مدلول النتيجة المحتملة

المؤلف : منى محمد عبد الرزاق
الكتاب أو المصدر : مسؤولية الشريك عن النتيجة المحتملة
إعادة نشر بواسطة محاماة نت

إن للنتيجة والسلوك تأثيرا متبادلا فحينما لا يحدد المشرع السلوك الاجرامي، بل يكتفي بذكر النتيجة الاجرامية، فالمقصود بذلك هو إن كل سلوك يؤدي إلى تحقيق هذه النتيجة هو المقصود بالتجريم والمنع(1). فمثلا ما يهم المشرع هو الحفاظ على حياة إنسان ما (م405) من قانون العقوبات العراقي، أما إن ترتبت الوفاة فلا تهم كيفية الفعل الذي وقعت فيه أو الوسيلة التي أستخدمت سواء أكانت مادية ام معنوية. ويتنازع الفقه الجنائي مدلولان للنتيجة الجرمية هما المدلول المادي والمدلول القانوني، إذ ينظر للنتيجة من ناحية مادية وناحية قانونية. فالنتيجة بمدلولها المادي: هي التغيير الذي يحدث في العالم الخارجي المحيط بشخص الجاني بسبب السلوك الذي ارتكبه، أو أنها الأثر الذي ينتج عن السلوك الذي تدركه الحواس(2). ولكن ليس كل تغيير يحدثه السلوك في العالم الخارجي يكون نتيجة جرمية إنما فقط التغيير الذي يجعله المشرع محل أعتبار، فقد تكون واقعة ما نتيجة في جريمة معينة بينما تكون أمرا آخر في غيرها، فحمل السلاح يكون النتيجة في جريمة حمل السلاح بدون ترخيص(3). بينما يعتبر ظرفا مشددا في جريمة السرقة(4). وقد يكون عملا تحضيريا في غيرها من الجرائم كما في جريمة القتل العمد. وعليه يمكن القول إن النتيجة بمدلولها المادي فكرة نسبية لانها تختلف من جريمة لأخرى والمعيار الذي يعول عليه فيما لو كانت النتيجة عنصرا في الركن المادي أم لا، هو نص القانون. وتأثرا بالمدلول المادي للنتيجة أجرى الفقه تقسيما ثنائيا للجرائم، فالجرائم ذات النتيجة أطلق عليها (الجرائم المادية)، والجرائـم غيـر ذات نتيجة أطـلق عليـها (الجرائم الشكلية)(5).

أما النتيجة من حيث مدلولها القانوني: هو الاعتداء على المصلحة أو الحق الذي يحميه القانون(6). سواء نتج عن هذا الاعتداء ضرر بالمصلحة التي يحميها القانون أوتهديدها بالخطر. فإزهاق روح الانسان ماهو الا عدوان على حق الإنسان في حياته(7). وأيذاء الانسان في جسده هو الاعتداء على حق الانسان في سلامة جسده(8). وسرقة الأموال المنقولة في جريمة السرقة هي عدوان على حق الانسان في ملكيته لأمواله(9). وقد ميز الفقهاء وفقا لمدلول النتيجة القانوني بين نوعين من الجرائم هما :
– جرائم الضرر
– جرائم الخطر
فالمقصود بجرائم الضرر: الجرائم التي تترتب عليها نتائج ضارة من أهدار أو أنتقاص من الحق أو المصلحة التي يحميها القانون. أما جرائم الخطر: فهي الجرائم التي تتحقق بوجود التهديد الذي يكون بإمكانه النيل من الحق موضع الحماية من قبل المشرع(10). ونخلص إلى القـول بأن جريمة الضـرر تفتـرض اعتـداء فعليا على الحـق في حين تفتـرض جريمة الخطر تهديدا أي أعتداء محتملا على الحق.

أما مدلول النتيجة المحتملة فيقول البعض إنها نتيجة ذات مدلول مادي ويعرفها: إنها النتيجة التي تقع كأثر للفعل وتجاوز قصد الجاني الذي كان منصرفا الى نتيجة مباشرة أخرى، سـواء توقعها الجاني أو لم يتوقعها، بحيث تتوافر السببية بين هذا الفعل والنتيجة المغـايرة للقصد(11). ويتحقق ظرف الأقتران إذا كانت الجريمة الأخرى نتيجة محتملة للجريمة الأولى فإذا لم تكن كذلك أقتصرت مسؤولية الجاني على الجريمة التي ساهم فيها(12). والبعض الآخر من الفقهاء يقول بالمدلول القانوني للنتيجة المحتملة، ويضعها ضمن طائفة جرائم الخطر(13).

فيعرف النتيجة المحتملة: إنها واقعة مستقبلية ممكنة، فهي جائزة الوقوع كثيرة الاحتمال كأثر مترتب على إرتكاب الجريمة الاصلية المتضمنة خطر احتمال حدوث أعتداء ينال الحق الذي يحميه القانون.

والراجح فقهـا هو الاستناد إلى الاحتمال معيارا للخطر، ويميز هذا الاتجـاه بين الامكـان والاحتمال والحتمية(14). فالفقهاء الذين يقولون بالمدلول القانوني للنتيجة المحتملة يعتبرون النتيجة محتملة للجريمة (الاصلية) إذا كانت تقوم بين هذه وتلك صلة السببية لا بمعناها المادي وإنما بمعناها القانوني(15).

ومن خلال نص (م53) من قانون العقوبات العراقي (يعاقب المساهم في جريمة- فاعلا أو شريكا – بعقوبة الجريمة التي وقعت ولو كانت غير التي قصد ارتكابها متى كانت الجريمة التي وقعت نتيجة محتملة للمساهمة التي حصلت) يلاحظ إن المشرع العراقي قد أخذ بالمدلول المادي للنتيجة المحتملة، ذلك لان العقاب يكون عن الجريمة التي وقعت فعلا التي هي نتيجة محتملة للفعل وفقا لسير الأمور العادي.

ومن تطبيقات القضاء العراقي ما أوضحته محكمة التمييز في قرار لها تقول (إن ماتوفر من الادلة المتحققة ومنها أعتراف المتهم (ع) بانه أطلق من مسدسه عيارا واحدا يجعل من المتهم المذكور عونا وسندا للمتهم الهارب في ارتكاب جريمة قتل المجني عليه فضلا عن ان القتل يعتبر نتيجة محتملة لفعل أطلاق النار الذي ظهر من ظروف الحادث أتفاق المتهمين، عليه يصبح كل واحد منهم مسؤولا عن النتيجة التي حصلت……)(16). نستنتج من هذا القرار ان القضاء العراقي قـد أخذ بالمدلـول المادي للنتيجة المحتملة، وذلك بمساءلة المتهم (ع) عن جريمة القتل التي حصلت فعلا باعتبارها نتيجة محتملة لاطلاق النار. وللوصول الى المفهوم الحقيقي للنتيجة المحتملة فلابد من وضع الحدود الفاصلة بينها وبين ما يشتبه بها كالقصد الاحتمالي والنتيجة المتعدية القصد، وهذا ما سنوضحه تباعا
أولا-الحد الفاصل بين النتيجة المحتملة والقصد الاحتمالي:
أختلف الفقه في تحديد مفهوم القصد الاحتمالي فذهب البعض الى المساواة بين القصد الاحتمالي والقصـد المبـاشر، وأعتبـر الجرائم القائمـة على القصد الاحتمالي من الجرائم العمدية(17). فعرفوا القصد الاحتمالي: انه أتجاه الإرادة إلى توقع النتيجة وقبولها بوصفها أثرا محتمل الحدوث لسلوك الجاني، أي انه يرحب بحدوث النتيجة المتوقعة ويقبلها(18).

إذ يرى فيها غرضا ثانويا سوف يشبع له حاجة ثانوية(19). كمن يضع لغما في طريق لتمر فوقه سيارة قادمة فيقضي على صاحبها، فإذا بسيارة نقل تمر قبل السيارة الأولى فينفجر اللغم ويقتل عددا من ركابها، وهنا الشخص لم يرغب في قتل ركاب سيارة النقل لكنه توقع هذه النتيجة باعتباره أثر لسلوكه وقبل حدوثها فيكون قصده احتماليا ويسأل عن جريمة قتل مقصود. ويذهب البعض من فقهاء القانون الجنائي الى وضع القصد الاحتمالي حدا وسطا بين العمد والخطأ، فهو ذو طبيعة مزدوجة، قصد عمدي في جريمة واهمال في جرائم أخرى.

فعرفوا القصد الاحتمالي: على انه وصف يطلق على نوع من القصد الجنائي يقع ما بين (العمد) و(الخطأ)، أما يفصل بينهما أو يجمع بينهما في واقعة فيكون عمدا مبنيـا على قبول النتيجة أو أمكان توقعها أو يمثـل جريمة عمدية إراد الفاعـل منها نتيجة معينـة فتحققت نتيجة أشد جسامة مما كان يريده بسبب أجتماع خطئه في التقدير مع نشاطه الإرادي العمدي(20).

ومثال ذلك إذا قاد شخص سيارته بسرعة كبيرة في شارع مزدحم بالمارة وتوقع أن يصيب أحد المارة ثم لم يحدث ذلك بالفعل، فان كان مع توقعه لهذه النتيجة لم يكترث بحدوثها وقبلها كانت جريمته عمدية لتوافر القصد الاحتمالي في حقه، أما أذا كان قد توقع هذه النتيجة ولكنه كان يأمل عدم حدوثها فان وقوعها – لعدم اتخاذ الحيطة الكافية للحيلولة دون ذلك -يكون بغير عمد ويأخذ صورة الخطأ الواعي أو مع التوقع(21).

مما تقدم يتضح ان القصد الاحتمالي يتوافر في جميع الفروض التي يتوقع فيها الجاني نتائج أجرامية لفعله فيقدم عليه قابلا المخاطرة بحدوثها، والمعيار في ذلك هو معيار شخصي، ذلك لان القصد الجنائي هو مسلك نفسي للجاني، فيرجع فيه الى مادار في ذهنه وقت أتيانه لسلوكه الاجرامي. وقد أختلفت التشريعات الجنائية في معالجة القصد الاحتمالي، فمنها ما سكت عن أيراد حكم لهذه الحالة وترك الأمر للفقه كقانون العقوبات الفرنسي والمصري(22).

ومن التشريعـات ما فرض لهذه الصورة الاحتماليـة حكما خاصا دون العمد وفوق الاهمال كقانون العقوبات الايطالي لسنة1930وقانون العقوبات السوداني والقانون الكويتي(23). فيما تبنى بعضها فكرة القصد الاحتمالي وجعله مساويا للقصد المباشر كالقانون اليمني والقانون اللبناني والسوري والاردني(24).

وأما قانون العقوبات العراقي فقد تناول موضوع القصد الاحتمالي بالنص عليه بأعتباره من صور القصد الجنائي، وجعله مساويا للقصد المباشر فهو من التشريعات القليلة التي أوردت تعريفا واضحا كاملا للقصد الاحتمالي فقد نصت (م34/ب): (تعد الجريمة عمدية أيضا إذا توقع الفاعل نتائج اجرامية لفعله فأقدم عليه قابلا المخاطرة بحدوثها). يتضح من ذلك إن المشرع يشترط لتحقق انطباق النص امرين هما:
– توقع حصول النتيجة الجرمية.
– قبـول النتيـجة الجرميـة(25).
ويتميز القانون العراقي في انه قد تطرق إلى هذا الموضوع في باب الاحكام العامة للجريمة وهو الأمر الذي يجعل لصورة القصد هذه تطبيقا في كل الجرائم العمدية أينما وردت في القانون، وبعبارة أخرى فان في ذلك دلالة قاطعة على رغبة المشرع في المساواة بين القصد المباشر والقصد الاحتمالي من حيث كفاية أي منهما لقيام الركن المعنوي في الجريمة العمدية إذ يعد القصد غير مباشر في الجريمة العمدية إذا توقع الفاعل نتائج اجرامية لفعله فاقدم عليه قابلا المخاطرة في حدوثها. ومن التطبيقات القضائية على ذلك قرار محكمة التمييز الوارد فيه (…….إن ضرب المتهم للمجني عليها بعصا غليظة على رأسها وحدوث الموت بسبب ذلك يعتبر قتلا عمدا ينطبق وأحكام المادة (405) من قانون العقوبات)(26). ومن قرارات القضاء العراقي التي خلطت بين القصد الاحتمالي والنتيجة المحتملة ما جاء في قرار لمحكمة التمييز(……إن المتهم غير القاتل يعاقب بعقوبة السرقة المقترنة بالقتل وفق المادة 406/1/ ح مأخوذا بقصده الاحتمالي)(27).

الا انها في قرار سابق قررت ان الشروع بالقتل يعد نتيجة محتملة – وهو التكييف الصحيح – إذ ذكرت (……إن عودة المتهم بعد المشاجرة ومعه شخص يحمل سكينا للأنتقام من المجني عليه تؤيد اتفاقهما على الاعتداء ويكون المتهم مسؤولا عن جريمة الشروع بالقتل الناجمة عن طعن المجني عليه بالسكين من قبل حاملها لان هذه الجريمة نتيجة محتملة……)(28). ومن خلال بحثنا في مدلول النتيجة المحتملة والقصد الاحتمالي اتضحت الحدود الفاصلة بين هاتين الفكرتين وجوهر كل منهما. ومن ثم فلا مبرر بعد ذلك للخلط بينهما ونجمل هذه الحدود بما يأتي:
1- تعد المسؤولية الجنائية عن القصد الاحتمالي تطبيقا للمبادئ العامة في القانون، أما المسؤولية عن النتيجة المحتملة فهي أستثناء من القواعد العامة في القانون التي لا تجيز مساءلة شخص عمدا عن جريمة الا إذا توافر لديه القصد الجنائي المتجه إليها فهي نوع من أنواع المسؤولية المادية(29).
2 لا يستلزم قيام القصد الاحتمالي وجود قصد جنائي مباشر سابق عليه، فقد يكون الفعل مشروعا في ذاته الا انه يتسبب في وقوع جريمة كمن يقوم بأطلاق عيارات نارية فرحا في مكان مزدحم بالسكان في ظروف تجعل اصابة أحدهم أمرا قريب الاحتمال(30). أما النتيجة المحتملة فتستلزم مسبقا قصدا جنائيا متجها لأرتكاب جريمة فتقع جريمة أخرى غير التي قصدها فيسأل عنها بأعتبارها نتيجة محتملة لفعله(31).
3- معيار الاحتمال في القصد الاحتمالي معيار ذاتي يعتد فيه بشخص الجاني، أي ان القانون ينظر فيه إلى ما دار في ذهن الجاني نفسه من حيث توقعه أو عدم توقعه حصول النتيجة، أما معيار الاحتمال في النتيجة المحتملة فهو معيار يعتمد على الرابطة السببية المادية ولا يشتـرط أي علاقة نفسيـة بين الجاني وهذه النتيجة فـهو معـيار موضوعي يعتـد فيه بسلـوك الشخص العـادي وفقـا للمألوف مـن الأمـور(32).

4- إن القصد الاحتمالي يشغل منطقة حقيقية من مناطق المسلك الذهني الاجرامي المكون للركن المعنوي، أما النتيجة المحتملة فيقوم التجريم فيها – وهي عنصر من عناصر الركن المادي- على أفتراض قانوني بصريح النص على الركن المعنوي. فأما ان يفترض العمد أفتراضا، وأما ان يفترض قدرا من الخطأ يكون مع ما يتوفر في مسلك الجاني من عمد حقيقي(33).
ثانيا-الحد الفاصل بين النتيجة المحتملة والنتيجة المتعدية القصد:
أختلف فقهاء القانون الجنائي في تعريف النتيجة المتعدية القصد كلا حسب الأساس الذي أقام عليه المسؤولية عن النتيجة المتعدية القصد. فيعرفها البعض : انها الحدث الجسيم منظور إليه من زاوية السببية، على أساس الارتباط بالفعل أو الامتناع الذي ولده وفقا للمعايير التي تحكم رابطة السببية لا تلك التي تحكم الخطأ. فأساس المسؤولية عن النتيجة المتعدية القصد لا يقوم على أساس نفسي وإنما على علاقة مادية محضة(34). ويذهب أتجاه آخر إلى أن النتيجة المتعدية القصد هي ظرف مشدد إذا ما ترتب على السلوك الاجرامي نتيجة أكثر جسامة من النتيجة الداخلة في تكوين الجريمة العمدية، فينص القانون على أعتبار جسامة النتيجة أو النتيجة التالية لتلك التي تدخل في تكوين الجريمة ظرفا مشددا(35).

ويعرفها البعض الآخر : انها النتيجة التي تتجاوز في شدتها النتيجة التي قصد الجاني تحقيقها، فهناك قصد مباشر للنتيجة التي قصدها الجاني وخطأ غير مقصود عن النتيجة التي تجاوز القصد. فأساس المسؤولية يقوم على العنصر المعنوي المزدوج التكوين، عنصر قصدي وهو مرتبط بالنتيجة التي قصدها الجاني وعنصر مبني على الخطأ ومرتبط بالنتيجة المتعدية القصد(36). أما مفهومنا للنتيجة المتعدية القصد : هي النتيجة التي تتحقق إذا كان هناك نص أول يعاقب على أحداث النتيجة البسيطة بوصف مستقل، ونص ثان يعاقب على النتيجة الجسيمة فيما لو حدثت باعتبارها نتيجة محتملة للنتيجة البسيطة، وهذا النص الأخير هو الذي ينشئ النتيجة المتعدية القصد.

فمثلا إذا ضرب شخص آخر وأفضى هذا الضرب الى موت الشخص، فوجود نص أول يعاقب على مجرد الضرب(37). ونص ثان هو الذي يعاقب على الموت المترتب على الضرب(38). وهذا النص الثاني يستوعب النص الأول فلا يوجد بينهما غير تعدد ظاهري بين النصوص لا تعدد بين الجرائم.

والراجح لدينا إن أساس المسؤولية عن النتيجة المتعدية القصد هو القصد المتعدي الذي هو في تركيبه خليط من القصد الجنائي العام سواء كان مباشرا ام احتماليا والخطأ غير العمدي، فالقصد الجنائي العام يتحقق بالنسبة للنتيجة البسيطة أما الخطأ غير العمدي فيتوافر بالنسبة الى النتيجة الجسيمة (النتيجة المتعدية القصد) وهذا الخليط المركب بين القصد والخطأ غير العمدي يقوم به القصد المتعدي، ولا يحتاج أثبات توافره نحو النتيجة الجسيمة فهو أمر كامن في إرادة السلوك الخطر الذي أقدم عليه الجاني لاحداث النتيجة البسيطة، وكل ما يتميز به هذا القصد هو أنطواؤه على فكرة الخطأ غير العمدي بالنسبة للنتيجة الجسيمة وأقتصار أثره على الجرائم التي يحددها القانون بنص.

ولم تتضمن أغلب التشريعات العربية نصوصا خاصة صريحة بحالة تجاوز القصد، بأستثناء قانون العقوبات الليبي(39). إلا أن التشريعات الأخرى تضمنت نصوصا تعد تطبيقات للنتيجة المتعدية كقانون العقوبات المصري(40). والقانون الكويتي(41). والقانون الاردني(42). أما موقف المشرع العراقي فانه يعتبر صورة تجاوز القصد من الصور العمدية(43). إذ نصت (م33/1) من القانون العراقي إن القصد الجرمي (هو توجيه الفاعل إرادته الى ارتكاب الفعل المكون للجريمة هادفا الى النتيجة الجرمية التي وقعت أو أية نتيجة جرمية أخرى).

وتضمن القانون العراقي نصوصا تمثل تطبيقات للنتيجة المتعدية القصد ومنها نص (م410) التي يسأل فيها الجاني عن الضرب المفضي الى الموت مهما كان الفعل بسيطا طالما فيه معنى الأعتداء ويؤدي الى نتيجة أكثر جسامة من قصد الجاني وهي الموت ولو لم يكن قد توقعها أو كان عليه أو بإمكانه ان يتوقعها. إن المشرع العراقـي في فعـل الاجهاض الذي يؤدي الى وفاة المجني عليها، جعل الجاني مسؤولا عن النتيجة المتعدية لقصده (وفاة المجني عليها) وتشديده العقوبة وفقا (م417/ق2) ولم يشترط سوى توافر نية الاجهاض لدى الجاني وحصول الوفاة نتيجة لفعله. وكذلك أوجد المشرع في (م419) جريمة مشابهة لجريمة الضرب المفضي الى الموت جاز لنا ان نسميها جريمة الضرب المفضي الى الاجهاض، ومن الامثلة الأخرى على النتيجة المتعدية القصد مانصت عليه (م424) (إذا أفضى الاكراه المبين في المادتين422،423 أو التعذيب المبين في الفقرة ب من المادة 421 الى موت المخطوف تكون العقوبة الأعدام(44). أو السجن المؤبد).

نخلص إلى القول ان النتيجة المتعدية القصد والنتيجة المحتملة تنصرف إرادة الجاني فيهمـا إلى ارتكاب جريمة معينة فتقع نتيجة أخرى مغايرة إلى ما أتجه قصد الجاني إلى تحقيقه، ومع ذلك فأنه يسأل عنها. ولكن على الرغم من هذا التشابه هناك أختلاف جلي بين النتيجتين من ناحية الركن المادي والركن المعنوي :
– من ناحية الركن المادي يشترط أن تأتي النتيجة في الجريمة المتعدية القصد أشد جسامة مما قصد الجاني وهدف اليه بفعله. بينما النتيجة المحتملة لا يشترط ذلك إذ قد تأتي النتيجة أشد جسامة(45). كما لو قصد الجاني سرقة منزل ثم أعتدى على صاحب المنزل بالضرب لما أحس به وأراد أمساكه وقد أدى الاعتداء هذا الى موت صاحب المنزل. أو تأتي بجسامة الجريمة نفسها التي يقصدها الجاني كمن يحاول قتل عدوه فيذهب إلى داره ويجد أبن الشخص المقصود فيقتل هذا الأبن. وقد تكون النتيجة الحاصلة أقل جسامة كمن يضرب شخصا ضربا مبرحا من أجل قتله ألا أن الضرب يؤدي الى أصابته بعاهة دون ان يزهق روحه.
– أما من ناحية الركن المعنوي فان أساس المسؤولية في النتيجة المتعدية القصد هو انصراف إرادة الجاني الى النتيجة الأقل جسامة – ضرب أو أيذاء – وعدم إنصرافها الى النتيجة الأشد التي وقعت – موت المجني عليه – أي القصد المتعدي(46). أما أساس المسؤولية عن النتيجة المحتملة فهي من قبيل المسؤولية الموضوعية(47). ولا شأن للقانون بقصد الجاني بخصوص هذه النتيجة سواء كان قصده منصرفا إليها بصورة عمدية أم لم ينصرف اليها البتة.
______________________________
1- ينظر في ذلك : د.عادل عازر، النظرية العامة في ظروف الجريمة، المطبعة العالمية، القاهرة، 1967، ص179وما بعدها.، د.كامل السعيد، الاحكام العامة في قانون العقوبات الاردني، ط1، عمان،1981، ص163-164.، محروس نصار الهيتي، النتيجة الجرمية في قانون العقوبات، رسالة ماجستير، كلية القانون – جامعة بغداد، 1989، ص24 .
2- H.L.A. Hary and Tony Honor ، Casation in the Law، Oxford at the Clardonpress، 1985، P. 42 .
3- ينظر نص (م4ف2) من قانون الأسلحة العراقي رقم 13 لسنة1992.
4- ينظر نص (م440ف3) من قانون العقوبات العراقي.
5- د.عمر السعيد رمضان، فكرة النتيجة في قانون العقوبات، مجلة القانون والاقتصاد، ع1، س3،1961، ص103.
6- د.كامل السعيد، شرح قانون العقوبات الاردني (الجرائم الواقعة على الانسان) ، ط2، مكتبة دار الثقافة، عمان، 1991، ص43.
7- ينظر في ذلك: نص (م405) من قانون العقوبات العراقي، د0واثبة السعدي، قانون العقوبات (القسم الخاص) ، بغداد، 1989، ص98.
8- ينظر في ذلك : نص (م412) من قانون العقوبات العراقي.، د.واثبة السعدي، المصدر نفسه، ص140-141.
9- ينظر في ذلك :نص (م439) من قانون العقوبات العراقي.، د.واثبة السعدي، المصدر نفسه، ص161-162.
10- د.عوض محمد، الجرائم المضرة بالمصلحة العامة، دار المطبوعات الجامعية، الاسكندرية، 1985، ص212.
11- ينظر في ذلك : د.رؤوف عبيد، السببية في القانون الجنائي، ط3، دار الفكر العربي، القاهرة،1974، ص115.، حسن البغال، موسوعة التعليقات على قانون العقوبات،ج1،ط1،دار الفكر العربي، القاهرة، 1965، ص175.، د.جلال ثروت، نظرية الجريمة متعدية القصد، دار المعارف،الاسكندرية، 1964، ص201-202.، د.حسن صادق المرصفاوي، قواعد المسؤولية الجنائية، القاهرة، 1972، ص83.، د.مصطفى العوجي، النظرية العامة للجريمة، ط2، بيروت، 1979، ص348.، د.محمد هشام ابو الفتوح، شرح القسم العام، مكان الطبع (بلا) ،1990، ص380-381.، محمد فوزان محمد رضا، القصد الجنائي في جريمة الضرب المفضي الى الموت، رسالة ماجستير، كلية القانون – جامعة بغداد، 1977، ص131.، فراس عبد المنعم عبد الله، القصد الجنائي الاحتمالي، رسالة دكتوراه، كلية القانون – جامعة بغداد،2001، ص61.
12- وعلى ذلك إذا دخل عدة اشخاص يحملون سلاحا في أحد المنازل ليلا لارتكاب السرقة فقاوم صاحب المنزل أحدهم فقتله، فان ظرف الاقتران يتوافر بين القتل وجناية السرقة بالنسبة للفاعل والشريك لان القتل كان نتيجة محتملة للسرقة أما إذا ارتكب أحدهم هتك العرض بالقوة فان وحده الذي يتحقق له ظرف الاقتران أما الباقون فلا يتوافر بالنسبة اليهم هذا الظرف، لان هتك العرض لم يكن نتيجة محتملة للقتل. ينظر في تفصيل ذلك : د.فوزية عبد الستار، شرح قانون العقوبات (القسم الخاص) ، ط2، دار النهضة العربية، القاهرة،1988، ص403.، د.عمر السعيد رمضان، شرح قانون العقوبات (القسم الخاص) ، دار النهضة العربية، القاهرة، 1965، ص272.
13- ينظر في ذلك : احمد صفوت، شرح القانون الجنائي (القسم العام)، مطبعة حجازي، القاهرة، سنة النشر(بلا)، ص169.، د. رمسيس بهنام، الجريمة والمجرم والجزاء، منشأة المعارف، الاسكندرية،1973، ص502.، د. عبد الستار الجميلي، جرائم الدم، ج1، بغداد، سنة النشر(بلا) ، ص141.
14- إن توقع نتيجة ما يتوقف على مدى العلم بمسبباتها، فتوقع بعض العناصر التي يتطلبها تحقق نتيجة معينة يعني ان تحقق النتيجة يكون ( ممكنا)، وأذا تساوى توقع حدوث النتيجة مع توقع انتفائها أصبح تحقق النتيجة (محتملا)، أما أذا شملت المعرفة كافة العناصر المسببة للنتيجة فأن توقع حدوثها يصبح (حتميا).ينظر في تفصيل ذلك: د.يسر انور علي، النظرية العامة للتدابير والخطورة الاجرامية، مجلة العلوم القانونية، ع1، س13،1970، ص198-199.، د.محمد محي الدين عوض، نظرية الفعل الاصلي والاشتراك، مجلة القانون والاقتصاد، ع2-3، 1956، ص242-252.
15- ان السببية بمدلولها المادي : تعني السببية بين الفعل والنتيجة تكون مباشرة وفعلية لا أفتراض فيها، أي تكون متوافرة بحكم الواقع. أما السببية القانونية : فانها تكون متوافرة بالنسبة للنتائج الجديدة بحكم الأفتراض القانوني. فمثلا اطلاق الجاني على المجني عليه مقذوفا ناريا قاصدا قتله، فالعمد مباشر والسببية مباشرة ولا صعوبة في ذلك، أما أذا توفي المجني عليه بسبب خطأ جسيم من الجراح في انتزاع المقذوف منه، لا من المقذوف نفسه، فالقصد مباشر ولكن السببية غير مباشرة. ينظر في تفصيل ذلك: مجيد خضر احمد السبعاوي، الرابطة السببية في القانون الجنائي، رسالة ماجستير، كلية القانون – جامعة بغداد، 1999، ص29.
16- ينظر قرار محكمة التمييز 808/ جنايات أولى/86 في 15/7/1986 ، والمنشور في مجلة القضاء، ع2، س45، 1990، ص19-20 .
17- فمساءلة الجاني عن جريمة القتل بالسم عن قصده الاحتمالي إذا كان قد فكر بأنه من المحتمل أن تحصل النتيجة الأخرى التي تتعدى غرضه الأول ولم يتراجع عنها يكون مسؤولا عن هذه النتيجة كما لو كان قد أرادها أبتداء، كما لو كان قصده مباشرا اليها. ينظر في تفصيل ذلك: د.حميد السعدي، جرائم الاعتداء على الاشخاص، مطبعة المعارف، بغداد، سنة النشر(بلا) ، ص187.
18- Rupert Gross and Philip Asterly Jones، an introduction to the Criminal law، LL.B.seven ed-Butterweths، London، 1972، P .171.
19- ينظر في ذلك : د.محمد احمد المشهداني و د.عمار محمد ربيع، القصد الجنائي، مجلة الرافدين للحقوق، ع7، كلية القانون-جامعة الموصل، 1999، ص186-188.، محمد عبد العزيز، معيار التفرقة بين الخطأ والقصد الاحتمالي، مجلة القضاء، ع2، س41، 1986، ص133.، محمد فوزان محمد رضا، المصدر السابق، ص133.
20- ويكون الضرب كذلك حين يكون في ذاته صالحا لأحداث العاهة أي حين يكون متضمنا خطرها ويعاقب الضارب أو الجارح عن العاهة ولو كان لم يقصدها أو توقعها على انها محتملة لان قصده أمتزج بخطأ زاد من جسامته وكان من شأنه أحداث العاهة. ينظر في تفصيل ذلك : حسن مصطفى، جرائم الجرح والضرب، دار المطبوعات، الاسكندرية، 1988، ص77-78.، غسان جميل الوسواسي، القصد الاحتمالي في جرائم القتل، مجلة دراسات قانونية، ع2، س1، 1999، ص69.، د.حميد السعدي، النظرية العامة لجريمة القتل، مطبعة المعارف، بغداد، 1968، ص186-187.
21- ينظر في ذلك : د.حسن محمد ربيع، المصدر السابق، ص272.، د.محمد زكي أبوعامر، قانون العقوبات (القسم العام) ، المصدر السابق، ص490-491.
22- الا ان الشراح الفرنسيين أضطروا الى الأخذ به في بعض صور القتل العمد وهي صورة الغلط في الشخصية وصورة الخطأ في التصويب .ينظر في تفصيل ذلك : غسان الوسواسي، المصدر السابق، ص56.
فضلا عن ان محكمة النقض المصرية قد عرفت القصد الاحتمالي (انه نية ثانوية غير مؤكدة تختلج بها نفس الجاني الذي يتوقع ان فعله قد يتعدى الغرض المنوي عليه بالذات الى غرض آخر لم ينوه عنه، فيمضي مع ذلك في تنفيذ الفعل فيصيب به الغرض غير المقصود).ينظر في تفصيل ذلك: د.رمسيس بهنام، النظرية العامة للقانون الجنائي، المصدر السابق، ص901.
23- ينظر في ذلك : نص (م28) من قانون العقوبات السوداني، (م41) من قانون العقوبات الكويتي.
24- إذ نصت(م9) من قانون العقوبات اليمني رقم12 لسنة 1994(يتوافر القصد إذا أرتكب الجاني الفعل بإرادته وعلمه وبنية أحداث النتيجة المعاقب عليها. ويتحقق القصد كذلك إذا توقع الجاني نتيجة أجرامية لفعله فاقدم عليه قابلا حدوث النتيجة).ونصت (م189) من قانون العقوبات اللبناني و(م188) من قانون العقوبات السوري و(م64) من قانون العقوبات الاردني : (على ان الجريمة تعد مقصودة وان تجاوزت النتيجة الجرمية الناشئة عن الفعل – أوعدم الفعل – قصد الفاعل إذا كان توقع حصولها فقبل المخاطرة).
25- د.سامي النصراوي و د.سلطان الشاوي، المصدر السابق، ص347-348.
26- ينظر قرار محكمة التمييز3558/ ج/ 1974 في 5/ 4/ 1975، منشور في مجلة الاحكام العدلية، ع2، س6، 1975.
27- ينظر قرار محكمة التمييز 11/ ج/ 1973 في 3/ 2/ 1974، منشور في النشرة القضائية، ع1، س5، 1974.
28- ينظر قرار محكمة التمييز 75/ ج/ 1982 في 2/ 8/ 1983، منشور في النشرة القضائية، ع3، س4، 198
29- د.محمود نجيب حسني، المساهمة الجنائية، المصدر السابق، ص439.
30- د.كامل السعيد، شرح قانون العقوبات الاردني، المصدر السابق، ص47.
31- ينظر في ذلك : ص 9-10 من الرسالة.
32- د.علي راشد، المصدر السابق، ص482-483.
33- د.رمسيس بهنام، النظرية العامة للقانون الجنائي، المصدر السابق، ص902 وما بعدها.
34- ينظر في ذلك : القاضي فريد الزغبي، الموسوعة الجزائية، المجلد الثالث، ط3، بيروت، 1995، ص202.، د.جلال ثروت، نظرية الجريمة متعدية القصد، المصدر السابق، ص202.
35- د.عادل عازر، المصدر السابق، ص197.
36- ينظر في ذلك: رمسيس بهنام، النظرية العامة للقانون الجنائي، المصدر السابق، ص826.، د.احمد فتحي سرور، الوسيط في قانون العقوبات، المصدر السابق، ص360.
37- ينظر نص (م413/ف) من قانون العقوبات العراقي.
38- ينظر نص (م410) من قانون العقوبات العراقي.
39- نصت (م63/ف2) من قانون العقوبات الليبي (على ان الجريمة ترتكب مع تجاوز القصد أذا نجم عن الفعل أو الأمتناع ضررا أو خطرا أكثر جسامة مما كان يقصده الفاعل).
40- ينظر نص (م236) ، (م240)، (م241)، (م265) من قانون العقوبات المصري.
41- ينظر نص (م152)، (م245)، (م136) من قانون العقوبات الكويتي.
42- ينظر نص (م330)، (م335)، (م368)، (م372)، (م322/ف2) من قانون العقوبات الاردني.
43- ينظر في ذلك : يوسف الياس حسوا، المسؤولية الناشئة عن الخطأ، رسالة دكتوراه، كلية القانون- جامعة بغداد، ص165.، سعد صالح الكشطي، أثر أعطاء المادة السامة في المسؤولية الجزائية، مجلة الرافدين، مجلد4، ع15، س7، 2002، ص229-230.
44- علق العمل بعقوبة الأعدام بموجب قرار من سلطات الأحتلال وحل محلها السجن مدى الحياة أو بفرض عقوبة أخرى أقل منها وفقا لما ينص عليه قانون العقوبات رقم 111 لسنة 1969. ينظر في تفصيل ذلك : القسم3/ف1 من أمر سلطة الأتلاف المؤقتة رقم7 قانون العقوبات. ومن ثم أعيد العمل بعقوبة الاعدام بموجب قرار الحكومة العراقية المؤقتة رقم 3 لسنة 2004 (نشر في الوقائع العراقية، العدد 3987/ ايلول/ 2004).
45- د.جلال ثروت، نظرية الجريمة المتعدية القصد، المصدر السابق، ص203.
46- د.يوسف الياس حسوا، المصدر السابق، ص167.
47- ينظر في ذلك : ص9-10 من الرسالة.