المقاولة:

لم تعرض المجلة لعقد المقاولة تحت هذا العنوان، وإنما عرضت له في أحد فصول الباب السابع من كتاب البيوع وفي بعض نصوص متفرقة في كتاب الإجارة، فإذا قدم الصانع العمل والعين معًا انعقد البيع استصناعًا وطبقت عليه أحكام البيع، وإذا كانت العين من المستصنع، كان الصانع أجيرًا مشتركًا وطُبقت عليه أحكام الإجارة.

وكان القصد من ذلك، وقت وضع المجلة، تنظيم العلاقة القانونية بين مستصنع وصانع يعهد إليه بعمل ما، فكان وضع الصانع بالنسبة للمستصنع أقرب ما يكون إلى وضع العامل بالنسبة لرب العمل، ولكن هذا النظر أصبح غير متلائم مع الحاجات الحاضرة والتطورات الاقتصادية الحديثة، فقد تعددت أشكال المقاولة وصورها، وزاد حجمها زيادة ضخمة لها أثرها في اقتصاد البلاد وفي أوضاع العاملين في هذا القطاع، ووجب أن ينظم عقد المقاولة تنظيمًا شاملاً، يتفق مع أهميته الاقتصادية والاجتماعية ويواجه جميع الصور المختلفة للمقاولات، وهو ما فطنت إليه الحكومة، فأعدت مشروع تنظيم عقد المقاولة مستمدة أحكامه من التقنين المصري ومشروعه التمهيدي. ولكن هذا المشروع لم يستكمل الخطوات اللازمة لإصداره.

وقد أخذ المشروع في اعتباره هذا المشروع السابق وأدخل على أحكامه كثيرًا من التعديلات، كما غير من ترتيبه في عرض الأحكام: فهو بعد أن يعرف عقد المقاولة، يتناول في فرع أول القواعد العامة التي تنطبق على جميع أنواع المقاولات، ثم يتكلم في فرع ثانٍ عن بعض الأحكام الخاصة بمقاولات المباني والإنشاء، اعتبارًا لأهميتها، ويعرض المشروع في القواعد العامة، لالتزامات كل من المقاول ورب العمل ولأحكام التنازل عن المقاولة والتقاول من الباطن، ثم لأسباب انتهاء المقاولة، كما يعرض في الأحكام الخاصة بمقاولات المباني والإنشاء للتعديل والإضافات التي قد ترد على المقايسة أو التصميم التي تبرم المقاولة على أساسه، وللأحكام المتعلقة بمسؤولية المقاول والمهندس عما يحدث من خلل فيما يشيدانه من مبانٍ أو يقيمانه من منشآت.

الفرع الأول – القواعد العامة للمقاولات:

يبدأ المشروع هذا الفرع بتعريف المقاولة فيعرفها في المادة (661) بأنها عقد يلتزم بمقتضاه أحد الطرفين أن يؤدي عملاً للطرف الآخر مقابل عوض، دون أن يكون تابعًا له أو نائبًا عنه.

وبهذا التعريف ينفصل عقد المقاولة عن عقدين آخرين، كانا مختلطين به في المجلة، وهما عقد البيع وعقد الإيجار، ويخلص منه أن عقد المقاولة عقد ملزم للجانبين ومن عقود المعاوضة، يقع التراضي فيه على العمل المطلوب تأديته من المقاول وعلى المقابل الذي يتعهد رب العمل بأدائه.

ويبرز هذا التعريف أيضًا عنصرين هامين في عقد المقاولة هما عدم تبعية المقاولة هما عدم تبعية المقاول لرب العمل، وعدم نيابته عنه في تأدية العمل المتعاقد عليه، بما يكفل تمييز عقد المقاولة عن عقد العمل وعن عقد الوكالة فالذي يميز المقاولة عن عقد العمل هو أن المقاول لا يخضع لإدارة رب العمل وإشرافه، بل يعمل مستقلاً، طبقًا لشروط العقد المبرم بينهما، ومن ثم فلا يُعتبر المقاول تابعًا لرب العمل ولا يكون هذا الأخير مسؤولاً عنه مسؤولية المتبوع عن تابعه.

كذلك فإن الذي يميز المقاولة عن الوكالة هو أن المقاول وهو يؤدي العمل لمصلحة رب العمل، لا ينوب عنه وإنما يعمل استقلالاً، أما الوكيل وهو يقوم بالتصرف القانوني لمصلحة موكله يكون نائبًا عنه ويمثله في التصرف الذي يقوم به فينصرف أثر هذا التصرف إلى الموكل.

أولاً: تقديم مواد العمل:

كانت المجلة تميز – كما تقدم بين – الاستصناع، وهو نوع من البيوع، يقدم فيه الصانع العمل والعين معًا، وبين استئجار أرباب الحرف والصنائع وهو إجارة على العمل يقدم الأجير في عمله فقط ويكون أجيرًا مشتركًا إذا كان غير مقيد بأن يعمل للمستأجر دون غيره.

وقد تابع المجلة في ذلك بعض التقنينات كالتقنين العراقي وكذلك المشروع السابق، ولكن المشروع الحالي حرص على أن يجمع بين الصورتين تحت لواء المقاولة فطبقًا لنص المادة (662) من المشروع يجوز أن يقتصر التزام المقاول على تنفيذ العمل المتفق عليه على أن يقدم رب العمل المواد اللازمة للعمل، كما يجوز أن يلتزم المقاول بتقديم المواد كلها أو بعضها إلى جانب التزامه بتنفيذ العمل، وفي الحالين يكون العمل إجارة في الحالة الأولى واستصناعًا في الثانية.

وتعرض المادة (663) للحالة الأولى، فإذا التزم المقاول بتقديم مواد العمل كلها أو بعضها وجب أن تكون هذه المواد مطابقة للشروط والمواصفات المتفق عليها، فإذا لم تكن هناك شروط أو مواصفات، وجب على المقاول أن يتوخى في اختيار المواد أن تكون وافية بالغرض المقصود (663/ 1) مستفادًا مما هو مبين في العقد أو مما هو ظاهر من طبيعة المواد أو الغرض الذي أُعدت له، وإذا لم يتفق المتعاقدان على درجة المواد من حيث جودتها ولم يمكن استخلاص ذلك من العرف أو من أي ظرف آخر التزم المقاول بأن يقدم موادًا من صنف متوسط طبقًا للقواعد العامة.

وعلى المقاول أيضًا ضمان المواد المقدمة وفقًا لأحكام الضمان المقررة في عقد البيع (مادة 663/ 2) وذلك لأنه يكون في هذه الحالة بائعًا للمواد التي يقدمها، فيضمن ما فيها من عيوب ضمان البائع للعيوب الخفية.

وتعرض المادتان (664، 665) للحالة الثانية، فإذا كانت مواد العمل مقدمة من رب العمل، فإنه يجب على المقاول في هذه الحالة أن يحافظ على المواد المسلمة إليه وأن يبذل في المحافظة عليها عناية الشخص العادي، فإذا نزل عن هذه العناية كان مسؤولاً عن هلاكها أو تلفها أو ضياعها أو سرقتها، ثم يجب على المقاول أن يستخدم هذه المواد طبقًا لأصول الفن، فيجانب الإفراط والتفريط فيها، ويستعمل منها القدر اللازم لإنجاز العمل دون نقص أو زيادة، وأن يؤدي حسابًا لرب العمل عما استعمله منها ويرد له الباقي إن وجد، وإذا كشف في أثناء عمله، أن بالمواد عيوبًا لا تصلح معها للغرض المقصود، كما إذا كان القماش الذي تسلمه من رب العمل لا يصلح لصنع الثوب المطلوب أو كانت الأرض التي يراد إقامة البناء عليها بها عيوب تهدد سلامته، وجب عليه أن يخطر رب العمل فورًا بذلك، كذلك إذا تبين له وجود عوامل أخرى من شأنها أن تعوق تنفيذ العمل في أحوال ملائمة وجب على المقاول أيضًا إخطار رب العمل فورًا، فإذا أهمل في الإخطار، كان مسؤولاً عن كل ما يترتب على إهماله من نتائج، والمفروض في كل ما تقدم أن المقاول يتوافر على الكفاية الفنية الكافية، فإذا صار شيء من المواد المسلمة إليه غير صالح للاستعمال بسبب إهماله أو بسبب قصور فني من جانبه، التزم برد قيمته إلى رب العمل مع التعويض إن كان له مقتض، ولما كانت مسؤولية المقاول في هذا الخصوص مسؤولية عقدية، فإن عبء إثبات إهمال المقاول، أو عدم بذله عناية الشخص العادي، أو تسببه بقصور كفايته الفنية في جعل المواد أو بعض منها غير صالح للاستعمال، يقع على رب العمل، وللمقاول من جانبه أن يدرأ عن نفسه المسؤولية بأن يثبت أنه بذل عناية الشخص العادي، وأنه قام بجميع واجباته بحسب أصول الفن، أو أن التلف أو الضياع أو الهلاك كان بسبب أجنبي لا يد له فيه فترتفع مسؤوليته.

