قراءة في نظام التحكيم السعودي

التحكيم السعودي
انطلاق التحكيم السعودي

حقيقةً لم يكن للتحكيم بالسعودية تواجد وحظ بالمقارنة بحجم الاقتصاد السعودي وتشعبه، عدا بعض الحالات اليسيرة، وإن وجدت نجد غالباً أن عملية التحكيم قد نُفذت خارج السعودية، ويعزى ذلك لأسباب كثيرة منها: النظام، الفهم القضائي للتحكيم، غياب محاكم التنفيذ، الثقافة القانونية والتحكيمية، مجانية التقاضي؛ ما استدعى المنظم السعودي والجهات التنفيذية وبالتعاون مع جهات متعددة أهمها: مجالس الغرف والمحاميّن لإيجاد حلول لأسباب تعطل التحكيم والعزوف عنه من التجار والشركات السعودية.

فبدأ العلاج بقيام السُلطة التنظيمية بتاريخ 24/05/1433هـ بإصدار نظام جديد للتحكيم مُلغياً نظام التحكيم لعام 1403هـ كلياً، الذي كان عائقاً رئيس للتحكيم واللجوء له، بل وحتى التفكير بالتحكيم من أساسه، لتعدد متطلباته النظامية الشكلية قبل البدء بإجراءات التحكيم والقصور النظامي الذي كان يعتريه وإقصائه للتحكيم الدولي وغيره من أسباب، فجاء النظام بثوب جديد وأحكام مسايرة للواقع ومحققاً للمرونة والأهداف المرجوة من التحكيم أهمها: السرعة، السرية وحرية الأطراف بإختيار القواعد الموضوعية. ثم بتاريخ 13/08/1433هـ أُصدر نظام محكمة التنفيذ الذي يشكل نقلة نوعية جوهرية في البيئة العدلية بالسعودية والذي نُص فيه بالمادة (09) على: ” لا يجوز التنفيذ الجبري إلاّ بسند تنفيذي لحق محدد المقدار، حال الأداء، والسندات التنفيذية هي: … 6-الأحكام والأوامر القضائية وأحكام المحكمين والمحررات الرسمية الصادرة في بلد أجنبي.”،

فإيجاد وتحديد جهة قضائية معنية بتنفيذ حكم التحكيم يعزز ويحفظ جهد ومصاريف ونتاج العملية التحكيمية. إلا أن المنظم والسلطة التنفيذية، قد أيقنا من الوقائع والتجارب السابقة أن إيجاد النُظم ليس كافياً لحث التجار والشركات السعوديةللتحكيم لفض الخلافات الواقعة بينهم خاصة محلياً، ولا يحقق التطلعات بأن تكون السعودية مركزاً إقليمياً للأعمال، كما لا يخفف من تدفق القضايا للمحاكم التي تكدست بها، الأمر الذي استلزم العناية بالتحكيم واقعاً تنفيذياً، فصدر قرار مجلس الوزراء ذي الرقم (257) وتاريخ 14/06/1435هـ -باكورة الانطلاق الواقعي للتحكيم السعودي -بإنشاء اللجنة الدائمة لمراكز التحكيم السعودية والمركز السعودي للتحكيم التجاري، ثم صدر قرار مجلس الوزراء ذي الرقم (107) وتاريخ 08/04/1437هـ، الذي جاء مُعدلاً مُصححاً لقراره رقم (257) ومعززاً للتحكيم وغاياته بنقل اللجنة الدائمة من وزارة العدل لمجلس الغرف السعودية، لتكون اللجنة الدائمة وإدارة المركز السعودي للتحكيم التجاري بين أروقة وبمتناول المعنيين أصولاً والمستهدفين من التحكيم. واللجنة الدائمة يديرها مجلس مكون من عدد (09) أعضاء، ويرأس الدورة الحالية سعادة الدكتور/ سعود بن عبدالعزيز المشاري لصفته مساعد الأمين العام للشؤون القانونية بمجلس الغرف، وعضوية كل من: فضيلة الشيخ أسامة بن عبد الله الزيد ممثلاً لوزارة العدل، المستشار القانوني/ عبدالعزيز بن سعود الدحيم ممثلاً لوزارة التجارة، الدكتور عايض بن هادي العتيبي ممثلاً للهيئة العامة للاستثمار، المحامي الأستاذ/ عبدالناصر السحيباني والمحامي الأستاذ/ عبدالله الفلاج ممثلين عن مجلس الغرف السعودية، فضيلة الشيخ/ عبدالعزيز المهنا وفضيلة الشيخ الدكتور/ ناصر الداوود والمحامي الأستاذ/ياسين خياط أعضاء من ذوي الخبرة والإختصاص.

