يعد الإفصاح عن هوية الأطراف المتعاقدة أهم الوظائف التي يؤديها التوقيع(1)، وتتجلى هذه الوظيفة للعيان بصورة أساسية في حالة التوقيع بالإمضاء لأنه يتأتى من كتابة الاسم كاملا أو مختصرا بحسب الأحوال وعلى التفصيل المذكور انفا”. اما التوقيع ببصمة الإبهام على وجه الخصوص وبصمة الأصابع أو راحة اليد على وجه العموم ، فعلى الرغم من الرأي الفقهي الذي يعد هذه الصورة من التوقيع هي الأكثر أمانا لان العلم قد اثبت عدم تشابه بصمات الأصابع ، إن التحفظ ما زال قائما فيما يتعلق بقدرة بصمة الإبهام او بصمة الإصبع على إثبات إرادة التوقيع من قبل الموقع ، ولعل هذا ما حدا بالمشرع العراقي الى عدم الاكتفاء ببصمة الإبهام مالم يعزز بحضور موظف عام او حضور شاهدين أثناء الإمضاء(2) . وإذا ما أمعنا النظر بموقف المشرع نجد انه قد خرج عما اختطه لنفسه من عدم الاعتراف بحجية الختم عدا حالة واحدة يستحيل معها الحصول على توقيع الشخص أو إمضائه لعوق في يديه كلتيهما على أن يعزز الختم بحضور المعاق شخصيا إضافة إلى شاهدين أوموظف عام(3) .

كما نلاحظ موقفا آخر للمشرع العراقي بصدد مدى التمسك بالطرائق القانونية للتوقيع على المحررات يتمثل بالتوقيع على سندات الشحن في النقل البحري الوارد في الفقرة الرابعة من نص المادة ( 142) من قانون النقل المرقم ( 80) لسنة 1983 ، اذ اجاز التوقيع على سندات الشحن بخط اليد او بأي أسلوب آخرمقبول ، انه لم يوصد الباب أمام أي توقيع يؤدي الوظائف المناطة به وان كان غير منصوص عليه قانونا ، بمعنى انه أطلق أساليب التوقيع على سندات الشحن في النقل البحري ولم يقيدها بشكل معين (4) . من الصحيح القول إن موقف المشرع هنا موقف استثنائي راعى فيه الطبيعة الدولية للنقل البحري ، كما انه من الخطأ القياس على الاستثناء ، إلا انه ينم على مؤشر غاية في الأهمية ، يتمثل بتنازل المشرع عن اشتراطه التوقيع بالإمضاء بخط اليد متى ما كان التوقيع المقترح يؤدي الوظيفة نفسها ويعطى ذات الأمان والاستقرار(5). اذ لا يعتد بالتوقيع ان لم يكن محدداً لهوية صاحبه ، وبالتالي يمتنع أسباغ الحجية على المحرر ، كما لو أستخدم الموقع توقيع وهمي لا وجود له ، أو أتخذ التوقيع شكل رسم غير مفهوم أو شكل صليب . وطالما ان تحقيق هذه الوظيفة لا يستلزم ان يكون التوقيع مشتملا على اسم الموقع أو لقبه(6) ، لذا يكفي في التوقيع الالكتروني ان يسمح بتحديد دقيق لشخصية مصدره،وبهذا الصدد اعتبر جانب من الفقه إن تحقيق التوقيع الالكتروني لتلك الوظيفة (( مشكلة لا تدخل في نطاق القانون بل في مجال التقنية ، فليس بوسع رجل قانون منصف إن يحرم أي وسيلة مضمونة من الوجهة التقنية من الحجية القانونية ، ولا يلزم لذلك إجراء أي تعديل تشريعي ، وبأنه لا توجد اي عقبة قانونية تعترض تشبيه التوقيع الالكتروني للتوقيع العادي ))(7) وما دام الأمر كذلك ، فأن المسألة مرهونة بوجه عام بالتقنية المستخدمة ومدى الضمانات التقنية التي تستخدم في تأمين التوقيع الالكتروني. وبعد أن استعرضنا أهم أشكال التوقيع الالكتروني، نستشف إن قدرة الأخير على تأدية هذه الوظيفة تختلف من شكل إلى آخر استنادا إلى نوع التقنيات المعتمدة. ويأتي التوقيع الرقمي في الصدارة من حيث دقته بل وإجادته لهذا الدور أي إن هذه الوظيفة تؤمن من خلال إجراءات موثوق بها تتمثل باستخدام المفتاح العام والخاص والتشفير غير المتماثل.

