دراسة قانونية مفيده حول المبادئ القضائية في الشريعة الاسلامية

بحث ودراسة قانونية مفيده حول المبادئ القضائية في الشريعة الاسلامية

وارتباط النظام القضائي في المملكة العربية السعودية بها

جمع : الدكتور حسينبن عبد العزيز آل الشيخ
إمام وخطيب المسجد النبوي الشريف
والقاضي بالمحكمة الشرعية بالمدينة النبوية
1426 هـ

المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله  وعلى آله وأصحابه ، أما بعد : فإن من نعم الله على العباد أن أرشدهم إلى شريعة صالحة لكل زمان ومكان ، قاعدتها جلب الإصلاح بشتى أنواعه ومختلف صوره ، ودرء الفساد بجميع أنواعه وكافة أشكاله ، وإن من جوانب هذه الشريعة المباركة الجانب القضائي في الإسلام الذي تعتبر أحكام القرآن الكريم والسنة المطهرة مورداً معيناً ومصدراً غنياً لمقومات بنائه وركائز أسسه تمدُّ البشرية بكل الحلول الناجعة والطرق الحكيمة لمواجهة كل مستحكم واجتياز كل عقبة لعلاج المشاكل مهما كانت وحل الصعاب مهما عظمت وفق قواعد ثابتة وكليات متينة تواكب كل عصر وتسع كل جديد ، ولهذا فالقضاء في الشريعة الإسلامية يرتكز على أصول جامعة وقواعد كلية ذات عمق في تحصيل مصالح العباد ودرء الشرور والفساد لتحفظ لهم الحقوق وتجلب لهم الأمن وتنشر العدل في شتى صور حياتهم ومنا شطها المختلفة ، ومن هنا فقد اتجه النظر إلى مساهمة في عرض ما تتضمنه أحكام الشريعة الغراء في الجانب القضائي ، من ثروة ثرية متنوعة من الأصول والقواعد والمبادئ التي تحقق مقاصد البشر من حفظ حقوقهم ورفع مظالمهم وإنصاف مظلومهم وقضاء حاجتهم بشكل منظم مستقيم في أوجز وقت ، وبيسر وسهولة ، لذا فقد رأيت أنه من المناسب = وأنا أحد الأشخاص العاملين في الميدان القضائي = إعداد دراسة لأهم الأصـول التي يبنى عليها نظام القضـاء في الإسلام وأبرز المبادئ الأساسية في هذا النظام القضائي العظيم لأقدم من خلال ذلك للعالم كله ما يبرهن على سبق هذا النظام لكل الأنظمة القضائية تأصيلاً وتقعيداً على أمتن الأسس التي تحقق مقاصد القضاء بأتم الأوجه وأحسن الطرق وأكملها وأفضلها وبالتالي فهو أجدر ما يحتذى ، ويقتدى به لاستيعابه كافة ظروف وصور الحياة ومشكلاتها المعاصرة ، ولأن نهج المملكة العربية السعودية في قضائها مرتبط بهذه الشريعة المباركة فقد ربطت بهذه الدراسة : النظام القضائي في المملكة العربية السعودية ممثلاً في الغالب بنظام المرافعات الشرعية ونظام الإجراءات الجزائية في المملكة لتكون دراستي النظرية مدعومة ببرهان يعتبر نموذجاً متميزاً للمنهجية التطبيقية للشريعة الإسلامية ، وختاماً أسأل الله جل وعلا التوفيق والسداد للجميع كما أسأله أن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل ، وأن يمن على المسلمين في جميع البقاع بتطبيق الشرع المطهر ، وتحكيم شريعة رب العالمين في كل شأن ، وصلى الله وسلم على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

تمهيد

جاءت الشريعة الإسلامية ، فأقرت الحقوق بجميع أنواعها ، وأعطت كلّ ذي حق حقه ، ورسمت الطريق في كيفية استعمال هذه الحقوق وأساليب ممارستها بما يحقق التكافل الاجتماعي والتضامن بين الأفراد وبما يؤمن الاستقرار في المعاملات بشتى صورها وبما يوازن بين الملكية الخاصة والمصالح العامة وفق النظرية المعروفة في الفقه الإسلامي المسماة ( نظرية منع التعسف في استعمال الحق ) ولكن لما كانت النفس البشرية قد جبلت على حب الذات والأنانية ، والطمع بما في أيدي الناس ، والاعتداء على حقوق الآخرين ، ومحاولة سلبها أو الاستئثار بها أو الاستيلاء عليها إما بالقوة وإما بالحيل ، لذا أقامت الشرعة الإسلامية نظام القضاء لحفظ الحقوق ، وإقامة العدل ، وتطبيق الأحكام ، وصيانة الأنفس ، والأعراض ، والأموال ، ومنع الظلم والاعتداء ، وليستتب الأمن في المجتمع وتسود الطمأنينة ويعم الخير ، ولما كان نظام القضاء في الإسلام أروع الأنظمة ، وأدقها في تحقيق مقاصده والوصول لغاياته وأهدافه .
لذا فسأتناول في هذا البحث أهم المبادئ الكلية والثوابت الأساسية والخصائص العامة في نظام القضاء الشرعي ثم أبين وجه الربط بين نظام المرافعات والنظام القضائي ونظام الإجراءات الجزائية في المملكة العربية السعودية وبين هذه المبادئ والثوابت والخصائص وذلك فيما يلي :

المبدأ الأول : مبدأ النظر إلى الجانب التعبدي .

مما يمتاز به القضاء في الإسلام مراعاة الجانب التعبدي وذلك بارتباطه بقاعدة الحلال والحرام ، والثواب والعقاب ، وهذا المعنى كفيل بتربية الوازع الديني عند المسلم مما يجعل من ذلك مراقباً له في حياته عامة من تصرفات قولية وفعلية لذا حرص الإسلام على غرس العقيدة في وجدان المسلم قبل تكليفه بالأحكام ، وأحاطه بسياج من الأخلاق بجانب التكاليف ، ليكون ذلك هو الضامن لتنفيذ تلك الأحكام الشرعية ، وهو الحامي لصحة التنفيذ وحسن السلوك والبعد عن الانحراف ، وهو الرقيب في الطاعة الحقيقية في التطبيق ، لذلك فإن العقيدة وتعاليم الأخلاق لها أثر عظيم في سلامة ونزاهة النظام القضائي في الإسلام، ومن صور ذلك ما يلي :-
1- أن من الشروط الأساسية في ولاية القاضي شرط العدالة التي رأسها تنفيذ الأوامر الربانية واجتناب النواهي الإلهية ، إذ العدالة : تعني الالتزام للأحكام الشرعية مع اجتناب الكبائر وعدم الإصرار على الصغائر، وحينئذ فالعدالة هي وازع عن الجور في الحكم والتقصير في تقصي النظر في حجج الخصوم ( ) .
2- ورود الأوامر الجازمة بالقيام بالعدل والتحذيرات القاطعة من الجور والظلم في نصوص كثيرة منها قـوله تعالى  إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ والإحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى  ( ) .
3- ظهور الوازع الديني في الإثبات بشكل ظاهر وجلي ( ) .
فالشهادة التي هي أهم وسائل الإثبات يشترط فيها العدالة التي تجعل صاحبها قائماً بشهادته حق قيام قال الله تعالى : وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ  ( ) . وقال سبحانه وتعالى : مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ  ( ) .
4- حث الشريعة على أداء الشهادة واعتبار ذلك واجباً تمليه نصوص الشرع قال تعالى :  وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّه  ( ) . وقال تعالى:  كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ  ( ). وقال عز وجل :  وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا  ( ) . وقال سبحانه :  وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ  ( ) . بل ورهب الشارع الكريم من شهادة الزور وجعلها في مرتبة الإشراك بالله واعتبرها من أكبر الكبائر ، وهدد مرتكبها بالويل والثبور ، فقال رسول الله  : ( ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ؟ قلنا : بلى يا رسول الله ، قال : الإشراك بالله ، وعقوق الوالدين وكان متكئاً فجلس ، وقال ألا وقول الزور ، ألا وشهادة الزور ، فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت ) ( ) .
5- ظهور الوازع الديني في اليمين كوسيلة من وسائل القضاء لذا فإن الأساس في مشروعية اليمين اللجوء إلى العقيدة الدينية بإشهاد الله تعالى على صدقه ، وتحمل الحنث والكفارة والهلاك عند الكذب ، قال  : ( من حلف على يمين هو فيها فاجر ليقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان ) ( ) .
6- يبرز الوازع الديني أيضاً في الإقرار والنكول والصدق في الدعاوى حيث تحث العقيدة على مبدإ الصدق في كل شيء وتنهى عن الكذب بشتى صوره ومختلف أشكاله ، وهذا يقود إلى صدور الإقرار الصحيح ، والاعتراف بالحقوق لأصحابها ، والبعد عن الاعتراف الكاذب الذي يقربه لدوافع خاصة يريد المقر إخفاءها ، فعن أبي ذر  أنه سمع رسول الله  يقول : ( ليس من رجل ادعي لغير أبيه وهو يعلم إلا كفر ، ومن ادعى ما ليس له فليس منا ، وليتبوأ مقعده من النار، ومن دعا رجلاً بالكفر أو قال : هو عدو الله وليس كذلك إلا حار عليه ) ( ) ، أي : رجع عليه ، فقوله :من ادعى ما ليس له ، يدخل فيه الدعاوى الباطلة كلها .
7- أن الشريعة ركزت على الوازع الديني كوسيلة لصيانة الحقوق وعدم الظلم والاعتداء ، ولهذا إذا تعسرت وسائل الإثبات أو تمكن أحد الخصوم من قلب الحق إلى باطل بإثبات ما ادعاه زوراً وبهتاناً ، لم يبق إلا الوازع الديني الذي أشار إليه النبي الكريم  عند ما قال : ( إنما أنا بشر ، وإنكم تختصمون إلي ، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي بنحو ما أسمع ، فمن قضيت له من حق أخـيه شيئاً فلا يأخـذه فإنما أقطع له قطعـة مـن النار فليأخـذها أو ليتركها ) ( ) . ومن ذلك نرى أن القيم الخلقية ومبادئ العقيدة تسهم بنصيب وافر في سلامة ونزاهة القضاء ووسائل الإثبات المستعملة فيه ( ) ، وتوفر له الحيطة والاطمئنان في الأداء والفصل في النزاع ، وتجعل من الإخلال بذلك مناطاً للجزاء الأخروي ، لأن المسلم يشعر عند القضاء وعند أداء الشهادة والإقرار بالحق ، والإقدام على اليمين وكتابة الحقوق ، واستنباط القرائن أنه ينفذ أحكام الله تعالى فيطمع في مرضاة الله ويقوم بها بوحي من نفسه ، لا خوفاً من حاكم ولا رهبة من سلطان ، ولا تهرباً من غرامة ، وإلا فما هو الرادع عن الجور في القضاء ، وعن شهادة الزور ؟ وما هو الحافز إلى الإقرار بالحق ؟ وما هو المعتمد في اليمين ؟ وما هو الضامن والجزاء الحقيقي في الكتابة والتزوير والمحاكة ، ولئن بادر إنسان للإجابة عن ذلك بما يشرع من جزاء رادع وعقوبة صارمة لمن يرتكب ذلك فيقال له : إن القانون إن عثر على حالة واحدة ، فلا يصل إلي بقية الحالات ويفوته أكثر مما وجد ، كما أنه لا يحكم إلا على الظاهر ، وكم تخفي البواطن من حقائق ، وكم يجري في السر من أعمال ، وكم قصر الحكام عـن تناول جميع المجرمين ،وكم ضاعت حقـوق وأهدرت دماء بالباطل ، أما صـاحب العقـيدة والأخـلاق فإنـه يميز بين الحلال والحـرام ، وإن فكرة الحلال والحرام المبثوثة في بطون الفقه الإسلامي أهم هذه الدعائم ، وأنجع الوسائل في قطع دابر الظلم ، وإحلال التعاون والمحبة والطمأنينة والسكينة في ربوع المعمورة ، فإذا عجزت الوسائل المادية عن إثبات الحق ظهرت الوسائل الخلقية ، وبرزت فكرة الحلال والحرام وتحركت مشاعر المسلم وخلجات المؤمن لتحثه على التزام الحق والعمـل به ، جاءت امـرأة إلى النبي  فقالت 🙁 إني أصبت حداً فأقمه علي ) ( ) .
ومثلها قصة ماعز ( ) . وغيرها عبر التاريخ الإسلامي كثير وكثير .

ولهذا أصبحت القوانين أخيراً تتطلع إلى هذا الجانب العظيم في الشريعة وهو العقيدة والأخلاق ، وتحاول جاهدة التوفيق بينه وبين قواعدها وتسعى لتقنين القواعد الأخلاقية في قواعد قانونية تدريجيا ، وكان هذا أمل الفلاسفة والمصلحين في الماضي ، وهو أمل البشرية في الحاضر ، ومهما حاولت بعض القوانين التنكر للعقيدة والأخلاق فسرعان ما تعود إليها تتلمس فيها الحلول عندما تقف عاجزة عن ضبط تصرفات الأفراد ، ويفلت الزمام منها ، فجميع القوانين لجأت إلى ذلك في مجال الإثبات عندما تضاءلت الوسائل المادية عن الوصول إلى الحقيقة ، وتوقفت حائرة أمام المتداعيين فاضطرت إلى العودة إلى العقيدة والأخلاق تستنجد بقواعدها ، وتلتجئ إلى عرينها ، وترضى بالاحتكام إلى ضمير الخصم وعقيدته ، وتطلب منه اليمين على الفعل أو عدم الفعل ، وعلى الاستحقاق وعدم الاستحقاق كما ترتبط القوانين بالأخلاق في الاعتماد على حسن النية وسوء النية ، والعمد وسبق الإصرار وكذلك في الاعتماد على مخالفة النظام العام والآداب العامة التي ترتكز على أخلاق الأمة وسلوك أفرادها . وإن الباحث في شؤون القوانين يشعر بالتناقض في هذا المسلك القانوني لأن القانون لا يعترف بالجزاء الأخروي أولاً ، ولا يتعرض إلى تنمية الأخلاق ، وتربية الضمير ثانيا ، وإنما يقف منهما موقفا سلبياً أقرب إلى الإنكار منه إلى الحياد ، ويضع الملحد والكافر والفاسق والفاجر ، على قدم المساواة مع المؤمن والعدل والتقي والصالح ، وإن القانون لا يهمه الخلق ما استقر النظام ، ولما تعجز وسائله المادية في الإثبات وكثيراً ما تعجز يعود ليستصرخ الضمير والأخلاق والعقيدة في إثبات الحقوق والوقائع ، على خلاف الشريعة الإسلامية التي تولي عنايتها وتوجيهها إلى الناحية الروحية والمادية معاً ، لتؤكد التكامل والتجانس في مختلف الأحكام وفي جميع الحالات وتلبي حاجة العنصرين المادي والروحي في الإنسان ثم تعتمد عليه بعد ذلك ، وهذا يذكرنا ثانية بالأهمية العظمى في استمداد القوانين من التشريع الإسلامي ، لأنه يحقق التكامل الطبيعي ، ويتناسب مع التكوين البشري ، ويؤمن التطبيق السليم الكامل للأحكام ، ويقلل الفرار من الالتزامات والحقوق عن طواعية واختيار ، أملاً في الثواب وطمعاً في الأجر ، وخشية من مراقبة الله تعالى ( ) .

وهذا المبدأ هو ما تذكر به أنظمة القضاء في المملكة إذ تطالعنا المادة السابعة والستون بعد المائة من نظام الإجراءات الجزائية بما نصه : ( إذ ثبت أن الشاهد أدلى بأقوال يعلم أنها غير صحيحة فيعزر على جريمة شهادة الزور ) .

المبدأ الثاني : مبدأ النظر إلى الظواهر دون البواطن .

إن القضاء في الإسلام يقع وفق الإثبات المظهر للواقعة والحق أمام القاضي فإذا كان الإثبات صحيحاً في الظاهر والباطن ومطابقاً للواقع وصادقاً في نفس الأمر فإنه يؤثر في المدعى به ظاهراً وباطناً فيحكم للمدعى بالشيء ظاهراً ويحل له أخذه واستعماله واستغلاله وتملكه والاستفادة منه باطناً فيما بينه وبين الله أي ينفذ الحكم في الدنيا والآخرة . أما إذا كان الإثبات غير مطابق للواقع وكان ظاهره يخالف باطنه فإن حكم الحاكم المبني على الإثبات لا يحل حلالاً ولا يحرم حراماً ولا يغير الشيء عما هو عليه في الواقع ونفس الأمر وإنما ينفذ في الظاهر فقط عند من لا يعلم الحقيقة والباطن وتترك البواطن لله وترتبط بالحساب والعقاب الأخروي لعموم حديث أم سلمة رضي الله عنها أن رسول الله  قال : ( إنما أنا بشر وإنه يأتيني الخصم فلعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعض فأقضي له بذلك فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار فليأخذها أو فليتركها ) ، وفي لفظ ( إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي نحو ما أسمع فمن قضيت له بحق أخيه شيئاً فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار ) ( ) . وفي الصحيحين ( من حلف على يمين يقتطع بها مال امرئ مسلم وهو فيها فاجر لقي الله وهو عليه غضبان ) ( ) .

ويجدر بالذكر أن هذا المبدأ تختص به الشريعة الإسلامية ، ففي القوانين الوضعية لا يبحث في نفاذ الحكم ظاهرا وباطناً لأنه بحث يستند إلى قضية الحلال والحرام من الجانب الديني ولذا لم يتعرض له شراح القوانين لكنهم يعترفون أن القضاء نسبي وأن أحكام القضاء ظنية ولكنهم اعتبروا الحكم القضائي مع احتمال الخطأ من القاضي والتزوير في البينة اعتبروه حقيقة واقعة ولو على حساب العدل ومنح الحكم القضائي قوة القضية النافذة ظاهراً وباطناً .
وهذا المبدأ هو ما تنص عليه أنظمة القضاء في المملكة فعلى سبيل المثال تطالعنا المادة الثمانون بعد المائة من نظام الإجراءات الجزائية بما نصه : ( تعتمد المحكمة في حكمها على الأدلة المقدمة إليها في أثناء نظر القضية ، ولا يجوز للقاضي أن يقضي بعلمه ولا بما يخالف علمه ) ففي هذه المادة إفادة بأن القاضي يحكم استناداً للأدلة المقدمة إليه وما تنتجه من إنتاجات سليمة ودون نظر إلى بواطن الأمور .

المبدأ الثالث : مبدأ قيام القضاء على الحجة والبرهان .

