الكفالة:

الكفالة في اصطلاح الفقهاء، هي ضم الكفيل ذمته إلى ذمة الأصيل، أو بعبارة أخرى إلى ذمة المكفول عنه بالشيء المكفول به، وهي مشروعة بدليل قوله تعالي (ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم)، وقول النبي صلي الله عليه وسلم (الزعيم غارم) أي الكفيل ضامن.

وقد عرضت المجلة للكفالة في الكتاب الثالث منها (المواد من 612 إلى 672)، فتكلمت في ركن الكفالة وشرائطها وأحكامها والبراءة منها، كما عرض لها قانون التجارة في المواد (501 إلى 520) ولكن المجلة فرقت في بيان أحكام الكفالة، بين الكفالة بالنفس والكفالة بالمال، وكذلك فعلت بعض التقنينات العربية (كالتقنين العراقي وكالتقنين الأردني)، وهو ما لم يرَ المشروع أن يجاريها في الأخذ به، لأن الكفالة بالنفس لا تُعتبر كفالة حقيقية. فالكفيل بالنفس لا يلتزم التزامًا تابعًا لالتزام المدين الأصلي، وإنما يلتزم التزامًا أصليًا بعمل معين، هو إحضار المدين يوم حلول أجل الدين.

وقد احتفظ المشروع بوجه عام في تنظيم الكفالة بالأحكام المنصوص عليها في التقنين المصري، ولكنه أجرى عليها من التعديلات ما تقتضيه الملاءمة، كما أضاف إليها أحكامًا جديدة تسد ما فيها من نقص وتفصل في بعض المسائل الخلافية.
ويعرف المشروع الكفالة في المادة (745) منه، بأنها عقد بمقتضاها يضم شخص ذمته إلى ذمة المدين في تنفيذ التزام عليه، بأن يتعهد الدائن بأدائه إذا لم يؤده المدين.

وهذا التعريف مأخوذ من الفقه الإسلامي مع بعض التعديل، وهو يوضح أن الكفالة تفترض وجود التزام مكفول في ذمة المدين الأصلي، كما تفترض وجود عقد بين الكفيل والدائن يرتب التزامًا في ذمة الكفيل بتنفيذ الالتزام الأصلي إذا لم ينفذه المدين، فيكون التزام الكفيل التزامًا تابعًا للالتزام الأصلي.

أولاً: أركان الكفالة:

التزام الكفيل هو أساسًا من الالتزامات التبرعية، فيجب أن يستند إلى رضاء صريح قاطع – ولذلك ذهب الكثير من التقنينات العربية وبعض التقنينات الأجنبية إلى الخروج على القواعد العامة في الإثبات بتقرير وجوب إثبات الكفالة بالكتابة. ولكن المشروع آثر أن يأخذ في ذلك بمذهب التقنين الفرنسي، فنص في المادة (746) منه على أن الكفالة لا تفترض وأوجب أن يكون رضاء الكفيل صريحًا، تاركًا مسألة الإثبات للقواعد العامة.

أما الشروط الواجب توافرها في الكفيل فيعرض لها المشروع في المادة (747). ويخلص من نصها أن الشخص حين يكون ملزمًا بتقديم كفيل، سواء كان مصدر التزامه هو القانون أو القضاء أو الاتفاق، فإنه يجب أن يتوافر في هذا الكفيل شرطان:
الأول: أن يكون موسرًا، أي قادرًا على وفاء الدين الذي كفله إذا اقتضى الأمر ذلك، وعلى المدين عبء إثبات اقتدار الكفيل الذي قدمه.

الثاني: أن يكون موطنه في الكويت، وذلك مراعاة لمصلحة الدائن وللتسهيل عليه عند المطالبة، ولا يشترط بعد ذلك أن يكون الكفيل كويتيًا بل يصح أن يكون أجنبيًا ما دام موطنه في الكويت.

فإذا توافر في الكفيلان هذان الشرطان صح للمدين تقديمه كفيلاً. وغني عن البيان أنه إذا أعسر الكفيل بعد ذلك، أو نقل موطنه إلى الخارج، فإنه يكون على المدين أن يقدم كفيلاً آخر يتوافر فيه الشرطان (747/ 2)، إلا إذا كان الدائن قد اشترط شخصًا معينًا لكفالة الدين أو أن يكون الكفيل قد التزم دون علم المدين (قارن المواد 1068 لبناني و1140 مشروع تمهيدي مصري و2020 فرنسي).

ولكن النص يعطي المدين الحق إذا كان ملتزمًا بتقديم كفيل لدائنه وتعذر عليه ذلك أن يقدم له تأمينًا عينيًا كافيًا، كرهن رسمي أو رهن حيازي.