إذ إن استخدام نظام التشفير المزدوج –غير المتماثل – لأهداف التوقيع يسمح بتأدية وظيفة إثبات الشخصية والتعريف بالهوية بشكل فعال وأكيد ذلك:-

إن المفاتيح السرية تحفظ بشكل امن وفعال، بحيث تصبح درجة مخاطر الغش جدا” ضئيلة إذا لم نقل منعدمة بالمقارنة مع مخاطر استخدام البطاقات والأرقام السرية للتوقيع، وهذا ما أكده خبراء المعلوماتية.

 

 

 

للحصول على استشارة مجانية

تفضل الى رقم مكافحة الابتزاز

 

 

آليات تعطيل هذه المفاتيح موجودة في الأنظمة كافة تحسبا لأي طارىء.

وتجدر الإشارة هنا إلى ان وظيفة تحديد هوية الموقع وتمييزه من غيره تأخذ أبعادا” مختلفة جذريا عما هو عليه الحال بالنسبة للتوقيع التقليدي، ذلك إن دور التوقيع في التعريف بهوية الموقع وان كانت غاية فأنها ليست أساسية اذ تحتل مرتبة ثانوية في العلاقات العقدية التقليدية التي تتم في مجلس واحد وبحضور جسدي لأطراف العقد أو ممثلين عنهم، بالتالي فالتأكد من الهوية لا تتم إلا لاحقا من جهة الإثبات الجسدي والصورة المألوفة لذلك تقديم وثائق الهوية التي تصدرها الجهات الرسمية إضافة إلى الطرق المادية المحسوسة حيث يمكن لخبراء الخطوط الجزم، من خلال عملية المضاهاة فيما إذا كان التوقيع يعود إلى الشخص الذي يحتج عليه بالمحرر من خلال مقارنة كمية الاهتزازات التي تصدر عن اليد على القلم في أثناء الكتابة، ولا يتم اللجوء إلى إثبات التوقيع الا في حالة نشوب نزاع حول العقد وذلك في سبيل إقامة الدليل على الوجود الفعلي للعقد والموافقة على مضمونه.

أما في مجال المعلوماتية، فأن الأمر مختلف تماما، فكما هو معروف إن شبكات الاتصال على نوعين شبكة اتصال مغلقة تتولى إدارتها هيئة واحدة تمارس رقابة على عناصرها التقنية وعلى مستخدمي هذه العناصر بالتالي فأن المشاركة في شبكة اتصال مغلقة يتطلب إجراءات تسجيل خاصة توفر إمكانية التعارف المسبقة بين أعضائها الذين سبق وان التزموا باتفاقية شملت هيئة الأعضاء التي تهدف إلى إدارة علاقاتهم التجارية.

في المقابل أن شبكة الاتصال المفتوحة تذوب فيه المركزية ويسود مبدأ اللامركزية اذ تتشعب العلاقات وتتعقد بين أفراد لا يوجد بينهم سابق معرفة ودون أي رقابة، وفي هذا الإطار، يهدف التوقيع الالكتروني وحده إلى تأدية وظيفة تحديد هوية الموقع، و الواقع ان من خلال استخدام نظام التشفير غير المتماثل، يمكن التثبت من هوية الموقع وتأكيدها رسميا وبشكل مسبق في سبيل إبرام وإنجاز المعاملات التجارية.