الإثبات في القضاء الشرعي هو المعيار في تمييز الحق من الباطل ، والغث من السمين والحاجز أمام الأقوال الكاذبة والدعوى الباطلة وعلى هذا : فكل ادعاء يبقى في نظر القضاء الشرعي محتاجاً إلى دليل ولا يؤخذ به إلا بالحجة والبرهان ، يقول جل وعلا :  قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ  ( ) .
ويقول سبحانه: فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ  ( ) . وقد روى ابن عباس  أن النبي  قال : (لو يعطي الناس بدعواهم لادعى رجال دماء رجال وأموالهم ولكن اليمين على المدعى عليه ) ( ) ،
وفي لفظ ( ولكن البينة على الطالب واليمين على المطلوب ) ( ) .
ووجه الدلالة : أنه لا يقبل الادعاء بدون دليل ، وإلا تطاول الناس على الأعراض وطالبوا بأموال الآخرين ، واعتدوا على الأنفس والأرواح والأموال
لذا من أقوال فقهاء الإسلام : إن الدليل فدية الحق ولو لا الإثبات لضاعت الحقوق ، وهتكت الأنفس ، وقولهم : الشهادة سبب إحياء الحقوق وهي بمنزلة الروح للحقوق ، وهذه الأهمية للإثبات عامة في جميع الحقوق سواء أكانت عامة أم خاصة ، مالية أم عائلية مادية معنوية أم أدبية ، يلجأ إليها الأفراد في كل نزاع ، ويستند عليها القاضي في كل قضية ومن هنا : فإن الشريعة وهي تلمس أهمية الإثبات ، ومكانته في المجال القضائي ، قد عنيت بتنظيم أحكام الإثبات ، والوسائل الشرعية له ، وطرق استعماله بما لم يوجد في غيره من النظم السابقة أو اللاحقة ، من حيث تكاملها في ذاتها ، وتميزها عن غيرها وبناء على هذا المبدأ سأعرض أهم خصائص الإثبات في القضاء الشرعي فيما يلي :

الميزة الأولى : أن الشريعة الإسلامية أقرت بعض الطرق الإثباتية القائمة على الحجة والبرهان وعلى دعائم العدل والعقل وقضت على الوسائل البدائية وطرق الشعوذة وألاعيب الكهان ومنعت القضاء الشخصي القائم على القوة وغيرها من الطرق التي سلكتها البشرية وما تحوى عليه من سذاجة وخرافة وبدع وضلالات ، تلك الطرق التي مرت بمراحل متعددة يجملها ما يلي :
1- عهد القضاء الشخصي الذي يعتمد على القوة ، فكل شخص يقضي لنفسه بنفسه وينتقم لنفسه من خصمه بدون دليل ولا برهان وإنما لمجرد القوة الشخصية فيستعين الشخص بأقاربه وقد تهب القبيلة لنجدته سواء كان ظالما أو مظلوما كما قال الشاعر : لا يسألون أخاهم حين يندبهم *** في النائبات على ما قال برهانا .
ولذا فقد يستخدم السحر والغدر والترصد للإيقاع بالخصم بأية وسيلة .
2- طريقة الامتحان الإلهي بأن يعطون المتهم السم أو يلقونه في النهر أو يصبون عليه الزيت أو الماء المغلي أو يعرض لبعض الثعابين ، فإن لم تؤثر عليه هذه المحاولات ثبتت براءته وإلا ثبت عليه الجرم ، وقد بقي هذا معمولاً به في انكلترا حتى القرن الثالث عشر عام 1215هـ
3- عهد الدليل الإنساني ، وهي الاعتراف واليمين والشهادة والكتابة والقرائن والمحكمين والقرعة والغرامة والقيافة والقسامة لكن كان هناك بعض الوسائل التي كانت تتخذ كالتعذيب من أجل الاعتراف . فالشريعة الإسلامية ألغت ما يتعلق بالعهد الأول والثاني وأقرت الثالث على وجه منظم دقيق في تحقيق مقاصده من العدل والحق وإنصاف المظلوم ورد الحقوق لأهلها ( ) .

الميزة الثانية : يمتاز الإثبات في الشريعة بأن القرآن الكريم والسنة المطهرة لم يحصرا طرق الإثبات بعدد معين ولم يحدداها بأدلة معينة بل تشمل في منظور الشرع كل ما يمكن أن يثبت به الحق ويظهر به ويستبين يقول ابن القيم رحمه الله ( وبالجملة فالبينة اسم لكل ما يبين الحق ويظهره ومن خصها بالشاهدين أو الأربعة أو الشاهد لم يوف مسماها حقه ولم تأت البينة قط في القرآن مراداً بها الشاهدان وإنما أتت مراداً بها الحجة والدليل والبرهان ) ( ) ، ويقول رحمه الله : ( إن الله أرسله رسله وأنزل كتبه ليقوم الناس بالقسط وهو العدل الذي قامت به السموات والأرض فإذا ظهرت أمارات العدل وأسفر وجهه بأي طريق كان فثم شرع الله ودينه) ( ) ، ويقول أيضاً: ( بل قد بين سبحانه بما شرعه من الطرق أن مقصودة إقامة العدل بين عباده وقيام الناس بالقسط ، فأي طريق استخرج بها العدل والقسط فهي من الدين ليست مخالفة له ) ( ) . وهذا يعطينا مدى تطبيق الإسلام المبدأ العام وقاعدة العمل بوجوب العدل وإحقاق الحق ، وقاعدة أن الشريعة جاءت لجلب المصالح ودرء المفاسد ، فإهدار الدعاوى التي لم يتح لها الإثبات بتلك الطرق المعينة مصادم لهذا المبدأ لذا فالأدلة المثبتة للدعاوى غير محصورة في عدد معين . لأن الحصر في طرق معينة لا يستقيم ومصالح الناس المتنوعة ونوازلهم مع تغير التعاملات والمستجدات في هذه الحياة .

الميزة الثالثة : أن الشريعة وهي تقرر عدم الحصر في طرق الإثبات فإنها لا تغفل المبدأ العام الذي تدور عليه أحكامها وهو إقامة العدل بشتى أنواعه وصوره لذا لما كان القضاء أعظم أسباب تحقيق العدل فإن الشريعة لم تترك طرق الإثبات مطلقة غير مضبوطة لقضاة الظلم والجور باستعمال التعسف في استعمال الحق لتأسيس القضاء على مجرد أي دليل ولو كان قائما على الخيال والشك والأمارات الواهية ، والمؤدية إلى تضارب الأدلة وتهاترها وضياع الحق ولم تعط القاضي الثقة المطلقة وهو بشر يحتمل منه الميل والأغراض الخاصة والخطأ في الاستنتاج والاستنباط ، لذا عنيت الشريعة الإسلامية بوسائل الإثبات وفق قواعد عامة وضوابط محددة لبيان قيمة كل دليل وكيفية تقديمه ليظهر الحق وتنكشف الواقعة ومن ظواهر ذلك ما يلي :-
1- يشترط في البينة أن يستند الإثبات إلى العلم وغلبة الظن فإن استند إلى شك أو وهم فلا عبرة به ، قال تعالى :  إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ  ( ) . وقال سبحانه : وَمَا شَهِدْنَا إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا  ( ) . والظن الغالب يقوم مقام اليقين لأن الشريعة تقوم أحكامها على الظن الغالب خاصة في الاجتهاد والقضاء وإنصاف المظلومين وتحقيق العدالة لاستحالة الوصول إلى القطع واليقين دائماً .
2- يشترط في الإثبات موافقة الدليل للعقل وللشرع وللحس وظاهر الحال. لذا نجد الفقهاء لا يسمعون دعوى الفقير المعروف بالفاقة على أحد الأغنياء مالاً جسيماً يستحيل عادة أنه أصاب في حياته ما يقرب منه .
3- منع الإسلام القاضي أن يقضي بعلمه، وهو المختار عند كثيرين من فقهاء الإسلام .
4- أن القاضي في ظل أحكام الإسلام مكلف بتطبيق الأحكام الشرعية الجزئية التفصيلية الخاصة بالبينات في كل دليل يعرض عليه وهو مقيد بتلك الأحكام، ومع ذلك فعليه أن يؤدي دوراً إيجابياً فيما يعرض عليه من التأكد والاستيثاق من كل دليل وصحته وتحري الدقة فيه ؛ وقد ذكر الفقهاء من أمثلة ذلك : أن يسأل القاضي الشهود ويناقشهم فيما يظهر به الحق خاصة عند التهمة والشك ، فيسألهم عن مصدر الشهادة وطريق العلم بها وكيفية تحملها وصفة المشهود به والمشهود له وعليه ، وله تفريق الشهود. وأيضاً له أن يستنبط الأمارات والقرائن من جميع الأدلة المقدمة إليه والوقائع المعروضة عليه وفق ملابسات الحوادث التي تقدمت أمامه والقضية التي ينظرها ليصل إلى الحقيقة ولتتكون القناعة التامة بالحكم المبني على ما قدم إليه .
الميزة الرابعة: يمتاز القضاء في الإسلام عن غيره بالجانب التعبدي ، ولهذا فالوسائل الإثباتية القضائية يظهر فيها الوازع الديني بشكل ظاهر وجلي ، فالقيم الأخلاقية ومبادئ العقيدة تسهم بنصيب وافر في الإثبات وتوفر له الحيطة والاطمئنان في الأداء والفصل في النـزاع، وتجعل من الإخلال به مناطاً للجزاء الأخروي؛ ولهذا فالأخلاق الفاضلة والعقيدة السليمة، أساس وسائل الإثبات في الشريعة وهي منطق العدل وركيزة الحق والقسطاس المستقيم، كما تقدم ذلك مفصلاً.
الميزة الخامسة : أن الشريعة أقامت الحدود والصفات في الإثبات لرعاية حقـوق الله تعـالى وللحفاظ على مصالح المجتمـع وجعلتهـا من النظام العام ( ) الذي لا يصح الخروج عنه كما وزعت أعمال القضاء وجعلت لكل طرف فيه حقاً فلا يحق للآخر أن يصل إليه إلا بإذنه ومن أمثلة ذلك ما يلي:-

1- أن لتحليف حق للمدعي فلا يطلبه القاضي إلا بعد طلبه .
2- أن توجيه اليمين حق للقاضي فلا يحلف الخصم إلا بعد توجيه اليمين إليه
3- أن الحكم حق للمدعي عند بعض الفقهاء فلا يحكم القاضي إلا بطلب المدعي.
4-أن جمهور فقهاء المسلمين ذهبوا إلى أن عدالة الشهود من حق الله، فلا يجوز التنازل عنها أو التساهل فيها، ولا تقبل شهادة الفاسق ولو رضي الخصم الآخر أو اتفق الخصمان على قـبول شهادته، وتشترط التزكـية لقوله تعالى : وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ  ( ) ، وقوله  اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُم ( ) .
وقوله : مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ  ( ) .

5- من أمثلته عدد الشهود وصفاتهم التي حددتها الشريعة فلا يجوز العدول عنها، وهكذا مجلس القضاء في اليمين وغير ذلك .كل ذلك للاحتياط وشدة التثبت صوناً للحقوق وحفظاً للضروريات الخمس ومنعاً للدعاوى الباطلة والأقوال المزعومة ليصل القضاء إلى الحق والعدل اللذين تهدف إليهما الشريعة

هذا وقد راعت أنظمة المرافعات الشرعية في المملكة العربية السعودية هذه الخصائص : وتلك الميزات فيما هو بارز في الباب التاسع من نظام المرافعات الشرعية التي تتحدث عن الإجراءات الشرعية للإثبات ويبرز ذلك في المواد الآتية :
1- جاء في المادة السابعة والتسعين ما نصه : ( يجب أن تكون الوقائع المراد إثباتها أثناء المرافعة متعلقة بالدعوى منتجة فيها جائزاً قبولها )
2- ورد في المادة التاسعة والتسعين ما نصه : ( للمحكمة أن تعدل عما أمرت به من إجراءات الإثبات بشرط أن تبين أسباب العدول في دفتر الضبط ، ويجوز لها أن لا تأخذ بنتيجة الإجراء ، بشرط أن تبين أسباب ذلك في حكمها )
3- ورد في المادة التاسعة عشر بعد المائة ما نصه : ( تسمع شهادة كل شاهد على انفراد بحضور الخصوم وبدون حضور باقي الشهود الذين لم تسمع شهادتهم على أن تخلفهم لا يمنع من سماعها ، وعلى الشاهد أن يذكر اسمه الكامل وسنه ومهنته ومحل إقامته وجهة اتصاله بالخصوم بالقرابة أو الاستخدام أو غيرها إن كان له اتصال بهم مع التحقق عن هويته )
4- ما ورد في المادة الثامنة بعد المائة بما نصه : ( لا تكون اليمين ولا النكول عنها إلا أمام قاضي الدعوى في مجلس القضاء ولا اعتبار لهما خارجه ما لم يوجد نص يخالف ذلك )
5- ما ورد في المادة الحادية عشرة بعد المائة والتي نصها : ( يجب أن يكون أداء اليمين في مواجهة طالبها إلا إذا قرر تنازله عن حضور أدائها ، أو تخلف دون عذر مقبول مع علمه بالجلسة )
6- ورد في المادة الحادية والعشرين بعد المائة ما نصه : ( للقاضي من تلقاء نفسه أو بناء على طلب أحد الخصوم أن يوجه للشاهد ما يراه من الأسئلة في كشف الحقيقة وعلى القاضي في ذلك إجابة طلب الخصم إلا إذا كان السؤال غير منتج )
7- ما ورد في المادة الثالثة والخمسين بعد المائة ونصها : ( يجوز للمحكمة ولو لم يدع أمامها بالتزوير أن تحكم باستبعاد أي ورقة إذا ظهر لها من حالتها أو من ظروف الدعوى أنها مزورة أو مشتبه فيها كما أن للمحكمة عدم الأخذ بالورقة التي تشتبه في صحتها وفي هذه الأحوال يجب على المحكمة أن تبين في حكمها الظروف والقرائن التي استبانت منها ذلك )
8- ما ورد في المادة الخامسة والخمسين بعد المائة ونصها : ( يجوز للقاضي أن يستنتج قرينة أو أكثر من وقائع الدعوى أو مناقشة الخصوم أو الشهود لتكون مستنداً لحكمه أو ليكمل بها دليلاً ناقصاً ثبت لديه ليكون بهما معاً اقتناعه بثبوت الحق لإصدار الحكم ) ومع هذا راعت الأنظمة الغاية وهي الوصول إلى الحق فللخصم وظيفة معارضة ما توصل إليه القاضي من استنتاج فنصت المادة السادسة والخمسون بعد المائة على ما يلي: ( لكل من الخصوم أن يثبت ما يخالف القرينة التي استنتجها القاضي وحينئذ تفقد القرينة قيمتها في الإثبات ) ، كما تبرز تلك الخصائص فيما هو منصوص عليه في نظام الإجراءات الجزائية في المواد التالية :-
1- جاء في المادة الثانية والستين بعد المائة : ( إذا اعترف المتهم في أي وقت بالتهمة المنسوبة إليه فعلى المحكمة أن تسمع أقواله تفصيلاً وتناقشه فيها . فإذ اطمأنت إلى أن الاعتراف صحيح ، ورأت أنه لا حاجة إلى أدلة أخرى فعليها أن تكتفي بذلك وتفصل في القضية ، وعليها أن تستكمل التحقيق إذا وجدت لذلك داعياً ) .
2- جاء في المادة الثالثة والستين بعد المائة : ( إذا أنكر المتهم التهمة المنسوبة إليه ، أو امتنع عن الإجابة فعلى المحكمة أن تشرع في النظر في الأدلة المقدمة وتجري ما تراه لازماً بشأنها ، وأن تستجوب المتهم تفصيلاً بشأن تلك الأدلة وما تضمنته الدعوى . ولكل من طرفي الدعوى مناقشة شهود الطرف الأخر وأدلته ) .
3- جاء في المادة الرابعة والستين بعد المائة : ( لكل من الخصوم أن يطلب سماع من يرى من شهود والنظر فيما يقدمه من أدلة ، وأن يطلب القيام بإجراء معين من إجراءات التحقيق وللمحكمة أن ترفض الطلب إذا رأت أن الغرض منه المماطلة ، أو الكيد،أو التضليل ، أو أن لا فائدة من إجابة طلبه )
4- جاء في المادة الخامسة والستين بعد المائة : ( للمحكمة أن تستدعي أي شاهد ترى حاجة لسماع أقواله أو ترى حاجة لإعادة سؤاله. كما أن لها أن تسمع من أي شخص يحضر من تلقاء نفسه إذا وجدت أن في ذلك فائدة لكشف الحقيقة ) .
5- جاء في المادة السادسة والستين بعد المائة : ( مع مراعاة ما تقرر شرعاً في الشهادة بالحدود . يجب على كل شخص دعي لأداء الشهادة بأمر من القاضي الحضور في الموعد والمكان المحددين ) .
6- جاء في المادة السابعة والستين بعد المائة : ( إذا ثبت أن الشاهد أدلى بأقوال يعلم أنها غير صحيحة فيعزر على جريمة شهادة الزور ) .
7- جاء في المادة الثامنة والستين بعد المائة : ( إذا كان الشاهد صغيراً ، أو كان فيه ما يمنع من قبول شهادته فلا تعد أقواله شهادة ، ولكن للمحكمة إذا وجدت أن في سماعها فائدة أن تسمعها .وإذا كان الشاهد مصاباً بمرض ، أو بعاهة جسمية مما يجعل تفاهم القاضي معه غير ممكن فيستعان بمن يستطاع التفاهم معه ،ولا يعد ذلك شهادة )

المبدأ الرابع : مبدأ المساواة والعدالة في القضاء الشرعي .

من الأصول المقررة في الشريعة الإسلامية أن التشريع لله سبحانه وتعالى بما ورد في كتابه الكريم ، وبما ورد عن رسوله  ، وحينئذ فالإسلام بنـزعه السيادة التشريعية من يد البشر قد وضع أرسخ قاعدة لكفالة حق البشر في المساواة أمام أحكامه وتشريعه ، إذ بذلك يقطع السبيل أمام أية فئة قد تدعي لنفسها الفضل أوالتميز على غيرها من الفئات . فالقاعدة القضائية في الشريعة الإسلامية هي من عند الله ، والناس مهما علت مقاماتهم أو سمت منازلهم فهم أمام شرع الله متساوون لا امتياز لأحد على أحد. ولهذا فالقاضي في الإسلام يعتمد في قضائه على التشريع الإلهي ، فإذا كان الناس أمام التشريع الإلهي سواء على ما أسلفنا ، فهم أمام تنفيذ ما يختص منه بالقضاء سواء كذلك ، لا تفريق بينهم بسبب الأصل أو الجنس أو اللون أو الدين وليس في دار الإسلام من فرد لا تطوله يد القضاء ، ولعل ذلك من أبرز صفات القضاء في الإسلام ، ومما تميز به على النظم الأخرى فالمساواة في القضاء الإسلامي غاية تسعى العدالة إلى تحقيقها وهي قيمة وهدف ليتحقق بذلك العدل الشامل الذي تصلح به حال الدنيا وهذا مقتضى ما تدل عليه عمومات الشريعة المحكمة من تقرير قاعدة العـدل المطلق الشامـل قال تعالى :  إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ والإحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى  ( ) ، وقال سبحانه : وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى  ( ) ، وفي السنة أحاديث كثيرة تنص على وجوب قاعدة العدل الشامل ومنها ما هو في خصوص القضاء ومن ذلك ما رواه بريدة بن الحصيب  عن النبي  قال : ( القضاة ثلاثة ، واحد في الجنة واثنان في النار ، فأما الذي في الجنة فرجل عرف الحق فقضى به ورجل عرف الحق فجار في الحكم فهو في النار ،ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار ) ( )
وفي رسالة عمر بن الخطاب لأبي موسى الأشعري قاضيه على الكوفة يقول : آس بين الناس في وجهك ومجلسك وقضائك، حتى لا يطمع شريف في حيفك، ولا ييأس ضعيف من عدلك ( ) .