ثانيًا: التزامات المقاول:

يلتزم المقاول بإنجاز العمل المعهود به إليه ثم بتسليمه بعد، إنجازه كما يلتزم بضمانه بعد التسليم، ويعرض نص المادة (666) للالتزام الأول من هذه الالتزامات.

فأولاً يجب على المقاول أن ينجز العمل بالطريقة المتفق عليها في عقد المقاولة، وطبقًا للشرط الواردة فيه وبخاصة طبقًا لدفتر الشروط إذا وجد هذا الدفتر فإذا لم تكن هناك شروط متفق عليها، وجب اتباع العرف وبخاصة أصول الصناعة والفن في العمل الذي يقوم به المقاول فلكل صناعة أو عمل أصول وقوانين تجب مراعاتها دون حاجة إلى ذكرها في العقد.

كذلك يلتزم المقاول بأن ينجز العمل في المدة المتفق عليها، فإن لم يكن هناك اتفاق على مدة معينة، فالواجب أن ينجزه في المدة المعقولة التي تسمح بإنجازه تبعًا لمقدرة المقاول ووسائله، وبمراعاة طبيعة العمل ومقدار ما يقتضيه من دقة، وحسب عرف حرفته، فإذا احتاج المقاول، في إنجازه العمل إلى أدوات ومهمات أو أيدٍ عاملة وجب عليه أن يأتي بها، ويكون ذلك على نفقته فأدوات العمل ومهماته مثل آلات البناء وعدة النجار أو السباك وأدوات الخياط وغير ذلك تكون على المقاول بغير نص ما لم يقضِ الاتفاق أو عرف الحرفة بغيره (قارن المادة 574 من المجلة)، كذلك إذا احتاج المقاول، في إنجازه للعمل، إلى أيدي عاملة أو إلى أشخاص يعاونونه ويعملون تحت إشرافه، فإنه يكون على المقاول أن يأتي بهم ويتحمل بأجورهم ما لم يقضِ الاتفاق أو عرف الحرفة بغير ذلك.

ويخول نص المادة (667) رب العمل حق مراقبة تنفيذ العمل، فالمقاول يعمل مستقلاً عن رب العمل، وهذا هو ما يميز المقاولة عن عقد العمل كما تقدم، غير أنه من حق رب العمل أن يتعهد العمل وهو في يد المقاول ليراقب ما إذا كان يتم تنفيذه طبقًا للشروط والمواصفات المتفق عليها وما إذا كان المقاول يقوم بتنفيذه، طبقًا لأصول الصناعة وعرف أهل الحرفة، فرب العمل ليس ملزمًا أن ينتظر حتى ينتهي العمل ويقدمه له المقاول، ليتبين ما إذا كان هذا الأخير قد راعى الشروط والمواصفات وأصول الصناعة، فيقبل العمل، أو لم يراعها فيرفضه، بل الأفضل أن يمكن رب العمل من مراقبة ذلك منذ البداية حتى يوفر على نفسه وعلى المقاول ذاته الوقت والجهد والمشقة، إذا ما تم العمل معيبًا أو منافيًا للشروط المتفق عليها ثم يرفضه بعد أن يكون قد تم.

فإذا لاحظ رب العمل أن مقاول البناء مثلاً قد أخل وهو يقيم البناء، بالشروط والمواصفات المتفق عليها بأن لم يدعم الأساس أو لم يصل به إلى العمق الكافي أو تبين أن النجار الذي يصنع الأثاث المطلوب قد استخدم في صنعه نوعًا من الخشب غير المتفق عليه أو صنفًا أقل جودة، فإن لرب العمل في هذه الحالة حق التداخل لمنع المقاول من المضي قدمًا في عمله المعيب أو المخالف لشروط العقد، ويكون ذلك بأن ينذر المقاول بأن يصحح طريقة التنفيذ ويحدد له أجلاً معقولاً يصلح فيه العيب، فإذا انصاع المقاول لإنذار رب العمل وقام بإصلاح العيب في الأجل المحدد، كان له أن يمضي في عمله ولا سبيل عليه لرب العمل. أما إذا نازع المقاول في وجود العيب أو المخالفة أو سلم به ولكنه لم يقم بإصلاحه في الأجل المحدد، فإنه يكون لرب العمل أن يرفع الأمر إلى القضاء ويطلب إما الفسخ وإما الترخيص له في إنجاز العمل كله على الوجه الصحيح بواسطة مقاول آخر على نفقه المقاول الأول إذا كان هذا ممكنًا وتسمح به طبيعة العمل (667/ 1). وكل ذلك مع عدم الإخلال بحق رب العمل في التعويض إن كان له مقتض.
وغني عن البيان أن لرب العمل أن ينفذ العمل على نفقة المقاول دون ترخيص من القضاء، إذا كان العمل مستعجلاً لا يحتمل الإبطاء، كما إذا كان الأمر متعلقًا بترميم منزل آيل للسقوط، أو إقامة جناح في معرض على وشك الافتتاح، وللقاضي بعد أن يبت فيما إذا كان رب العمل على حق فيما فعل.

كل ما تقدم إذا كان إصلاح ما في طريقة التنفيذ من عيب ممكنًا، أما إذا كان هذا الإصلاح مستحيلاً، كما إذا أقام مقاول البناء المبنى وارتفع بأدواره الأولى على خلاف المواصفات والتصميم المعهود إليه بتنفيذه، فعند ذلك لا يكون تدارك الخطأ مستطاعًا ولا يكون ثمة سبيل إلى إصلاح طريقة التنفيذ إلا بهدم البناء كله، وفي هذه الحالة يكون لرب العمل، الحق منذ البداية في أن يطلب فسخ العقد في الحال دون حاجة إلى إنذار أو تحديد أجل (667/ 2).

على أنه يجوز للقاضي رفض طلب الفسخ إذا كان العيب أو المخالفة من البساطة بحث لا يخل إخلالاً كبيرًا بقيمة العمل أو من صلاحيته للاستعمال المقدر له، وهو ما عني المشروع بالنص عليه دفعًا لكل شبهة (667/ 3).

ومن ناحية أخرى، فإنه إذا تأخر المقاول في البدء في تنفيذ العمل أو في إنجازه تأخرًا لا يرجى معه مطلقًا أن يتمكن من القيام به كما ينبغي في المدة المتفق عليها، أو إذا اتخذ مسلكًا ينم عن نيته في عدم تنفيذ التزامه، أو أتى فعلاً من شأنه أن يجعل تنفيذ هذا الالتزام مستحيلاً، فإن نص المادة (668) من المشروع تجيز لرب العمل أن يطلب فسخ العقد دون انتظار لحلول أجل التسليم، وهذا النص منقول عن المشروع التمهيدي المصري الذي اقتبسه بدوره عن تقنين الالتزامات السويسري والتقنين البولوني وله مثيل في بعض التقنينات العربية كالتقنين العراقي واللبناني والتونسي والمغربي، وهو يسمح بطلب الفسخ مقدمًا إذا تأخر المقاول في تنفيذ التزامه تأخرًا يصبح معه ثابتًا أو كبير الاحتمال أنه لن يتمكن من إتمام العمل في الميعاد فيكون بذلك قد أخل مقدمًا بالتزامه.

ومثال ذلك أن يتفق عارض مع مقاول على أن ينجز صنع أشياء لعرضها في معرض يفتتح في تاريخ معين فيتأخر المقاول في البدء في العمل أو في إنجازه بعد البدء فيه بحيث يتبين جليًا قبل حلول الميعاد المتفق عليه صراحةً أو ضمنًا أن المقاول لن يتمكن من إنجاز العمل في الميعاد، فعندئذٍ يجوز لرب العمل ألا ينتظر حلول الأجل المتفق عليه أو الأجل المعقول، ويبادر منذ أن يتبين استحالة تنفيذ العمل في الميعاد إلى طلب فسخ العقد، ولا يقتصر الأمر طبقًا لهذا النص على حالة تأخر المقاول في البدء في العمل أو في تنفيذه بل يتناول أيضًا حالة ما إذا صرح المقاول أنه لن ينفذ العمل أو اتخذ مسلكًا ينم عن هذه النية، أو أتى بفعل من شأنه أن يجعل تنفيذ التزامه في المدة المتفق عليها مستحيلاً، كما لو تعاقدت فرقة تمثيلية مع صاحب مسرح على تقديم بعض العروض على مسرحه في خلال أسبوع معين وقبل حلول هذا الأسبوع تعاقدت مع صاحب مسرح آخر على تقديم عروضها فيه في خلال الأسبوع ذاته، ففي هذه الحالة يجوز لرب العمل – وهو صاحب المسرح – أن يطلب فسخ العقد دون انتظار لحلول الموعد المحدد لتنفيذ العقد فيتاح له أن يتعاقد مع فرقة أخرى بما يكفل له ألا يبقى مسرحه بغير فرقة، الأمر الذي قد يحدث له لو انتظر حلول موعد التنفيذ الأول.