هذا ويُراعى أن مشروع قانون المرافعات قد أورد نصوصًا خاصة بشروط الكفيل في أحوال الكفالة القانونية والكفالة القضائية، فيجب تطبيق هذه النصوص في الدائرة المرسومة لها.

وتنص المادة (748) على جواز كفالة المدين بغير علمه أو بالرغم عن معارضته. فالكفالة عقد طرفاه الكفيل والدائن، أما المدين فليس طرفًا فيه، ومن ثم فلا حاجة إلى رضائه أو علمه، وقد لا يكون هناك موجب لإيراد هذا النص سوى بيان أن المشروع قد خرج في هذا الصدد عن أحكام الفقه الحنفي، وهي تحرم الكفيل الذي يضمن المدين بغير إذنه، أو على الرغم من عدم رضاه، من حق الرجوع عليه تأسيسًا على أن (الكفالة بلا أمر، وإن كانت صحيحة، فهي تبرع، فليس للكفيل بعد أداء الدين الرجوع على الأصيل).
ولكن نص المشروع يستند إلى ما ذهب إليه الإمامان مالك وأحمد من أن للكفيل بغير أمر المدين حق الرجوع لأن الدائن بقبوله الدين منه يعتبر أنه قد ملكه ما على المدين من الدين فيحل محله في المطالبة، فالكفالة يجوز إذن أن تعقد بين طرفيها بإذن المدين أو بغير إذنه، بل وعلى الرغم من معارضته، وللكفيل في جميع الحالات أن يرجع على المدين إذا وفى الدين عنه أيًا كان تكييف الدعوى التي يرجع بها عليه.

ويعرض المشروع في المادة (749) لكفالة الالتزام المستقبل فيجيزه، والواقع أن كفالة الالتزامات المستقبلية صحيحة وشائعة في العمل على الأخص في عقود الحساب الجاري وفتح الاعتماد، وقد وردت الإشارة إليها في المادتين (635 و636) من قانون التجارة في شأن الضمانات العينية والشخصية التي يقدمها المعتمد له ضمانًا لفتح الاعتماد، ولذلك آثر المشروع أن يورد نصًا صريحًا بجواز كفالة الالتزام المستقبل، مجاريًا في ذلك غالبية التقنينات العربية والتقنينات الحديثة.

ويؤخذ من النص أن كفالة الالتزام المستقبل جائزة وإن كان التزامًا غير موجود وقت الكفالة. فإذا اتفق طرفان على عقد حساب جارٍ بينهما جاز أن يقدم أحدهما كفيلاً للرصيد الذي يصبح مستحقًا عليه عند إقفال الحساب، وإذا فتح شخص اعتمادًا لدى مصرف، جاز أن يقدم كفيلاً يضمن ما عسى أن يقبضه من هذا الاعتماد.

ولكن المشروع يضع لكفالة الالتزام المستقبل قيدين:

الأول: أن يحدد مقدمًا في عقد الكفالة الحد الأقصى لما يلتزم به الكفيل، وذلك حماية له حتى لا يتورط في كفالة التزام لا يعلم مقدارها.

الثاني: أنه إذا لم يعين الكفيل مدة لكفالته، كان له أن يرجع في أي وقت في هذه الكفالة، ما دام الالتزام المكفول لم ينشأ على أن يخطر الدائن برجوعه في وقت مناسب، أما إذا عين الكفيل مدة لقيام كفالته فإنه لا يجوز له الرجوع في الكفالة طوال هذه المدة.

هذا ولم يجد المشروع حاجة للإشارة إلى كفالة الالتزام الشرطي، كما فعلت بعض التقنينات، فلا شك في جواز هذه الكفالة طبقًا للقواعد العامة، سواء كان الالتزام الأصلي معلقًا على شرط فاسخ أو معلقًا على شرط واقف.

وتعرض نصوص المواد من (750 – 752) لبعض أمور تتفرع عن تبعية التزام الكفيل للالتزام المكفول.

1 – فالتزام الكفيل يتبع التزام المدين الأصلي في صحته وفي بطلانه. وحتى تكون الكفالة صحيحة وترتب التزامًا في ذمة الكفيل بضمان الالتزام المكفول، يجب أن يكون هذا الالتزام الأخير في ذاته صحيحًا (الفقرة الأولى من المادة 750). فإذا كان الالتزام المكفول باطلاً أو قابلاً للإبطال، كان التزام الكفيل بدوره باطلاً، أو قابلاً للإبطال، يبطل بإبطال الالتزام الأصلي ويصح بإجازته.
على أنه يحصل في العمل، أن يكفل الكفيل التزامًا لشخص ناقص الأهلية، وتكون الكفالة بسبب نقص أهليته توقعًا لاحتمال أن يطلب إبطال التزامه لهذا السبب. فرأى المشروع أن ينص في الفقرة الثانية من المادة (750) على التزام الكفيل في هذه الحالة بتنفيذ التزام المكفول باعتباره مدينًا أصليًا إذا أبطل التزام المدين وهو نص مستوحى من المادة (626) من التقنين البولوني.