قال ابن القيم : (وهذا كتاب جليل تلقاه العلماء بالقبول وبنوا عليه أصـول الحكم والشهادة ، والحاكم والمفتي أحوج شيء إليه وإلى تعقله والتفقه فيه ( ) ونذكر فيما يلي صوراً تبرز مظاهر المساواة أمام القضاء الإسلامي :-
1- حادثة المرأة من بني مخزوم التي سرقت حلياً وقطيفة، فبعث قومها أسامة بن زيد بن حارثة ليشفع فيها، فرده الرسول  قائلاً: ( يا أسامة أتشفع في حد مـن حدود الله ..؟ وأيم الله لـو أن فاطمـة بنت محمـد سرقت لقطعـت يدها ) ( ) .
2- حادثة تنفيذ عمر بن الخطاب  حـد الشرب في قدامة بن مظعون الجمحـي ( ) . ، وكان صهر عمر بن الخطاب على أخته ، وقيل هو خال أم المؤمنين حفصة رضي الله عنها بنت عمر وأخيها عبد الله بن عمر بن الخطاب، وكان أميراً على البحرين ( ).
3- حادثة جبلة بن الأيهم الذي داس على ردائه أعرابي وهو يطوف حول الكعبة، فكبر ذلك عليه وهو أمير في قومه، فلطم الأعرابي المسلم، فشكا الأعرابي إلى عمر بن الخطاب  فقضى بلطم الأمير على الملأ ( ) .
4 – حادثة اليهودي الذي خاصم علي بن أبي طالب ابن عم النبي  وزوج ابنته : فعن الشعبي قال : خرج علي بن أبي طالب إلى السوق فإذا هو بنصراني يبيع درعاً قال : فعرف علي الدرع فقال : هذه درعي بيني وبينك قاضي المسلمين قال : وكان قاضي المسلمين شريح كان علي استقضاه قال : فلما رأى شريح أمير المؤمنين قام من مجلس القضاء وأجلس علياً في مجلسه وجلس شريح قدامه إلى جنب النصراني فقال له علي : أما يا شريح لو كان خصمي مسلماً لقعدت معه مجلس الخصم ولكني سمعت رسول الله  يقول : لا تصافحوهم ولا تبدءوهم بالسلام ولا تعودوا مرضاهم ولا تصلوا عليهم وألجئوهم إلى مضايق الطرق وصغروهم كما صغرهم الله ، اقض بيني وبينه يا شريح فقال شريح ما تقول يا أمير المؤمنين ؟ قال : فقال علي هذه درعي ذهبت مني منذ زمان قال: فقال شريح : ما تقول يا نصراني ؟ قال فقال النصراني : ما أكذب أمير المؤمنين الدرع هي درعي قال فقال شريح : ما أرى أن تخرج من يده فهل من بينة فقال علي  : صدق شريح قال فقال النصراني : أما أنا أشهد أن هذه أحكام الأنبياء أمير المؤمنين يجيء إلى قاضيه وقاضيه يقضي عليه هي والله يا أمير المؤمنين درعك اتبعتك من الجيش وقد زالت عن جملك الأورق فأخذتها فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله قال : فقال علي  : أما إذا أسلمت فهي لك وحملـه على فرس عتيق قال : فقال الشعبي : لقـد رأيته يقاتل المشركين ، فوهبها علي  له ، وفرض له ألفين ، وأصيب معـه يوم صفين ( ).

4- ومن مظاهر المساواة أمام القضاء في عهد الدولة العباسية، حادثة الحكم ضد الخليفة المنصور، فقد ادعى عليه جماعة حقاً لهم أمام القاضي محمد بن عمران الطلحي، فأرسل القاضي إلى الخليفة يستدعيه، فاستجاب الخليفة وحضر مجلس القضاء، وأجلسه القاضي مع الخصوم، وبعد سماع أقوال طرفي القضية حكم القاضي ضد الخليفة، وبعد انصراف الناس وعودة الخليفة إلى دار الخلافة استدعى القاضي الطلحي ، فذهب وهو يخشى غضب السلطان، ولما مثل بين يديه قال له المنصور: جزاك الله عن دينك ونبيك وعن حسبك وعن خليفتك أحسن الجزاء ( ) .
والناظر بدراسة دقيقه للجزئيات الفقهية في القواعد التي قررها فقهاء الإسلام لسير النظر في القضايا المعروضة على القاضي الشرعي يجدها تتفق على الانطلاقة من قاعدة تحقيق المساواة والحرص على أن يكون هذا المبدأ أساساً من أسس القضاء في الإسلام من وجوه متعددة ، وأن على القاضي أن يكون حيادياً فلا ينحاز لأحد دون أحد، وأن يعتبر طرفي الخصومة على قدم المساواة، وأن يتجرد عن كل مصلحة له أو علاقة مع أحدهما؛ ولذلك نعرض بعض الصور التي توضح لنا عناية الشريعة بذلك في الأحكام التالية المقررة عند مجتهدي الشريعة :-
1- يجب على القاضي أن يساوي بين الخصوم في مجلس القضاء في كل شيء، بالجلوس والسلام والنظر والمخاطبة ، قال ابن القيم رحمه الله 🙁 إذا عدل الحاكم في هذا بين الخصمين فهو عنوان عدله في الحكومة فمتى خص أحد الخصمين بالدخول عليه أو القيام له أو بصدر المجلس والإقبال عليه والبشاشة له والنظر إليه كان عنوان حيفه وظلمه ..وفي تخصيص أحد الخصمين بمجلس أو إقبال أو إكرام مفسدتان إحداهما : طمعه في أن تكون الحكومة له فيقوى قلبه وجنانه ، والثانية أن الآخر ييأس من عدله ويضعف قلبه وتنكسر محجته ) ( ) .
2- يمنع القاضي من النظر في دعوى أقاربه ، لتأمين حياده تجاه الخصوم. قال الفقهاء: ولا ينفذ حكمه لنفسه ولا لمن لا تقبل شهادته له كوالده وولده وزوجته ولا على عدوه ( )
3- الشريعة حرمت على القاضي مسارة أحد الخصمين دون الآخر، أو تلقينه حجته، أو تعليمه كيف يدعي إلا أن يترك ما يلزمه ذكره في الدعوى ليتضح للقاضي تحرير الدعوى ( ) .
4- أن الشريعة حرمت على القاضي أن يضيف أحد الخصمين أو يستضيفه لئلا يكون إعانة على خصمه وكسر قلبه ، وهكذا حرمت الشريعة على القاضي أن يقبل الهدية ممن لم يكن يهديه قبل ولايته أو ممن كانت له حكومة مطلقاً؛ لأن قبولها ممن لم تجر عادته بمهاداته ذريعة إلى قضاء حاجته فيقوم عنده شهوة لقضاء حاجته. كل ذلك لقاعدة سد الذرائع المعتبرة في الشريعة ( ) .
5- إن الشريعة منعت القاضي من الحكم بعلمه وهو الراجح من قولي العلماء منعاً لاتهامه وتحيزه، والطعن في حياده ( ) .
6- أن الفقهاء ذكروا أنه يكره للقاضي أن يبيع أو يشتري بنفسه، ولكن يجعل له وكيلاً لا يعرف به خشية المحاباة وحفاظاً على الحياد المطلوب ( ) .
فمن الأمثلة السالفة وغيرها مما لم نذكره يظهر لنا صورة القاضي في ظلال التشريع الإسلامي، وهي صورة نسبية لا يمكن أن توصف بالتقييد والجمود ، ولا يوصف بالقاضي المطلق؛ لأن القاضي إنسان مهما حاول التجرد والنـزاهة فلا يعطى الحرية المطلقة؛ لأن الشريعة أقامت الحدود وأقرت الحقوق وألزمت كل فرد بالوقوف عند حده، وعدم مجاوزة حقه، قال الله تعالى:  تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا ( ) .
هذا وإذا تقرر لنا هذا المبدأ كقاعدة من قواعد القضاء في الإسلام فإن نظام القضاء في المملكة العربية السعودية وهو الذي يعتمد الشريعة الإسلامية مصدره وعمدته نجد أن نظام المرافعات الشرعية فيه يعتبر مبدأ المساواة ، مبدأً أساساً في نظامه المشار إليه ولهـذا تطالعنا المادة الأولى من هذا النظام بما نصه ( تطبق المحاكم على القضايا المعروضة أمامها أحكام الشريعة الإسلامية ، وفقاً لما دل عليه الكتاب والسنة ، وما يصدره ولى الأمر من أنظمة لا تتعارض مع الكتاب والسنة ، وتتقيد في إجراءات نظرها بما ورد في هذا النظام ) ( ) .
وفي مقام التفصيل تذكر الآتي : ـ
1- نص النظام على تقرير مبدإ المساواة في إدخال الخصوم مجلس القضاء ، ففي المادة الستين منه ما نصه : ( ينادى على الخصوم في الساعة المعينة لنظر قضيتهم ) .
2- منع النظام القاضي من التلقين أو تعليم الخصم الإدلاء بدعواه حين يقصر النظام وظيفة القاضي على مجرد السؤال عند الضرورة لما هو لازم لتصحيح الدعوى ففي المادة التاسعة والستين ما نصه : ( على القاضي أن يسأل المدعي عما هو لازم لتحرير دعواه قبل استجواب المدعى عليه وليس له ردها لتحريرها ولا السير فيها قبل ذلك )
3- ولتقرير مبدإ المساواة تنص المادة التسعون أيضاً على ما يلي : ( يكون القاضي ممنوعاً من نظر الدعوى وسماعها ولو لم يطلب ذلك أحد الخصوم في الأحوال الآتية :
أ‌- إذا كان زوجاً لأحد الخصوم أو كان قريباً أو صهراً إلى الدرجة الرابعة .
ب‌- إذا كان له أو لزوجته خصومة قائمة مع أحد الخصوم في الدعوى أو مع زوجته .
ج‌- إذا كان وكيلاً لأحد الخصوم ، أو وصياً ، أو قيماً عليه ، أو مظنونة وراثته له ، أو كان زوجاً لوصي أحد الخصوم أو القيم عليه ، أو كانت له صلة قرابة أو مصاهرة إلى الدرجة الرابعة بهذا الوصي أو القيم .
د – إذا كان له أو لزوجته أو لأحد أقاربه أو أصهاره على عمود النسب أو لمن يكون هو وكيلاً عنه أو وصياً أو قيما عليه ، مصلحة في الدعوى القائمة .
هـ- إذا كان قد أفتى أو ترافع عن أحد الخصوم في الدعوى أو كتب فيها ولو كان ذلك قبل اشتغاله بالقضاء ، أو كان قد سبق له نظرها قاضياً أو خبيراً أو محكما ، أو كان قد أدى شهادة فيها ، أو باشر إجراء من إجراءات التحقيق فيها ، كما تنص المادة الحادية والتسعون على ما يلي ( يقع باطلاً عمل القاضي أو قضاؤه في الأحوال المتقدمة في المادة التسعين ولو تم باتفاق الخصوم ، وإذا وقع هذا البطلان في حكم مؤيد من محكمة التمييز جاز للخصم أن يطلب منها إلغاء الحكم وإعادة نظر الطعن أمام قاض آخر ) ، كما تنص المادة الثانية والتسعون على ما يلي ( يجوز رد القاضي لأحد الأسباب الآتية :
ب‌- إذا كان له أو لزوجته دعوى مماثلة للدعوى التي ينظرها .
ت‌- إذا كان له أو لزوجته خصومة مع أحد الخصوم أو مع زوجته بعد قيام الدعوى المنظورة أمام القاضي ، ما لم تكن هذه الدعوى قد أقيمت بقصد رده عن نظر الدعوى المنظورة أمامه .
ج- إذا كان لمطلقته التي له منها ولد ، أو لأحد أقاربه ، أو أصهاره إلى الدرجة الرابعة خصومة قائمة أمام القضاء مع أحد الخصوم في الدعوى ، أو مع زوجته ، ما لم تكن هذه الخصومة قد أقيمت أمام القاضي بقصد رده .
د- إذا كان أحد الخصوم خادماً له ، أو كان القاضي قد اعتاد مؤاكلة أحد الخصوم أو ساكنته ، أو كان قد تلقي منه هدية قبل رفع الدعوى أو بعده .
هـ – إذا كان بينه وبين أحد الخصوم عداوة أو مودة يرجح معها عدم استطاعته الحكم بدون تحيز ) .
4 – يعنى النظام بتقرير مبدإ المساواة في مواد أخرى ومنها المادة الثانية بعد المائة ونصها ما يلي ( إذا كان للخصم عذر مقبول يمنعه من الحضور بنفسه لاستجوابه ينتقل القاضي أو يندب من يثق به إلى محل إقامته لاستجوابه ، وإذا كان المستجوب خارج نطاق اختصاص المحكمة فيستخلف القاضي في استجوابه محكمة محل إقامته ) .
وهكذا المادة الستون بعد المائة ونصها ما يلي ( لا يجوز للمحكمة أثناء المداولة أن تسمع توضيحات من أحد الخصوم إلا بحضور الخصم الآخر ).
هذا وقد أخذ بهذا المبدأ نظام الإجراءات الجزائية أيضاً ويبرز ذلك في المواد التالية : –
1- جاء في المادة السابعة والأربعين بعد المائة ما نصه : ( مع مراعاة أحكام الفصل الثالث الخاص بحفظ النظام في الجلسة تطبق في شأن تنحي القضاة وردهم عن الحكم الأحكام الواردة في نظام المرافعات الشرعية ، كما يكون القاضي ممنوعاً من نظر الدعوى إذا كانت الجريمة قد وقعت عليه في غير أوقات انعقاد الجلسات ) .
2- جاء في المادة الثمانين بعد المائة ما نصه : ( تعتمد المحكمة في حكمها على الأدلة المقدمة إليها في أثناء نظر القضية ، ولا يجوز للقاضي أن يقضي بعلمه ولا بما يخالف علمه ) .

المبدأ الخامس : وحدة المصدر في القضاء الإسلامي .

المرجع في نظر جميع القضايا والمخاصمات إلى أحكام الشريعة الإسلامية فهي الأصل والأساس المعتمد في جميع أحكام القضاء، وليس ثمة سلطان ذو هيمنة على القضاء والقضاة إلا لحكم الشرع المطهر قال تعالى :  وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ  ( ) . وقال جل شأنه :  فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً  ( ) .
وقد نص على ذلك نظام المرافعات الشرعية في المملكة العربية السعودية في المادة الأولى، حيث نصت على ( أن المحاكم تطبق على القضايا المعروضة أمامها أحكام الشريعة الإسلامية وفقاً لما دل عليه الكتاب والسنة وما يصدره ولي الأمر من أنظمة لا تتعارض مع الكتاب والسنة ) .
وهكذا ترد المادة بنصها في نظام الإجراءات الجزائية المادة الأولى منه :
( تطبق المحاكم على القضايا المعروضة أمامها أحكام الشريعة الإسلامية ، وفقاً لما دل عليه الكتاب والسنة وما يصدره ولي الأمر من أنظمة لا تتعارض مع الكتاب والسنة ، وتتقيد في إجراءات نظرها بما ورد في هذا النظام .
وتسري أحكام هذا النظام على القضايا الجزائية التي لم يتم الفصل فيها والإجراءات التي لم تتم قبل نفاذه ) .

المبدأ السادس : مبدأ استقلال القضاء في الإسلام .

يُعد استقلال القضاء ركيزة أساسية لحياده وبُعده عن المؤثرات المخلة بمسيرته وبقدر ما تكون العناية بترسيخ هذا المبدأ وتطبيقه تتحقق بشكل أدق وأكمل غايته المقصودة منه وهي إقامة العدل والقسط بين الناس في سائر الحكومات والخصومات قال تعالى:  إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ  ( ) .
هذا وقد نص نظام القضاء بالمملكة العربية السعودية على تقرير مبدأ استقلال القضاء ، وذلك حسب الآتي : ـ
1- جـاء في المـادة الأولى من نظام القضـاء ما نصه 🙁 القضاة مستقلون لا سلطان عليهم في قضائهم لغير أحكام الشريعة الإسلامية والأنظمة المرعية وليس لأحد التدخل في القضاء ) ( ) .
2- تضمنت المادة السابعة والعشرون من النظام المشار إليه ما نصه :ـ ( في غير القضايا التي يقتضي النظر فيها الوقوف على محل النزاع ، لا يجوز أن تعقد المحاكم جلساتها في غير مقرها ، ومع ذلك يجوز عند الضرورة أن تعقد المحاكم العامة والمحاكم الجزئية جلساتها في غير مقرها ولو خارج دائرة اختصاصها بقرار من وزير العدل ) وذلك من أجل إبعاد القضاء عن أي مؤثر من شأنه التأثير على سير العدالة .
3- نصت المادة الثامنة والخمسون من هذا النظام أيضاً على ما يلي : ( أنه لا يجوز الجمع بين وظيفة القضاء ومزاولة التجارة أو أية وظيفة أو عمل لا يتفق مع استقلال القضاء وكرامته ، ويجوز لمجلس القضاء الأعلى أن يقرر منع القاضي من مباشرة أي عمل يرى أن القيام به يتعارض مع واجبات الوظيفة وحسن أدائها ) ، وهذا يفيد تقرير مبدإ إبعاد القاضي عن كل ما لا يتفق مع استقلال القضاء ومع إعزازه والحفاظ على حياده.
4- نصت المادة السادسة والخمسون بعد المائتين من نظام تركيز مسئوليات القضاء الشرعي على أنه ( لا يجوز اتصال القضاة أو نوابهم وموظفي المحاكم بذوي المرافعات والمصالح أو وكلائهم بصفة خاصة في موضوع قضاياهم خارج المحاكم ، وكل من يثبت عليه أنه تدخل في سير المحاكمات والمرافعات يكون مسؤولاً وفق النظام ) ( ) ، وهذه المادة تفيد تقرير مبدأ وجوب استقلال القضاء ، وأن الإخلال بذلك مناط من مناطات الجزاء العقابي .
5- كما راعى النظام القضائي في المملكة العربية السعودية مبدأ حياد القضاء واستقلاله في جملة من نصوصه ففي نظام المرافعات الشرعية تأتي المواد
من 90ـ 92 تحت الباب الثامن كلها تعالج مسائل تنحي القضاة والحالات التي يمنع القاضي فيها من النظر ( ) . كل هذا حرص من النظام القضائي في المملكة العربية السعودية على توفير الحصانة للأحكام القضائية من كل ما يؤثر على الحكم بالعدل .
6- نصت المادة الثانية من النظام القضائي المشار إليه على ما يلي : ـ
(( القضاة غير قابلين للعزل إلا في الحالات المبينة في هذا النظام ) كما نصت المادة الثالثة على ما يلي : ( مع عدم الإخلال بحكم المادة ( 55 ) لا ينقل القضاة إلى وظائف أخرى إلا برضاهم أو بسبب ترقيتهم ووفق أحكام هذا النظام ) . كما نصت المادة الرابعة منه على ما يلي : ( لا تجوز مخاصمة القاضي إلا وفق الشروط والقواعد الخاصة بتأديبهم ) وكل هذه النصوص تعطي إشارة واضحة إلى تقرير مبدأ استقلال القاضي .
7- وتأكيداً لمبدإ الاستقلال القضائي تطالعنا المادة الحادية عشرة من نظام المرافعات على ( أنه لا يجوز نقل أي قضية رفعت بطريقة صحيحة لمحكمة مختصة إلى محكمة أو جهة أخرى قبل الحكم فيها ) . وبقراءة متمعنة في نظام الإجراءات الجزائية نجد أن هذا المبدأ بارزُُ في تقريراته ومن ذلك ما جاء في المادة الخامسة بما نصه : ( إذا رفعت قضية بصفة رسمية إلى محكمة فلا تجوز إحالتها إلى جهة أخرى إلا بعدا الحكم فيها ، أو إصدار قرار بعدم اختصاصها بالنظر فيها وإحالتها إلى الجهة المختصة ) .
والتنصيص على هذه المسائل ونحوها مما يتعلق بالقضاء وتنظيمها وفق قواعد وشرائط مرسومة ترسيخ وإرساء لمبدإ استقلال القضاء.