وتختص اللجنة الدائمة بما يلي: (1) الموافقة على إنشاء مراكز تحكيم سعودية وفروعها. (2) وضع معايير للمحكميّن وإعداد قائمة بأسماء المحكميّن في المراكز التي يرخص لها. (3) وضع معايير استرشادية لتحديد أتعاب المحكمين ومصاريفهم في المراكز المرخصة. (4) التنسيق مع مجلس الغرف بتشكيل مجلس إدارة مركز التحكيم السعودي للتجاري. وفي يوم الأحــد 01/01/1438هـ الموافق 02/10/2016م، تم تدشين المركز السعودي للتحكيم التجاري من قبل وزير التجارة والإستثمار، وبحضور كل من: وزير العدل ووزير الصحة ووزير الإسكان، كما تم إعلان قواعد المركز الإجرائية للتحكيم والوساطة متضمنة قواعد عمل المركز وجداول الرسوم والتكاليف للمحكمين والمركز، وبذلك تكون البيئة التحكيمية الإجرائية السعودية قد أُستكملت؛ للحد من التحكيم الحر محلياً وآثارها على العملية التحكيمية، والتوجيه برعايةٍ رسمية للتحكيم المؤسسي المحلي، عِوضاً عن اللجوء لمراكز خارجية أكانت إقليمية أو دولية لفض الخلافات التجارية السعودية، ليُباشر ويبدأ الأطراف دعوى التحكيم بشكل سلسل دون إضاعة وهدر الوقت والجهد في الإتفاق على القواعد الإجرائية وإختيار المحكمين وغيرها من سلبيات التحكيم الــحــر، ولتوفير عامل جذب للإستثمار بالسعودية، وبتعاون صريح وظاهر من الجهات التنفيذية لإزالة والرفع بأية معوقات قــد تعترض العملية التحكيمية أو نتائجها. فمع تدشين المركز السعودي للتحكيم التجاري، في بداية العام الهجري 1438هـ، يبدأ عُصراً وصفحة جديدة للتحكيم بالسعودية، وكل المقومات للنجاح وإنجاح التحكيم أصبحت قائمة، ولا أرى وجاهة للتجار السعوديين والشركاء والشركات السعودية للجوء للمراكز الخارجية أو الإمتناع عن الفصل تحكيمياً للمنازعات أو الخلافات متى وجدت، أو الأخذ بالتحكيم الحـر الذي ثبت بشواهد متعددة عدم مناسبته، في ظل وجود هذا المركز -الشبه حكومي -المدعُوم المرنّ في قواعده، المؤسس لإزالة أي عوائق تؤثر على التحكيم ونتائجه. إن وفقت وأصبت فمن الله وفضله والحَمدُلِله، وإن أخطأت فمن نفسي والشيطان، وأستغفر الله العليّ العظيم لوالديّ ولي ولزوجتي وذريتي وإخواني والمسلميّن ونتوب إليه ..