2 – ويخلص من نص المادة (751) أن الالتزام المكفول هو الذي يحدد مدى التزام الكفيل، مقدارًا وشروطًا وعبئًا وموعد حلول ومكان وفاء وغير ذلك مما يحدد التزام المكفول، ومن ثم فلا يلتزم الكفيل بمبلغ أكبر مما هو مستحق على المدين الأصلي، ولا يلتزم لأجل أقرب من أجل الالتزام المكفول، كما لا يلتزم بالوفاء في مكان أبعد. وإذا كان الالتزام الأصلي مؤجلاً على الأصيل تأجل على الكفيل أيضًا (قارن المادة 1013 عراقي) ولكن التزام الكفيل يجوز أن يكون أهون، فيجوز أن يكفل الكفيل المدين الأصلي في جزء من الدين أو لأجل أطول من أجل الالتزام المكفول.

3 – ويعرض نص المادة (752) لتحديد مدى التزام الكفيل بالنسبة لتوابع الالتزام المكفول ومصروفات المطالبة به، وذلك عند عدم وجود اتفاق على ذلك.

فكما أن الالتزام المكفول يشمل توابعه، كذلك يشملها التزام الكفيل، فيشمل التعويض عن عدم التنفيذ ومسؤولية المدين العقدية أما المصروفات فيضمن الكفيل منها مصروفات المطالبة الأولى لأن الدائن لا بد أن يبدأ بمطالبة المدين الأصلي بالدين، ولكن الكفيل لا يضمن ما يتلو ذلك من مصروفات إلا إذا كانت قد صرفت بعد أن يخطره الدائن بمطالبته المدين المطالبة الأولى، وغني عن البيان أن هذه المصروفات يجب أن تكون غير مبالغ فيها.

ثانيًا: آثار الكفالة:

1 – العلاقة ما بين الكفيل والدائن:

ولأن التزام الكفيل التزام تابع، فإنه كما يبطل ببطلان التزام الأصيل، ينقضي أيضًا بانقضائه. وفي ذلك تنص المادة (753) من المشروع على أن الكفيل يبرأ ببراءة المدين، وله طبقًا لنص المادة (754) أن يتمسك بجميع الأوجه التي يستطيع أن يحتج بها المدين، من بطلان أو قابلية للإبطال، أو انقضاء. ولكنه ليس له أن يتمسك بنقص أهلية المدين إذا كانت الكفالة بسبب ذلك.
وإذا قبل الدائن أن يستوفي في مقابل دينه شيئًا أخر، برئت ذمة الكفيل، حتى ولو استحق هذا الشيء، ما لم يكن الدائن قد احتفظ عند تسلمه المقابل بحقه في الرجوع على الكفيل لو استحق هذا المقابل وهو ما تنص عليه المادة (755) من المشروع، ولكن النص لا ينصرف إلا إلى الحالة التي يستوفي فيها الدائن مقابل الدين من المدين أو من الغير، أما إذا استوفى المقابل من الكفيل، فإن هذا الأخير يكون ضامنًا لاستحقاق الشيء لا تبرأ ذمته طبقًا للقواعد العامة. ومع ذلك يعرض المشروع في المواد (756 – 758) لحالات ثلاث قد ينقضي بها التزام الكفيل دون أن ينقضي الالتزام المكفول.

( أ ) فطبقًا لنص المادة (756) تبرأ ذمة الكفيل، سواء كان متضامنًا أو غير متضامن، بمقدار ما أضاعه الدائن بخطئه من التأمينات ذلك أن من حق الكفيل أن يحل محل الدائن في ضماناته فإذا أضاع الدائن هذه الضمانات التي اعتمد عليها الكفيل، كان من حق الكفيل أن تبرأ ذمته بقدر ما أُضيع من ضمان بشرط أن يكون ذلك نتيجة خطأ يرتكبه الدائن، كأن يبرئ ذمة أحد الكفلاء أو أن ينزل عن رهن ترتب لمصلحته، أو أن يهمل في اتخاذ الإجراءات اللازمة لتجديد قيد هذا الرهن. وعلى الكفيل أن يثبت أنه قد أصابه ضرر من عمل الدائن، كما عليه أن يثبت مقدار ما أصابه من ضرر، لأنه هو الذي يطلب براءة ذمته فيكون عليه أن يثبت ما يبرر طلبه.
والمقصود بالتأمينات هنا، كل تأمين يخصص لضمان الدين سواء كان تأمينًا اتفاقيًا، كالرهن الرسمي والرهن الحيازي أو تأمينًا قانونيًا. كحقوق الامتياز، وسواء تقرر التأمين قبل الكفالة أو بعدها.