وإلى جانب التزام المقاول بإنجاز العمل المعهود به إليه بموجب عقد المقاولة، فإنه يلتزم بتسليم العمل بعد إنجازه، ويكون التسليم بوضع الشيء تحت تصرف رب العمل بحيث يتمكن من الاستيلاء عليه والانتفاع به دون عائق، ويكون تسليم كل شيء بحسبه، فالحائك يسلم الثوب بعد صنعه إلى رب العمل يدًا بيد، وكذلك النجار وغيره من أرباب الحرف والصناعات ومقاول البناء يسلم البناء بالتخلية بينه وبين رب العمل ووضعه تحت تصرف بحيث يتمكن من الاستيلاء عليه والانتفاع به، وقد يتم ذلك بتسليم مفاتيح البناء لرب العمل، وإذا كان المقاول قد نفذ العمل في شيء ظل في حيازة صاحبه، كالسباك يصلح مواسير المياه والدهان يدهن حوائط البناء، فإن التسليم يكون بتخلية السبيل أمام رب العمل لينتفع بالشيء الذي تم العمل فيه، فإذا لم يقم المقاول بتسليم العمل كاملاً في الزمان والمكان المتفق عليهما، فإنه يكون قد أخل بالتزامه بالتسليم، ويكون لرب العمل وفقًا للقواعد العامة طلب التنفيذ العيني أو طلب الفسخ، مع التعويض في الحالتين إن كان له مقتض.

فإذا هلك الشيء أو تلف قبل تسليم العمل، فإن المادة (669) من المشروع تنص على أنه إذا كان الهلاك بقوة قاهرة أو حادث فجائي، فلا يكون للمقاول أن يطالب لا بمقابل عمله ولا برد نفقاته، فلو تعاقد رب العمل مع نجار على صنع أثاث واحترق الأثاث أو سرق قبل أن يسلمه النجار وكانت الحريق أو السرقة بقوة قاهرة ولم يثبت تقصير في جانب النجار، فإن التبعة هنا يتحملها النجار فيما قدمه من عمل ومواد، وما أنفقه من نفقات، وكل ذلك ما لم يكن رب العمل، وقت الهلاك أو التلف مخلاً، بالتزامه بتسليم بأن يكون المقاول قد أعذره بأن يتسلمه فلم يفعل.

فإذا كانت المواد مقدمة من رب العمل وهلك الشيء أو تلف قبل تسليمه له بسبب حادث فجائي أو قوة قاهرة، فلا يكون له أن يطالب المقاول بقيمة المواد ما لم يكن المقاول وقت الهلاك أو التلف، مخلاً بالتزامه بتسليم العمل – بأن يعذره رب العمل بالتسليم فلا يفعل – ولم يثبت أن الشيء كان ليتلف لو أنه قام بالتسليم دون أن يخل بالتزامه، وتعتبر مواد العمل مقدمة من رب العمل، إذا كان قد أدى للمقاول قيمتها أو عجل له مبلغًا تحت الحساب يشمل هذه القيمة (مادة 670 من المشروع)، وغني عن البيان أنه إذا كان الهلاك أو التلف راجعًا لخطأ أحد الطرفين، فإنه يتحمل وحده تبعة الخسارة الناجمة عن الهلاك.

ثالثًا: التزامات رب العمل:

وتعرض المواد (671 إلى 679) لالتزامات رب العمال وهي: تمكين المقاول من إنجاز العمل، وتقبل العمل بعد إنجازه، ودفع المقابل المتفق عليه.

فرب العمل يلتزم بأن يبذل كل ما في وسعه لتمكين المقاول من البدء من تنفيذ العمل ومن المضي في تنفيذه حتى يتم إنجازه ومن ذلك استصدار أي ترخيص إداري يكون لازمًا للبدء في العمل مثل الترخيص بالبناء، وتقديم المواد التي تستخدم في العمل، أو الآلات والمعدات اللازمة لإنجازه إذا كان رب العمل قد التزم بتقديمها، وتقديم الرسومات والبيانات والمواصفات التي يكون متفقًا على أن يتم العمل على أساسها، فإذا لم يقم رب العمل بالتزامه، فإن نص المادة (671) من المشروع يجيز للمقاول أن يكلفه القيام بذلك في أجل معقول يحدده، فإذا انقضى الأجل دون أن يقوم رب العمل بالتزامه، جاز للمقاول أن يطلب فسخ العقد مع التعويض إن كان له مقتض.

ويلتزم رب العمل بتسليم العمل بعد إنجازه. والتسلم هنا ليس مجرد الاستيلاء على العمل بعد أن يضعه المقاول تحت تصرف رب العمل دون عائق من الاستيلاء عليه، كما هو الحال في التزام المقاول بالتسليم بل إنه يتضمن إلى جانب ذلك تقبل العمل والموافقة عليه بعد فحصه أو معاينته وهو ما تقتضيه طبيعة المقاولة فهي تقع على عمل لم يكن قد بدأ وقت إبرام العقد – أي لم يكن موجودًا – فوجب عند إنجازه أن يستوثق رب العمل من أنه موافق للشروط المتفق عليها أو لأصول الصنعة، ويكون ذلك بفحصه ومعاينته ثم الموافقة عليه أي تقبله والذي يقع عادة أن رب العمل يقوم بتقبل العمل وبتسلمه في وقت واحد ولكن لا يوجد ما يمنع من أن ينفصل التقبل والتسلم فيسبق أحدهما الآخر أو يليه، فإذا امتنع رب العمل دون سبب مشروع عن معاينة العمل وتسلمه رغم دعوته إلى ذلك اعتبر أنه قد تسلم العمل ووافق عليه (مادة 672)، ويشترط حتى يكون رب العمل ملزمًا بتسلمه على هذا الوجه أن يكون العمل موافقًا للشروط المتفق عليها، أو لما تقضي به أصول الصنع في العمل محل المقاولة أي خاليًا من العيوب، وغني عن البيان أنه إذا حصل اختلاف بين الطرفين حول ما إذا كان العمل موافقًا أو غير موافق، فإنه يجوز لأيهما أن يطلب ندب خبير على نفقته لمعاينة العمل ووضع تقرير يثبت حالته ليكون محل اعتبار فيما لو رفع الأمر إلى القضاء.

وطبقًا للفقرة الأولى من المادة (673) يجب أن يكون العيب أو المخالفة للشروط أو لأصول الصنعة التي تبرر امتناع رب العمل عن تسلمه جسيمة بحيث تجعل العمل غير صالح للغرض المقصود منه كما يستفاد من ظروف التعاقد وكل ذلك مع مراعاة ما تنص عليه المادة (691) فيما يتعلق بالمباني أو الإنشاءات التي تقام على أرض مملوكة لرب العمل، فإذا لم يبلغ العيب أو المخالفة هذا الحد من الجسامة، بقي رب العمل ملزمًا بالتسلم، ولكنه يكون له الحق، إما في طلب إنقاص المقابل بما يتناسب مع أهمية العيب أو المخالفة، وإما في طلب إلزام المقاول بالإصلاح في أجل معقول يحدده إذا كان الإصلاح ممكنًا ولا يتكلف نفقات تبهظ المقاول (673/ 2) وفي جميع الأحوال يجوز للمقاول إذا كان العمل يمكن إصلاحه، أن يقوم بهذا الإصلاح في مدة معقولة إذا كان هذا لا يسبب لرب العمل أضرارًا ذات قيمة (مادة 673/ 3).

على أنه ليس لرب العمل أن يتمسك بالحقوق المتقدمة، إذا كان هو المتسبب في إحداث العيب، سواء أكان ذلك بإصداره أوامر تخالف رأي المقاول أم كان ذلك بأية طريقة أخرى وهو ما تنص عليه صراحةً المادة (674) من المشروع.

ويعرض نص المادة (675) لأهم ما يترتب على تسلم العمل وتقبله من نتائج فمن وقت تسلم العمل لا يضمن المقاول العيوب والمخالفات الظاهرة التي كان يمكن كشفها بالفحص العادي، ذلك أنه إذا كان العيب في العمل واضحًا يمكن للشخص العادي أن يكشفه بالمعاينة، فالمفروض أنه إذا تقبل رب العمل، العمل دون أن يعترض، أنه قبله معيبًا ونزل عن حقه في الرجوع على المقاول من أجل هذا العيب، ومن ثم ينقضي ضمان المقاول للعيب بمجرد تقبل العمل مع مراعاة أحكام الضمان الخاص فيما يتعلق بالمباني والمنشآت المنصوص عليها في المادة (692) من المشروع (مادة 675/ 1).

أما إذا كانت العيوب خفية أو كانت المخالفة غير ظاهرة ولم يلحظها رب العمل وقت تسلمه ثم كشفها بعد ذلك، فإنه يجب عليه أن يخطر المقاول بها بمجرد كشفها أو في المدة التي يقضي بها عرف الحرفة، وإلا اعتبر أنه قد قبل العمل، فإذا تم إخطار المقاول في الوقت المناسب كان لرب العمل الحقوق المنصوص عليها في المادة (673) (مادة 675/ 2). كل ذلك ما لم يتفق الطرفان على خلافه، فالأحكام المتقدمة ليست من النظام العام (وذلك على عكس أحكام الضمان الخاص في حالة المباني والمنشآت)، ومن ثم يجوز الاتفاق على تشديد ضمان المقاول بتحديد مدة ضمان العيب، كما يجوز الاتفاق على تخفيف الضمان أو الإعفاء منه، فيشترط المقاول عدم ضمانه للعيب بمجرد تقبل العمل ولو كان العيب خفيًا.