بتاريخ 24/05/1433هـ الموافق 16/04/2012م، صدر نظام التحكيم بموجب المرسوم الملكي رقم (م/34)، ونُشر بجريدة أم القرى (الجريدة الرسمية) في عددها رقم (4413) وتاريخ 18/07/1433هـ الموافق 08/06/2012م، ونُص في مادته الــ(57) على: “يحل هذا النظام محل نظام التحكيم، الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/46) وتاريخ 12/04/1403هـ، كما نصت المادة الــ(58) على: “يعمل بهذا النظام بعد ثلاثين يوماً من تاريخ نشره في الجريدة الرسمية.”، وبما أن نفاذ النظام نص على أن يكون بعد مضي ثلاثين يوماً بدءً من تاريخ النشر، وعليه فيكون يوم الأحــد 18/08/1433هـ الموافق 08/07/2012م تاريخ سريان نظام التحكيم، وحلوله محل نظام التحكيم لعام 1403هـ. وبإطلاعنا على أنظمة (قوانين) التحكيم في بضع دول كمصر مثلاً، نجد التماثل الواضح لحد التطابق بين نظام التحكيم السعودي وقوانين التحكيم لديها، وقد كتب عميد المحامين السعوديين أستاذنا المحامي الدكتور/ محمد بن حمد الهوشان -متعه الله بالصحة والعافية -في أحد مقالاته بشأن نظام التحكيم: ” لقد كان من السهل معرفة مصدرهذا النظام الجديد فإنه يكاد أن يكون منقولاً (نقل مسطرة) من(قانون الأونسيترال النموذجي للتحكيم التجاري الدولي) لعام 1985ممع التعديلات التي أدخلت عليه في عام 2006م … غير أنه قد طعم هنا وهناك بعبارات تشير إلى مراعاة نصوص الشريعة الإسلامية والنظام العام.”، وعليه فيمكن القول بأن قوانين التحكيم في دول العالم تكاد تكون موحدة، إذ في الغالب أخذت من القانون النموذجي، الهادف لحماية التجارة الدولية واستقرارها بتوحيد الإجراءات والقوانين، كما يتضح بأن نظام التحكيم السعودي أصبح مُنظماً للتحكيم المحلي والدولي، بخلاف نظام التحكيم الملغى الذي لم يكن يعترف بالتحكيم الدولي. نص النظام في مادته الــ(56): ” يصدر مجلس الوزراء اللائحة التنفيذية لهذا النظام.”، وقد نُص في قرار مجلس الوزراء رقم (156) وتاريخ 17/05/1433هـ، الخاص بالموافقة على نظام التحكيم، في فقرته الثانية على: “قيام وزارة العدل ووزارة التجارة والصناعة (التجارة والاستثمار حالياً) -بالتنسيق مع المجلس الأعلى للقضاء والجهات الأخرى ذات العلاقة -بإعداد مشروع اللائحة التنفيذية لهذا النظام، ورفعه لاستكمال الإجراءات النظامية في شأنه.” وحتى تاريخه لم تصدر بعد اللائحة. ونعلم أن وزارة التجارة قد أعلنت عن مشروع اللائحة التنفيذية لنظام التحكيم في عام 2014م، ولا نعلم أين انتهى مشروع اللائحة، إلا أن ذلك برأينا لا يمنع ولا يعيق تطبيق النظام في نصوصه الصريحة والواضحة، فاللوائح التنفيذية تكون مفسرة شارحة لقواعد النظام، أما إن كان هناك تفويض للائحة التنفيذية بتحديد تصرفات أو قواعد إجرائية؛ فبلا شك سيكون تعطيلاً للنظام وإجراءاته وغاياته، فمثلاً ما ورد بالفقرة رقم (1) من المادة (24): ” يجب عند اختيار المحكم إبرام عقد مستقل معه توضح فيه أتعابه، وتودع نسخة من العقد لدى الجهة التي تحددها اللائحة التنفيذية لهذا النظام.”ففي ظل غياب اللائحة التنفيذية من هي الجهة التي يودع لديها عقد المحكم ..؟ فهذا التصرف وجوبي وعدم مراعاته قـد يتوسع قضاءً في بطلان حكم التحكيم ويرتب بطلان عملية التحكيم، لعدم مراعاة أحكام النظام العام الواجبة في نظام التحكيم، ونرى أنه من الأحوط إيداع نسخة عقد المحكم لدى المحكمة المختصة أصولاً بالنزاع، كما أن الغاية من الإيداع هي الإشراف القضائي دون تعطيل لإنطلاق التحكيم، ووجدنا ذلك منصوص عليه في مشروع اللائحة التنفيذية، إذ تقرر أن الإيداع يكون للمحكمة المختصة، كما أنه لا يستلزم الإيداع إن كان التحكيم يتم من خلال كيان مؤسسي فيكتفى بالإيداع لدى المركز أو الهيئة أو المنظمة التي تشرف على عملية التحكيم. إن التأخر بإصدار اللوائح التنفيذية ملحوظ في عدة أنظمة سعودية صادرة في السابق، كنظام الإجراءات الجزائية لعام 1422هـ وإن كان الآن ملغى بصدور نظام الإجراءات الجزائية لعام 1435هـ، إلا أنه من تاريخ صدوره وحتى إلغائه لم تكن له لائحة وتسببت في تعطل كثير من نصوصه، ولذلك فمن الأجدر أن يتم إعداد وإصدار اللائحة التنفيذية مع إصدار أي نظام، فاللائحة يمكن التعديل عليها وتلافي ما فيها من أخطأ أو قصور بطريقة أسهل وأيسر من تعديل النظام منعاً لإعاقة تطبيق النظام وغاياته.

إن نظام التحكيم يتكون من (58) مادة موزعة على ثمانية أبواب على النحو التالي: أحكام عامة، اتفاق التحكيم، هيئة التحكيم، إجراءات التحكيم، إجراءات الفصل في الدعوى التحكيمية، بطلان حكم التحكيم، حجية أحكام التحكيم وتنفيذها، وأحكام ختامية. فما هو التحكيم الحر والمؤسسي ..؟ ومتى يكون التحكيم محلي ودولياً ..؟ وما هي حدود ولاية نظام التحكيم ..؟، واستعراض ما جاء في الباب الأول من النظام، سنوضحه في مقالنا القادم بعون الله. إن وفقت وأصبت فمن الله وفضله والحَمدُلِله، وإن أخطأت فمن نفسي والشيطان، وأستغفر الله العليّ العظيم لوالديّ ولي ولزوجتي وذريتي وإخواني والمسلميّن ونتوب إليه ..

عبدالعزيز بن عبدالله الخريجي
محامي مستشار
إعادة نشر بواسطة محاماة نت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *