الإسناد ونظرية الإحالة

المؤلف : احمد عبد الحميد عشوش
الكتاب أو المصدر : القانون الدولي الخاص
إعادة نشر بواسطة محاماة نت

إذا انتهى القاضي من تكييف المسألة المطروحة عليه، وأدخلها في نظام معين من النظم القانونية التي يحددها قانونه الوطني، انتقل إلى البحث عن القانون الواجب التطبيق على هذه المسألة، أي أسند حكم المسألة إلى القانون الذي يجب أن يخضع له. ويلاحظ اختلاف قواعد التنازع في التشريعات الوطنية، فبعض التشريعات تجعل قاعدة التنازع فردية unilaterale إذا اقتصرت على حالة اختصاص القانون الوطني فقط، دون أن تتعرض لاختصاص القانون الأجنبي وتكون مزدوجة double ، إذا بينت متى يكون القانون الوطني مختصاً ومتى ، يجب الرجوع إلى القانون الأجنبي، مثال ذلك، أن تقول قاعدة الجنسية المصرية :

يعتبر مصرياً من توافرت فيه شروط معنية، فهذه قاعدة فردية لا تتعرض إلا لتحديد الجنسية المصرية، دون أن تتعرض لجنسية أجنبية. أما إذا قالت قاعدة التنازع، الحالة المدنية للأشخاص وأهليتهم يسري عليها قانون الدولة التي ينتمون إليها بجنسيتهم (م11/١ مدني مصري)، فإنها تكون قاعدة مزدوجة، إذ هي تبين أن القانون المصري يري على حالة المصريين وعلى أهليتهم، وأن الأجنبي يخضع في حالته وأهليته لقانون الدولة التي ينتمي إليها بجنسيته. فإذا كانت قاعدة التنازع مزدوجة، وجعلت الاختصاص إما للقانون

 

 

 

للحصول على استشارة مجانية

تفضل الى رقم مكافحة الابتزاز

 

 

الوطني وإما للقانون الأجنبي، فإنه قد يحدث حينئذ فرضان : تنازع إيجابي أو تنازع سلبي.

الفرض الأول

التنازع الإيجابي

وهو يحدث حينما يقضي كل من القانونين الوطني والأجنبي بحكم العلاقة. مثال ذلك، أن يقوم فرنسي مقيم في انجلترا بتصرف متعلق بحالته وأهليته، فالقانون الفرنسي يقضي باختصاصه بحكم هذا التصرف، لأنه ينيط حالة الشخص وأهليته بقانون جنسيته، وفي ذات الوقت يقضي القانون الإنجليزي باختصاصه بحكم هذا التصرف، لأنه يخضع حالة الشخص وأهليته لقانون موطنه، وأذن فهناك تنازع إيجابي بين القانونين فأيهما يعمل؟ من المتفق عليه فقهاً وقضاء، أن على كل قاض أن يطبق قانونه الوطني احتراماً لمبدأ سيادة القانون على إقليم الدولة، فعلى القاضي الفرنسي في هذا المثل أن يطبق قانونه إذا عرض عليه النزاع بصرف النظر عن القانون الإنجليزي، كما أن على القاضي الانجليزي أن

يطبق قانونه إذا ما عرض عليه النزاع صرف النظر عن القانون الفرنسي.

الفرض الثاني

التنازع السلبي

يحدث التنازع السلبي، حينما يتخلى كل من القانونين عن اختصاصه بحكم المسألة. مثال ذلك أن يقوم انجليزي مقيم بفرنسا بتصرف متعلق بأهليته، ففي هذا المثل يقضي القانون الفرنسي بإخضاع هذا التصرف لقانون جنسية الانجليزي، أي القانون الإنجليزي، بينما القانون الإنجليزي يقضي بإخضاع هذا التصرف لقانون الموطن وهو القانون الفرنسي. أي أن كل من القانونين يتخلى عن اختصاصه للآخر بحكم العلاقة. ومثال ذلك أيضاً، أن يتوفى فرنسي كان يقيم في مصر، ويثار النزاع حول تركته الذي توفى عنها، إذ يقضي القانون الفرنسي بإخضاع الميراث للقانون المصري باعتباره قانون الموطن، ويقضي القانون المصري بإخضاعه للقانون الفرنسي باعتباره قانون جنسية المتوفى. أي أن كلا

من القانونين يتخلى عن اختصاصه للآخر كذلك، فماذا يكون الحل في مثل هاتين الحالتين؟

نظرية الإحالة

ماهية الإحالة :

تعرض مسألة الإحالة بصدد هذا التنازع السلبي، ولكي نتعرف على ماهية الإحالة، ينبغي أن نتذكر أن لكل دولة قواعد قانونية موضوعية داخلية تطبق على رعاياها في علاقاتهم الداخلية، وإلى جانبها قواعد أخرى خاصة بتنازع القوانين وداخلة في القانون الدولي الخاص وتطبق على العلاقات التي تشتمل على عنصر أجنبي. ففي مصر مثلاً، يوجد القانون المدني المصرين والقانون الت جاري المصري، والشريعة الإسلامية لتنظيم علاقات المصريين وأحوالهم الشخصية. وإلى جانب هذه التشريعات الداخلية، توجد قواعد لتنازع القوانين نصت عليها المواد من ١٠ إلى ٢٨ مدني، وهي جزء من القانون الدولي الخاص المصري، ولا تطبق إلا إذا اشتملت العلاقة القانونية على عنصر أجنبي.

فإذا وجب تطبيق قانون أجنبي، فهل يكون معنى ذلك أن تطبق قواعده الداخلية البحتة، أو أن تطبق أيضاً قواعد التنازع فيه. فمثلاً إذا عرض على القضاء في فرنسا، نزاع يجب فيه تطبيق القانون المصري، فهل يجب على القضاء الفرنسي أن يقتصر على تطبيق قواعد القانون المدني المصري، أو القانون التجاري المصري، أو قواعد الأحوال الشخصية المصري وحسب، أم يجب عليه أن يرجع إلى قواعد القانون الدولي الخاص في مصر، ويطبق ما تقضي به؟ إذا قلنا بأنه يجب أن يقتصر على تطبيق أحكام القانون المصريالداخلية التي تطبق على المصريين، كنا من أنصار رفض الإحالة. وإذا قلنا بأنه

يجب أن يرجع إلى أحكام القانون الدولي الخاص )في مصر( كنا من أنصار الإحالة.

من ثم، يمكن تعريف الإحالة بأنها، تلك النظرية التي تقضي بتطبيق قواعد القانون الدولي الخاص في القانون الأجنبي الواجب التطبيق على العلاقة، بمقتضى قواعد التنازع الوطنية. ولم تظهر مشكلة الإحالة إلا في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، ، بمناسبة القضية المشهورة التي عرضت على القضاء الفرنسي سنة ١٨٧٨ وكانت سبباً في إثارة فكرة الإحالة، وهي قضية فورجو وتتلخص وقائعها، في أن فورجو هذا كان ولداً غير شرعي، ولد في أوائل القرن التاسع عشر بإقليم بفاريا، ونزحت به أمه وهو طفل في الخامسة من العمر إلى فرنسا وأقام هناك إقامة فعلية، دون أن يتخذا لهما موطناً قانونياً في فرنسا، إذ كان القانون الفرنسي يقضي وقتذاك بضرورة الحصول على تصريح بالتوطن القانوني، وهما لم يحصلا على هذا التصريح. وعندما شب فورجو، تزوج من فرنسية ثرية، ماتت وتركت له ثروة منقولة طائلة، وفي الثامنة والستين من العمر توفى فورجو بمدينة (بوردو)تاركاً هذه الثروة المنقولة دون أن يترك ورثة مباشرين، أي دون أب أو أم أو أخوة. ولما كان القانون الفرنسي لا يعطي الحق في ميراث الولد غير الشرعي إلا لأبوه وأخوته فقط، فقد استولت مصلحة الأموال الفرنسية على هذه الثروة

باعتبارها تركة بلا وارث. فطالب الحواشي من أقارب أمه بالميراث، مستندين في طلبهم إلى قواعد القانون البافاري الداخلية، التي تساوي في الميراث بين الولد الشرعي والولد غير الشرعي بالنسبة إلى الورثة، فقضت محكمة استئناف)بوردو( برفض طلبهم في11/3

١٨٧٤ ، مستندة إلى أن فورجو كان متوطناً بفرنسا، وبالتالي يجب أن يطبق على ميراث ثروته المنقولة القانون الفرنسي، وهو يقضي بحرمان غير الأبوين والأخوة للولد غير الشرعي من ميراثه، فرفع الورثة طعناً في هذا الحكم إلى محكمة النقض الفرنسية، فنقضت الحكم في ٥/5/1875 على أساس أنه مخطأ في اعتبار فورجو متوطناً في فرنسا، مع أنه لم يحصل على ترخيص بالتوطن فيها، ويكون موطنه القانوني حينئذ هو بافاريا، وبالتالي يطبق عليه القانون البافاري.

وأحيلت الدعوى من جديد إلى محكمة استئناف بوردو، فحكمت لصالح الورثة، على أساس أن تطبيق قواعد القانون البافاري الداخلية تؤدي إلى توريث هؤلاء الحواشي، فطعنت مصلحة الأملاك في هذا الحكم، فقضت محكمة النقض في 24/6/1878 بنقضه، لأنه طبق قواعد القانون البافاري الداخلية، دون أن يرجع إلى قواعد التنازع فيه، وهي تحيل في حكم ميراث المتوفى إلى قانون موطنه الفعلي وهو القانون الفرنسي، وأحيلت القضية من جديد إلى محكمة استئناف تولوز، فقضت بما رأته محكمة النقض، فطعن الورثة في هذا الحكم بالنقض، لأنه طبق قواعد التنازع في القانون البافاري دون قواعد الموضوعية، فرفضت محكمة النقض إحالة القانون البافاري على القانون الفرنسي، دون أن تصرح بأنها أحالت. ثم توالت أحاكم القضاء الفرنسي على هذا النحو، آخذة بالإحالة، وقضت محكمة النقض في سنة ١٩١٠ بقبول الإحالة في قضية سولييه Soulit، واستمر قضاء هذه المحكم مضطرداً في هذا الاتجاه حتى الآن. وكذلك أخذ القضاء الإنجليزي بالإحالة، وتبعهم القضاء البلجيكي والقضاء النمساوي.

أما في إيطاليا، فلم يقبل القضاء الإحالة، وقد نص القانون المدني الإيطالي على استبعادها )م ٢٠ (، كما يميل القضاء في الولايات المتحدة الأمريكية – بصفة عامة – إلى رفض الإحالة.

أما في مصر كما في القوانين العربية، فلم يؤخذ بالإحالة، وقد نصت المادة ٢٧ من القانون المدني المصري على أنه :”إذا تقرر أن قانوناً أجنبياً هو الواجب التطبيق، فلا يطبق منه إلا أحكامه الداخلية دون التي تتعلق بالقانون الدولي الخاص” فهذا النص يقضي بتطبيق القواعد الداخلية الموضوعية في القانون الأجنبي الواجب التطبيق، دون الرجوع إلى قواعد التنازع فيه.

نخلص من ذلك، إلى أن الإحالة هي “نظرية تقول بتطبيق قواعد القانون الدولي الخاص في القانون الأجنبي الواجب التطبيق”.

صور الإحالة

وللإحالة صورتان :

أ- إحالة من الدرجة الأولى، حين يحيل القانون الأجنبي إلى قانون القاضي. مثال ذلك، أن يقوم انجليزي مقيم بفرنسا بتصرف متعلق بأهليته، فيطبق عليه القانون الفرنسي قانون جنسيته وهو القانون الإنجليزي، ولكن قواعد التنازع في القانون الإنجليزي تحيل إلى قانون الموطن وهو القانون الفرنسي، وتسمى هذه الصورة “الرجوع”.

ب- وإحالة من الدرجة الثانية، حين يحيل القانون الأجنبي إلى قانون ثالث. كما لو كان هذا الإنجليزي متخذاً له موطناً في إيطاليا، ورفع الأمر إلى القاضي الفرنسي، فإنه لو قبل إحالة القانون الإنجليزي إلى القانون الإيطالي، فسوف يطبق القانون الإيطالي. وقد تتعدد الإحالة في هذه الصورة، إذ قد يحيل القانون الإيطالي إلى قانون رابع وهكذا.

ويلاحظ أن القضاء يختلف في الأخذ بإحدى الصورتين، ولا يأخذ القضاء الفرنسي إلا بالصورة الأولى.

موقف الفقه من الإحالة :

ولقد انقسم الفقه بصدد الإحالة إلى مؤيدين ومعارضين، فأما الفقهاء الذين

يؤيدون الإحالة، فإنهم يستندون إلى الحجج الآتية :

أولاً: متى كان القانون الأجنبي واجب التطبيق، فيجب أن يرجع إليه باعتباره كلا لا يتجزأ، سواء في ذلك قواعده الداخلية أو قواعد التنازع فيه، ولا يسوغ الأخذ بقواعده الداخلية دون قواعد التنازع فيه، إذ يكون في ذلك تمييز بين قواعد وتجزئة له لا مبرر لها.

ثانياً: من غير المستساغ أن يكون القاضي الذي يعرض عليه النزاع )ملكياً أكثر من الملك( كما يقال، فبرغم القانون الأجنبي على قبول الاختصاص رغم أنفه، فإذا كان هذا القانون يتخلى عن اختصاصه لقانون آخر، سواء قانون القاضي أو قانوناً آخر غيره، بحكم قواعد التنازع فيه، فكيف يطبق القاضي المعروض عليه النزاع، قواعد هذا القانون الأجنبي الداخلية رغماً عنه؟

ثالثاً: في الأخذ بالإحالة تسهيل وتعميم للحلول في القضايا، إذ لو أن كل قاض أخذ بالإحالة فإن حكمة سوف يتمتع بحجية الشيء المقضي به. أمام جميع محاكم الدول التي تأخذ بالإحالة، وسوف يسهل تنفيذه في البلد الذي طبق قانونه، ما دام قد اتبع ما أشارت به قاعدة التنازع فيه.

رابعاً: في الأخذ بالإحالة تيسير للكثير من المشاكل، في حالة ما إذا كان الأمر متعلقاً ببلد تتعدد فيه الشرائع، كما هوا لحال في الولايات المتحدة الأمريكية. فلو فرضنا أن أمريكياً متوطناً بفرنسا قام بتصرف يتعلق بحالته الشخصية، وعرض نزاع بشأنه أمام القضاء الفرنسي، فلو أخذ القاضي الفرنسي بالإحالة، فسوف يقبل إحالة القانون الدولي الخاص الأمريكي على قانون الموطن، فيطبق القانون الفرنسي وينتهي الأمر. بينما هو لو لم يأخذ بالإحالة مضطر لكي يطبق على هذا الأمريكي قانون حالته الشخصية، فعليه أن يرجع إلى قوانين الولايات الأمريكية الشخصية، وهي ثلاث وخمسون ولاية، لكل واحدة منها قانون أحوال شخصية مستقل، وناهيك بما في ذلك من عسر شديد.

تلك هي حجج أنصار الإحالة، مع ملاحظة أن بعضهم يؤيد الإحالة في صورتها الأولى فقط، وبعضهم يؤيدوها في صورتيها السابقتين، وبعضهم يرى الأخذ بها في حالة معينة فقط كالأحوال الشخصية مثلاً، وقد رأينا أن القضاء الفرنسي لمي أخذ بها إلا في صورتها الأولى، وحين تكون الإحالة على القانون الفرنسي، أي أن القضاء الفرنسي اتخذها لجعل الاختصاص للقانون الفرنسي، لا سيما في ميراث المنقول، ويتابعه القضاء البلجيكي في ذلك.

أما معارضوا الإحالة فيقولون ما يلي :

أولاً: حين تشير قاعدة التنازع في قانون القاضي بتطبيق قانون أجنبي، فإنما هي تريد بذلك تطبيق قواعده الداخلية، دون قواعد التنازع فيه، لأن هذه القواعد لم توضع إلا للعلاقات المشتملة على عنصر أجنبي، فكيف يرجع إليها بصدد علاقات وطني الدولة نفسها؟ أما القول، بأنه يجب أن ينظر إلى القول الأجنبي ككل لا يتجزأ، فيجب أن يرد عليه بأنه إذا كان القانون الأجنبي كلا لا يتجزأ، فإن قانون القاضي أيضاً كل لا يتجزأ، فلماذا يأخذ بقاعدة التنازع في القانون الأجنبي؟ دون أن يأخذ بقاعدة التنازع في قانونه، وهي تقضي بتطبيق القانون الأجنبي، ولما لا ينظر إلى كل قانون يحال عليه باعتباره كلا لا يتجزأ، فيرجع إلى قواعد التنازع فيه دون قواعده الموضوعية؟ وقد تشير قواعد التنازع فيه بتطبيق قانون آخر، وبالرجوع إلى قواعد التنازع في هذا القانون الآخر، قد تشير بتطبيق قانون آخر، وهكذا يكون هناك دور وتسلسل لا نهاية له.

ثانياً: حين تقضي قاعدة التنازع في قانون القاضي بتطبيق القانون الأجنبي، ويرجع إلى قواعد التنازع في هذا القانون، فتحيله على قانونه هو، بينما قانونه يحيله على القانون الأجنبي، فإن الأمر يصير كما لو كانت هناك (لعبة تنس)، ففي هذه اللعبة كلما تلقى اللاعب الكرة ردها بمضربه إلى الآخر. ولذلك تسمى هذه الحجة حجة مضرب التنس Argument de la raguette

ثالثاً: قد تكون قواعد التنازع في القانون الأجنبي الواجب التطبيق نصوصاً دستورية، كما هي الحال في البرازيل، فإذا رجع القاضي إلى هذه القواعد دون أن يرجع إلى القواعد الداخلية، وأشارت عليه بتطبيق قانون معين، فإنه يكون قد عمل بمقتضى قاعدة دستورية أجنبية في بلده، مع أن ذلك يتضمن الخضوع لسيادة أجنبية. غير أن مؤيدي الإحالة ردوا على هذه الحجة بقولهم، أن القاضي حين يقبل الإحالة التي يشير بها القانون الأجنبي، إنما يقبلها لأن قاعدة التنازع في بلده هي التي أشارت بتطبيق القانون الأجنبي، فهو لا يخضع لغير سيادة دولته التي وضعت قاعدة التنازع المذكورة.

رابعاً : قد يؤدي الأخذ بالإحالة إلى الإجحاف بحقوق الأفراد، وتطبيق نظم قانونية عليهم ليسوا خاضعين لها في بلادهم. مثال ذلك أن يعرض على القاضي الفرنسي طلب بالحجر للسفه على إنجليزي مقيم بفرنسا، فلو أخذ القاضي الفرنسي بالإحالة التي تشير بها قاعدة التنازع على القانون الإنجليزي، فإنه سيطبق القانون الفرنسي على هذا الإنجليزي، ويقضي بالحجر عليه. في حين أنه لو لم يأخذ بالإحالة وطبق القواعد الموضوعية الداخلية في القانون الانجليزي، لقضى برفض طلب الحجر لأن هذه القواعد لا تعرف الحجر للسفه.

خامساً : يدعي أنصار الإحالة أن في الأخذ بها تسهيلاً لتنفيذ الحكام، خصوصاً في بلد القانون المحيل، لأن القاضي المحال على قانونه سوف يحكم كما لو كان قاضي القانون المحيل هو الذي يصدر الحكم، فلا يصادف حكمه أية صعوبة في تنفيذه في بلد القانون المحيل. وهذه حجة واهية، إذ لو فرضنا أن المسألة هي مسألة طلاق انجليزي متوطن في فرنسا عرضت على القاضي الفرنسي، فإن هذا القاضي سوف يرجع في حكم هذه المسألة إلى قانون جنسية الإنجليزي، وهو سوف يحيله على قانون الموطن، فيطبق على هذه المسألة قواعد القانون الفرنسي. بينما لو عرض أمر هذا الإنجليزي على القاضي الإنجليزي، فإنه سوف يرجع إلى قانون موطن هذا الشخص، وهو القانون الفرنسي، فتحيله قاعدة التنازع في القانون الفرنسي إلى القانون الإنجليزي باعتباره قانون الجنسية،

فيقضي طبقاً لقواعد القانون الإنجليزي. وهكذا، يختلف الحك المترتب على الإحالة، فيكون طبقاً للقانون الفرنسي في فرنسا وطبقاً للقانون الإنجليزي في انجلترا، وإذا فالقول بأن القاضي المحال على قانونه، سوف يحكم كما لو كان قاضي القانون المحيل هو الذي يحكم، قول غير صحيح. وفضلاً عن ذلك، كثيراً ما يتم تنفيذ الحكم في ذات البلد الذي صدر فيه، أو في بلد آخر غير البلد الذي أحال قانونه، فليس صحيحاً أن في الإحالة تسهيلاً لتنفيذ الأحكام.

محاولات فقهية أخرى، تؤدي إلى ذات النتيجة

المترتبة على الأخذ بفكرة الإحالة

اقترح بعض رافضي فكرة الإحالة، حلولاً أخرى في حالة التنازع السلبي، وهذه الحلول وإن كانت لا تقول بالأخذ بفكرة الإحالة، إلا أنها تؤدي إلى ذات النتيجة المترتبة على الأخذ بها. ونعرض لهذه المقترحات على النحو الآتي :

١- وجود قاعدة تنازع احتياطية:

اقترح الفقيه الفرنسي )لوربوربيجيونيير Lerebours pigeonniere بدلا من الإحالة، أن يقال أن قواعد التنازع في كل دولة تتضمن قاعدة احتياطية إلى جانب القاعدة الأصلية، فإذا كانت القاعدة الأصلية تقضي بتطبيق القانون الأجنبي، فمعنى ذلك أن يطبق هذا القانون إذا هو قبل الاختصاص الذي أحيل إليه، أما إذا هو رفضه، ففي هذه الحالة يجب على القاضي أن يرجع إلى قاعدة التنازع الاحتياطية في قانونه، وهي تقضي – حينئذ – بوجوب تطبيق القانون الوطني الذي رفعت الدعوى أمامه محاكمة، ما ادم ليس هناك قانون أجنبي واجب التطبيق، وإذا طبق القاضي هذه القاعدة الإحتياطية، فإنه يكون مؤتمراً بأمر مشرعه. بذلك يمكن تفادي ما وجه إلى الإحالة من الاعتراض، بأنها تؤدي إلى أن يأتمر القاضي بأمر مشرع أجنبي. ويقصر هذا الفقيه اقتراحه هذا على مسائل

الأهلية والحالة والميراث في المنقول. ويبدو أنه لا يرى تطبيقه في نطاق الاتفاقات التعاقدية، ولا فيما يتعلق بشكل التصرفات.

٢- مبدأ إقليمية القوانين:

أما نبواييه، وهو من معارضي الإحالة أيضاً، فيرى أنه في حالة ما إذا كان هناك تنازع سلبي، يعلن فيه كل من قانون القاضي والقانون الأجنبي عدم اختصاصه بحكم العلاقة القانونية، نكون أمام علاقة لا وطن لها un rapport de droit apatride وبما أنه لا يسوغ أن تترك علاقة قانونية دون أن تحل، فيجب الرجوع إلى الأصل وهو إقليمية القوانين، هذا المبدأ الذي يقضي بأن الأصل هو أن يطبق كل بلد قانونه داخل إقليمه، وألا يطبق إلا قوانينه وحدها كلما كان ذلك ممكناً، واستثناء من هذا الأصل، قد يضطر – في بعض الحالات – إلى الأخذ بمبدأ امتداد القوانين الأجنبية إلى إقليمية فيقبل تطبيق القانون الأجنبي على سبيل التضحية ولمصلحة التعامل القانوني بين الدول، فإذا لم يقبل القانون الأجنبي امتداده إلى إقليم البلد الذي يسمح له بهذا الامتداد على سبيل التضحية، ساغ –

عندئذ – رجوع القاضي المرفوع أمامه النزاع إلى قانونه الوطني، أي ساغ العدول عن الاستثناء والرجوع إلى الأصل وهو الإقليمية، وبعبارة أخرى تكون القاعدة هي ما يلي :

يسوغ للقاضي المعروض عليه النزاع أن يرجع إلى قانونه، كلما كان قانون البلد الأجنبي الواجب التطبيق يرفض اختصاصه، لا سيما إذا كانت هناك مصالح وطنية سوف تتعطل في بلد القاضي إذا لم يحل النزاع.

٣- نظرية المحكمة الأجنبية Foreign court theory : وقد قال بهذه النظرية فريق من الفقه الإنجليزي، وهي تعني أنه إذا عرض على القاضي الوطني نزاع يشتمل على عنصر أجنبي، وكانت قاعدة التنازع الوطنية تشير إلى تطبيق قانون دولة أجنبية معينة. وجب على القاضي ان يفصل في النزاع، كما يفصل فيه القاضي في الدولة الأجنبية، التي أشارت قاعدة التنازع الوطنية باختصاص قانونها. وبمعنى آخر، يضع القاضي الوطني نفسه موضع القاضي في هذه الدولة الأجنبية ويفصل في النزاع كما يفصل فيه القاضي

الأجنبي أي يطبق القانون الذي كان سيطبقه القاضي الأجنبي، سواء كان يأخذ بالإحالة أو لا يأخذ بها.

وسند هذا الفريق من الفقه، أن وظيفة القاضي عند إعمال قواعد القانون الدولي الخاص، تقتصر على الحكم في النزاع، بذات الصورة التي يحكم بها القضاء الأجنبي لو رفع إليه الأمر ابتداء. فإذا كان القاضي الجنبي يبدأ عادة بتطبيق قواعد التنازع في قانونه، فعلى القاضي المعروض عليه النزاع أن يفعل المثل، ويستشير قواعد التنازع في الدولة الأجنبية التي يختص قانونها بحكم النزاع.

ويتصور أنصار هذه النظرية أنهم تفادوا الوقوع في الحلقة المفرغة التي تؤدي إليها الإحالة، أو “لعبة التنس”. وهذه النظرية وإن كانت تستجيب لمقتضيات التعاون بين الدول في مجال المنازعات ذات الطابع الدولي. إلا أنه يؤخذ عليها افتراضها تجرد القاضي المعروض عليه النزاع من صفته كقاضي وطني، وتقلده القضاء مؤقتاً في الدول الأجنبية التي يخضع النزاع لقانونها. وقد أخذ القضاء الانجليزي الحديث بنظرية الإحالة الكلية، التي يسميها foreign court theory أو نظرية المحكمة الأجنبية. وطبقاً لهذه النظرية، على القاضي الانجليزي أن يفصل في النزاع المشتمل على عنصر أجنبي، طبقاً للحل الذي كان يمكن أن ينتهي إليه القاضي الأجنبي الذي تحيل على قانونه قاعدة التنازع الإنجليزية. ولنسوق لذلك مثلاً: انجليزياً متوطناً في إيطاليا، توفى عن تركة تنحصر في مال منقول، فقاعدة التنازع الانجليزية تقضي بأن يطبق على ميراثه قانون آخر موطن له، وهو القانون الإيطالي. ولو كان القاضي الإيطالي هو الذي ينظر هذا النزاع، فلسوف يطبق على هذا الميراث قانون جنسية المورث، طبقاً لقاعدة التنازع في القانون الإيطالي، وهو هنا القانون الإنجليزي، في حين أن القانون الإنجليزي يحيل على القانون الإيطالي، باعتباره قانون موطن المورث، والقاضي الإيطالي لا يقبل الإحالة، لأن قانونه يقضي بعدم قبول الإحالة )م ٣ مدني إيطالي)، فهو مضطر حينئذ أن يطبق على هذا الميراث القواعد الموضوعية في القانون الإنجليزي الواجب التطبيق في هذا المثل، فعلى القاضي الإنجليزي أن يأخذ بذات الحل، ويفصل في النزاع طبقاً للقانون الإنجليزي، الذي كان القاضي الإيطالي سوف يطبقه.

ولو فرضنا أن هذا الإنجليزي توفى في ألمانيا، وكان موطنه بها. فبما أن قاعدة التنازع الإنجليزية تحيل على القاضي الألماني، باعتباره قانون موطن المتوفى، فإذا كان القاضي الألماني هو الذي سيفصل في النزاع، فإنه سوف يطبق قاعدة التنازع في قانونه، وهي تحيل على قانون الجنسية بالنسبة للميراث في المنقول، وقانون الجنسية هذا هو القانون الإنجليزي الذي تحيل قاعدة التنازع فيه على القانون الألماني، باعتباره قانون موطن المتوفى . والقانون الألماني يقبل الإحالة )م ٢٧ من مقدمة القانون المدني( فعلى القاضي الإنجليزي أن يفصل في النزاع طبقاً للقانون الألماني الذي كان القاضي الألماني سوف يطبقه باعتباره محالاً عليه.

وقد أخذ القضاء الإنجليزي الحديث بهذه النظرية في بعض المسائل المحددة، وهي ميراث المنقول والطلاق، وترتيب حقوق عينية على عقارات كائنة في الخارج.

وهكذا، نرى أنه طبقاً لهذه النظرية، على القاضي الإنجليزي أن يضع نفسه في مكان القاضي الأجنبي، الذي يجب أن يطبق قانونه، وأن يفصل في النزاع كما لو كان هذا القاضي الأجنبي هو الذي يفصل فيه. ونرى كذلك أن القاضي الإنجليزي سيطبق قانونه هو إذا لم يقبل القانون الأجنبي المحال عليه الإحالة، وسوف يطبق القانون الأجنبي المحال عليه إذا كان هذا القانون يقبل الإحالة، وقد دافع بعض الفقهاء الألمان عن هذه النظرية، بيد أن يعترض عليها بأنها لا يمكن أن تعتبر مبدأ عاماً يأخذ به القضاء في كل الدول، إذ لا يمكن تطبيقها عملاً إلا من طرف واحد، بحيث إذا تنازع قضاء دولتين حكم مسألة، فإنه يجب لتطبيق هذه النظرية أن يكون أحد القضائيين فقط هو الذي يأخذ بها دون

الآخر، أما لو كان كلاهما يأخذ بها فسوف يحدث تنازع إيجابي بين القضائيين، كل منهما يريد أن يستأثر وحده بالفصل في النزاع، فكيف يمكن إذن قبول نظرية لا يتصور تطبيقها إلا من طرف واحد من الطرفين؟.

ويلاحظ أن اتفاقية لاهاي المنعقدة في ١٥/6/١٩٥٥ ، قضت بقبول الإحالة فيما يتعلق بالأحوال الشخصية، من قانون الجنسية إلى قانون الموطن، ويرفضها في الحالة العكسية، وذلك لأنه يترتب على الإحالة في الحالة الأولى أن يعود الفصل في النزاع إلى قانون القاضي.

مثال ذلك، انجليزي متوطن بفرنسا، يقوم بتصرف يتعلق بأهليته، فالقاضي الفرنسي سوف يطبق عليه قانون جنسيته طبقاً لقاعدة التنازع في القانون الفرنسي، ولكن قاعدة التنازع في قانون جنسيته – وهو القانون الإنجليزي – تقضي بتطبيق قانون الموطن وهو القانون الفرنسي، فتجوز الإحالة، أما لو حدث العكس، فإن قاضي قانون الموطن يطبق قانونه دون إحالة.

وقد بارك الفقه المصري الغالب – بحق – موقف المشرع برفض الإحالة تلافياً للوقوع في الحلقة المفرغة، ولأن الإحالة تفتقر إلى أساس نظري سليم. وانتقد الجانب الآخر من الفقه، الحكم الوارد برفض الإحالة، ورأوا أن قبول الإحالة إلى قانون القاضي، هي استكمالاً لسيادة القانون المصري، وتمشياً مع الفقه الحديث الذي يتجه نحو الحد من امتداد القانون، والنظر إلى السيادة الإقليمية باعتبارها الأصل في سلطان القانون. وليس الرجوع إلى القانون المصري انصياعاً لقاعدة الإسناد في القانون الأجنبي، بل هو نتيجة طبيعية لرفض القانون الأجنبي الاختصاص التشريعي الذي يعقده له القانون المصري.

وقد حاول جانب آخر، قبول الإحالة من الدرجة الأولى، على أساس أن وظيفة قاعدة الإسناد هي تحقيق التعايش المشترك بين النظم القانونية المختلفة، والوصول إلى أكثر الحلول تلبية لمقتضيات التجارة الدولية.

موقف المشرع المصري من الإحالة – رفض الأخذ بها :

رفض المشرع المصري صراحة وبصورة مطلقة الأخذ بفكرة الإحالة، فنص في المادة ٢٧ من القانون المدني على أنه “إذا تقرر أن قانوناً أجنبياً هو الواجب التطبيق، فلا يطبق منه إلا أحكامه الداخلية، دون التي تتعلق بالقانون الدولي الخاص.

ويتضح من هذا النص، أن المشرع قد أخذ موقفاً حاسماً من نظرية الإحالة برفضه الأخذ بها، وإلزام القاضي الوطني بالاقتصار على تطبيق القواعد الداخلية في القانون الأجنبي. دون تلك التي تتعلق بالقانون الدولي الخاص. ذلك أن قاعدة الإسناد حين تجعل الاختصاص التشريعي لقانون معين، تصدر عن اعتبارات خاصة، وفي قبول الإحالة أيا كان نطاقها، تفويتاً لهذه الاعتبارات، ونقض لحقيقة الحكم المقرر في تلك القاعدة. وقد بارك الفقه المصري الغالب – بحق – موقف المشرع برفض الإحالة تلافياً للوقوع في الحلقة المفرغة، ولأن الإحالة تفتقر إلى أساس نظري سليم. وأنتقد الجانب الآخر من الفقه الحكم الوارد برفض الإحالة ورأوا أن قبول الإحالة إلى قانون القاضي هي استكمالاً لسيادة القانون المصري وتمشياً مع الفقه الحديث الذي يتجه نحو الحد من امتداد القانون والنظر إلى السيادة الإقليمية باعتبارها الأصل في سلطان القانون وليس الرجوع إلى القانون المصري انصياعاً لقاعدة الإسناد في القانون الأجنبي بل هو نتيجة طبيعية لرفض القانون الأجنبي الاختصاص التشريعي الذي يعقده له القانون المصري. وقد حاول جانب آخر قبول الإحالة من الدرجة الأولى على أساس أن وظيفة قاعدة الإسناد هي تحقيق التعايش المشترك بين النظم القانونية المختلفة والوصول إلى أكثر الحلول تلبية لمقتضيات التجارة الدولية.

لمزيد من المعلومات تفضل للتواصل مع محامي متواجد الان

تكلم هذا المقال عن : مقال قانوني يبين فكرة الإسناد ونظرية الإحالة في القانون الدولي الخاص