المبدأ السابع : مبدأ تأصيل الأحكام القضائية .

حرصت الشريعة على أن تكون أحكام القضاة واضحة المصدر مؤصلة المستند، فإن اعتماد القاضي في الشريعة الإسلامية على الكتاب والسنة قال تعالى :  فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ  ( ) . وقال سبحانه :  إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ  ( ) . فإن لم يجد فيهما نصاً صريحاً اجتهد وفق القواعد العامة ، والأصول الجامعة، في الشريعة الإسلامية وفق قاعدة جلب المصالح ودرء المفاسد” وقاعدة ” تحقيق العدل” ووفق الأحكام الفقهية الاجتهادية في الفقه الإسلامي المبنية على الدليل ( ) .
قال :( إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فلـه أجران وإذا أخطأ فلـه أجر ) ( ) . وقال عليه الصلاة والسلام لمعاذ لما بعثـه قاضياً إلى اليمن (كيف تقضي قال : بكتاب الله قال : فإن لم تجد قال : فبسنة رسول الله قال : فإن لم تجد قال : اجتهد رأي ولا آلو ) ( ).

ولهذا فإن الفقه الإسلامي المستمد من الدليل بحر زاخر لا تعلم شواطئه ولا تعرف أغواره ولا تسبر خفاياه على مر الأيام ، يرحب بكل دارس ويلبي حاجة كل طالب ويشبع رغبة كل سائل فهو يستحق أن يكون من الأسس والمصادر التي يرجع إليها القضاة في أحكامهم خاصة مقلدتهم ومن هنا حرص نظام القضائي في المملكة العربية السعودية على تأصيل الأحكام القضائية في المحاكم الشرعية، وعدم تقييد القضاة في المحاكم بمذهب معين بل فتح المجال للقضاة في باب الاجتهاد حسبما يظهر لهم رجحانه بالدليل الشرعي المعتبر، وقد جرى تقعيد هذا الموضوع بثوابت مقررة، فيما صدر بالإرادة الملكية رقم 1033 في 20/3/1347هـ المتضمنة للتصديق العالي على قرار الهيئة القضائية رقم 3 في 7/1/1347هـ والذي تقرر فيه أن يكون مجرى القضاء في جميع المحاكم منطبقاً على المفتى به من مذهب الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله لسهولة مراجعة كتبه والعناية فيها بذكر الدليل على مسائله ، على أن للقضاة في حال وجود مشقة في تطبيق مسألة من مسائله، ومخالفة لمصلحة العموم الأخذ بما يحقق المصلحة ويدرأ المشقة من أقاويل المذاهب الأخرى بعد البحث والنظر.
وقد نصت المادة الثامنة من نظام القضاء الصادر في عام 1395 هـ على ما يلي 🙁 يتولى مجلس القضاء الأعلى بالإضافة إلى الاختصاصات المبينة في هذا النظام ما يلي : ـ

1 – النظر في المسائل الشرعية التي يرى وزير العدل ضرورة تقرير مبادئ عامة فيها ) وذلك لتأصيلها بالمنظور الشرعي، ولهذا نصت المادة التاسعة والثمانون من هذا النظام على تشكيل إدارة فنية للبحوث بوزارة العدل تتألف من عدد كافٍ من الأعضاء لا يقل مؤهل أي منهم عن شهادة كلية الشريعة، ويجوز أن يختاروا عن طريق ندب بعض القضاة للعمل في هذه الإدارة لتتولى استخلاص المبادئ القضائية التي تقررها محكمة التمييز أو مجلس القضاء بعد تبويبها وفهرستها ونشرها كما تتولى هذه الإدارة إعداد البحوث اللازمة ومراجعة الأحكام وإبداء الرأي في القواعد الفقهية التي بنيت عليها من حيث مدى موافقتها للعدل في ضوء الظروف والأحوال المتغيرة وذلك تمهيداً لعرضها على مجلس القضاء الأعلى لتقرير مبادئ فيها، وكل ذلك لتأصيل وتقعيد الأحكام وتقرير أدلتها ومستنداتها ) .وأخيراً يأتي تأصيل الأحكام القضائية في نظام المرافعات الشرعية وفي نظام الإجراءات الجزائية في المملكة العربية السعودية وهو ما أصل في الأنظمة السابقة وذلك باعتماد أحكام الشريعة في القضاء ففي المادة الأولى من هذين النظامين يأتي النص الصريح على ما يلي : ( تطبق المحاكم على القضايا المعروضة أمامها أحكام الشريعة الإسلامية وفقاً لما دل عليه الكتاب والسنة وما يصدره ولي الأمر من أنظمة لا تتعارض مع الكتاب والسنة …إلخ ) .

المبدأ الثامن: مبدأ تسبيب الأحكام القضائية .

تسبيب الأحكام القضائية وبيان مستنداتها بالدليل والتعليل مبدأ مكفول في النظام القضائي في الإسلام وهذه طريقة القرآن الكريم والسنة المطهرة في بيان الأحكام، وبيان عللها المؤثرة ، وأوصافها المعتبرة فكان النبي يعلل للأحكام التي يحكم بها، فقد قضى  بحضانة ابنة حمزة لخالتها وقال : ( الخالة بمنـزلة الأم ) ( ) ،
قال ابن حجر :وفيه من الفوائد أن الحاكم يبين دليل الحكم للخصم ( ) .
ويقول ابن القيم : والمقصود أن الشارع مع كون قوله حجة بنفسه يرشد الأمة إلى علل الأحكام ومداركها وحكمها فورثته من بعده كذلك ( ) .
ولهذا فالراجح من قولي أهل العلم أنه يجب على القاضي ذكر مستنده في ضبط الحكم وذكر الواقعة المؤثرة وكيفيـة ثبوتها في جميع الأحكـام من المعامـلات والجنايات وغيرها (3) .
ذلك أن في ذكر سبب الحكم من الفوائد ما يلي ( ) :
1- أن فيه بياناً لحدود أثر الحكم وحجته ، فالحكم المبني على البينة يختلف عن الحكم المبني على الإقرار من حيث الآثار .
2- أن التسبيب أطيب لنفس المحكوم عليه ، ليعلم أن القاضي إنما قضى عليه بعد الفهم عنه ، ويدفع عن القاضي الريبة ، وتهمة الميل إلى أحد الخصوم .
3- أن التسبيب يحمل القاضي على الاجتهاد وبذل الوسع في تقرير الأحكام للوقائع القضائية .
4- تمكين الخصم المحكوم عليه من الطعن في الحكم وما بني عليه عند الاعتراض على الحكم وعدم القناعة به .
وكذا أيضاً تمكين المحكمة المختصة وهي محكمة التمييز من دراسة أحكام القضاة وتدقيقها ، فيسهل عليها أداء مهمتها في مراجعة الحكم وتمييزه .
وهذا المبدأ أصل مقرر في الأنظمة القضائية بالمملكة العربية السعودية .
ويتضح ذلك من خلال التقرير الآتي :-
أ‌- أولاً :جاء في المادة الخامسة والثلاثين من نظام القضاء ما نصه 🙁 يجب أن تشتمل الأحكام على الأسباب التي بنيت عليها وعلى بيان مستند الحكم )
ب‌- ثانياً : قرر نظام المرافعات الشرعية بالمملكة العربية السعودية مقتضى هذه المادة كما هو ظاهر من المواد الآتية :
1- نصت المادة الثانية والستون بعد المائة من نظام المرافعات الشرعية على وجوب ذكر الأسباب التي بني عليها الحكم ، فجاء فيها ما نصه : ( بعد قفل باب المرافعة والانتهاء إلى الحكم في القضية يجب تدوينه في ضبط المرافعة مسبوقاً بالأسباب التي بني عليه ثم يوقع عليه القاضي أو القضاة الذين اشتركوا في نظر القضية ) )
2- جاء في نص المادة الثالثة والستين بعد المائة ما يلي:ـ ( ينطق بالحكم في جلسة علنية بتلاوة منطوقة أو بتلاوة منطوقة مع أسبابه ، .. إلخ )
ج‌- ثالثاً : أن هذا المبدأ مقرر من جهة عناية نظام القضاء بضرورة ذكر المخالف في حكم مشترك مع قضاة آخرين للأسباب المعللة للمخالفة وأن يسجل ذلك في محاضر القضية، فقد نصت المادة الرابعة والثلاثون من نظام القضاء بالمملكة العربية السعودية على ما يلي : ( وتصدر الأحكام بالإجماع أو بالأغلبية وعلى المخالف توضيح مخالفته وأسبابها في ضبط القضية وعلى الأكثرية أن توضـح وجهـة نظرها بالرد على مخالفة المخالف في سجل الضبط ) ( ) .
د- رابعاً: أن المادة الثالثة والعشرين من نظام تركيز مسؤوليات القضاء الشرعي تقضي بإلزام هيئة تدقيق الأحكام بذكر مستندها في نقض الأحكام والقرارات الصادرة منها في المعاملات المعروضة عليها مع ذكر النص الشرعي والتعليمات التي تستند عليها، والإشارة إلى صحيفة النص ، وهو ما أكدته المادتان الحادية والثمانون بعد المائة والثامنة والثمانون بعد المائة من نظام المرافعات الشرعية ففي المادة الحادية والثمانون بعد المائة ما نصه: ( بعد إطلاع القاضي الذي أصدر الحكم المعترض عليه على مذكرة الاعتراض يجوز له أن يعيد النظر في الحكم من ناحية الوجوه التي بنى عليها الاعتراض من غير مرافعة ، وعليه أن يؤكد حكمه أو يعدله حسبما يظهر له ، فإذا أكد حكمه فيرفعه مع صورة ضبط القضية وكامل الأوراق إلى محكمة التمييز ، أما إذا عدله فيبلغ الحكم المعدل للخصوم ، وتسرى عليه في هذه الحالة الإجراءات المعتادة ) .
وفي المادة الثامنة والثمانون بعد المائة ما نصه 🙁 على المحكمة التمييز في حال اقتناعها بإجابة القاضي عن ملحوظاتها أن تصدق الحكم ، وفي حال عدم إقناعها وتمسك القاضي برأيه فلها أن تنقض الحكم كله أو بعضه بحسب المال مع ذكر المستند وإحالة القضية إلى قاض آخر ومع ذلك إذا كان الموضوع بحالته صالحاً للحكم واستدعت ظروف القضية سرعة الإجراء جاز لها أن تحكم فيه فإذا كان النقض للمرة الثانية وجب عليها أن تحكم في الموضوع ، وفي كل حال تحكم فيها يجب أن يتم حكمها بحضور الخصوم وسماع أقوالهم ، ويكون حكمها قطعياً بالإجماع أو بالأكثرية ) .

هـ – أن هذا المبدأ منصوص عليه في نظام الإجراءات الجزائية حيث ورد في المادة الثانية والثمانين بعد المائة ما نصه : ( يتلى الحكم في جلسة علنية ولو كانت الدعوى نظرت في جلسات سرية ، وذلك بحضور أطراف الدعوى ، ويجب أن يكون القضاة الذين اشتركوا في الحكم قد وقعوا عليه ، ولابد من حضورهم جميعاً وقت تلاوته ما لم يحدث لأحدهم مانع من الحضور ، ويجب أن يكون الحكم مشتملاً على اسم المحكمة التي أصدرته ، وتاريخ إصداره ، وأسماء القضاة وأسماء الخصوم ، والجريمة موضوع الدعوى ، وملخص لما قدمه الخصوم من طلبات ، أو دفاع ، وما استند عليه من الأدلة والحجج ، ومراحل الدعوى ، ثم أسباب الحكم ونصه ومستنده الشرعي ، وهل صدر بالإجماع ، أو بالأغلبية ) .

المبدأ التاسع : مبدأ مراعاة المصالح الزمانية والمكانية .

من المبادئ المقررة في القضاء لدى فقهاء الشريعة جواز تحديد الولاية القضائية وتخصيصها نوعاً ومكاناً وزماناً، وذلك مراعاة لمصالح ظاهرة تعود على عموم المتقاضين ومجتمعاتهم ( ) ، وهذا المبدأ مقرر في القضاء وغيره من تصرفات المكلفين في الحياة ، ولهذا من القواعد القطعية للشريعة : ( قاعدة جلب المصالح ودرء المفاسد ) بل إن الشيخ العز بن عبد السلام رحمه الله أرجع جميع أحكام الشريعة إلى هذه القاعدة كما أوضح ذلك في كتابه قواعد الأحكام في مصالح الأنام . هذا وقد وردت نظم القضاء في المملكة مراعية لهذا المبدأ ومقررة له ، حيث جاءت نصوص المواد من الثانية والعشرين حتى السادسة والعشرين من نظام القضاء تنص على جواز تشكيل محاكم عامة وأخرى جزئية وأخرى متخصصة ، ولكل منها اختصاص محدد بقرار من وزير العدل بناءً على اقتراح من مجلس القضاء الأعلى، كما أوضحت العديد من المواد في نظام المرافعات الشرعية من الباب الثاني الاختصاص الدولي والنوعي والمحلي وذلك من المادة الرابعة والعشرين حتى الثانية والثلاثين .
هذا وقد أوضح الفصل الأول من نظام الإجراءات الجزائية الاختصاصات الجزائية وذلك من المادة الثامنة والعشرين بعد المائة حتى المادة الثالثة والثلاثين بعد المائة .

المبدأ العاشر: مبدأ سرعة البت في فصل القضاء في المنازعات.

من المبادئ التي يرتكز عليها القضاء في الإسلام مبدأ سرعة الفصل في النـزاع ، وعدم جواز التأخير بلا مسوغ شرعي، ونشير بإيجاز إلى هذا المبدأ في المحاور الآتية:
المحور الأول : من الأسس المقررة في علم القضاء الشرعي ضرورة الإسراع في البت والحكم في القضية المعروضة، وعدم التريث في إصدار الحكم، إلا إذا كان هناك ما يدعو للتأخير. ومن القواعد المقررة: “وجوب إصدار الحكم عند استكمال القاضي سماع كلام الخصمين، وحججهما ودفوعهما “. وهذا هو الذي كان عليه القضاء في عهد النبي  ، ( حيث كان يقضي بين الخصوم في مجلس المخاصمة ولم يكن يرجئهم إلى وقت آخر كما قضى بين الزبير والأنصاري في ماء شراج الحرة ( ) ، وكما قضى بين كعب بن مـالك وعبـد الله بن أبي حـدرد بالصلـح بينهما بالنصف في دين ) ( ) ، وهكذا كان القضاء في عهد خلفائه الراشدين رضي الله عنهم فقد جاء في رسالة عمر  إلى معاوية  ، وهو أمير بالشام ( أما بعد فإني كتبت إليك في القضاء بكتاب لم آلك فيه ونفسي خيراً، فالزم خصالاً يسلم دينك ، وتأخذ بأفضل حظك عليك، إذا حضر الخصمان فالبينة العدول، والأيمان القاطعة، أدن الضعيف حتى يجترئ وينبسط لسانه، وتعاهد الغريب فإنه إن طال حبسه ترك حقه، وانطلق إلى أهله، وإنما أبطل حقه من لم يرفع به رأساً، واحرص على الصلح بين الناس ما لم يستبن لك القضاء ) ( ) .

ذلك أن التأخير في إصدار الأحكام بعد توافر أسبابها، وانتقاء موانعها يترتب عليه من المفاسد، وضياع الحقوق الشيء الكثير، فكم من إنسان يترك حقه خوفاً من إهدار وقته، وماله في التقاضي الذي يعلم تهربه من إصدار الحكم. ومن قواعد الشريعة ” لا ضرر ولا ضرار ( ) ، قال الشيخ محمد الطاهر بن عاشور رحمه الله 🙁 بقي علينا إكمال القول في مقصد التعجيل بإيصال الحقوق إلى أصحابها وهو مقصد من السمو بمكانه ، فإن الإبطاء بإيصال الحق إلى صاحبه عند تعينه بأكثر مما يستدعيه تتبع طريق ظهوره يثير مفاسد كثيرة، منها: حرمان صاحب الحق من الانتفاع بحقه ، وذلك إضرار به ، ومنها إقرار غير المستحق على الانتفاع بشيء ليس له وهو ظالم للمحق ..ومنها استمرار المنازعة بين المحق والمحقوق وفي ذلك فساد حصول الاضطراب في الأمة ، فإن كان في الحق شبهة للخصمين ولم يتضح المحق، من المحقوق ففي الإبطاء مفسدة بقاء التردد في تعيين صاحب الحق وقد يمتد التـنازع بينهما في ترويج كل شبهته، وفي كلا الحالين تحصل مفسدة تعريض الأخوة الإسلامية للوهن والانخرام ، ومنها تطرق التهمة إلى الحاكم في تريثه بأنه يرد إملال المحق حتى يسأم متابعة حقه، فيتركه فينتفع المحقوق ببقائه على ظلمة فتـزول حرمة القضاء من نفوس الناس، وزوال حرمته من النفوس مفسدة عظيمة” ( ) .
المحور الثاني: سرعة البت في القضايا مشروط بشرط أساس، وهو أن يكون ذلك بعد دراسة القضية دراسة عميقة واعية، ناشئة عن الفهم الشرعي للقضية، أما إذا لم يستوف فيها ما يجب استيفاؤه من طرق بيان الحق، فحينئذٍ الإسراع بالفصل بين الخصمين ليس محموداً .

بل يجب على القاضي أن يراقب أحوال الخصوم عند الإدلاء بالحجج ودعوى الحقوق، فإن توسم في أحد الخصمين أنه أبطن شبهة أو اتهمه بدعوى الباطل إلا أن حجته في الظاهر متجهة والذي بيده من الأدلة موافق لظاهر دعواه، فعلى القاضي التمعن في الفحص والبحث عن حقيقة ما توهم فيه، فإن من الناس اليوم من كثرت مخادعتهم واتهمت أمانتهم، ويحسن أن يتقدم إليه بالموعظة إن رأى لذلك وجهاً، ويخوفه بالله سبحانه وتعالى .
فإن أناب وإلا أمضى الحكم على ظاهره ، ومتى عرضت له شبهة فليقف ويوالي الكشف ولا يعجل في الحكم، مع قوة الشبهة، وليجتهد في ذلك بحسب قدرته ، حتى تتبين له حقيقة الأمر في تلك الدعوى أو تنتفي عنه الشبهة .جاء في المغنى : إذا اتصلت به الحادثة واستنارت الحجة لأحد الخصمين حكم ، وإن كان فيها لبس أمرهما بالصلح ، فإن أبيا أخرهما إلى البيان ، فإن عجلها قبل البيان لم يصح حكمه ( ) .

الحالات التي يجوز فيها تأخير الحكم.

