، ومنها ما جاء في الفقرة (أولاً) من المادة (19) التي جاء فيها الآتي (القضاء مستقل لا سلطان عليه لغير القانون) المادة (47) التي جاء فيها الآتي (تتكون السلطات الاتحادية، من السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، تمارس اختصاصاتها ومهماتها على أساس مبدأ الفصل بين السلطات) والمادة (88) المادة (88) التي جاء فيها الآتي (القضاة مستقلون، لا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون، ولا يجوز لأية سلطة التدخل في القضاء او في شؤون العدالة) ، وهذه المادة (88) كانت أكثر وضوحا إذ أنها لم تكتفِ ببيان استقلال القضاء، وإنما زجرت الجميع عن المساس أو التدخل في شؤون القضاء، لكن طرق المسامع عن طريق وسائل الإعلام، بوجود مقترح مشروع لتعديل قانون المحكمة الاتحادية العليا، عرض على جلسة مجلس النواب في الأيام الأخيرة ثم رفع من جدول الأعمال، وما يلفت النظر إن من اقترح هذا المشروع يبدوا انه لم يستشر الجهات ذات الصلة أو يتصل بها ليقف عند رأيها مع انه يتعلق بها، واعني بذلك المحكمة الاتحادية العليا ومجلس القضاء الأعلى، لان من قدم المقترح لو كان قد اتصل بجناحي السلطة القضائية، لما تقدم بمشروعه الذي انطوى على مخالفة واضحة للدستور، حيث جاء في المقترح تعديل الفقرة (ثالثاً) من المادة (6) من قانون المحكمة الاتحادية العليا رقم 30 لسنة 2005 التي جاء فيها الآتي (يستمر رئيس وأعضاء المحكمة الاتحادية العليا بالخدمة دون تحديد حد أعلى للعمر إلا إذا رغب بترك الخدمة) ويقترح المشروع نص آخر مفاده أن يستمر أعضاء المحكمة الاتحادية العليا لحين بلوغهم السن القانونية على وفق قانون التنظيم القضائي وقانون تمديد خدمة القضاة وللوقوف على المخالفة الدستورية في المشروع المقترح أتقدم بالاتي:

1. ان مشروع قانون تعديل قانون المحكمة الاتحادية العليا لا يجوز تمريره إلا إذا اتبع السبل الدستورية التي نص عليها في عدة مواد ومنها أن يكون على شكل مشروع يقدم من الحكومة لان المادة (60) قد فصلت آلية التشريع وبينت طرقه الإجرائية ومنح كل جهة ما لها من وسيلة لإصدار القانون وإنتاجه عبر مجلس النواب، إذ حدد حصرا في حكم الفقرة (أولا) من المادة (60) من الدستور حق تقديم (مشروع القانون) في السلطة التنفيذية بينما منح مجلس النواب عبر أعضائه ولجانه حق (اقتراح القوانين) على وفق حكم الفقرة (ثانيا) من المادة أعلاه النظام الداخلي لمجلس النواب أشار في المادة (120) إلى وجوب إرسال مقترح القانون إلى الحكومة، عندما يتعلق بأمور مالية وعلى وفق النص الآتي (يجب على اللجنة المالية أن تأخذ رأي مجلس الوزراء في كل اقتراح بتعديل تقترحه اللجنة في الاعتمادات التي تضمنها مشروع الموازنة، ويجب أن تضمن اللجنة تقريرها رأي الحكومة في هذا الشأن ومبرراته، ويسري هذا الحكم على كل اقتراح بتعديل تتقدم به أية لجنة من لجان المجلس، أو أحد الأعضاء إذا كانت تترتب عليه أعباء مالية) والنظريات الحديثة في علم القانون تشير إلى أن كل قانون يشكل كلفة مالية ولابد من إيجاد مصادر تمويل لتنفيذ ما ينص عليه في صلب القانون، وهذا ما أكدته المحكمة الاتحادية العليا في أكثر من قرار ومنها قراريها المرقمين (44/اتحادية /2010 و 43/اتحادية/2010) وقضى كل منهما بعدم دستورية بعض القوانين لأنها لم تصدر على وفق الأصول التشريعية المنصوص عليها في الدستور العراقي .

2. ان تعديل قانون المحكمة الاتحادية العليا يكون بذات الآلية التي حددها الدستور لإصدار القانون أو لإلغائه وعلى وفق ما جاء في الفقرة (ثانياً) من المادة (92) من الدستور التي اشترطت لتمرير القانون ان يحصل على ثقة وتأييد ثلثي أعضاء مجلس النواب وليس ثلثي المصوتين الحاضرين في جلسة التصويت وعلى وفق النص الاتي (تتكون المحكمة الاتحادية العليا، من عددٍ من القضاة، وخبراء في الفقه الإسلامي، وفقهاء القانون، يُحدد عددهم، وتنظم طريقة اختيارهم، وعمل المحكمة، بقانونٍيُسنبأغلبيةثلثيأعضاء مجلسالنواب) لذلك لابد من التصويت على قراءته قراءة أولى من حيث المبدأ، أن يحظى بتأييد أغلبية ثلثي أعضاء المجلس البالغ عدده (219) نائب حاضرين ومصوتين على تأييده في الجلسة، وهذا الأمر قد قضت به المحكمة الاتحادية العليا العدد 33/اتحادية/2007 في 21/10/2007 عندما فسرت مفهوم الأغلبية الذي طلبه منها مجلس النواب بكتابه العدد 1/3/266 في 3/10/2007، ولان أحكام وقرارات المحكمة الاتحادية العليا ملزمة للكافة، وإنها باتة على وفق ما جاء في المادة (94) من الدستور، فان الواجب على مجلس النواب أن يوفر الغطاء الدستوري لنيل ثقة ثلثي أعضاء المجلس وليس ثلثي الأعضاء الحاضرين في الجلسة، وإلا فان القانون سيكون عرضه للطعن بعدم دستوريته، ويصيبه عوار عدم الدستورية او الانحراف التشريعي.

 

 

 

للحصول على استشارة مجانية

تفضل الى رقم مكافحة الابتزاز

 

 

3. ان مشروع التعديل او المقترح كما يجب تسميته، فانه وقع في مخالفة دستورية أخرى لأنه ربط السن التقاعدي لأعضاء المحكمة الاتحادية العليا بقانون التنظيم القضائي وقانون تمديد خدمة القضاة ، وفات على مقدم المقترح إن هذين القانونين قابلين للتعديل بالأغلبية البسيطة وليس حتى بأغلبية ثلثي الحاضرين والمصوتين، بمعنى إذا توفر للتصويت على تعديله ثلثي الأغلبية البسيطة وهذه الأغلبية تحسب من الأغلبية المطلقة التي بموجبها يكتمل النصاب الدستوري لجلسة مجلس النواب وعلى وفق ما جاء في المادة (59) من الدستور، بمعنى يحظى بتأييد (83) نائب فقط ويمرر القانون، بينما قانون المحكمة الاتحادية العليا، وكما أشرت إليه سلفاً يحتاج إلى أغلبية ثلثي أعضاء مجلس النواب البالغ عددهم على الأقل (219) نائب حاضرين في جلسة التصويت، لذلك فان تعديل قانون التنظيم القضائي لاحقاً سيكون معدل لقانون المحكمة الاتحادية العليا تلقائيا لأنه ربط المركز القانوني لسن التقاعد بأحكامه، وهذا فيه مخالفة لأحكام الدستور واضحة وجلية و لا تحتاج إلى تفسير.