وهكذا يمكن الاستنتاج إن للتوقيع الالكتروني دورا” محددا” ليس فقط على مستوى الإثبات بل على مستوى بناء العقد نفسه، فالتطورات الحالية لإثبات التوقيع تؤكد ان الأطراف يستخدمون التوقيع كوسيلة ملاءمة للتأكد من صلاحية العقود المبرمة بواسطة الشبكة. كما يأخذ تحديد هوية الموقع من قبل التوقيع الالكتروني بعد أخر، إذ يعد أمرا” جوهريا” في مجال الوفاء بالالتزامات العقدية، وفيما يتعلق بالذات بأهلية الشخص الموقع إذ لا يتصور أن يمنح التوقيع الكتروني لشخص ناقص الأهلية أو عديمها لان اكتساب توقيع الكتروني من شأنه أن يرتب التزامات كثيرة تحتم كمال الأهلية لصاحب التوقيع الالكتروني ليقوم بواجبه تجاه جهة الإصدار . ولهذا يذهب الفقه في مصر وفرنسا إلى تأكيد إمكانية التوقيع الالكتروني على القيام بذات الوظائف التي يؤديها التوقيع التقليدي ، بل هناك من يرى ان التوقيع التقليدي قد لا يجد له مكانا في ظل المعالجة الالكترونية للتوقيع لتفوق التوقيع الالكتروني على التوقيع التقليدي بالنظر الى إن الاستيثاق من شخصية صاحب التوقيع يتم بشكل روتيني في كل مرة يتم فيها استخدام الرقم او المفتاح الخاص وبالتالي فأنه لا مجال للانتظار حتى ينشب نزاع للبحث في مدى صحة التوقيع كما هو الشأن في اغلب الأحوال التي يصدر فيها المحررات موقعة بخط اليد .

____________________

[1] – د. ثروت عبد الحميد : التوقيع الالكتروني – الطبعة الثانية – مكتبة الجلاء الجديدة – المنصورة – 2002 – ص96

2- يراجع نص المادة ( 42 / ا ) من قانون الاثبات العراقي رقم ( 107 ) لسنة 1979.

3- الغي نص المادة ( 42) من قانون الاثبات العراقي بموجب المادة (3) من القانون الاول المعدل رقم (46 ) لسنة 200 ليصبح نص الفقرة الثانية من المادة المذكورة ينص على ما يلي (( لا يعتد بالسندات التي تذيل بالاختتام الشخصية ، عدا السندات التي تذيل بالختم الشخصي المصدق من كاتب العدل للمعوق المصاب بكلتا يديه ، على ان يتم بحضور المعاق شخصيا مع شاهدين امام موظف مختص )) ويلاحظ بهذا الصدد ان المشرع العراقي والمشرع اللبناني يشتركان معا بالموقف الحذرالمتخذ ازاء التوقيع بالختم .

4 – نصت الفقرة الرابعة من المادة (142) من قانون النقل النافذ (( يكون توقيع سند الشحن بخط اليد او بأية طريقة اخرى مقبولة ))

5 – نجد لهذا التنازل صورا” في التشريعات المقارنة ، في تشريع الاثبات المصري تتجسد صورته باستعمال الختم فالبرغم من المحاذير الكثيرة التي يثيرها الفقه المصري بصدد استعمال الختم كأسلوب للتوقيع ،ان المشرع قد تنازل واخذ به مراعاة منه للواقع التعليمي السيىء للمجتمع المصري . كذلك المشرع الفرنسي ، اذ لم يقصر التوقيع على شكل الامضاء بل سمح بالتوقيع بالختم لبعض التصرفات التجارية وخاصة في الاوراق التجارية مراعاة منه لدور الاوراق التجارية في التداول حسب القانون رقم 380 – 66 والصادر في 16 يونيو 1966 . د. عايض راشد المري : مدى حجية الوسائل التكنلوجية الحديثة في اثبات العقود التجارية – رسالة دكتوراة – جامعة القاهرة – بدون سنة ص 85 .

6- د. ثروت عبد الحميد : مدى حجية التوقيع الالكتروني في الاثبات على ضوء القواعد التقليدية للاثبات – من بحوث مؤتمر الاعمال المصرفية الالكترونية بين الشريعة والقانون – جامعة الامارات العربية المتحدة – مايو – 2000- ص88

7 – د. محمد حسام محمود لطفي : استخدام وسائل الاتصال الحديثة في التفاوض على العقود وإبرامها – القاهرة – 1993 – ص12.

اعادة نشر بواسطة محاماة نت .

لمزيد من المعلومات تفضل للتواصل مع محامي متواجد الان

تكلم هذا المقال عن : أثر التوقيع الالكتروني في تحديد هوية الأطراف المتعاقدة