باستقراء مجمل كلام أهل العلم تجاه قضية تأخير الحكم نجد أن مسوغات تأخير الحكم تعود لحالتين نذكرهما بشيء من التفصيل:
الحالة الأولى: رجاء الصلح بين الخصمين: فالصلح مطلب شرعي وغرض ديني ، أمر الله به في مواطـن كثيرة ، وأخبر أن الخير في الصلح  وَالصُّلْحُ خَيْرٌ  ( ) ، وأرشد إليه  في الأمور عامة وفي المنازعات خاصة، ولذا لما تنازع عنده رجلان في مواريث لهما قال لهما  : (اذهبا فاقتسما) ثم توخيا إلى الحق ثم استهما ثم ليحلل كل منكما صاحبه) ( ) ، ويتأكد الصلح في موضعين:
الموضع الأول: إذا كانت المنازعات بين قرابة أو بين أهل فضل .
فإذا خشي القاضي تفاقم الأمر بين الخصمين أو كانا من أهل الفضل أو بينهما رحم أمرهما بالصلح” والمستند ما جاء عن عمر  أنه قال : ردوا الخصوم لعلهم أن يصلحوا، فإن فصل القضاء يحدث بين القوم الضغائن” ( ) ، وفي لفظ آخر “ردوا الخصوم إذا كانت بينهم قرابة فإن فصل القضاء يورث بينهم الشنآن” ( ) .
الموضع الثاني: إذا التبست على القاضي الأمور وأشكلت عليه القضية.
إذا كان في القضية لبس أو كانت الدعوى في أمور درست وتقادمت وتشابهت، فإن القاضي يحاول في الصلح، فإن أبياه، فلا يعجل في الحكم، بل يؤخرهما إلى البيان، فإن عجل الحكم قبل البيان لم يصح الحكم، قال ابن قدامة في المغني: ” وإذا اتصلت به الحادثة واستنارت الحجة لأحد الخصمين حكم، وإن كان فيها لبس أمرهما بالصلح، فإن أبيا أخرهما إلى البيان، فإن عجلها قبل البيان لم يصح حكمه” ( ) .
مسألة : قال بعض العلماء: ” إن القاضي لا يزيد في عرض الصلح على مرة أو مرتين ، فإذا اصطلحا وإلا قضى بينهما بما يوجب الشرع” .
وقد اشترط العلماء في أمر القاضي بالصلح ألا يتبين له وجه الحكم، فعلى هذا فمتى تبين له الظالم من المظلوم لم يسعه من الله سبحانه إلا فصل القضاء.
جاء في المغني : ” قال أبو عبيد إنما يسعه الصلح في الأمور المشكلة، أما إذا استنارت الحجة لأحد الخصمين وتبين له موضع الظالم، فليس له أن يحملهما على الصلح، ونحوه قول عطاء واستحسنه ابن المنذر، وروي عن شريح أنه ما أصلح بين متحاكمين إلا مرة واحدة” ( ) .
قال ابن القيم رحمه الله : ( والصلح الجائر هو الظالم بعينه وكثير من الناس لا يعتمد العدل في الصلح بل يصلح صلحاً ظالماً جائراً فيصالح بين الغريمين على دون الطفيف من حق أحدهما “وكثير من الظلمة المصلحين يصلح بين القادر الظالم والخصم الضعيف المظلوم بما يرضي به القادر صاحب الجاه ، ويكون له فيه الحظ ، ويكون الإغماض والحيف فيه على الضعيف، ويظن أنه قد أصلح ، ولا يمكن المظلوم من أخذ حقه وهذا ظلم، بل يمكن المظلوم من استيفاء حقه، ثم يطلب إليه برضاه أن يترك بعض حقه بغير محاباة لصاحب الجاه ولا يشتبه بالإكراه للآخر بالمحاباة ونحوهما ) ( ) .
الحالة الثانية: من حالتي جواز تأخير الحكم إمهال مدعي البينة الغائبة: لما جاء في رسالة عمر رضي الله عنه : ( واجعل لمن ادعى حقاً غائباً أمداً ينتهي إليه ، فإنه أثبت للحجة وأبلغ في العـذر، فإن أحضر بينة إلى ذلك الأجـل أخذ بحقه وإلا وجهت عليه القضاء ) ( ) . فحتى يصل القاضي إلى الحكم الصحيح لابد من توافر أدلة الدعوى، فإذا كانت هذه الأدلة غائبة عن مجلس الحكم أو عن البلد كأن يكون بعض الشهود مسافراً، فمقتضى العدل والإنصاف أن ينظر مدعي هذه البينة مدة من الزمن كافية لإحضار بينته وأدلة دعواه ، يقول ابن القيم رحمه الله : (هذا من تمام العدل فإن المدعي قد تكون حجته أو بينته غائبة ، فلو عجل عليه بالحكم بطل حقه ، فإذا سأل أمداً تحضر فيه حجته أجيب إليه ولا يتقيد ذلك بثلاثة أيام ، بل بحسب الحاجة فإن ظهر عناده ومدافعته للحكم لم يضرب له أمداً ، بل يفصل الحكومة ، فإن ضرب هذا الأمد إنما كان لتمام العدل ، فإذا كان فيه إبطال للعدل لم يجب إليه الخصم ) ( ) .

وقد راعى نظام القضاء في المملكة العربية السعودية هذا المبدأ وحرص عليه ولذا فسرعة البت في القضايا أمر ملموس وواقع مشاهد في المملكة العربية السعودية ، فقد نصت المادة الثامنة والخمسون بعد المائة من نظام المرافعات الشرعية على مقتضى هذا المبدأ حيث نصت على أنه (متى تمت المرافعة في الدعوى قضت المحكمة فيها فوراً أو أجلت إصدار الحكم إلى جلسة أخرى قريبة تحددها مع إفهام الخصوم بقفل باب المرافعة وميعاد النطق بالحكم ) .
وعن الحالة الثانية من حالتي سوغان تأخير الحكم تنص المادة الثانية والعشرون بعد المائة من نظام المرافعات الشرعية على ما يلي ( إذا طلب أحد الخصوم إمهاله لإحضار شهوده الغائبين عن جلسة الحكم فيمهل أقل مدة كافية في نظر المحكمة فإذا لم يحضرهم في الجلسة المعينة أو أحضر منهم من لم توصل شهادته أمهل مرة أخرى مع إنذاره باعتباره عاجزاً إن لم يحضرهم ، فإذا لم يحضرهم في الجلسة الثالثة أو أحضر منهم من لم توصل شهادته فللمحكمة أن تفصل في الخصومة فإذا كان له عذر في عدم إحضار شهوده كغيبتهم أو جهلة إقامتهم كان له حق إقامة الدعوى متى حضروا ) .

المبدأ الحادي عشر: مبدأ شمول القضاء في الإسلام لجميع المنازعات .

من واجبات الدولة الإسلامية تطبيق القضاء الإسلامي في جميع المنازعات وكافة القضايا لكل الواقعات بين المتنازعين بدون استثناء أي قضية ما استجابة لقوله تعالى :  فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً  ( ) .
ولهذا فمن صفات الشريعة الإسلامية نظام الشمول والعموم لإصلاح الحياة ودرء الفساد عنها فأحكامها تشمل جميع النوازل والمستجدات بما تضمنته من كليات عامة وقواعد شاملة فضلاً عن الأحكام الخاصة ، ومن هنا فالقضاء في المملكة العربية السعودية وهو المنبثق من الشريعة الإسلامية قد نص نظامه على شمول اختصاص القضاء لكل الوقائع والحوادث والدعاوى وهذا ما تنص عليه المادة الثانية والثلاثون والتي نص الحاجة منها ( من غير إخلال بما يقضي به نظام ديوان المظالم ، تختص المحاكم العامة بجميع الدعاوى الخارجة عن اختصاص المحاكم الجزئية ) كما أن نظام القضاء في المملكة وهو يستحضر كمال الشريعة وصلاحيتها لكل زمان ومكان قد نص على هذا المقتضى ففي المادة الثامنة والثمانين بعد المائة من نظام الإجراءات الجزائية ونصها : ( كل إجراء مخالف لأحكام الشريعة الإسلامية أو الأنظمة المستمدة منها يكون باطلاً ) ، وفي المادة الأولى بعد المائتين ما نصه : ( ينقض الحكم إن خالف نصاً من الكتاب ، أو السنة ، أو الإجماع ) .

المبدأ الثاني عشر: مبدأ السهولة والتيسر في الإجراءات القضائية .

من المبادئ العظيمة في الإسلام مبدأ السماحة التي تعني سهولة المعاملة في اعتدال وتوسط بين التضييق والتساهل ، والسماحة وصف من الأوصاف القطعية للشريعة الإسلامية قال تعالى :  يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ  ( ) . وقال سبحانه :  وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج  ( ) . وقال سبحانه  مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ  ( ) . وفي السـنة قوله  : ( إن الدين يسر ..) ( ) . يقول الشاطبي رحمه الله : ( إن الأدلة على رفع الحرج في هذه الأمة بلغت مبلغ القطع ) ( ) ، ومن هذا المبدأ العام في الشريعة ، أحكام المرافعات في القضاء الإسلامي ، فقد بني على التيسير في إجراءاته والتسهيل في طرقه ، بما يوصل إلى مقصوده الأصلي ، وهو : إحقاق الحق وإنصاف المظلوم ورد الحقوق إلى أهلها ، ولهذا كانت طرق المرافعات في عهد النبوة وما يليه بسيطة جداً ( )
ولكن مع طول العهد والاجتراء من بعض الناس على الحقوق وابتكارهم تحيلات شتى ، وظهور شهادة الزور في آخر خلافة عمر ، واستباحة بعض الخصوم النكاية بخصومهم وتحيلهم على القضاة ، لذا أخذ العلماء ينصون على أساليب في إجراء الخصومات لقطع الشغب وتحقيق الحق وأول ذلك البحث عن أحوال الشهود ، وقد قال عمر بن عبد العزيز 🙁 تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور ) ( ). لهذا ذكر العلماء في مصنفاتهم الفقهية الخاصة بأحكام القضاء كثيراً من الضوابط التي تضبط سير إجراءات التقاضي مما يتحقق بها تعطيل مفسدة استمرار الظالم على ظلمه ويحصل بها الإسراع بإيصال الحق إلى مستحقه ، ومن هنا فقد جرى نظام القضاء في المملكة العربية السعودية على هذا المبدأ ، مبدأ السماحة والتيسير ما أمكن فقد راعى نظام المرافعات الشرعية في رسم إجراءات التقاضي البساطة والبعد عن التعقيد .
كل ذلك انطلاقاً من مبدإ التيسير في التقاضي ما أمكن ، وحينما نجول بقراءة متمعنة في نظام المرافعات الشرعية في المملكة العربية السعودية نجد هذا المبدأ بارزاً في بعض نصوص مواده ومنها ما يلي :
1- المادة السادسة ونصها ما يلي : ( يكون الإجراء باطلاً إذا نص النظام على بطلانه ، أو شابه عيب تخلف بسببه الغرض من الإجراء ، ولا يحكم بالبطلان رغم النص عليه إذا ثبت تحقق الغاية من الإجراء ) ، وقد نصت اللائحة التنفيذية لهذه المادة أن الذي يقدر تحقق الغاية من الإجراء هو ناظر القضية
2- المادة العاشرة نص والحاجة منها ما يلي : ( ويجوز لأي شخص أن يختار محل إقامة خاصاً يتلقى فيه الإخطارات والتبليغات التي توجه إليه بشأن مواضيـع أو معاملات معنية بالإضافة إلى محل إقامته العام ) .
3- المادة الخامسة عشرة ونصها ما يلي 🙁 يسلم المحضر صورة التبليغ إلى من وجه إليه في محل إقامته أو عمله إن وجد، وإلا فيسلمها إلى من يوجد في محل إقامته من الساكنين معه من أهله وأقاربه وأصهاره أو من يوجد ممن يعمل في خدمته ، فإذا لم يوجد منهم أحد أو امتنع من وجد عن التسلم فيسلم الصورة حسب الأحوال إلى عمدة الحي أو قسم الشرطة أو رئيس المركز أو شيخ القبيلة الذين يقع محل إقامة الموجه إليه التبليغ في نطاق اختصاصهم حسب الترتيب السابق . وعلى المحضر أن يبين ذلك في حينه بالتفصيل في أصل التبليغ، وعلى المحضر خلال أربع وعشرين ساعة من تسليم الصورة للجهة الإدارية أن يرسل إلى الموجه إليه التبليغ في محل إقامته أو عمله خطاباً – مسجلاً مع إشعار بالتسليم – يخبره فيه أن الصورة سلمت إلى الجهة الإدارية ) .
4- المادة السابعة عشر ونصها ما يلي : ( ( يكون التبليغ نظامياً متى سلم إلى شخص من وجه إليه ولو في غير محل إقامته أو عمله ) .
5- المادة الرابعة والثلاثون ونصها ما يلي : ( تقام الدعوى في المحكمة التي يقع في نطاق اختصاصها محل إقامة المدعى عليه ، فإن لم يكن له محل إقامة في المملكة فيكون الاختصاص للمحكمة التي في نطاق اختصاصها محل إقامة المدعى ، وإذا تعدد المدعى عليهم كان الاختصاص للمحكمة التي يقع في نطاق اختصاصها محل إقامة الأكثرية ، أو في حال التساوي يكون المدعى بالخيار في إقامة الدعوى أمام أي محكمة يقـع في نطاق اختصاصها محل إقامة أحدهم ).
6- المادة السابعة والثلاثون ونصها ما يلي: ( استثناء من المادة الرابعة والثلاثين يكون للمدعى بالنفقة الخيار في إقامة دعواه في المحكمة التي يقع في نطاق اختصاصها محل إقامة المدعى عليه أو المدعى ) .
7- المادة الخامسة والأربعون ونصها ما يلي : ( إذا حضر المدعي والمدعى عليه أمام المحكمة من تلقاء نفسيهما – ولو كانت الدعوى خارج اختصاصها المكاني – وطلبا سماع خصومتهما فتسمع المحكمة الدعوى في الحال إن أمكن وإلا حددت لها جلسة أخرى ) .
8- المادة السادسة والأربعون ونصها ما يلي: ( إذا عينت المحكمة جلسة لشخصين متداعيين ، ثم حضرا في غير الوقت المعين وطلبا النظر في خصومتهما ، فعليها أن تجيب هذا الطلب إن أمكن ) .
9- المادة الخامسة والخمسون ونصها ما يلي : ( إذا غاب المدعى عليه عن الجلسة الأولى فيؤجل النظر في القضية إلى جلسة لاحقة يبلغ بها المدعى عليه، فإن غاب عن هذه الجلسة أو غاب عن جلسة أخرى دون عذر تقبله المحكمة فتحكم المحكمة في القضية، ويعد حكمها في حق المدعى عليه غيابياً ما لم يكن غيابه بعد قفل باب المرافعة في القضية فيعد الحكم حضورياً ) .
10- المادة الثانية والستون ونصها ما يلي: ( تكون المرافعة شفوية، على أن ذلك لا يمنع من تقديم الأقوال أو الدفوع في مذكرات مكتوبة تتبادل صورها بين الخصوم، ويحفظ أصلها في ملف القضية مع الإشارة إليها في الضبط، وعلى المحكمة أن تعطي الخصوم المهل المناسبة للإطلاع على المستندات والرد كلما اقتضت الحال ذلك)
11- المادة الثالثة والستون ونصها ما يلي: ( على القاضي أن يسأل المدعى عما هو لازم لتحرير دعواه قبل استجوب المدعى عليه، وليس له ردها لتحريرها ولا السير فيها قبل ذلك ) .
12- المادة الخامسة والستون ونصها ما يلي: ( إذا دفع أحد الطرفين بدفع صحيح وطلب الجواب من الطرف الآخر فاستمهل لأجله فللقاضي إمهاله متى رأى ضرورة ذلك ، على أنه لا يجوز تكرار المهلة لجواب واحد إلا لعذر شرعي يقبله القاضي ) .
13- المادة السادسة والستون ونصها ما يلي: ( يقبل باب المرافعة بمجرد انتهاء الخصوم من مرافعتهم، ومع ذلك فللمحكمة قبل النطق بالحكم أن تقرر من تلقاء نفسها أو بناء على طلب أحد الخصوم فتح باب المرافعة وإعادة قيد الدعوى في جدول الجلسات؛ وذلك لأسباب مبررة) .
14- المادة السابعة والستون ونصها ما يلي: ( للخصوم أن يطلبوا من المحكمة في أي حال تكون عليها الدعوى تدوين ما اتفقوا عليه من إقرار أو صلح أو غير ذلك في محضر المحاكمة، وعلى المحكمة إصدار صك بذلك ) .
15- المادة الخامسة والسبعون ونصها ما يلي: ( للخصم أن يطلب من المحكمة أن تدخل في الدعوى من كان يصح اختصامه فيها عند رفعها ، وتتبع في اختصامه الأوضاع المعتادة في التكليف بالحضور ، وتحكم المحكمة في موضوع طلب الإدخال والدعوى الأصلية بحكم واحد كلما أمكن ذلك ، وإلا فصلت المحكمة في موضوع طلب الإدخال بعد الحكم في الدعوى الأصلية ) .
16- المادة السادسة والسبعون ونصها ما يلي: ( للمحكمة من تلقاء نفسها أن تأمر بإدخال من ترى إدخاله في الحالات الآتية :
أ‌- من تربطه بأحد الخصوم رابطة تضامن أو حق أو التزام لا يقبل التجزئة .
ب‌- الوارث مع المدعى أو المدعى عليه ، أو الشريك على الشيوع لأي منهما إذا كانت الدعوى متعلقة بالتركة في الحالة الأولى، أو بالشيوع في الحالة الثانية.
ج – من قد يضار بقيام الدعوى أو بالحكم فهيا إذا بدت للمحكمة دلائل جدية على التواطؤ ، أو الغش ، أو التقصير من جانب الخصوم.
وتعين المحكمة ميعاداً لحضور من تأمر بإدخاله ، وتتبع الأوضاع المعتادة في التكليف بالحضور ) .
17- المادة السابعة السبعون ونصها ما يلي : ( يجوز لكل ذي مصلحة أن يتدخل في الدعوى منضما لأحد الخصوم أو طالباً الحكم لنفسه بطلب مرتبط بالدعوى ، ويكون التدخل بصحيفة تبلغ للخصوم قبل يوم الجلسة ، أو بطلب يقدم شفاهاً في الجلسة في حضورهم ويثبت في محضرها ، ولا يقبل التدخل بعد إقفال باب المرافعة ) .
18- المادة التاسعة والسبعون ونصها ما يلي: ( للمدعى أن يقدم من الطلبات العارضة ما يأتي :
أ‌- ما يتضمن تصحيح الطلب الأصلي ، أو تعديل موضوعه لمواجهة ظروف طرأت أو تبينت بعد رفع الدعوى .
ب‌- ما يكون مكملاً للطلب الأصلي ، أو مترتباً عليه ، أو متصلاً به اتصالاً لا يقبل التجزئة .
ج – ما يتضمن إضافة أو تغييراً في سبب الدعوى مع إبقاء موضوع الطلب الأصلي على حاله .
هـ- طلب الأمر بإجراء تحفظي أو وقتي ما تأذن المحكمة بتقدمه مما يكون مرتبطاً بالطلب الأصلي ) .
19- المادة الثمانون ونصها ما يلي: ( للمدعى عليه أن يقدم من الطلبات العارضة ما يأتي : ـ
أ‌- طلب المقاصة القضائية .
ب‌- طلب الحكم له بتعويض عن ضرر لحقه من الدعوى الأصلية أو من إجراء فيها .
ج- أي طلب يترتب على إجابته أن لا يحكم للمدعى بطلباته كلها أو
بعضها ،أو أن يحكم له بها مقيدة بقيد لمصلحة المدعى عليه .
د- أي طلب يكون متصلاً بالدعوى الأصلية اتصالاً لا يقبل التجزئة .
هـ- ما تأذن المحكمة بتقديمه مما يكون مرتبطاً بالدعوى الأصلية ) .
20- المادة الحادية والثمانون ونصها ما يلي: ( تحكم المحكمة في موضوع الطلبات العارضة مع الدعوى الأصلية كلما أمكن ذلك ، وإلا استبقت الطلب العارض للحكم فيه بعد تحقيقه ) .
21- المادة الرابعة والثمانون ونصها ما يلي: ( ما لم تكن الدعوى قد تهيأت للحكم في موضوعها فإن سير الخصومة ينقطع بوفاة أحد الخصوم ، أو بفقده أهلية الخصومة ، أو بزوال صفة النيابة عمن كان يباشر الخصومة عنه ، على أن سير الخصومة لا ينقطع بانتهاء الوكالة ، وللمحكمة أن تمنح أجلاً مناسباً للموكل إذا كان قد بادر فعين وكيلاً جديداً خلال الخمسة عشر يوماً من انتهاء الوكالة الأولى ، أما إذا تهيأت الدعوى للحكم فلا تنقطع الخصومة ، وعلى المحكمة الحكم فيها ) .
22- المادة الثامنة والتسعون ونصها ما يلي : ( إذا كانت بينة أحد الخصوم في مكان خارج عن نطاق اختصاص المحكمة فعليها أن تستخلف القاضي الذي يقع ذلك المكان في نطاق اختصاصه لسماع تلك البينة ) .
23- المادة الثانية بعد المائة ونصها ما يلي : ( إذا كان للخصم عذر مقبول يمنعه من الحضور بنفسه لاستجوابه ينتقل القاضي أو يندب من يثق به إلى محل إقامته لاستجوابه ، وإذا كان المستجوب خارج نطاق اختصاص المحكمة فيستخلف القاضي في استجوابه محكمة محل إقامته ) .
24- المادة الثالثة بعد المائة ونصها ما يلي: ( إذا تخلف الخصم عن الحضور للاستجواب بدون عذر مقبول ، أو امتنع عن الإجابة دون مبرر ، فللمحكمة أن تسمع البينة وأن تستخلص ما تراه من ذلك التخلف أو الامتناع ) .
25- المادة العاشرة بعد المائة ونصها ما يلي: ( إذا كان لمن وجهت إليه اليمين عذر يمنعه عن الحضور لأدائها فينتقل القاضي لتحليفه ، أو تندب المحكمة أحد قضاتها أو الملازمين القضائيين فيها ، فإذا كان من وجهت إليه اليمين يقيم خارج نطاق اختصاص المحكمة فلها أن تستخلف في تحليفه محكمة محل إقامته ، وفي كلا الحالين يحرر محضر بحلف اليمين يوقعه الحالف والقاضي المستحلف أو المندوب والكاتب ومن حضر من الخصوم ) .
26- المادة الحادية عشرة بعد المائة ونصها ما يلي: ( يجب أن يكون أداء اليمين في مواجهة طالبها إلا إذا قرر تنازله عن حضور أدائها ، أو تخلف دون عذر مقبول مع علمه بالجلسة ) .
27- المادة الثانية عشرة بعد المائة ونصها ما يلي: ( يجوز للمحكمة أن تقرر من تلقاء نفسها أو بناء على طلب أحد الخصوم معاينة المتنازع فيه بجلبه إلى المحكمة إن كان ذلك ممكناً ، أو بالانتقال إليه ، أو ندب أحد أعضائها لذلك ، على أن يذكر في القرار الصادر بذلك موعد المعاينة ، ولها أن تستخلف في المعاينة المحكمة التي يقع في نطاق اختصاصها الشيء المتنازع فيه ، وفي هذه الحالة يبلغ قرار الاستخلاف القاضي المستخلف على أن يضمن هذا القرار جميع البيانات المتعلقة بالخصوم وموضع المعاينة وغير ذلك من البيانات اللازمة لتوضيح جوانب القضية ) .
28- المادة السادسة عشر بعد المائة ونصها ما يلي: ( يجوز لكل صاحب مصلحة في إثبات معالم واقعة محتمل أن تصبح محل نزاع أمام القضاء مستقبلا أن يتقدم للمحكمة المختصة بها محليا بدعوى مستعجلة لمعاينتها بحضور ذوي الشأن وإثبات حالتها وتتم المعاينة وإثبات الحالة وفق أحكام المواد السابقة )
29- المادة الثامنة عشرة بعد المائة ونصها ما يلي: ( إذا كان للشاهد عذر يمنعه عن الحضور لأداء شهادته فينتقل القاضي لسماعها أو تندب المحكمة أحد قضائها لذلك ، وإذا كان الشاهد يقيم خارج نطاق اختصاص المحكمة فتستخلف المحكمة في سماع شهادته محكمة محل إقامته ) .
30- المادة العشرون بعد المائة ونصها ما يلي: ( تؤدى الشهادة شفوياً ولا يجوز الاستعانة في أدائها بمذكرات مكتوبة إلا بإذن القاضي بشرط أن تسوغ ذلك طبيعة الدعوى ، وللخصم الذي تؤدى الشهادة ضده أن يبين للمحكمة ما يخل بشهادة الشاهد من طعن فيه أو في شهادته ) .
31- المادة الثانية والعشرون بعد المائة ونصها ما يلي: ( إذا طلب أحد الخصوم إمهاله لإحضار شهوده الغائبين عن مجلس الحكم فيمهل أقل مدة
كافية في نظر المحكمة فإذا لم يحضرهم في الجلسة المعينة أو أحضر منهم من لم توصل شهادته أمهل مرة أخرى مع إنذاره باعتباره عاجزاً إن لم يحضرهم ، فإذا لم يحضرهم في الجلسة الثالثة أو أحضر منهم من لم توصل شهادته فللمحكمة أن تفصل في الخصومة فإذا كان له عذر في عدم إحضار شهوده كغيبتهم أو جهله محل إقامتهم كان له حق إقامة الدعوى متى حضروا ) .
32- المادة الخامسة والثمانون بعد المائة ونصها ما يلي: ( إذا وجدت محكمة التمييز أن منطوق الحكم موافق من حيث نتيجته لأصوله الشرعية صدقته مع توجيه نظر القاضي إلى ما قد يكون لها من ملحوظات ) .
33- المادة الثامنة والثمانون بعد المائة ونصها ما يلي: ( على محكمة التمييز في حال اقتناعها بإجابة القاضي عن ملحوظاتها أن تصدق الحكم ، وفي حال عدم اقتناعها وتمسك القاضي برأيه فلها أن تنقض الحكم كله أو بعضه بحسب الحال مع ذكر المستند وإحالة القضية إلى قاض آخر . ومع ذلك إذا كان الموضوع بحالته صالحاً للحكم واستدعت ظروف القضية سرعة الإجراء جاز لها أن تحكم فيه .فإذا كان النقض للمرة الثانية وجب عليها أن تحكم في الموضوع ، وفي كل حال تحكم فيها يجب أن يتم حكمها بحضور الخصوم وسماع أقوالهم ، ويكون حكمها قطعياً بالإجماع أو بالأكثرية ) .
34- المادة التاسعة والثمانون بعد المائة ونصها ما يلي: ( إذا تعذر إرسال الملحوظات إلى القاضي الذي أصدر الحكم لموت أو غيره فعلى محكمة التمييز إرسال ملحوظاتها إلى القاضي الخلف أو نقض الحكم مع ذكر الدليل ) .
35- المادة الحادية والتسعون بعد المائة ونصها ما يلي: ( إذا كان الحكم لم ينقض إلا في جزء منه بقي نافذاً في أجزائه الأخرى ما لم تكن التجزئة غير ممكنة ) .
36- المادة التاسعة والتسعون بعد المائة ونصها ما يلي: ( يجب شمول الحكم بالتنفيذ المعجل بكفالة أو بدونها حسب تقدير القاضي ، وذلك في الأحوال الآتية :