(ب) وطبقًا لنص المادة (757) لا تبرأ ذمة الكفيل لمجرد عدم اتخاذ الدائن الإجراءات ضد المدين عند حلول أجل الدين أو لمجرد تأخره في اتخاذها. ولكن للكفيل في هذه الحالة أن ينذر الدائن لاتخاذ الإجراءات، فإذا لم يتخذها في خلال ثلاثة أشهر من وقت الإنذار ولم يقدم المدين للكفيل ضمانًا كافيًا كان للكفيل أن يطلب براءة ذمته من الكفالة، فإذا اتخذ الدائن الإجراءات الواجبة قانونًا ضد المدين خلال الثلاثة أشهر التالية للإنذار وسار في اتخاذها بالعناية اللازمة، كان هذا كافيًا، وبقي الكفيل ملتزمًا حتى بعد حلول أجل الالتزام الأصلي.

والإجراءات الواجب اتخاذها قانونًا ضد المدين عند حلول أجل الدين، هي إقامة الدعوى عليه لمطالبته بالدين إذا كان سند الدين عرفيًا أما إذا كان السند تنفيذيًا (حكمًا كان أو ورقة رسمية) فإنه يكون على الدائن أن يشرع في مباشرة إجراءات التنفيذ على أموال المدين في المدة المحددة. ولا يحول دون حق الكفيل في التمسك ببراءة ذمته أن يمنح الدائن المدين أجلاً دون موافقة الكفيل.

(جـ) وتعرض المادة (758) لحالة إفلاس المدين قبل حلول الدين المكفول، فتوجب على الدائن في هذه الحالة أن يتقدم بحقه في تفليسة المدين، فإن لم يفعل وأراد الرجوع على الكفيل سقط من حقه في الرجوع على الكفيل، ما كان يستوفيه لو أنه تقدم بحقه في تفليسة المدين.

ويعرض نص المادة (759) من المشروع لتعدد كفلاء المدين وتحديد المقدار الذي يطالب به الدائن كل كفيل عند الرجوع عليه، فيفرق في ذلك بين تعدد الكفلاء بعقد واحد وبين تعدد الكفلاء بعقود متوالية (قارن المادة 647 من المجلة).

فإذا تعدد الكفلاء، وكانوا جميعًا قد التزموا كفالة الدين بعقد واحد، ولم يبينوا في عقد الكفالة مقدار ما يكفل كل منهم من الدين، فإن المشروع يتخذ من وحدة العقد دليلاً على أن كل كفيل قد اعتمد على الكفلاء الآخرين، فيقسم الدين فيما بين الكفلاء جميعًا، فإذا طالب الدائن أي كفيل منهم لم يطالبه إلا بمقدار نصيبه. وإذا أعسر أحد الكفلاء بعد إبرام عقد الكفالة ولو قبل مطالبة الدائن الكفلاء بحقه، فإنه لا يكون للدائن أن يوزع حصة الكفيل المعسر على باقي الكفلاء، بل يتحمل وحده نتيجة هذا الإعسار. وذلك لأن الدين ينقسم على الكفلاء من وقت إبرام عقد الكفالة لا من وقت الدفع بتقسيم الدين.

ويُشترط لتقسيم الدين على الكفلاء المتعددين ثلاثة شروط:

الأول: أن يكون الكفلاء المتعددون قد كفلوا نفس الدين، فإذا كفل كفيلان كل منهما دينًا غير الذي كفله الآخر لم ينقسم أي الدينين عليهما.

الثاني: أن يكفل الكفلاء المتعددون نفس المدين أو نفس المدينين فإذا كفل كفيلان كل منهما مدينًا متضامنًا بنفس الدين فإن كل منهما يكون قد كفل نفس الدين ولكنه لم يكفل نفس المدين، فلا ينقسم الدين بينهما، أما إذا كفل كل منهما مدينين متضامنين معًا، فإنهما يكونان قد كفلا نفس الدين وكفلا نفس المدينين فينقسم الدين عليهما.

الثالث: ألا يكون الكفلاء المتعددون متضامنين فيما بينهم وإلا جاز الرجوع على أي منهم بكل الدين طبقًا لأحكام التضامن فلا ينقسم الدين عليهم.

أما إذا تعدد الكفلاء، ولكن بعقود متوالية، ولو كانوا جميعًا يكفلون نفس الدين ونفس المدين. فإن كلاً منهم يصبح مسؤولاً عن كل الدين لأنه قد كفل الدين كله بعقد على حدة، على أنه إذا احتفظ أحد الكفلاء لنفسه بحق التقسيم، وقت أن كفل الدين بعقد على حدة، فإنه لا يجوز للدائن أن يطالبه إلا بجزء من الدين طبقًا لما احتفظ به في عقد الكفالة.

وتعرض المواد (من 760 إلى 763) لرجوع الدائن على الكفيل ويميز المشروع مقتفيًا في ذلك أثر التقنين المصري، بين دفعين يجوز للكفيل أن يدفع بهما رجوع الدائن عليه، وهما الدفع بوجوب الرجوع أولاً على المدين، والدفع بالتجريد. فالدفع الأول يُبدى عند مطالبة الدائن للكفيل، أما الدفع الثاني فيُبدى عند التنفيذ على مال الكفيل.

( أ ) فطبقًا لنص المادة (760) يجب على الدائن إذا لم يرفع الدعوى على كل من المدين والكفيل في وقت واحد، أن يرجع على المدين أولاً يطالبه قضائيًا، فإن رجع على الكفيل أولاً كان للكفيل أن يدفع رجوع الدائن عليه بوجوب رجوعه أولاً على المدين، ولا يكفي في ذلك إعذار المدين بالوفاء، بل تجب المطالبة القضائية، ويحل محل المطالبة القضائية التنبيه بالوفاء إذا كان لدى الدائن سند رسمي قابل للتنفيذ ضد المدين، كما يحل محلها كذلك تقدم الدائن بحقه في تفليسة المدين إن كان قد أفلس وامتنع على الدائن اتخاذ إجراءات فردية قِبله. وله أن يدفع بذلك في أية حالة كانت عليها الدعوى، ولو لأول مرة أمام محكمة الاستئناف. فلا يجوز للمحكمة أن تقضي بالدفع من تلقاء نفسها.

فإذا حصل الدائن على سند قابل للتنفيذ، فإنه لا يجوز له ينفذ على أموال الكفيل إلا بعد تجريده المدين من أمواله فإن شرع في التنفيذ على أموال الكفيل أولاً، كان للكفيل أن يدفع بأنه لا يجوز التنفيذ عليه إلا بعد تجريد المدين من أمواله، ويجب على الكفيل أن يتمسك بحقه في التجريد عند شروع الدائن في التنفيذ على أمواله سواء عن طريق الإشكال في التنفيذ أو عن طريق الاعتراض على الإعلان عن البيع عند التنفيذ على العقار، ويظل له هذا الحق، يبديه في أي وقت مناسب، إلى أن يتم التنفيذ، ما لم ينزل عنه صراحةً أو ضمنًا.

وغني عن البيان أنه إذا كان الكفيل متضامنًا مع المدين، فإنه لا يكون له أن يدفع بوجوب الرجوع أولاً على المدين، ولا أن يوجب تجريد المدين من أمواله.

(ب) فإذا طلب الكفيل التجريد، فإنه يكون عليه طبقًا للمادة (761) أن يقوم على نفقته بإرشاد الدائن إلى أموال للمدين تكفي للوفاء بالدين، ويصح أن تكون هذه الأموال عقارًا أو منقولاً، ولكنها – طبقًا لنص المشروع – يجب أن تتوافر فيها شروط ثلاثة:

الأول: أن تكون مملوكة للمدين.

الثاني: أن تكون كافية للوفاء بالدين كله، فلا يكفي أن تفي بجزء من الدين أو حتى بمعظمه، لأنه لا يجوز إجبار الدائن على قبول وفاء جزئي لحقه.

الثالث: أن تكون هذه الأموال غير متنازع فيها، وموجودة في الكويت، حتى لا يصعب التنفيذ عليها – ذلك أن الأموال المتنازع فيها غير مأمونة العاقبة، فقد يسفر فض النزاع حولها على أنها غير مملوكة للمدين، وهي على كل حال يصعب التنفيذ عليها، إذ يقتضي النزاع فيها غالبًا، اللجوء إلى التقاضي وما يترتب عليه من إجراءات طويلة. كذلك فإن أموال المدين إذا كانت واقعة في خارج الكويت، فإنها تكون بعيدة ويصعب التنفيذ عليها، لذلك يجب أن يدل الكفيل على أموال للمدين تكون واقعة داخل البلاد.
ويكون إرشاد الكفيل للدائن إلى أموال تفي بالدين كله، على نفقه الكفيل، لأنه هو الذي يستفيد من هذا الإرشاد. ومن المصروفات التي يتحملها الكفيل في هذا الصدد، مصروفات استخراج صور لمستندات ملكية المدين للأموال التي دل عليها، وكذلك مصروفات الشهادات العقارية الخاصة بهذه الأموال.

(جـ) فإن دل الكفيل على أموال تفي بالدين كله، وجب على الدائن أن يبادر إلى اتخاذ إجراءات التنفيذ على هذه الأموال، فإذا لم يتخذها في الوقت المناسب، تبرأ ذمة الكفيل بقدر ما تعذر على الدائن استيفاؤه من الدين (المادة 762). ويقع عبء إثبات تقصير الدائن على الكفيل وفقًا للقواعد العامة. أما إذا اتخذ الدائن، في الوقت المناسب، إجراءات التنفيذ على الأموال التي دل عليها الكفيل، فالغالب أنه يحصل من هذا التنفيذ على حقه كاملاً، لأن المفروض أن الكفيل قد دله على أموال تكفي الوفاء بالدين كله، ومن ثم تبرأ ذمة الكفيل باستيفاء الدائن لحقه. فإذا فرض ولم يحصل الدائن على حقه كاملاً من التنفيذ على تلك الأموال، وهو فرض من الممكن تحققه فيما لو انخفضت قيمة الأموال عند التنفيذ عليها، أو زاحم الدائن في التنفيذ عليها دائنون آخرون، ففي مثل هذه الأحوال لا تبرأ ذمة الكفيل إلا بمقدار ما حصل الدائن عليه من حقه ويكون للدائن أن يرجع عليه بالباقي.

(د) ويعرض نص المادة (763) لصورة خاصة للدفع بالتجريد، في حالة وجود تأمين عيني يضمن الدين، فيجيز للكفيل غير المتضامن مع الدين أن يطلب التنفيذ على المال المحمل بالتأمين العيني قبل التنفيذ على أمواله هو، وذلك إذا كان قد اعتمد على هذا التأمين العيني، بأن كفل المدين والتأمين العيني الموجود، والمقصود بالتأمين العيني هنا، أن يوجد مال للمدين، عقارًا أو منقولاً يكون مرهونًا رهنًا رسميًا أو رهنًا حيازيًا في الدين، أو عليه حق امتياز ضمانًا للدين، ومن ثم يجب استبعاد المال الذي يباشر عليه الدائن الحق في الحبس، لأن الحق في الحبس ليس بتأمين عيني.

ويجب أن يكون التأمين العيني مقررًا على مال مملوك للمدين لأنه إذا كان التأمين العيني مقررًا على مال للغير، فإن هذا الغير يكون كفيلاً عينيًا لا يجوز للكفيل الشخصي أن يطلب تجريده.

ولا يشترط في هذه الصورة من الصور الخاصة من التجريد أن يكون التأمين العيني كافيًا للوفاء بالدين كله، كما هو الحال بالنسبة إلى التجريد في صورته العامة، فحتى لو لم يكن هذا التأمين كافيًا، فإنه يجوز للكفيل أن يطلب من الدائن تجريد هذا التأمين العيني أولاً، ولكنه يشترط لتطبيق النص أن يكون الكفيل غير متضامن مع المدين، وأن يتمسك الكفيل بوجوب تنفيذ الدائن أولاً على المال الذي ترتب عليه التأمين العيني وهو شرط لحق التجريد بوجه عام.

فإذا لم ينجح الكفيل في دفع دعوى الدائن، أو لم يدفعها بدفع ما، فُحكم عليه بالدين، أو إذا تقدم الكفيل مختارًا للدائن دون دعوى، ووفى الدين، ففي جميع هذه الأحوال، يجب على الدائن عند وفاء الكفيل بالدين له، أن يمكنه من الرجوع على المدين، وأن يمكنه من الحلول محله في التأمينات المتعلقة بالدين وذلك وفقًا لنص المادة (764) من المشروع.

فطبقًا لهذا النص يلتزم الدائن أولاً، أن يسلم للكفيل المستندات اللازمة لاستعمال حقه في الرجوع، فيسلمه مستندات الدين المكفول، ومخالصة بأنه استوفى منه الدين المذكور، كما يلتزم بتمكينه من الحلول في تأمينات الدين، فإن كانت هذه التأمينات واقعة على منقول، وكان المنقول في يد الدائن مرهونًا أو محبوسًا لديه، وجب على الدائن أن يسلم الكفيل هذا المنقول ليحل محله في حق رهنه، أو في الحق في حبسه، ضمانًا لحقه في الرجوع على المدين أو يسلمه لعدل، إذا عارض المدين في تسليمه للكفيل، أما إن كان التأمين عقاريًا، كرهن رسمي أو حيازي أو حق امتياز على عقار، فإنه يكون على الدائن أن يقوم بالإجراءات اللازمة لسريان حلول الكفيل محله فيه، ويتحمل الكفيل مصروفات هذه الإجراءات على أن يرجع بها على المدين ضمن ما يرجع به عليه.

ويعرض المشروع في المادة (765) منه لكفيل الكفيل، وطبقًا لنص هذه المادة يعتبر الكفيل بالنسبة إلى كفيله مدينًا أصليًا، ويعتبر كفيل الكفيل بالنسبة إلى الكفيل الأصلي كفيلاً، وعلى ذلك تسري في العلاقة بينه وبين الدائن أحكام الكفالة، فإذا كان كفيل الكفيل غير متضامن من الكفيل، جاز له أن يطلب من الدائن أن يرجع أولاً على المدين الأصلي، ثم على الكفيل، وذلك قبل إن يرجع الدائن عليه هو، ويكون له أن يدفع بتجريد المدين الأصلي ثم بتجريد الكفيل، كما يجوز له أن يتمسك بالدفوع التي يجوز للكفيل أن يتمسك بها، سواء كانت هذه الدفوع خاصة بالكفيل، أو خاصة بالمدين الأصلي، وله كذلك أن يتمسك بأن ينفذ الدائن على التأمين العيني المقدم من المدين الأصلي، كما يتمسك بذلك الكفيل المكفول، وعمومًا له أن يستعمل حقوق المدين في الدعوى غير المباشرة، وإذا وفى كفيل الكفيل الدين، كان له أن يرجع على الكفيل أو على المدين الأصلي أو عليهما معًا، سواء بالدعوى الشخصية أو بدعوى الحلول.

وتعرض المواد (766 – 768) للكفيل المتضامن مع المدين، أو مع كفلاء آخرين:

( أ ) والأصل أن تضامن الكفيل، مع المدين أو مع غيره من الكفلاء لا يفترض، ولكنه يتقرر كالتضامن ما بين المدينين الأصليين، إما بالاتفاق أو بنص في القانون، وينص المشروع في المادة (766) على أنه في الكفالة القانونية والقضائية والتجارية، يكون الكفلاء دائمًا متضامنين فيما بينهم ومتضامنين مع المدين ومقتضى ذلك تطبيق أحكام التضامن عليهم، فيجوز للدائن أن يطالب المدين أو أيًا منهم بكل الدين، فإذا كان الكفيل متضامنًا، فإنه لا يجوز له أن يتمسك بأي من الحقين المنصوص عليهما في المادة (760)، فإذا رجع الدائن على الكفيل المتضامن قبل أن يرجع على المدين، فلا يكون للكفيل المتضامن أن يدفع رجوعه عليه بوجوب الرجوع أولاً على المدين، وإذا شرع الدائن في التنفيذ على أموال الكفيل المتضامن، فلا يستطيع هذا الأخير أن يتمسك قبل الدائن بحق التجريد ووجوب التنفيذ أولاً على أموال المدين.

(ب) ولكن للكفيل المتضامن أن يتمسك بما يجوز أن يتمسك به الكفيل غير المتضامن من دفوع متعلقة بالدين (المادة 767)، فهو ليس في مركز المدين المتضامن تمامًا، بل يبقى كفيلاً، التزامه تابع للالتزام الأصلي، ومن ثم يكن له أن يتمسك بجميع الأوجه التي يحتج بها المدين، كبطلان الالتزام الأصلي أو قابليته للإبطال، وله أن يتمسك بنقص أهلية المدين إلا إذا كان قد كفل هذا المدين بسبب نقص أهليته. وإذا انقضى التزام المدين الأصلي بسبب غير الوفاء جاز للكفيل المتضامن مع المدين، أن يتمسك هو أيضًا بانقضاء التزامه، كما يستطيع أن يحتج ببراءة ذمته بقدر ما أضاعه الدائن بخطئه من التأمينات وكذلك بتأخر الدائن في اتخاذ الإجراءات ضد المدين أو بعدم تقدمه بالدين في تفليسته.

(جـ) فإذا تعدد الكفلاء، وكانوا متضامنين فيما بينهم، فإن للكفيل الذي وفى الدين كله عند حلول الأجل أن يرجع على كل من الكفلاء الباقين بحصته في الدين وبنصيبه في حصة المعسر منهم، سواء بالدعوى الشخصية أو بدعوى الحلول، ويكون الأمر كذلك إذا تعدد الكفلاء ولكن بعقود متوالية، ولم يحتفظ أحدهم لنفسه بحق التقسيم (المادة 768 من المشروع).

2 – العلاقة بين الكفيل والمدين:

وتعرض المواد (769 – 772) للعلاقة فيما بين الكفيل والمدين، فإذا وفى الكفيل الدين للدائن، كان له، أن يرجع على المدين الأصلي إما بالدعوى الشخصية وإما بدعوى الحلول.

( أ ) ففيما يتعلق بالرجوع بالدعوى الشخصية، تنص المادة (770)، على أن للكفيل الذي وفى الدين، أن يرجع على المدين بما أداه من أصل الدين وتوابعه وبمصروفات المطالبة الأولى، وبما دفعه من مصروفات من وقت إخطاره المدين الأصلي بالإجراءات التي اتُخذت ضده، ويشمل أصل الدين كل ما دفعه الكفيل للدائن لإخلاء ذمة المدين. فيشمل ذلك مقدار الدين في أصله، كما يشمل ما يضطر الكفيل إلى دفعه للدائن في نظير المصروفات كل التي تكبدها هذا الأخير في مواجهة المدين، وتشمل المصروفات كل ما أنفقه الكفيل في سبيل الوفاء بالتزامه، كنفقات إرشاد الدائن إلى أموال المدين لتجريدها، وكذلك كل ما حكم عليه به من المصروفات للدائن، ومع ذلك فليس للكفيل أن يرجع على المدين، من هذه المصروفات، إلا بالذي أنفقه من وقت إخطاره بالإجراءات التي اتخذها الدائن ضده، لأن المدين إذا أخطره الكفيل بذلك، قد يكون لديه من الدفوع ما يتوقى به مطالبة الدائن، أو قد يبادر إلى دفع الدين الذي في ذمته، وتُستثنى مصروفات المطالبة الأولى التي يقوم بها الدائن للكفيل، من هذا الشرط كمصروفات رفع الدائن الدعوى على الكفيل، فهذه لا يعلم بها الكفيل قبل حصولها حتى يخطر بها المدين، ومن ثم كان للكفيل أن يرجع بها على المدين وإن كان لم يخطره بها.

(ب) وطبقًا لنص المادة (769) من المشروع، يجب على الكفيل أن يخطر المدين قبل إن يقوم بوفاء الدين، وإذا طالبه الدائن قضائيًا، وجب عليه أن يطالب إدخال المدين في الدعوى، وكل ذلك خشية أن يكون المدين قد وفى الدين قبل أن يوفيه الكفيل، أو أن يقوم بوفائه مرة أخرى بعد أن يوفيه الكفيل، وخشية أن يكون للمدين وقت استحقاق الدين أسباب تبطل الدين أو تقضيه من غير الوفاء به، فإذا لم يخطر الكفيل المدين قبل وفاء الدين، أو لم يطلب إدخاله خصمًا في الدعوى عند مقاضاة الدائن له، وقام بوفاء الدين فإنه يفعل ذلك على مسؤوليته، فإذا أثبت المدين أنه كان قد وفى الدين قبل وفاء الكفيل به، أو بعد وفاء الكفيل، أو أثبت أن الدين كان باطلاً أو قابلاً للإبطال، وكان المدين يستطيع أن يتمسك بذاك ضد الدائن، أو أثبت أن الدين قد انقضى بسبب يرجع إليه هو، كمقاصة أو تجديد، أو اتحاد ذمة، أو إبراء، فإن الكفيل يفقد حقه في الرجوع على المدين بالدعوى الشخصية.

(جـ) أما فيما يتعلق برجوع الكفيل على المدين بدعوى الحلول، فتنص المادة (771) من المشروع، على أنه إذا وفى الكفيل كل الدين أو بعضه، حل محل الدائن في حقه، طبقًا لقواعد الحلول القانوني، فهذه الدعوى ليست إلا تطبيقًا للقواعد العامة في الحلول القانوني فيما إذا قام بالوفاء شخص غير مدين، ولذلك يكون للكفيل، إذا وفى الدين أن يرجع على المدين بدعوى الحلول، سواء كانت الكفالة بعلم المدين أو بغير علمه أو على الرغم من معارضته ولا يُشترط للرجوع بدعوى الحلول، إخطار المدين كما هو الحال في الدعوى الشخصية، ويحل الكفيل محل الدائن في حقه بما لهذا الحق من خصائص، وما يلحقه من توابع، وما يكفله من تأمينات عينية، وما يرد عليه من دفوع. وتسري على هذا الحلول القواعد العامة في الحلول القانوني الواردة في الكتاب الأول المتعلق بالالتزامات بوجه عام. وغني عن البيان أن الكفيل يتخير من الدعويين، الدعوى الشخصية ودعوى الحلول، ما يتناسب مع مصلحته.

(د) وأخيرًا يعرض نص المادة (772) من المشروع، لرجوع الكفيل على المدينين المتضامنين الذين كفلهم، فإذا كان هناك مدينون متضامنين في دين واحد وكفلهم الكفيل جميعًا، فإنه يكون للكفيل في هذه الحالة إذا وفى الدين، أن يرجع على أي من هؤلاء المدينين المتضامنين بالدين كله، إما بالدعوى الشخصية أو بدعوى الحلول، وفقًا للتفصيل الذي سبق.

اعادة نشر بواسطة محاماة نت .

ارسل استشارة