لذلك أرى بان الاستهداف السياسي لاستقلال القضاء سوف لن يتوقف، بل انه بدأ منذ لحظة كتابة الدستور حينما سعى واضعوه وهم من السياسيين إلى ربط عمل القضاة بالمؤسسة التشريعية وهي مؤسسة سياسية بامتياز، ومثال ذلك جعل المصادقة على تعيين أعضاء محكمة التمييز الاتحادية تكون من خلال مجلس النواب على وفق أحكام المادة (61/خامساً) من الدستور، وأعلنت السلطة القضائية منذ اللحظة الأولى إلى وجوب تعديل هذا النص الدستوري على وفق الآليات الدستورية، لان فيه خرق واضح لمبدأ الفصل بين السلطات وآخر نداء أطلقه السيد رئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي فائق زيدان بضرورة تعديل هذا النص لمنع السياسة من التحكم في القضاء، والجدير بالذكر إن عضوية محكمة التمييز تتطلب قاضي يمتاز بفكر قضائي يعتمد على اجتهاد القاضي الذي يتكون من خلال الخبرة والمواظبة على القراءة ومتابعة مستجدات القانون وفقه القضاء، وهذا الأمر لا يستطيع عضو مجلس النواب أن يقرر مدى توفره في القاضي، لأنه عمل تخصصي بحت مثله مثل عمل الطبيب والمهندس وغيره من المهن الفنية التخصصية، لذلك أرى أن يتم تعديل هذه النصوص الدستورية لمنع تسلل الأيدي السياسية إلى مفاصل القضاء، كما كنت أتمنى أن يتولى مجلس النواب الموقر إصدار قانون المحكمة الاتحادية العليا بمجمله لا ان يسعى لتقديم مقترحات جزئية لا تتعلق بطبيعة العمل في القضاء الدستوري وإنما لربما له أهداف شخصية تتوجه نحو شخص رئيس وأعضاء المحكمة الاتحادية العليا، حيث إن الواجب الدستوري يحتم على أعضاء مجلس النواب إصدار قانون للمحكمة الاتحادية العليا يتضمن عدة أبواب، منها باب لتشكيل المحكمة واليات اختيار أعضائها ومدة ممارستهم لعمله فيها، مع العلم إن أقدم واهم محكمة دستورية في العالم وهي المحكمة العليا في الولايات المتحدة فيها نص يماثل نص قانون المحكمة الاتحادية العليا في العراق، كذلك باب آخر للصلاحيات والاختصاصات التي تتولاها المحكمة الاتحادية العليا بوصفها محكمة قضاء دستوري، ومن ثم باب يتضمن قواعد إجراءات المرافعة والإثبات فيها لان الدعوى الدستورية ذات طبيعة خاصة تختلف عن الدعاوى الاعتيادية التي يمارسها القضاء الاعتيادي وبذلك نكون قد وفينا بواجب دستوري أوجبه الدستور النافذ وألقى مهمته على مجلس النواب، ويذكر إن اغلب القوانين التي شكلت المحاكم الدستورية تكون قوانين متكاملة على شكل مدونة للقضاء الدستوري فيها كل متطلبات عمل القضاء الدستوري ومن الامثلة على ذلك قانون المحكمة الدستورية العليا في مصر رقم 48 لسنة 1979 المعدل.

ومن خلال ما تقدم أرى بان هذا المقترح ولد ميتاً ولربما يعلم من قدمه ذلك تمام العلم وانما القصد منه لفت الانتباه عن المشاكل التي تمر بها العملية السياسية، ونتمى ان يكون نتاج العمل التشريعي هو اصدار القوانين الملحة التي تحتاج اليها الحياة الاقتصادية والعامة ومنها قوانين مكافحة الفساد.لذلك يجب مراعاة خصوصية القوانين المتعلقة بالسلطة القضائية ومكوناتها لان تلك القوانين تعتبر من القوانين المكملة للدستور حيث اغلب فقهاء القانون الدستوري في العالم وفي الوطن العربي بان القانون الدستوري اتسع ليضم مساحات تابعة لقوانين أخرى مثل القوانين المتعلقة بالقضاء.

إعادة نشر بواسطة محاماة نت

لمزيد من المعلومات تفضل للتواصل مع محامي متواجد الان

تكلم هذا المقال عن : السياسة والسلطة القضائية في مقال قانوني