أ‌- الأحكام الصادرة في الأمور المستعجلة .
ب‌- إذا كان الحكم صادراً بتقرير نفقة ، أو أجرة رضاع ، أو سكن ، أو رؤية صغير ، أو تسليمه لحاضنه ، أو امرأة إلى محرمها ، أو فريق بين زوجين .
ج- إذا كان الحكم صادراً بأداء أجرة خادم ، أو صانع ، أو عامل ، أو مرضعة ، أو حاضنة ) .
37- المادة الثالثة والثلاثون بعد المائتين ونصها ما يلي: ( تحكم المحكمة المختصة بنظر الموضوع بصفة مؤقتة في المسائل المستعجلة التي يخشى عليها من فوات الوقت والمتعلقة بالمنازعة نفسها ، ولا يؤثر هذا الحكم على موضوع الدعوى سواء رفع طلب الحكم بالإجراء المؤقت مباشرة أو تبعاً للدعوى الأصلية ) .
38- أيضاً مما يدخل تحت هذا المبدأ ، مبدأ حرية الإنابة في حال التقاضي والتي جاءت النصوص الآتية تعالجها معالجة شاملة وذلك في المواد التالية :-
أ‌- المادة السابعة والأربعون ونصها ما يلي: ( في اليوم المعين لنظر الدعوى يحضر الخصوم بأنفسهم أو من ينوب عنهم ، فإذا كان وكيلاً تعين كونه ممن له حق التوكل حسب النظام ) .
ب‌- المادة التاسعة والأربعون ونصها ما يلي: (كل ما يقرره الوكيل في حضور الموكل يكون بمثابة ما يقرره الموكل نفسه ، إلا إذا نفاه أثناء نظر القضية في الجلسة نفسها ، وإذا لم يحضر الموكل فلا يصح من الوكيل الإقرار بالحق المدعى به ، أو التنازل ، أو الصلح ، أو قبول اليمين ، أو توجيهها ، أو ردها ، أو ترك الخصومة ، أو التنازل عن الحكم – كلياً أو جزئياً – أو عن طريق من طرق الطعن فيه ، أو رفع الحجر ، أو ترك الرهن مع بقاء الدين ، أو الإدعاء بالتزوير ما لم يكن مفوضاً تفويضاً خاصاً في الوكالة) .
وأيضاً أخذ بهذا المبدأ نظام الإجراءات الجزائية ويبدو ذلك فيما يلي :-
1- جاء في المادة السابعة والثلاثين بعد المائة ما نصه : ( يبلغ الخصوم بالحضور أمام المحكمة المختصة قبل انعقاد الجلسة بوقت كافٍ ، ويجوز إحضار المتهم المقبوض عليه متلبساً بالجريمة إلى المحكمة فوراً وبغير ميعاد ، فإذا حضر المتهم وطلب إعطاءه مهلة لإعداد دفاعه فعلى المحكمة أن تمنحه مهلة كافية )
2- جاء في المادة الأربعين بعد المائة ما نصه : ( يجب على المتهم في الجرائم الكبيرة أن يحضر بنفسه أمام المحكمة مع عدم الإخلال بحقه في الاستعانة بمن يدافع عنه ، أما في الجرائم الأخرى فيجوز له أن ينيب عنه وكيلاً أو محامياً لتقديم دفاعه ، وللمحكمة في كل الأحوال أن تأمر بحضوره شخصياً أمامها )
3- جاء في المادة الحادية والأربعين بعد المائة ما نصه : ( إذا لم يحضر المتهم المكلف بالحضور حسب النظام في اليوم المعين في ورقة التكليف بالحضور ، ولم يرسل وكيلاً عنه في الأحوال التي يسوغ فيها التوكيل فيسمع القاضي دعوى المدعي وبيناته ويرصدها في ضبط القضية ، ولا يحكم إلا بعد حضور المتهم وللقاضي أن يصدر أمراً بإيقافه إذا لم يكن تخلفه لعذر مقبول ) .
4- جاء في المادة الثانية والأربعين بعد المائة ما نصه : ( إذا رُفعت الدعوى على عدة أشخاص في واقعة واحدة وحضر بعضهم وتخلف بعضهم رغم تكليفهم بالحضور ، فيسمع القاضي دعوى المدعي وبيناته على الجميع ، ويرصدها في ضبط القضية ، ولا يحكم على الغائبين إلا بعد حضورهم ) .
5- جاء في المادة الثامنة والأربعين بعد المائة ما نصه : ( لمن لحقه ضرر من الجريمة ولوارثه من بعده أن يطالب بحقه الخاص مهما بلغ مقداره أمام المحكمة المنظورة أمامها الدعوى الجزائية في أي حال كانت عليها الدعـوى ، حتى لو لم يقبل طلبه أثناء التحقيق ) .
6- جاء في المادة الثالثة والسبعين بعد المائة ما نصه : ( لكل من الخصوم أن يقدم إلى المحكمة ما لديه مما يتعلق بالقضية مكتوباً ، ليضم إلى ملف القضية ) .

المبدأ الثالث عشر: مبدأ اعتبار المعاني والمقاصد .

العبرة في الأحكام الشريعة الإسلامية للمقاصد والمعاني لا الألفاظ والمباني ، فمبناها على اعتبار ما تشتمل عليه الأحوال والأوصاف والأقوال والأفعال من المعاني المنتجة صلاحاً ونفعاً والمقاصد التي يقصدها المكلف من تلك التصرفات ويعتبرها الشارع محققة لمقصوده الأصلي من التكليف أو لمقصودة في نفع المكلف دون اعتبار للأسماء والأشكال الصورية ( ) .
وقد أخذ نظام المرافعات الشرعية في المملكة العربية السعودية بهذا المبدأ فنحى إلى عدم المغالاة في الشكلية البحتة فلم يغالي في الشكليات التي لا طائل من ورائها حينما جعل العبرة دائماً بالغاية من الإجراء والغاية العامة من إجراءات التقاضي هي إعطاء صاحب الحق حقه .
ولهذا نصت المادة السادسة على مايلي: ( يكون الإجراء باطلاً إذا نص النظام على بطلانه ، أو شابه عيب تخلف بسببه الغرض من الإجراء ، ولا يحكم بالبطلان رغم النص عليه إذا ثبت تحقق الغاية من الإجراء ) .
وفسرت اللائحة التنفيذية لهذه المادة بأن الذي يقدر تحقق الغاية من الإجراء هو ناظر القضية ، وبمثل هذا المعنى أخذ نظام الإجراءات الجزائية ، ففي المادة التسعين بعد المائة ما نصه : ( في غير ما نص في المادة التاسعة والثمانين بعد المائة ، إذا كان البطلان راجعاً إلى عيب في الإجراء يمكن تصحيحه فعلى المحكمة أن تصححه . وإن كان راجعاً إلى عيب لا يمكن تصحيحه فتحكم ببطلانه ) ، وفي المادة الحادية والتسعين بعد المائة ما نصه : ( لا يترتب على بطلان الإجراء بطلان الإجراءات السابقة عليه ولا الإجراءات اللاحقة له إذا لم تكن مبنية عليه ) .

المبدأ الرابع عشر : مبدأ تدوين المرافعة .

والمراد بتدوين المرافعة كتابة مرافعة الخصمين من الدعوى والإجابة والبينات والأيمان والنكول وجميع المناقشات والإفادات المتعلقة بها كتابة الحكـم وأسبابه في محضر الحكم ( ) .
والقضاء في الإسلام قد تأصل فيه تدوين المرافعات منذ فجر الإسلام وأصل ذلك الكتاب الذي كتبه علي بن أبي طالب لما صالح رسول الله  أهل الحديبية ( ) ، وعليه دلالة قوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَاكْتُبُوهُ  ( ) .وقد ذكر العلماء إن أول من دون الخصومات والأقضية والعمل به هو القاضي سليم بن عيترة التجيببي قاضي مصر من قبل معاوية  ( ) . ولهذا لم يختلف العلماء في مشروعية تدوين المرافعات والأقضيـة والأحكام واتخاذ المحاضر ، والسجلات وإعداد الدواوين ( ) . هذا وقد أخذ نظام المرافعات الشرعية في المملكة العربية السعودية ، بهذا المبدأ ويتضح ذلك من نصوص المواد التالية :-
1- المادة الثامنة والستون ونصها : ( يقوم كاتب الضبط تحت إشراف القاضي بتدوين وقائع المرافعة في دفتر الضبط، ويذكر تاريخ وساعة افتتاح كل مرافعة، وساعة اختتامها، واسم القاضي، وأسماء المتخاصمين، أو وكلائهم، ثم يوقع عليه القاضي وكاتب الضبط ومن ذكرت أسماؤهم فيه ، فإن امتنع أحدهم عن التوقيع أثبت القاضي ذلك في ضبط الجلسة) ( ) .
2- المادة الثانية الستون بعد المائة ونصها: ( بعد قفل باب المرافعة والانتهاء إلى الحكم في القضية يجب تدوينه في ضبط المرافعة مسبوقاً بالأسباب التي بني عليها ثم يوقع عليه القاضي أو القضاة الذين اشتركوا في نظر القضية )
3- المادة الرابعة والستون بعد المائة ونصها: ( بعد الحكم تصدر المحكمة إعلاماً حاوياً لخلاصة الدعوى والجواب والدفوع الصحيحة وشهادة الشهود بلفظها وتزكيتها وتحليف الأيمان وأسماء القضاة الذين اشتركوا في الحكم واسم المحكمة التي نظرت الدعوى أمامها وأسباب الحكم ورقمه وتاريخه مع حذف الحشو والجمل المكررة التي لا تأثير لها في الحكم ) ( ) .
كما أن نظام الإجراءات الجزائية قد أخذ بهذا المبدأ المقرر حيث أوجب هذا النظام تدوين ما يجري في جلسة المحكمة في محضر يتم تحريره من قبل كاتب يحضر جلسات المحكمة فقد جاء في المادة السادسة والخمسين بعد المائة ما نصه : ( يجب أن يحضر جلسات المحكمة كاتب يتولى تحرير محضر الجلسة تحت إشراف رئيس الجلسة ، ويبين في المحضر اسم القاضي أو القضاة المكونين لهيئة المحكمة والمدعي العام ، ومكان انعقاد الجلسة ، ووقت انعقادها ، وأسماء الخصوم الحاضرين ، والمدافعين عنهم ، وأقوالهم وطلباتهم ، وملخص مرافعاتهم ، والأدلة من شهادة وغيرها ، وجميع الإجراءات التي تتم في الجلسة ، ومنطوق الحكم ومستنده ، ويوقع رئيس الجلسة والقضاة المشاركون معه والكاتب على كل صفحة ) .

المبدأ الخامس عشر : مبدأ سلطة القاضي التقديرية في إجراءات سير النظر في القضايا المعروضة عليه.

الإسلام جعل للقاضي الحق في الوصول إلى المقاصد المطلوبة من القضاء ومنها إنصاف المظلوم والوصول إلى الحق ، ولهذا فله التوصل إليه بالطرق الممكنة ما دامت لا تخالف نصاً شرعياً ، قال ابن القيم : مقرراً أن الحاكم يحكم بالفراسة والقرائن التي يظهر له فيها الحق ، والاستدلال بالأمارات وأنه لا يقف مع مجرد ظواهر البيانات والأحوال ما نصه: ( فهذه مسألة كبيرة عظيمة النفع ، جليلة القدر ، إن أهملها الحاكم أو الوالي أضاع حقاً كثيراً ، وأقام باطلاً كبيراً ، وإن توسع وجعل معوله عليها ، دون الأوضاع الشرعية وقع في أنواع من الظلم والفساد ..والحاكم إذا لم يكن فقيه النفس في الأمارات ودلائل الحال ، ومعرفة شواهده وفي القرائن الحالية والمقالية كفقهه في جزئيات وكليات الأحكام أضاع حقوقاً كثيرة على أصحابها وحكم بما يعلم الناس بطلانه ولا يشكون فيه اعتماداً منه على نوع ظاهر، لم يلتفت إلى باطنه وقرائن أحواله .. ، ومن له ذوق في الشريعة ، وإطلاع على كمالاتها وتضمنها لغاية مصالح العباد في المعاش المعاد ومجيئها بغاية العدل ، الذي يفصل بين الخلائق ، وأنه لا عدل فوق عدلها ، ولا مصلحة فوق ما تضمنته من المصالح : تبين له أن السياسة العادلة جزء من أجزائها ، وفرع من فروعها ، وأن من له معرفة بمقاصدها ووضعها وحسن فهمه فيها : لم يحتاج معها إلى سياسة غيرها البتة ( ). ثم قال رحمه الله : ( فالشارع لم يلغ القرائن والأمارات ودلائل الأحوال ، بل من استقرأ الشرع في مصادره وموارده وجده شاهداً لها بالاعتبار، مرتباً عليها الأحكام ، وقول أبي الوفاء ابـن عقيل ( ليس هذا فراسة ) فيقال : ولا محذور في تسميته فراسة فهي فراسة صادقة ، وقد مدح الله سبحانه الفراسة وأهلها في مواضع من كتابه فقال تعالى:  إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ  ( ) . وهم المتفرسون الآخذون بالسيما ، وهي العلامة ، يقال : تفرست فيك كيت وكيت وتوسمته ، وقال تعالى  وَلَوْ نَشَاءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ  ( ) ، وقال تعالى :يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ  ( ) ، وفي جامع الترمذي مرفوعاً ( اتقوا فراسة المؤمن ، فإنه ينظر بنور الله ) ( ) ، ثم قرأ  إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ  ( ) ، وقال ابن عقيل في الفنون : جرى في جواز العمل في السلطانية بالسياسة الشرعية : أنه هو الحزم ، ولا يخلو من القول به إمام فقال شافعي : لا سياسة إلا ما وافق الشرع فقال ابن عقيل : السياسة ما كان فعلا ً يكون معه الناس أقرب إلى الصلاح ، وأبعد عن الفساد وإن لم يضعه الرسول ، ولا نزل به وحي، فإن أردت بقولك ( إلا ما وافق الشرع ) أي لم يخالف ما نطق به الشرع : فصحيح وإن أردت : السياسة إلا ما نطق به الشرع : فغلط ، وتغليط للصحابة فقد جرى من الخلفاء الراشدين من القتل والتمثيل مالا يجده عالم بالسنن ، ولو لم يكون إلا تحريق عثمان المصاحف فإنه كان رأياً اعتمدوا فيه على مصلحة الأمة ، وتحريق علي  الزنادقة في الأخاديد فقال: لما رأيت الأمر أمراً منكراً *** أججت ناري ودعوت قنبرا ( ) .

ونفي عمر بن الخطاب  لنصر بن حجاج ، وهذا موضع مزلة أقدام ، ومضلة أفهام ، وهو مقام ضنك ، ومعترك صعب ، فرط فيه طائفة ، فعطلوا الحدود ، وضيعوا الحقوق ، وجرؤا أهل الفجور على الفساد ، وجعلوا الشريعة قاصرة لا تقوم بمصالح العباد محتاجة إلى غيرها وسدوا على نفوسهم طرقاً صحيحة من طرق معرفة الحق والتنفيذ له ، وعطلوها ، مع علمهم وعلم غيرها قطعاً : أنها حق مطابق للواقع ، ظناً منهم منافاتها لقواعد الشرع ، ولعمر الله إنها لم تناف ما جاء به الرسول ، وإن نفت ما فهموه هم من شريعته باجتهادهم ، والذي أوجب لهم ذلك : نوع تقصير في معرفة الشريعة وتقصير في معرفة الواقع ، وتنزيل أحدهما على الآخر فلما رأى ولاة الأمور ذلك ، وأن الناس لا يستقيم لهم أمر إلا بأمر وراء ما فهمه هؤلاء من الشريعة أحدثوا من أوضاع سياستهم شرا طويلا ، وفساداً عريضاً ، فتفاقم الأمر ، وتعذر استدراكه ، وعز على العالمين بحقائق الشرع تخليص النفوس من ذلك ، واستنقاذها من تلك المهالك .

وأفرطت طائفة أخرى قابلت هذه الطائفة فسوغت من ذلك ما ينافي حكم الله ورسوله ، وكلا الطائفتين أتيت من تقصيرها في معرفة ما بعث الله به رسوله ، وأنزل به كتابة ، فإن الله سبحانه أرسل رسوله وأنزل كتبه ليقوم الناس بالقسط ، وهو العدل الذي قامت به الأرض والسموات ، فإن ظهرت أمارات العدل وأسفر وجهه بأي طريق كان فثم شرع الله ودينه والله سبحانه أعلم وأحكم وأعدل أن يخص طرق العدل وأماراته وأعلامه بشيء ، ثم ينفي ما هو أظهر منها وأقوى دلالة ، وأبين أمارة : فلا يجعله منها ، ولا يحكم عند وجودها وقيامها بموجبها ، بل قد بين سبحانه بما شرعه من الطرق أن مقصودة إقامة العدل بين عباده ، وقيام الناس بالقسط : فأي طريق استخرج بها العدل والقسط فهي من الدين ، ليست مخالفة له ( ). ولم يزل حذاق الحكام والولاة يستخرجون الحقوق بالفراسة والأمارات ، فإذا ظهرت لم يقدموا عليها شهادة تخالفها ولا إقراراً ، وقد صرح الفقهاء كلهم بأن الحاكم إذا ارتاب بالشهود فرقهم وسألهم :كيف تحملوا الشهادة ؟ وأين تحملوها ؟ وذلك واجب عليه ، متى عدل عنه أثم ، وجار في الحكم ، وكذلك إذا ارتاب بالدعوى سأل المدعى عن سبب الحق ، وأين كان ؟ ونظر في الحال : هل يقتضى صحة ذلك ؟ وكذلك إذا ارتاب بمن القول قوله والمدعى عليه ، وجب عليه أن يستكشف الحال ، ويسأل عن القرائن التي تدل على صورة الحال . وقل حاكم أو وال اعتنى بذلك ، وصار له فيه ملكة إلا وعرف المحق من المبطل ، وأوصل الحقوق إلى أهلها . فهذا عمر بن الخطاب  ، أتته امرأة فشكرت عنده زوجها وقالت ( هو من خيار أهل الدنيا ) يقوم الليل حتى الصباح ، ويصوم النهار حتى يمسي ) ثم أدركها الحياء ، فقال : ( جزاك الله خيراً فقد أحسنت إلينا ) فلما ولت قال كعب بن سور : ( يا أمير المؤمنين ، لقد أبلغت في الشكوى إليك ، فقال : وما اشتكت ؟ قال : زوجها ، قال علي بهما ، فقال لكعب : اقض بينهما قال : أقضي وأنت شاهد ؟ قال :إنك قد فطنت إلى ما لم أفطن له ، قال : إن الله تعالى يقول : فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ  ( ) صم ثلاثة أيام ، وأفطر عندها يوماً ، وقم ثلاث ليال ، وبت عندها ليلة ، فقال عمر : هذا أعجب إلي من الأول ) فبعثه قاضياً لأهل البصرة ( ) ، فكان يقع له في الحكومة من الفراسة أمور عجيبة ، وكذلك شريح في فراسته وفطنته .

قال الشعبي : شهدت شريحاً – وجاءته امرأة تخاصم رجلا ًفأرسلت عينيها فبكت فقلت: يا أبا أمية ما أظنها إلا مظلومة فقال: يا شعبي ، إن إخوة يوسف جاءوا أباهم عشاء يبكون ( ). وتقدم إلى إياس بن معاوية أربع نسوة ، فقال إياس : أما إحداهن فحامل ، والأخرى مرضع ، والأخرى ثيب ، والأخرى بكر . فنظروا فوجدوا الأمر كما قال ، قالوا : كيف عرفت ؟ فقال : أما الحامل : فكانت تكلمني وترفع ثوبها عن بطنها ، فعرفت أنها حامل ، وأما المرضع : فكانت تضرب ثدييها ، فعرفت أنها مرضع ، وأما الثيب : فكانت تكلمني وعينها في عيني ، فعرفت أنها ثيب، وأما البكر : فكانت تكلمني وعينها في الأرض ، فعرفت أنها بكر ( ) . هذا وإن النظام القضائي في المملكة العربية السعودية قد أخذ بهذا المبدإ في نظام المرافعات الشرعية حيث أرسى موقفاً وسطاً بين اتجاهين متعارضين في تحديد السيادة في سير نظر الخصومة ، هل هي سيادة الخصوم كما ينادي بذلك أصحاب الفكر الفردي المتطرف أم هي للقاضي وحده كما كان ينادي بذلك أصحاب الفكر الاجتماعي المتطرف . وإذا كان الخصوم هم الذين يوجهون الإجراءات ويحركون الجهاز القضائي المساعد بما يطلبونه من تبليغ الأوراق ومتابعتها ومتابعة كافة مراحل الدعوى إلا أن القاضي في الإسلام ليس سلبياً يقف موقف المتفرج من ذلك بل له سلطة واسعة ودور إيجابي في تسيير إجراءات التقاضي ، فقد جعل له النظام الحق في مراقبة أعمال الجهاز القضائي المساعد ومراقبة أعمال الخصوم وصار له الحق في إدخال من يرى اختصامه ضرورياً لحسن سير العدالة ممن ليس داخلاً في الدعوى أصلاً بل أعطى القاضي بموجب الباب التاسع من هذا النظام سلطة تقديرية قي تقدير عملية الإثبات ونحن نذكر فيما يلي نصوص المواد المتعلقة بهذا المبدأ فيما يلي :

1- المادة الرابعة ونصها ما يلي : ( لا يقبل أي طلب أو دفع لا تكون لصاحبه فيه مصلحة قائمة مشروعة ، ومع ذلك تكفي المصلحة المحتملة ، إذا كان الغرض من الطلب الاحتياط لدفع ضرر محدق أو الاستيثاق لحق يخشى زوال دليله عند النزاع فيه ، وإذا ظهر للقاضي أن الدعوى صورية كان عليه رفضها ، وله الحكم على المدعي بنكال )
2- المادة السادسة ونصها ما يلي : (يكون الإجراء باطلاً إذا نص النظام على بطلانه ، أو شابه عيب تخلف بسببه الغرض من الإجراء ، ولا يحكم بالبطلان رغم النص عليه إذا ثبت تحقق الغاية من الإجراء ) .
3- المادة السابعة ونصها مايلي : ( يجب أن يحضر مع القاضي في الجلسات وفي جميع إجراءات الدعوى كاتب يحرر المحضر ويوقعه مع القاضي ، وإذا تعذر حضور الكاتب فللقاضي تولى الإجراء وتحرير المحضر ) .
4- المادة الثانية عشرة ونصها ما يلي : ( يتم التبليغ بوساطة المحضرين بناء على أمر القاضي أو طلب الخصم أو إدارة المحكمة ، ويقوم الخصوم أو وكلاؤهم بمتابعة الإجراءات وتقديم أوراقها للمحضرين لتبليغها ، ويجوز التبليغ بوساطة صاحب الدعوى إذا طلب ذلك ) .
5- المادة الثالثة عشرة ونصها ما يلي: ( لا يجوز إجراء أي تبليغ أو تنفيذ في محل الإقامة قبل شروق الشمس ولا بعد غروبها ، ولا في أيام العطل الرسمية ، إلا في حالات الضرورة وبإذن كتابي من القاضي ) .
6- المادة الأربعون ونصها ما يلي : ( ميعاد الحضور أمام المحكمة العامة ثمانية أيام على الأقل من تاريخ تبليغ صحيفة الدعوى ، ويجوز في حالة الضرورة نقص هذا الميعاد إلى أربع وعشرين ساعة ، وميعاد الحضور أمام المحكمة الجزئية ثلاثة أيام ، وجوز في حالة الضرورة نقص هذا الميعاد إلى ساعة ، بشرط أن يحصل التبليغ للخصم نفسه في حالتي نقص الميعاد ، ويكون نقص الميعاد في الحالتين بإذن مـن القاضي ، أو رئيس المحكمة المرفوعة إليها الدعوى ) .
7- المادة الحادية والخمسون ما يلي : ( إذا ظهر للمحكمة من أحد الوكلاء كثرة الاستهمالات بحجة سؤال موكله بقصد المماطلة فلها حق طلب الموكل بالذات لإتمام المرافعة ) .
8- المادة الحادية والستون ونصها ما يلي: ( تكون المرافعة علنية إلا إذا رأى القاضي من تلقاء نفسه أو بناء على طلب أحد الخصوم إجراءها سراً محافظة على النظام، أو مراعاة للآداب العامة، أو لحرمة الأسرة ) .
9- المادة الثانية والستون ونصها ما يلي : ( تكون المرافعة شفوية، على أن ذلك لا يمنع من تقديم الأقوال أو الدفوع في مذكرات مكتوبة تتبادل صورها بين الخصوم، ويحفظ أصلها في ملف القضية مع الإشارة إليها في الضبط، وعلى المحكمة أن تعطي الخصوم المهل المناسبة للإطلاع على المستندات والرد كلما اقتضت الحال ذلك )
10- المادة الثالثة والستون ونصها ما يلي : ( على القاضي أن يسأل المدعى عما هو لازم لتحرير دعواه قبل استجوب المدعى عليه، وليس له ردها لتحريرها ولا السير فيها قبل ذلك ) .
11- المادة الخامسة والستون ونصها ما يلي : ( إذا دفع أحد الطرفين بدفع صحيح وطلب الجواب من الطرف الآخر فاستمهل لأجله فللقاضي إمهاله متى رأى ضرورة ذلك ، على أنه لا يجوز تكرار المهلة لجواب واحد إلا لعذر شرعي يقبله القاضي ) .
12- المادة الثانية والسبعون ونصها ما يلي : ( الدفع بعدم اختصاص المحكمة النوعي أو الدفع به بعدم قبول الدعوى لانعدام الصفة أو الأهلية أو المصلحة أو لأي سبب آخر ، وكذا الدفع بعدم سماع الدعوى تحكم به المحكمة من تلقاء نفسها ، ويجوز الدفع به في أي مرحلة تكون فيها الدعوى )
13- المادة الثالثة والسبعون ونصها ما يلي : ( تحكم المحكمة في هذه الدفوع على استقلال ، ما لم تقرر ضمه إلى موضوع الدعوى ، وعندئذ تبين ما حكمت به في كل من الدفع والموضوع ) .
14- المادة السادسة والسبعون ونصها ما يلي : ( للمحكمة من تلقاء نفسها أن تأمر بإدخال من ترى إدخاله في الحالات الآتية من تربطه بأحد الخصوم رابطة تضامن أو حق أو التزام لا يقبل التجزئة .
أ‌- الوارث مع المدعي أو المدعى عليه ، أو الشريك على الشيوع لأي منهما إذا كانت الدعوى متعلقة بالتركة في الحالة الأولى ، أو بالشيوع في الحالة الثانية .
ج‌- من قد يضار بقيام الدعوى أو بالحكم فيها إذا بدت للمحكمة دلائل جدية على التواطؤ ، أو الغش ، أو التقصير من جانب الخصوم.
وتعين المحكمة ميعاداً لحضور من تأمر بإدخاله ، وتتبع الأوضاع المعتادة في التكليف بالحضور .
15- المادة الثلاثة والثمانون ونصها ما يلي : ( إذا رأت المحكمة تعليق حكمها في موضوع الدعوى على الفصل في مسألة أخرى يتوقف عليها الحكم فتأمر بوقف الدعوى ، وبمجرد زوال سبب التوقف يكون للخصوم طلب السير في الدعوى )
16- المادة الرابعة والثمانون ونصها ما يلي : ( ما لم تكن الدعوى قد تهيأت للحكم في موضوعها فإن سير الخصومة ينقطع بوفاة أحد الخصوم ، أو بفقده أهلية الخصومة ، أو بزوال صفة النيابة عمن كان يباشر الخصومة عنه ، على أن سير الخصومة لا ينقطع بانتهاء الوكالة ، وللمحكمة أن تمنح أجلاً مناسباً للموكل إذا كان قد بادر فعين وكيلاً جديداً خلال الخمسة عشر يوماً من انتهاء الوكالة الأولى ، أما إذا تهيأت الدعوى للحكم فلا تنقطع الخصومة ، وعلى المحكمة الحكم فيها ) .