وغني عن البيان أنه إذا أخفى المقاول العيب غشًا منه، فلم يستطع رب العمل أن يكشفه وقت تقبل العمل فإنه في هذا الفرض يكون المقاول مسؤولاً عن غشه، وبمجرد أن يكشف رب العمل العيب يكون له الحق في الرجوع على المقاول بالضمان وهو فرض لا يجوز فيه الاتفاق على تخفيف الضمان ولا الإعفاء منه.

وتعرض المواد من (676 – 678) لالتزام رب العمل بقع المقابل (الأجر)، ودفع المقابل يكون في الموعد المحدد في العقد، إذا كان هناك اتفاق على ذلك، وهو الغالب، فإذا لم يوجد اتفاق على ميعاد معين وكان هناك عرف للصنعة يحدد مواعيد دفع المقابل، وجب اتباع ما يقضي به هذا العرف.

وإذا لم يوجد اتفاق أو عرف، فإن المقابل يستحق دفعه عند تسليم العمل (مادة 676) أي مؤخرًا، وهذا الحكم هو الذي تقضي به طبيعة عقد المقاولة، فهو عقد على تنفيذ عمل معين لقاء مقابل معين، وبمجرد تمام العقد يصبح المقاول – وفقًا للقواعد العامة – دائنًا بالمقابل ولكن في نظير عمل لم ينجزه، ولهذا يقرر النص استثناءً من القواعد العامة ألا يستحق المقابل إلا بعد إنجاز العمل وتسلم رب العمل له (قارن المادة 424 من المجلة) وغني عن البيان أن دفع المقابل عند تسلم العمل مشروط فيه أن يكون العمل مطابقًا للمواصفات والشروط المتفق عليها، ولأصول الفن في هذا النوع من العمل، وإلا كان لرب العمل أن يحبس المقابل، طبقًا للقواعد العامة.

فإذا كان العمل مكونًا من أجزاء متميزة، أو كان المقابل محددًا على أساس الوحدة، كأن يكون المقاول قد تعهد برصف طريق وحدد المقابل على أساس كل وحدة طولية يتم رصفها، فإنه يجوز للمقاول طبقًا لنص المادة 677/ 1 من المشروع أن يستوفي من المقابل بقدر ما أنجز من العمل وذلك بعد إجراء معاينته وتقبله، على أن يكون ما تم إنجازه جزءًا متميزًا، أو قسمًا ذا أهمية كافية بالنسبة إلى العمل في جملته وكل ذلك ما لم يُتفق على خلافه.

ويُفترض فيما دفع المقابل عنه، أن رب العمل قد عاينه وتقبله، ما لم يثبت أن ما دفعه ليس إلا مبلغًا قدمه للمقاول تحت الحساب (مادة 677/ 2).

والمقابل لا بد من وجوده في عقد المقاولة (قارن المادة 450 من المجلة) وإلا كان العقد من عقود التبرع ولا يُعتبر مقاولة، ويشترط فيه أن يكون معينًا أو قابلاً للتعين (قارن المادة 630 لبناني) غير أن المقابل وإن كان ركنًا في المقاولة إلا أنه لا يشترط ذكره في العقد ولا أن يحدده المتعاقدان، فإذا لم يحدداه تكفل القانون بتحديده وتبقى المقاولة صحيحة، ويكفي أن يتبين أن العمل المعهود به إلى المقاول ما كان ليتم إلا لقاء مقابل، حتى يفترض أن هناك اتفاقًا ضمنيًا على وجود المقابل (قارن المادة 631 لبناني و880/ 2 عراقي) وهو ما يُستخلص ضمنًا من ظروف التعاقد وبخاصة من أهمية العمل ومهنة من يتولاه، ويمكن القول بوجه عام إن أصحاب المهن الحرة وكذلك أرباب الحرف والصنعة يعملون بمقابل، فإذا تعاقد العميل مع أحد منهم فالمفروض أن العمل يكون بمقابل، حتى لو سكت المتعاقدان ولم يذكرا شيئًا عن ذلك، أما مقدار المقابل فيحدده القانون كما تقدم.

والأصل أن المتعاقدين هما اللذان يقومان بتحديد المقابل، وهما قد يحددانه بموجب مقايسة على أساس الوحدة. أو يحددانه جزافًا (إجمالاً) على أساس تصميم متفق عليه، ولكنهما قد يحددانه على وجه تقريبي أو لا يعرضان لتحديد مقداره أصلاً فيتكفل القانون بتحديد هذا المقدار، وفي ذلك تختلف التقنينات: فالتقنين الأردني يعطي المقاول أجر المثل بالإضافة إلى قيمة ما قدمه من المواد التي تطلبها العمل (المادة 796)، والتقنين اللبناني يعين بدل العمل بحسب العرف، فإذا كانت هناك تعريفة أو رسم وجب تطبيقهما (المادة 632 وقارن المادة 632 ألماني) أما التقنين المصري والتقنينات الأخرى التي أخذت عنه فتوجب الرجوع في تحديد الأجر إلى قيمة العمل ونفقات المقاول (659 مصري، وقارن 374 التزامات سويسري و479 بولوني).

وقد آثر المشروع في المادة (678) منه أن يجمع ذلك في عبارة (مقابل المثل وقت إبرام العقد) فعند الخلاف يعين القاضي مقدار المقابل على هذا الأساس وله أن يسترشد في ذلك بالعرف الجاري في الصنعة أو المهنة وبطبيعة العمل فقد يكون معقدًا في حاجة إلى مهارة فنية كبيرة، وقد يتضمن تبعات جسامًا ومسؤوليات يتعرض لها مقاول ويدخل طبعًا في الحساب، نفقات المقاول وكمية العمل والوقت الذي استغرقه إنجازه، ومؤهلات المقاول وكفايته الفنية وسمعته.

وقد حرص المشروع بعد ذلك على النص في المادة (679) منه على أنه لا يكون لارتفاع تكاليف العمل أو انخفاضها أثر في مدى الالتزامات التي يرتبها العقد، وذلك دون إخلال بأحكام المادة (198)، وهو نص له مقابل في غالبية التقنينات العربية، ويردد الأصل العام من أن ارتفاع تكاليف العمل أو انخفاضها (أي أسعار المواد الأولية وأجور الأيدي العاملة أو غيرها من التكاليف) لا يكون له أثر في مدى الالتزامات التي يرتبها العقد، فلا يجوز للمقاول عند ارتفاع هذه التكاليف أن يطالب بزيادة في المقابل كما لا يجوز لرب العمل عند انخفاض هذه التكاليف أن يطالب بإنقاص المقابل وكل ذلك دون إخلال بأحكام نظرية الظروف الطارئة المنصوص عليها في المادة (198) من الأحكام العامة للالتزامات.

رابعًا: التنازل عن المقاولة والمقاولة من الباطن:

ويعرض المشروع في المواد من (680 – 683) للتنازل عن المقاولة، وللتقاول من الباطن. ويأخذ التنازل عن المقاولة إحدى صورتين، الأولى أن يتنازل المقاول للغير عن جميع عقد المقاولة بما يشتمل عليه من حقوق والتزامات، والثانية أن يتنازل رب العمل عن عقد المقاولة، كأن يبيع الأرض التي قاول على إنشاء بناء فيها ويتنازل في الوقت ذاته للمشتري عن عقد المقاولة وما ينشأ عنه من حقوق والتزامات. وفي الحالين ينص المشروع في المادة (680) على عدم جواز التنازل إلا بموافقة المتعاقد الآخر، ما لم يوجد في العقد شرط يقضي بخلافه، فإذا تم التنازل بموافقة المتعاقد الآخر أو بناءً على إجازته في العقد، فإن المتنازل له يحل محل المتنازل في جميع حقوقه والتزاماته قبل المتعاقد الآخر، ولكن التنازل لا يكون ساريًا في مواجهة الغير، في حالة إجازته في العقد، إلا إذا أُعلن للمتعاقد الآخر بوجه رسمي، أما في حالة حصول التنازل بموافقة المتعاقد الآخر، فإن التنازل لا يكون ساريًا في مواجهة الغير إلا إذا كانت الموافقة ثابتة التاريخ، وغني عن البيان أن للمقاول أيضًا أن يتنازل عن مستحقاته قبل رب العمل لشخص ثالث عن طريق حوالة الحق وعندئذٍ تطبق أحكامها.

أما التقاول من الباطن وهو أكثر وقوعًا في العمل خاصة في مقاولات المباني والإنشاء، حيث تتعدد الأعمال وتتشعب فقد عرض المشروع له في المواد (681 – 683).

ويخلص من النص الأول أن للمقاول أن يقاول من الباطن في كل العمل أو في جزء منه ما لم يمنعه من ذلك شرط في العقد (قارن المواد 571 – 573 من المجلة)، أو تكون طبيعة العمل تتطلب الاعتماد على الكفاية الشخصية للمقاول، كأن يكون العمل محل المقاولة عملاً فنيًا ركن فيه رب العمل إلى كفاية المقاول الشخصية في هذا العمل أو ما اشتهر عنه في أدائه، فعندئذٍ يتحتم أن يقوم المقاول بالعمل شخصيًا، وغني عن البيان أن هذا المنع لا يحول دون المقاول وبين الاستعانة بأشخاص آخرين، فنيين أو غير فنيين، في إنجاز العمل، ما دام هؤلاء الأشخاص ليسوا مقاولين من الباطن بل يعملون عند المقاول بعقد عمل لا بعقد مقاولة.
فإذا لم يكن هناك شرط مانع أو لم تكن شخصية المقاول محل اعتبار عند التعاقد، وعهد المقاول بتنفيذ العمل كله أو بعضه إلى مقاول من الباطن فإن المقاولة من الباطن تكون صحيحة، وتنفذ حتى في حق رب العمل، وتكون العلاقة ما بين المقاول الأصلي والمقاول من الباطن، علاقة رب العمل بمقاول ينظمها عقد المقاولة من الباطن، فيكون المقاول الأصلي بالنسبة إلى المقاول من الباطن رب العمل، وعليه جميع التزامات رب العمل، كما يكون المقاول من الباطن بالنسبة إلى المقاول الأصلي مقاولاً عليه جميع التزامات المقاول فيما عدا الأحكام الاستثنائية المتعلقة بالضمان في المباني والإنشاءات. (انظر المادة 692 من المشروع) ولكن المقاول الأصلي يُسأل إزاء رب العمل عن أعمال المقاول من الباطن (الفقرة الثانية من المادة 681)، فإذا أخل المقاول من الباطن بالتزامه من إنجاز العمل طبقًا للشروط والمواصفات المتفق عليها ولأصول الصنعة، أو بالتزامه من تسليم العمل بعد إنجازه أو ظهر في عمله عيب، كان المقاول الأصلي مسؤولاً عن كل ذلك قِبل رب العمل، أما المقاول من الباطن فيكون مسؤولاً عن ذلك قبل المقاول الأصلي.

وجدير بالذكر أن مسؤولية المقاول الأصلي عن أعمال المقاول من الباطن هي مسؤولية عقدية تنشأ من عقد المقاولة الأصلي وليست مسؤولية متبوع عن تابعه، فالمقاول من الباطن يعمل مستقلاً عن المقاول الأصلي ولا يُعتبر تابعًا له. وتقوم هذه المسؤولية على افتراض أن كل أعمال المقاول من الباطن تعتبر بالنسبة إلى رب العمل أعمالاً صادرة من المقاول الأصلي ومن ثم يكون مسؤولاً قبله عنها.

ولما كانت المسؤولية هنا عقدية، فإنه يجوز الاتفاق على ما يخالفها فيجوز أن يشترط المقاول على رب العمل ألا يكون مسؤولاً عن المقاول من الباطن، كما يجوز أن يقبل رب العمل حلول المقاول من الباطن محل المقاول الأصلي في كل حقوقه والتزاماته، فتتحول المقاولة من الباطن إلى تنازل عن المقاولة وتسري عليه أحكام الحوالة.

والأصل ألا تقوم علاقة مباشرة بين رب العمل وبين المقاول من الباطن إذ لا يربطهما أي تعاقد، فلا يطالب أيهما الآخر مباشرة بتنفيذ التزاماته، وإنما يكون للمقاول من الباطن طبقًا للقواعد العامة أن يرجع على رب العمل في خصوص المقابل المستحق له قِبل المقاول الأصلي وذلك بطريق الدعوى غير المباشرة يرفعها باسم المقاول الأصلي ويطالب فيها بما هو مستحق في ذمة رب العمل للمقاول الأصلي، ولكن هذه الدعوى غير المباشرة تسمح لدائني المقاول أن يزاحموا المقاول من الباطن، فلا يستأثر وحده بما يستخلصه من رب العمل، بل يقاسمه فيه سائر دائني المقاول الأصلي مقاسمة الغرماء. ومن أجل هذا حمى المشروع المقاول من الباطن من مزاحمة دائني المقاول الأصلي بإعطائه دعوى مباشرة وحق امتياز يجنبانه مزاحمة دائني المقاول الأصلي، كما مد هذه الحماية إلى عمال المقاول الأصلي وعمال المقاول من الباطن لأن هؤلاء العمال لا يقلون في الحاجة إلى الرعاية عن المقاول من الباطن، (المادتان 682 و683) وهي أحكام لها مقابل في جميع التقنينات العربية.

خامسًا: انتهاء المقاولة:

تنتهي المقاولة انتهاءً مألوفًا بانقضاء المدة المحددة لها إذا كان العمل المتفق عليه متجددًا يقترن بمدة معينة ينجز في أثنائها، كعقود الصيانة (مادة 684 من المشروع).

وهي تنتهي أيضًا انتهاء غير مألوف قبل تنفيذها باستحالة التنفيذ أو الفسخ، أو بالتقايل طبقًا للقواعد العامة، ولكنها تنتهي أيضًا بسببين خاصين بها هما: تحلل رب العمل من المقاولة بإرادته المنفردة وموت المقاول إذا كانت مؤهلاته الشخصية محل اعتبار.
ويعرض المشروع في المواد التالية (685 – 688) لهذه الأسباب فيما عدا الفسخ والتقايل اكتفاءً بتطبيق القواعد العامة في شأنها.
فالمادة (685) تعرض لانتهاء المقاولة باستحالة التنفيذ لسبب لا يد لأحد الطرفين فيه (كمرض المدرس أو قطع يد الفنان) وفي هذه الحالة فإن التزام المقاول ينقضي، وينقضي التزام رب العمل المقابل له، وينفسخ عقد المقاولة من تلقاء نفسه تطبيقًا للقواعد العامة ومتى انتهى عقد المقاولة بالانفساخ على هذا الوجه، استحق المقاول تعويضًا، لا بموجب المقاولة وقد انتهت، ولكن بموجب مبدأ الإثراء بلا سبب، فيقتضي تعويضًا من رب العمل، أقل القيمتين، قيمة ما أنفقه من ماله ووقته، وقيمة ما استفاد به رب العمل.

هذا ويلاحظ أن إفلاس أحد الطرفين لا يُعتبر قوة قاهرة تمنع من التنفيذ، بل يستمر تنفيذ العقد بواسطة مدير تفليسة الطرف المفلس، وإذا امتنع مدير التفليسة عن التنفيذ جاز للطرف الآخر أن يطلب فسخ العقد مع التعويض (قارن المادة 862 من قانون التجارة الحالي).

وتعرض المادتان (686 و687) لموت المقاول، ويلاحظ أنه في الفقه الإسلامي يكون الاستصناع باطلاً بوفاة المستصنع أو الصانع، ولكن نصوص المشروع لم تعرض لموت رب العمل، لأن شخصيته لا تكون في العادة محل اعتبار في عقد المقاولة، ولذلك فلا تنتهي المقاولة بموته، بل يبقى العقد قائمًا بين المقاول وورثة رب العمل الذين يحلون محله في العقد طبقًا للقواعد العامة.
أما موت المقاول فهو يبطل المقاولة في الفقه الإسلامي، وكذلك تنتهي به المقاولة في القانون الفرنسي (المادة 1795) ولكن التقنينات العربية، وبعض من التقنينات الأجنبية، تميز في ذلك بين ما إذا كانت مؤهلات المقاول الشخصية محل اعتبار في التعاقد أو لم تكن، وهو ما أخذ به المشروع في المادة (686) منه.

فإذا كانت مؤهلات المقاول الشخصية أو إمكاناته محل اعتبار في التعاقد، فإن عقد المقاولة ينتهي بحكم القانون بمجرد موت المقاول (686/ 1) دون حاجة لفسخه لا من ناحية رب العمل ولا من ناحية ورثة المقاول. والمقصود بالمؤهلات كل صفات المقاول الشخصية التي تكون ذات تأثير في حسن تنفيذ العمل، فيدخل فيها ما اشتهر عن المقاول من ناحية الكفاية الفنية والأمانة وحسن المعاملة، وما قام به قبلاً من أعمال تكسبه تجربة عملية فيه (سابقة الأعمال)، ومقدار ملاءته، وإمكاناته.

وتقدير ما إذا كانت مؤهلات المقاول الشخصية وإمكاناته محل اعتبار في التعاقد هو من مسائل الواقع التي يستقل بتقديرها قاضي الموضوع دون معقب عليه في ذلك، وله أن يسترشد في هذا التقدير بضوابط ثلاثة:

1 – فشخصية المقاول تعتبر دائمًا محل اعتبار في التعاقد، إذا اتفق في العقد على أن يعمل المقاول بنفسه، أو إذا أبرم العقد مع أحد رجال الفن، كالرسامين والنحاتين والموسيقيين والمطربين أو مع أحد أصحاب المهن الحرة، كالمهندسين والمعماريين وغيرهم، فكل هؤلاء تعتبر مؤهلاتهم الشخصية محل اعتبار في التعاقد.

2 – أما أرباب الحرف والصناع، كالخياط وصانع الأحذية والنقاش والسباك والنجار وغيرهم، فالأصل أن تكون مؤهلاتهم الشخصية محلاً للاعتبار في التعاقد، ما لم يقم دليلاً أو عرف على غير ذلك، كأن يكون العمل المعهود إلى أحدهم بسيطًا لا يقتضي مهارة فنية خاصة، ويستطيع القيام به أي شخص في الحرفة.

3 – وأما مقاولات المباني والإنشاء، فهذه يقوم بها عادةً مكاتب المقاولات الكبرى، التي تعتمد على ما يتوفر لديها من مهندسين وفنيين وأدوات ومعدات ورؤوس أموال، وغير ذلك من الإمكانات، بحيث تكون العبرة لا بصفات المقاول الشخصية ولكن بالمكانة التي وصل إليها اسمه في السوق، فهؤلاء لا تكون مؤهلاتهم الشخصية في الغالب محلاً للاعتبار في التعاقد.

أما إذا لم تكن مؤهلات المقاول الشخصية محل اعتبار في التعاقد فإنه طبقًا للفقرة الثانية من المادة (686) لا ينتهي العقد من تلقاء نفسه، ولكن يجوز لرب العمل طلب إنهائه إذا لم تتوافر في ورثة المقاول الضمانات الكافية لحسن تنفيذ العمل. والقاضي هو الذي يقدر ما إذا كان الورثة لا تتوافر فيهم الضمانات الكافية فيحكم بإنهاء العقد، أو أن فيهم من الضمانات ما يكفي للمضي في العمل وحسن تنفيذه، فيرفض الطلب.

فإذا انتهت المقاولة بموت المقاول، سواء انتهت من تلقاء نفسها لقيامها على اعتبار مؤهلات خاصة في شخص المقاول، أو انتهت عن طريق الإنهاء بناءً على طلب رب العمل أو طلب الورثة وكان ذلك قبل البدء في تنفيذ العمل، فإن الالتزامات التي أنشأها عقد المقاولة في جانب كل من الطرفين تنقضي بانتهاء العقد، ولا يرجع أي منهما على الآخر بشيء، إلا إذا كان رب العمل قد عجل شيئًا من المقابل المتفق عليه فيسترده.

أما إذا كان المقاول قد بدأ في تنفيذ العمل قبل موته، فإن المادة (687) من المشروع تعطي لورثته الحق في نسبة من المقابل تعادل ما قام بتنفيذه من أعمال، كما تعطيهم الحق في قيمة ما تخلف في موقع العمل عند موت مورثهم من مواد يكون قد جلبها إذا كانت صالحة لاستعمالها في إتمام العمل، ومن ناحية أخرى يكون لرب العمل أن يطالبهم بتسليم المواد الأخرى التي يكون مورثهم قد أعدها، وكذلك الرسومات التي بُدئ في تنفيذها على أن يدفع عن كل ذلك مقابلاً عادلاً. وتسري الأحكام المتقدمة أيضًا، إذا بدأ المقاول في تنفيذ العمل ثم أصبح عاجزًا عن إتمامه لسبب لا دخل لإرادته فيه.

وأخيرًا تعرض المادة (688) من المشروع لجواز تحلل رب العمل من المقاولة بإرادته المنفردة، ويُلاحظ بادئ ذي بدء أن الاستصناع لدى جمهور الحنفية عقد غير لازم في مواجهة كلا طرفيه قبل العمل، أما إذا أتى الصانع بالشيء المصنوع على الصفة المشروطة، فحكمه في حق المستصنع ثبوت (ملك غير لازم) في المصنوع، حتى يثبت له خيار الرؤية إذا رآه، إن شاء أخذه وإن شاء تركه، وفي حق الصانع ثبوت (ملك لازم) في الثمن إذا رأى المستصنع الشيء المصنوع ورضي به ولا خيار له، وهذا جواب ظاهر الرواية، لأن الاستصناع في حكم البيع، والمستصنع مشترٍ لشيء لم يره فيكون له الخيار إذا رآه، أما الصانع فقد أسقط خيار نفسه بالإحضار فبقي خيار صاحبه على حاله، كالبيع الذي فيه شرط الخيار للعاقدين، إذا أسقط أحدهما خياره، يبقى خيار الآخر، ورُوي عن أبي حنيفة، أنه ملك غير لازم في حق كل منهما، حتى يثبت لكل واحد منهما الخيار، لأن في تخيير كل واحد منهما دفعًا للضرر عنه.

ولكنه رُوي عن أبي يوسف أنه ملك لازم في حق كل منهما، فلا خيار للمستصنع ولا الصانع، لأن في إثبات الخيار للمستصنع إضرارًا بالصانع لأنه أفسد متاعه، وفي إثبات الخيار للصانع إضرارًا بالمستصنع لعدم اندفاع حاجته، وقد أُخذ في المجلة برأي أبي يوسف، فنصت المادة (392) منها، على أنه إذا انعقد الاستصناع فليس لأحد العاقدين الرجوع، ولم يعطِ المستصنع الخيار إلا إذا لم يكن المصنوع على الأوصاف المطلوبة المبينة.

ولكن المشروع آثر أن يذهب مذهبًا وسطًا، فخول رب العمل وحده، دون المقاول، أن يتحلل بإرادته المنفردة من عقد المقاولة وينهيه، فيوقف تنفيذ العمل في أي وقت قبل إتمامه على أن يعوض المقاول عن جميع ما أنفقه من مصروفات وما أنجزه من أعمال، وما كان يستطيع كسبه لو أنه أتم العمل (مادة 688/ 1)، وهو حكم وارد في غالبية التقنينات العربية، وفي بعض من التقنينات الأجنبية، فقد يرى رب العمل بعد وضع المقاولة موضع التنفيذ أن من الخير له العدول عنها والرجوع في العقد وقد تتغير الظروف التي أبرم فيها العقد، كأن تكون المقاولة متعلقة بإنشاء عمارة للاستغلال ثم يصدر قانون بتحديد الأجرة فتصبح الصفقة غير رابحة، وقد يعتمد رب العمل على موارد يدفع منها أجر المقاولة فتتخلف هذه الموارد أو تقصر عن دفع الأجر، وقد يصبح العمل المطلوب تنفيذه غير مجدٍ لرب العمل، فلمثل هذه الأسباب أو لغيرها مما يبدو وجيهًا في نظر صاحب العمل، أجاز المشروع لرب العمل أن يرجع في العقد ويتحلل من المقاولة، على أن يعوض المقاول عما تكلفه من نفقات وما فاته من كسب، بدلاً من المضي في العمل إلى غايته والإنفاق عليه دون فائدة.

وأما المقاول فإنه ليس له حق التحلل من المقاولة بإرادته المنفردة بل يبقى ملزمًا بتنفيذها إلى النهاية، ويجوز لرب العمل إجباره على التنفيذ العيني دون أن يقتصر على مطالبته بالتعويض، ذلك أن لرب العمل مصلحة محققة في هذا التنفيذ العيني، فهو لم يبرم عقد المقاولة إلا للحصول على هذا التنفيذ.

وغني عن البيان أن حق رب العمل في التحلل من المقاولة مع تعويض المقاول ليس من النظام العام، ومن ثم يجوز الاتفاق على خلافه، فيجوز الاتفاق على عدم جواز تحلل رب العمل من العقد كما يجوز الاتفاق على أن يكون لرب العمل التحلل من المقاولة دون أن يدفع أي تعويض أو دون أن يدفع تعويضًا كاملاً بل يقتصر على دفع ما أُثري به على حساب المقاول.
على أنه يجوز للمحكمة – طبقًا للفقرة الثانية من المادة (688) أن تخفض التعويض المستحق للمقاول عما فاته من كسب، إذا كانت الظروف تجعل هذا التخفيض عادلاً.

الفرع الثاني – الأحكام الخاصة بمقاولات المباني والإنشاء:

خصص المشروع هذا الفرع لبعض الأحكام الخاصة بمقاولات المباني والإنشاء، اعتبارًا لأهميتها، ويعرض فيه للتعديلات والإضافات التي قد ترد على المقايسة أو التصميم وللأحكام المتعلقة بمسؤولية المقاول والمهندس عن المباني والمنشآت التي يقيمانها.
فتعرض المادتان (689 و690) لما يترتب على تعديل المقايسة أو التصميم، في مقاولات المباني والإنشاء، أما غير ذلك من المقاولات فتسري في شأن تعديل عقودها القواعد العامة.

ويعرض النص الأول (المادة 689) لمقاولات المباني والإنشاء التي تُبرم على أساس مقايسة تقديرية، تقدر فيها كميات الأعمال المختلفة تقديرًا تقريبيًا ويحدد المقابل لكل وحدة من هذه الأعمال، حيث يقتضي ذلك أن يتفاوت المقابل بحسب كمية الأعمال التي يتم تنفيذها، فلا يكون في زيادة المقابل إذا اقتضى الأمر ذلك ما يخالف طبيعة الاتفاق، ولكن النص يوجب على المقاول إذا تبين له في أثناء التنفيذ، ضرورة مجاوزة المقايسة المقدرة مجاوزة جسيمة، أن يبادر بإخطار رب العمل بذلك مبينًا مقدار ما يتوقعه من زيادة في المقابل نتيجة لهذه المجاوزة.

والمقصود بمجاوزة المقايسة، هو مجاوزة كميات الأعمال المقدرة فيها وليس مجاوزة أسعارها، ولذلك فإن عبارة (مجاوزة المصروفات المقدرة في المقايسة) الواردة في نص المادة (18) من المشروع السابق تكون غير دقيقة في هذا المجال إذ قد ينصرف معناها إلى أن المقصود بالمجاوزة، وهو مجاوزة السعر الوارد في المقايسة، مع أن المقصود هو حالة مجاوزة الكم لا السعر، فمثلاً إذا تبين للمقاول عند حفر الأساس اللازم للبناء الذي يقوم بإنشائه، أنه يجب تعميقه أكثر، وأن هذا التعميق يقتضي كميات من العمل تزيد زيادة جسيمة عما هو مقدر في المقايسة انطبق النص.

كذلك يجب أن تكون المجاوزة غير متوقعة وقت إبرام العقد، أما إذا كانت متوقعة أو من الممكن توقعها، فإن الأجر يزيد بمقدار هذه المجاوزة ولا خيار لرب العمل.

فإذا لم يخطر المقاول رب العمل بالمجاوزة غير المتوقعة، أو أبطأ في إخطاره دون مبرر، أو لم يذكر في الإخطار مقدار ما يتوقعه من الزيادة، سقط حقه في استرداد هذه الزيادة وبقي المقابل بغير تعديل، (مادة 689/ 1).

أما إذا أخطر المقاول رب العمل بالمجاوزة، فحينئذٍ يكون رب العمل مخيرًا – إما أن يوافق على المضي في تنفيذ العمل، ومن ثم يلتزم بزيادة المقابل بما يتناسب مع المجاوزة، وإما أن يتحلل من المقاولة إذا رأى في الزيادة إرهاقًا له، وفي هذه الحالة يكون عليه أن يطلب دون إبطاء، من المقاول وقف العمل، كما يكون عليه أن يوفي المقول قيمة ما أنجزه من الأعمال إلى يوم إخطاره بوقف العمل، وتقدر هذه القيمة بحسب مما هو مقدر في العقد لا يحسب ما أنفقه المقاول فعلاً، ولا يكون للمقاول أن يطالب رب العمل بتعويضه عما كان يمكنه كسبه لو أنه أتم العمل (مادة 689/ 2). ذلك أن رب العمل لم يتحلل هنا من العقد بمحض رغبته، بل إنه اضطر لذلك إزاء الزيادة المرهقة في المقابل.

وغني عن البيان أن النص لا ينطبق حيث تكون المجاوزة في المقايسة غير جسيمة، فحينئذٍ لا يستطيع رب العمل أن يتحلل من العقد بسبب مثل هذه المجاوزة، وتجب عليه زيادة المقابل بما يتناسب معها، شاء ذلك أو أبى، وتقدير ما إذا كانت المجاوزة جسيمة فتجيز لرب العمل التحلل من المقاولة، أو غير جسيمة فتبقيه مقيدًا بها مع زيادة المقابل الزيادة المناسبة، هو من مسائل الواقع التي يستقل قاضي الموضوع بتقديرها دون معقب عليه في ذلك.

ويعرض النص الثاني (المادة 690) لتعديل التصميم في حالة المقاولات التي تبرم على أساس مقابل جزافي يحدد للمقاولة مقدمًا وإجمالاً، بعد وضع تصميم نهائي كامل يتضمن وصفًا لجميع الأعمال المطلوبة ويتم الاتفاق عليه مع رب العمل، أما إذا كان التصميم غير كامل، أو كان تقريبيًا أو احتفظ أحد الطرفين بحق إجراء التعديل فيه أثناء التنفيذ، فلا ينطبق النص. وفي هذه الحالة – التي يعرض لها النص – فإن المقابل الإجمالي الجزافي الذي اتفق عليه الطرفان في عقد المقاولة لا يكون قابلاً للتعديل، فلا يزيد المقابل إذا أدخل المقاول تعديلاً على التصميم ولو كان التعديل هامًا نافعًا بل ولو كان ضروريًا، وليس هذا إلا تمشيًا دقيقًا مع إرادة المتعاقدين، وقد وضع هذا النص حماية لرب العمل – وهو عادةً رجل غير فني قليل الخبرة – من المقاول، وهو دائمًا رجل فني واسع الخبرة، فأتاحت له أن يصل بالاتفاق مع المقاول على مقابل إجمالي جزافي، إلى هذا القدر من الاطمئنان والاستقرار والثبات.

ومع ذلك فإن النص يجيز استثناء زيادة المقابل في حالتين:

الأولى: حالة تعديل التصميم أو زيادة التكاليف لسبب يرجع إلى رب العمل كأن يقدم للمقاول معلومات خاطئة عن الأبعاد التي يريدها للبناء أو يتأخر في الحصول على الترخيص أو في تقديم الأرض التي يتم البناء عليها فينجم عن ذلك تحميل المقاول بنفقات أو تكاليف إضافية – ولا يشترط أن يكون رب العمل سيئ النية ولا حتى أن يكون مقصرًا، فيكفي أن يكون التعديل في التصميم أو زيادة التكاليف ناجمًا عن فعله ومنسوبًا إليه، دون حاجة لأن يثبت في جانبه أي خطأ أو تقصير.

الثانية: إذا حدث في التصميم تعديل أو إضافة، وكان رب العمل قد أذن بذلك، ولم يرَ المشروع بعد ذلك أن يوجب الاتفاق مقدمًا على مقدار الزيادة ولا أن يوجب حصول الاتفاق على التعديل، كتابةً إذا كان عقد المقاولة الأصلي مكتوبًا، كما فعل التقنين المصري وبعض التقنينات الأخرى – اكتفاءً بالقواعد العامة في الإثبات.

ويعرض نص المادة (691) من المشروع لحالة خاصة هي حالة إقامة بناء أو إنشاء على أرض مقدمة من رب العمل إذا كانت تشوبه عيوب تبلغ من الجسامة حدًا يجعله غير صالح للاستعمال المقدر له، فيكون لرب العمل أن يرفض تسلمه طبقًا للأحكام الواردة في المادة (673) ويقتضي الأمر إزالته. ولما كانت إزالة البناء أو الإنشاء في هذه الحالة قد ترتب أضرارًا بالغة للمقاول، فقد رأى المشروع أن يقصر حق رب العمل في هذه الحالة على طلب إنقاص المقابل أو إصلاح العيب إن كان ممكنًا دون إزالة البناء أو الإنشاء، وكل ذلك دون إخلال بالحق في التعويض إن كان له مقتض، وهذا النص مأخوذ عن المشروع التمهيدي المصري الذي أخذه بدوره عن تقنين الالتزامات السويسري وهو مجرد تطبيق للقواعد العامة في حالة ما إذا كان في التنفيذ العيني إرهاق للمدين.

وأخيرًا ضمن المشروع نصوص المواد من (692 – 697) أحكامًا خاصة في ضمان المقاول والمهندس لما يقيماه من مبانٍ أو منشآت ثابتة أخرى، حتى يدفعهما إلى بذل كل عناية ممكنة فيما يشيدانه من المباني والمنشآت، نظرًا لخطورة ما يترتب على تهدمها أو تصدعها بالنسبة إلى رب العمل وبالنسبة إلى الغير، ويلاحظ بالنسبة لهذه النصوص ما يأتي:

1 – تنطبق أحكام هذه النصوص إذا وقعت المقاولة على منشآت ثابتة وفي مقدمة هذه المنشآت المباني من أي نوع كان، سواء كانت مشيدة بالطابوق أو بالحجارة أو بالخشب أو بغيره، ما دامت مستقرة ثابتة لا يمكن نقلها دون هدمها، ومن ذلك أيضًا الجسور والسدود والخزانات والبوابات، وأجهزة التكييف المركزية والمداخن، ولا يتحتم أن تكون هذه المنشآت فوق الأرض، بل يصح أن تكون تحتها أو في مستواها كالطرق والأنفاق.

2 – يترتب الضمان أولاً في ذمة المقاول الذي يُعهد إليه في إقامة المنشآت الثانية. وقد يعهد رب العمل تنفيذ ذلك إلى عدة مقاولين، فيعهد إلى مقاول بوضع الأساس والقيام بأعمال البناء الأخرى، وإلى مقاول آخر بأعمال النجارة وإلى ثالث بأعمال الحدادة، وإلى رابع بالأعمال الصحية وهكذا، فيعتبر كل من هؤلاء مقاولاً في حدود الأعمال التي يقوم بها ويكون ملتزمًا بالضمان في هذه الحدود، كذلك يترتب الضمان في ذمة المهندس الذي يعهد إليه رب العمل في وضع التصميمات والرسومات والنماذج اللازمة لإقامة المنشآت أو جانب منها، أو الذي قد يُعهد إليه بإدارة العمل أو بالإشراف على تنفيذه ولا يُشترط أن يكون مهندسًا معماريًا بل إن أي مهندس إنشائي أو ميكانيكي أو كهربائي أو مدني أو غيره يكون ملتزمًا بالضمان إذا قام بمهمة من المهمات المشار إليها وذلك في حدود العمل الذي قام به.

3 – طبقًا للفقرة الثالثة من المادة (692) يشمل الضمان ما يحدث في المنشآت من تهدم كلي أو جزئي أو خلل ولو كان التهدم ناشئًا عن عيب في الأرض ذاتها، أو كان رب العمل قد أجاز إقامة المنشآت المعيبة، لأن الخطأ هو خطأ المقاول، ولم يفعل رب العمل سوى أن يجيز هذا الخطأ والمفروض أنه شخص غير فني فلا يعتمد بإجازته ولا يكون لها أثر في مدى مسؤولية المقاول عن الضمان.

كما يشمل الضمان أيضًا ما يظهر في المنشآت من عيوب يترتب عليها تهديد متانتها وسلامتها، سواء كان العيب في المواد المستخدمة أو في أصول الصنعة أو في الأرض التي أُقيم الإنشاء عليها أو تحتها، كأن تكون الأرض هشة ولم تتخذ الإجراءات التي تستوجبها أصول الصنعة لتقويتها أو تعميق الأساس فيها، ولا يشترط أن يكون العيب خفيًا، فلو كان العيب ظاهرًا بحيث يمكن كشفه بالفحص المعتاد، فإن تقبل رب العمل للعمل دون اعتراض لا يسقط الضمان.

4 – وإذا اقتصر عمل المهندس على وضع التصميم، دون الإشراف على التنفيذ فإنه لا يكون مسؤولاً إلا عن العيوب التي أتت من التصميم، دون العيوب التي ترجع إلى طريقة التنفيذ (مادة 693/ 1) سواء كانت عيوب التصميم راجعة إلى خطأ فني، أو إلى مخالفة قوانين البناء ولوائحه، غير أن المهندس إذا أشرف على التنفيذ يكون مسؤولاً عن عيوب التصميم وعن عيوب التنفيذ معًا (مادة 693/ 2).

أما المقاول، فإنه لا يكون مسؤولاً إلا عن العيوب التي تقع في التنفيذ دون العيوب التي تأتي من الغلط أو عدم التبصر في وضع التصميم (مادة 694/ 1). ولكن إذا كان العيب في التصميم من الوضوح بحيث لا يخفى على المقاول، كأن يكون متعلقًا بمخالفة قوانين البناء ولوائحه ويقوم المقاول على تنفيذ التصميم بالرغم من ظهور العيب فيه، فإنه يكون هو أيضًا ملتزمًا بالضمان، ومن ثم فإنه يكون على المقاول إذا ظهر له عيب في التصميم أن يقف العمل ولا يعود إليه إلا إذا تم إصلاح العيب ومع ذلك يكون المقاول مسؤولاً عن العيوب التي ترجع إلى التصميم إذا كان المهندس الذي قام بوضعه تابعًا للمقاول (مادة 694/ 2). فإذا كان كل من المهندس والمقاول مسؤولاً عما وقع في التنفيذ من عيب، كانا متضامنين في المسؤولية (مادة 695)، وعلى ذلك فإذا أشرف المهندس على التنفيذ فإنه يكون متضامنًا مع المقاول في حدود عيوب التنفيذ ومستقلاً وحده في الضمان من عيوب التصميم، الذي وضعه بتكليف من رب العمل، وإذا كان المقاول مسؤولاً عن العيب في التصميم لوضحه كان متضامنًا مع المهندس في ذلك، وقد روعي في وضع هذه الأحكام أن التصميم يجب أن يقوم بوضعه مهندس مختص كما تنص قوانين تنظيم أعمال البناء.

وغني عن البيان أنه إذا قُضي على أي من المهندس أو المقاول بالتعويض كاملاً لقيام التضامن فإنه يكون له أن يرجع على الآخر وتقسم المسؤولية بينهما بنسبة مساهمة خطأ كل منهما في أحداث الضرر مع مراعاة جسامة الخطأ.

5 – يتحقق الضمان إذا حدث سببه خلال عشر سنوات تبدأ من وقت إتمام البناء أو الإنشاء (مادة 692/ 1) وهو ما يتمشى مع الحكمة من فرض هذا الضمان، وفي ذلك يتفق المشروع مع المشروع الفرنسي الإيطالي (522) والتقنين الإسباني (1591) والتقنين الإيطالي. أما التقنين المصري والتقنينات العربية الأخرى وكذلك تقنين الالتزامات السويسري، فيبدأ سريان المدة فيها من وقت تسلم العمل (أو تقبله كما هو المقصود).

وغني عن البيان أن مدة العشر سنوات هي مدة اختبار لصلابة المنشآت ومتانتها، وليست مدة تقادم، ومن ثم فلا تكون عرضة لأن توقف ولو وجد مانع يتعذر معه على رب العمل أن يطالب بحقه، وكذلك لا تكون عرضه لأن تنقطع.

وتحديد المدة التي يبقى فيها المقاولون والمهندسون مسؤولين عن خلل البناء بعشر سنوات أخذ به المشروع جريًا على نسق التقنين المصري (م 651) وغالبية التقنينات التي أخذت عنه، وقد أخذ بهذه المدة أيضًا التقنين الفرنسي (م 1792) والتقنين الأردني (788) والتقنين المغربي (م 769) والمشروع الفرنسي الإيطالي (م 522) والمشروع الكويتي السابق (م 6). أما تقنين الالتزامات السويسري (م 371) والتقنين اللبناني (م 668) والتقنين العراقي (م 870) والتقنين السوداني (م 525) فقد أنقصت جميعها المدة إلى خمس سنوات، ومع ذلك يجوز أن تكون مدة الضمان أقل من عشر سنوات إذا كان المقصود من المنشآت ألا تبقى طوال هذه المدة (مادة 698/ 2) فإذا كان هناك معرض مدته سنة مثلاً، وأقام أحد العارضين مبنى في المعرض. يعرض فيه منتجاته فإن من المفروض أن هذا المبنى لا يدوم إلا سنة واحدة، هي مدة بقاء المعرض، وفي هذه الحالة تكون مدة الضمان سنة واحدة لا عشر سنوات.

ولتطبيق هذا الحكم يجب أن يتبين أن المتعاقدين قصدا بالبناء أن يبقى لمدة أقل من عشر سنوات، فلا يكفي مجرد النص في عقد المقاولة على مدة للضمان أقل من عشر سنوات.

6 – تسقط دعوى الضمان بانقضاء ثلاث سنوات على حصول التهدم أو انكشاف العيب (المادة 696 من المشروع) وهي سنة في بعض التقنينات الأخرى (المادة 6 من المشروع الكويتي السابق والمادة 870 من التقنين العراقي والمادة 791 من التقنين الأردني، والمادة 528 من التقنين السوداني).

ويخلص من ذلك أن رب العمل يستطيع أن يرفع دعوى الضمان خلال ثلاث سنوات يبدأ سريانها من وقت انكشاف العيب أو حصول التهدم، فإذا انكشف العيب أو حصل التهدم بعد خمس سنوات مثلاً من وقت إتمام الإنشاء، كان أمامه ثلاث سنوات أخرى لرفع دعوى الضمان أي إلى انقضاء ثماني سنوات من وقت إتمام الإنشاء، وإذا انكشف العيب أو حصل التهدم في آخر السنة العاشرة من وقت إتمام الإنشاء، كان أمامه ثلاث سنوات أخرى لرفع الدعوى، أي ثلاث عشرة سنة من وقت إتمام العمل، وتكون هذه هي أقصى مدة يمكن أن تنقضي من وقت إتمام الإنشاء إلى وقت رفع دعوى الضمان فإذا انقضت مدة الثلاث سنوات ولم ترفع دعوى الضمان خلالها، فإن الدعوى تسقط.

7 – تعتبر أحكام الضمان الخاص الذي تعرض له النصوص المتقدمة – خلافًا لأحكام الضمان بوجه عام – من النظام العام وفي ذلك تنص المادة (697) من المشروع على أن كل شرط بإعفاء المهندس أو المقاول من الضمان أو بالحد منه يكون باطلاً ويبرر ذلك أن رب العمل لا يكون عادة ذا خبرة فنية ولذلك حماه المشروع هذه الحماية الخاصة، ومن ثم فلا يجوز الاتفاق مقدمًا على الإعفاء من الضمان أو على الحد منه، أما بعد تحقق سبب الضمان وتبين رب العمل خطورة العيوب التي انكشفت، فإنه يكون له وقد ثبت حقه في الضمان أن ينزل عن هذا الحق كله أو بعضه نزولاً صريحًا أو ضمنيًا، ولكنه لا يوجد ما يمنع من الاتفاق مقدمًا على تشديد الضمان، إذ أن الضمان إنما قُصد به حماية رب العمل، فليس هناك ما يحول دون أن يقوي رب العمل هذه الحماية باتفاق خاص.

اعادة نشر بواسطة محاماة نت .

ارسل استشارة