17- المادة الثامنة والثمانون ونصها ما يلي: ( يجوز للمدعي ترك الخصومة بتبليغ يوجهه لخصمه ، أو تقرير منه لدى الكاتب المختص بالمحكمة ، أو بيان صريح في مذكرة موقع عليها منه ، أو من وكليه ، مع إطلاع خصمه عليها ، أو بإبداء الطلب شفوياً في الجلسة وإثباته في ضبطها ، ولا يتم الترك بعد إبداء المدعى عليه دفوعة إلا بموافقة المحكمة ) .
18- المادة التاسعة والتسعون ونصها ما يلي: ( للمحكمة أن تعدل عما أمرت به من إجراءات الإثبات بشرط أن تبين أسباب العدول دفتر الضبط ، ويجوز لها ألا تأخذ بنتيجة الإجراء ، بشرط أن تبين أسباب ذلك في حكمها ) .
19- المادة المائة ونصها ما يلي : ( للمحكمة أن تستوجب من يكون حاضراً من الخصوم ، ولكل منهم أن يطلب استجواب خصمه الحاضر ، وتكون الإجابة في الجلسة نفسها إلا إذا رأت المحكمة إعطاء ميعاد للإجابة ، كما تكون الإجابة في مواجهة طالب الاستجواب ) .
20- المادة الأولى بعد المائة ونصها ما يلي: ( للمحكمة أن تأمر بحضور الخصم لاستجوابه سواء من تلقاء نفسها ، أو بناء على طلب خصمه إذا رأت المحكمة حاجة لذلك ، وعلى من تقرر المحكمة استجوابه أن يحضر الجلسة التي حددها أمر المحكمة ) .
21- المادة الثالثة بعد المائة ونصها ما يلي : ( إذا تخلف الخصم عن الحضور للاستجواب بدون عذر مقبول ، أو امتنع عن الإجابة دون مبرر ، فللمحكمة أن تسمع البينة وأن تستخلص ما تراه من ذلك التخلف أو الامتناع ) .
22- المادة الثانية عشرة بعد المائة ونصها ما يلي : ( يجوز للمحكمة أن تقرر من تلقاء نفسها أو بناء على طلب أحد الخصوم معاينة المتنازع فيه بجلبه إلى المحكمة إن كان ذلك ممكناً ، أو بالانتقال إليه ، أو ندب أحد أعضائها لذلك ، على أن يذكر في القرار الصادر بذلك موعد المعاينة ، ولها أن تستخلف في المعاينة المحكمة التي يقع في نطاق اختصاصها الشيء المتنازع فيه ، وفي هذه الحالة يبلغ قرار الاستخلاف القاضي المستخلف على أن يتضمن هذا القرار جميع البيانات المتعلقة بالخصوم وموضع المعاينة وغير ذلك مـن البيانات اللازمة لتوضيح جوانب القضية ) .
23- المادة الثالثة عشرة بعد المائة ونصها ما يلي: ( تدعو المحكمة أو القاضي المنتدب أو المستخلف الخصوم قبل الموعد المعين بأربع وعشرين ساعة على الأقل – عدا مهل المسافة – بمذكرة ترسل بواسطة إدارة المحكمة تتضمن بيان مكان الاجتماع واليوم والساعة التي سينعقد فيها . ويجوز للمحكمة إذا لزم الأمر أن تتحفظ على الشيء موضع المعاينة إلى حين صدور أو إلى أي وقت آخر ) .
24- المادة الرابعة عشرة بعد المائة ونصها ما يلي : ( للمحكمة أو القاضي المنتدب أو المستخلف للمعاينة تعيين خبير أو أكثر للاستعانة به في المعاينة ، ولها وللقاضي المنتدب أو المستخلف سماع من يرون سماع شهادته من الشهود في موضع النزاع ).
25- المادة الحادية والعشرون بعد المائة ونصها ما يلي : ( للقاضي من تلقاء نفسه أو بناء على طلب أحد الخصوم أن يوجه للشاهد ما يراه من الأسئلة مفيداً في كشف الحقيقة وعلى القاضي في ذلك إجابة طلب الخصم إلا إذا كان السؤال غير منتج ) .
26- المادة الثانية والعشرون بعد المائة ونصها ما يلي: ( إذا طلب أحد الخصوم إمهاله لإحضار شهوده الغائبين عن جلسة الحكم ، فيمهل أقل مدة كافية في نظر المحكمة فإذا لم يحضرهم في الجلسة المعينة أو أحضر منهم من لم توصل شهادته أمهل مرة أخرى مع إنذاره باعتباره عاجزاً إن لم يحضرهم ، فإذا لم يحضرهم في الجلسة الثالثة أو أحضر منهم من لم توصل شهادته فللمحكمة أن تفصل في الخصومة فإذا كان له عذر في عدم إحضار شهوده كغيبتهم أو جهلة إقامتهم كان له حق إقامة الدعوى متى حضروا ) .
27- المادة الرابعة والعشرون بعد المائة ونصها ما يلي : ( للمحكمة عند الاقتضاء أن تقرر ندب خبير أو أكثر وتحدد في قرارها مهمة الخبير وأجلاً لإيداع تقريره وأجلاً لجلسة المرافعة المبنية على التقرير كما تحدد فيه عند الاقتضاء السلفة التي تودع لحساب مصروفات الخبير وأتعابه والخصم المكلف بإيداعها والأجل المحدد للإيداع كما يكون لها أن تعين خبيراً لإبداء رأيه شفوياً في الجلسة وفي هذه الحالة يثبت رأيه في دفتر الضبط ) .
28- المادة السادسة والعشرون بعد المائة ونصها ما يلي : ( إذا اتفق الخصوم على خبير معين فللمحكمة أن تقر اتفاقهم وإلا اختارت من تثق به ) .
29- المادة الثامنة والعشرون بعد المائة ونصها ما يلي : ( إذا لم يكون الخبير تابعاً للمحكمة فله خلال الأيام الثلاثة التالية لتسلمه صورة قرار ندبه أن يطلب من المحكمة إعفاءه من أداء المهمة التي ندب إليها وللمحكمة أن تعفيه وتندب خبيراً آخر ولها أن تحكم على الخبير الذي لم يؤد مهمته بالمصاريف التي تسبب في صرفها بدون نتيجة وفق القواعد الشرعية ) .
30- المادة الثالثة والثلاثون بعد المائة ونصها ما يلي 🙁 للمحكمة أن تأمر باستدعاء الخبير في جلسة تحددها لمناقشة تقريره إن رأت حاجة لذلك ، ولها أن تعيد إليه تقريره ليتدارك ما تبين لها من وجوه الخطاء أو النقص في عمله ولها أن تعهد بذلك إلى خبير آخر أو أكثر ) .
31- المادة الرابعة الثلاثون بعد المائة ونصها ما يلي : ( رأي الخبير لا يقيد المحكمة ولكنها تستأنس به ) .
32- المادة التاسعة والثلاثون بعد المائة ونصها ما يلي : ( للمحكمة أن تقدر ما يترتب على الكشط والمحو والتحشية وغير ذلك من العيوب المادية في الورقة من إسقاط قيمتها في الإثبات. وإذا كانت صحة الورقة محل شك في نظر المحكمة جاز لها أن تسأل الموظف الذي صدرت عنه أو الشخص الذي حررها ليبدي ما يوضح حقيقة الأمر فيها ) .
33- المادة الحادية والأربعون بعد المائة ونصها ما يلي : ( إذا أنكر من نسب إليه مضمون ما في الورقة خطه أو إمضاءه أو بصمته أو ختمه أو أنكر ذلك خلفه أو نائبه وكانت الورقة منتجة في النزاع ولم تكف وقائع الدعوى ومستنداتها لاقتناع المحكمة بمدى صحة الخط أو الإمضاء فللمحكمة إجراء المقارنة تحت إشرافها بوساطة خبير أو أكثر تسميهم في قرار المقارنة ) .
34- المادة الربعة والأربعون بعد المائة ونصها ما يلي: ( على الخصوم أن يحضروا في الموعد الذي يعينه القاضي لتقديم ما لديهم من أوراق المقارنة واختيار ما يصلح منها لذلك فإن تخلف الخصم المكلف بالإثبات بغير عذر جاز الحكم بسقوط حقه في الإثبات وإذا تخلف خصمـه جاز اعتبار الأوراق المقـدمة للمقارنة صالحة لها ) .
35- المادة الثامنة والأربعون بعد المائة ونصها ما يلي: ( يجوز للمحكمة من تلقاء نفسها أو بناء على طلب أحد الخصوم عند الاقتضاء أن تقرر جلب مستندات أو أوراق من الدوائر الرسمية في المملكـة إذ تعذر ذلك على الخصوم ) .
36- المادة التاسعة والأربعون بعد المائة ونصها ما يلي: ( يجوز الإدعاء بالتزوير في أي حالة تكون عليها الدعوى باستدعاء يقدم إلى إدارة المحكمة تحدد فيه كل مواضع التزوير المدعى به وإجراءات التحقيق التي يطلب إثباته بها ويجوز للمدعى عليه بالتزوير وقف سير التحقيق فيه في أي حال كان عليها بنزوله عن التمسك بالورقة المطعون فيها وللمحكمة في هذه الحال أن تأمر بضبط الورقة أو حفظـها إذا طلب مـدعي التزوير ذلك لمصلحـة مشروعة ) .
37- المادة الخمسون بعد المائة ونصها ما يلي: ( على مدعى التزوير أن يسلم إدارة المحكمة الورقة المطعون فيها إن كانت تحت يده أو صورتها المبلغة إليه . وإن كانت الورقة تحت يد الخصم فللقاضي بعد إطلاعه على الاستدعاء أن يكلفه فوراً بتسليمها إلى إدارة المحكمة ، فإذا امتنع الخصم عن تسليم الورقة وتعذر
على المحكمة العثور عليها اعتبرت غير موجودة ولا يمنع ذلك من اتخاذ أي إجراء بشأنها إن أمكن فيها بعد ) .
38- المادة الحادية والخمسون بعد المائة ونصها ما يلي: ( إذا كان الادعاء بالتزوير منتجاً في النزاع ولم تف وقائع الدعوى ومستنداتها لاقتناء المحكمة بصحة الورقة أو تزويرها ورأت أن إجراء التحقيق الذي طلبه الطاعن في تقريره منتج أمرت بالتحقيق ) .
39- المادة الثالثة والخمسون بعد المائة ونصها ما يلي: ( يجوز للمحكمة ولو لم يدع أمامها بالتزوير أن تحكم باستبعاد أي ورقة إذا ظهر لها من حالتها أو من ظروف الدعوى أنها مزورة أو مشتبه فيها كما أن للمحكمة عدم الأخذ بالورقة التي تشتبه في صحتها وفي هذه الأحوال يجب على المحكمة أن تبين في حكمها الظروف والقرائن التي استبانت منها ذلك ) .
40- المادة الخامسة والخمسون بعد المائة ونصها ما يلي: ( يجوز للقاضي أن يستنتج قرينة أو أكثر من وقائع الدعوى أو مناقشة الخصوم أو الشهود لتكون مستنداً لحكمه أو ليكمل بها دليلاً ناقصاً ثبت لديه ليكون بهما معاً اقتناعه بثبوت الحق لإصدار الحكم )
41- المادة الثالثة والستون بعد المائة 🙁 ينطق بالحكم في جلسة علنية بتلاوة منطوقة أو بتلاوة منطوقة مع أسبابه ، ويجب أن يكون القضاة الذين اشتركوا في المداولة حاضرين تلاوة الحكم ، فإذا حصل لأحدهم مانع جاز تغيبه إذا كان قد وقع على الحكم المدون في الضبط ) .
42- المادة الثامنة والستون بعد المائة ونصها ما يلي: ( تتولى المحكمة بقرار تصدره بناء على طلب أحد الخصوم أو من تلقاء نفسها تصحيح ما قد يقع في صك الحكم من أخطاء مادية بحتة كتابية أو حسابية ، ويجرى هذا التصحيح على نسخة الحكم الأصلية ويوقعه قاضي أو قضاة المحكمة التي أصدرته بعد تدوين القرار في ضبط القضية ) .
43- المادة الحادية والستون بعد المائتين ونصها ما يلي: ( للمحكمة عند الاقتضاء أن تطلب من مقدم الإنهاء نشر طلب إثبات الوفاة وحصر الورثة في إحدى الصحف التي تصدر في منطقة المتوفى ، وفي حال عدم صدور صحف في المنطقة تطلب نشره في إحدى الصحف الأكثر انتشاراً فيها ، كما أن للمحكمة أن تطلب من الحاكم الإداري للمنطقة التي تقع في نطاق اختصاصها التحري عما تقدم به طالب إثبات الوفاة وحصر الورثة ويجب أن تكون الإجابات موقعة ممن يقدمها ، ومصدقة من الجهـة الإدارية التي قامت بالتحري ) ، كما أن النظام القضائي في المملكة العربية السعودية قد أخذ بهذا المبدإ في نظام الإجراءات الجزائية ويبرز ذلك في المواد التالية :-
1- جاء في المادة الأربعين بعد المائة ما نصه : ( يجب على المتهم في الجرائم الكبيرة أن يحضر بنفسه أمام المحكمة مع عدم الإخلال بحقه في الاستعانة بمن يدافع عنه ، أما في الجرائم الأخرى فيجوز له أن ينيب عنه وكيلاً أو محامياً لتقديم دفاعه ، وللمحكمة في كل الأحوال تأمر بحضوره شخصياً أمامها ) .
2- جاء في المادة الحادية والأربعين بعد المائة ما نصه : ( إذا لم يحضر المتهم المكلف بالحضور حسب النظام في اليوم المعين في ورقة التكليف بالحضور ، ولم يرسل وكيلاً عنه في الأحوال التي يسوغ فيها التوكيل فيسمع القاضي دعوى المدعي وبيناته ويرصدها في ضبط القضية ، ولا يحكم إلا بعد حضور المتهم وللقاضي أن يصدر أمراً بإيقافه إذا لم يكن تخلفه لعذر مقبول ) .
3- جاء في المادة الثالثة والأربعين بعد المائة ما نصه : ( ضبط الجلسة وإدارتها منوطان برئيسها ، وله في سبيل ذلك أن يخرج من قاعة الجلسة من يخل بنظامها ، فإن لم يمتثل كان للمحكمة أن تحكم على الفور بسجنه مدة لا تزيد على أربع وعشرين ساعة ، ويكون حكمها نهائياً ، وللمحكمة إلى ما قبل انتهاء الجلسة أن ترجـع عن ذلك الحكم ) .
4- جاء في المادة الخامسة والخمسين بعد المائة ما نصه : ( جلسات المحاكم علنية ، ويجوز للمحكمة – استثناء – أن تنظر الدعوى كلها أو بعضها في جلسات سرية ، أو تمنع فئات معينة من الحضور فيها ، مراعاة للأمن ، أو محافظة على الآداب العامة ، أو إذا كان ذلك ضرورياً لظهور الحقيقة ) .
5- جاء في المادة التاسعة والخمسين بعد المائة ما نصه : ( لا تتقيد المحكمة بالوصف الوارد في لائحة الدعوى ، وعليها أن تعطي الفعل الوصف الذي يستحقه ولو كان مخالفاً للوصف الوارد في لائحة الدعوى ، وإذا جرى التعديل وجب على المحكمة أن تبلغ المتهم بذلك ) .
6- جاء في المادة الستين بعد المائة ما نصه : ( للمحكمة أن تأذن للمدعي العام في أن يدخل تعديلات في لائحة الدعوى في أي وقت ،ويُبَلَّغ المتهم بذلك . ويجب أن يعطى المتهم فرصة كافية لإعداد دفاعه بشأن هذا التعديل وفقاً للنظام ) .
7- جاء في المادة الثانية والستين بعد المائة ما نصه : ( إذا اعترف المتهم في أي وقت بالتهمة المنسوبة إليه فعلى المحكمة أن تسمع أقواله تفصيلاً وتناقشه فيها . فإذا اطمأنت إلى أن الاعتراف صحيح ، ورأت أنه لا حاجة إلى أدلة أخرى فعليها أن تكتفي بذلك وتفصل في القضية ، وعليها أن تستكمل التحقيق إذا وجدت داعياً ) .
8- جاء في المادة الرابعة والستين بعد المائة ما نصه : ( لكل من الخصوم أن يطلب سماع من يرى من شهود والنظر فيما يقدمه من أدلة ، وأن يطلب القيام
9- بإجراء معين من إجراءات التحقيق وللمحكمة أن ترفض الطلب إذا رأت أن الغرض منه المماطلة ، أو الكيد ، أو التضليل ، أو أن لا فائدة من إجابة طلبه ) .
9- جاء في المادة الخامسة والستين بعد المائة ما نصه : ( للمحكمة أن تستدعي أي شاهد ترى حاجة لسماع أقواله أو ترى حاجة لإعادة سؤاله .
كما أن لها أن تسمع من أي شخص يحضر من تلقاء نفسه إذا وجدت أن في ذلك فائدة لكشف الحقيقة ) .
10- جاء في المادة الثامنة والستين بعد المائة ما نصه : ( إذا كان الشاهد صغيراً ، أو كان فيه ما يمنع قبول شهادته فلا تعد أقواله شهادة ، ولكن للمحكمة إذا وجدت أن في سماعها فائدة أن تسمعها . وإذا كان الشاهد مصاباً بمرض ، أو بعاهة جسمية مما يجعل تفاهم القاضي معه غير ممكن فيتسعان بمن يستطاع التفاهم معه ، ولا يعد ذلك شهادة ) .
11- جاء في المادة التاسعة والستين بعد المائة ما نصه 🙁 تؤدي الشهادة في مجلس القضاء ، وتسمع شهادة الشهود كل على حدة ، ويجوز عند الاقتضاء تفريق الشهود ومواجهة بعضهم ببعض. وعلى المحكمة أن تمنع توجيه أي سؤال فيه محاولة للتأثير على الشاهد ، أو الإيحاء إليه ، كما تمنع توجيه أي سؤال مخل بالآداب العامة إذا لم يكن متعلقاً بوقائع يتوقف عليها الفصل في الدعوى. وعلى المحكمة أن تحمي الشهود من كل محاولة ترمي إلى إرهابهم أو التشويش عليهم عند تأدية الشهادة ) .
12- جاء في المادة السبعين بعد المائة ما نصه : ( للمحكمة إذا رأت مقتضى للانتقال إلى المكان الذي ارتكبت فيه الجريمة ، أو إلى أي مكان آخر لإجراء معاينة ، أو لسماع شاهد لا يستطيع الحضور ، أو للتحقق من أي أمر من الأمور أن تقوم بذلك وتمكن الخصوم من الحضور معها في هذا الانتقال ، ولها أن تكلف قاضياً بذلك. وتسري على إجراءات هذا القاضي القواعد الذي تسري على إجراءات المحاكمة ) .
13- جاء في المادة السابعة والسبعين بعد المائة ما نصه : ( إذا رأت المحكمة المنظورة أمامها الدعوى وجهاً للسير في تحقق التزوير فعليها إحالة هذه الأوراق إلى الجهة المختصة ، وعليها أن توقف الدعوى إلى أن يفصل في دعوى التزوير من الجهة المختصة ، إذا كان الفصـل في الدعوى المنظـورة أمامها يتوقـف على الورقة المطعون فيها ) .
14 – جاء في المادة الحادية والثمانين بعد المائة ما نصه : ( كل حكم يصدر في موضوع الدعوى الجزائية يجب أن يفصل في طلبات المدعي بالحق الخاص ، أو المتهم ، إلا إذا رأت المحكمة أن الفصل في هذه الطلبات يستلزم إجراء تحقيق خاص ينبني عليه إرجاء الفصل في الدعوى الجزائية ، فعندئذ ترجئ المحكمة الفصل في تلك الطلبات إلى حين استكمال إجراءاتها ) .
15- جاء في المادة الرابعة والثمانين بعد المائة ما نصه : ( يجب على المحكمة التي تصدر حكماً في الموضوع أن تفصل في طلبات الخصوم المتعلقة بالأشياء المضبوطة. ولها أن تحيل النزاع بشأنها إلى محكمة مختصة إذا وجدت ضرورة لذلك. ويجوز للمحكمة أن تصدر حكماً بالتصرف في المضبوطات في أثناء نظر الدعوى ) .
16 – جاء في المادة السادسة والثمانين بعد المائة ما نصه : ( إذا كانت الجريمة متعلقة بحيازة عقار ورأت المحكمة نزعه ممن هو في يده وإبقاءه تحت تصرفها في أثناء نظر الدعوى فلها ذلك. وإذا حكم بإدانة شخص في جريمة مصحوبة باستعمال القوة ، وظهر للمحكمة أن شخصاً جرد من عقار بسبب هذه القوة جاز للمحكمة أن تأمر بإعادة العقار إلى حيازة من اُغتصب منه دون الإخلال بحق غيره على هذا العقار ) .
17- جاء في المادة الثانية والتسعين بعد المائة ما نصه : ( إذا وجدت المحكمة أن في الدعوى عيباً جوهرياً لا يمكن تصحيحه فعليها أن تصدر حكماً بعدم سماع هذه الدعوى. ولا يمنع هذا الحكم من إعادة رفعها إذا توفرت الشروط النظامية ) .

المبدأ السادس عشر: مبدأ التنفيذ الجبري للأحكام القضائية .

مقاصد الشريعة الإسلامية من القضاء إظهار الحقوق وقمع الباطل ورد الحقوق لأصحابها وردع الظالم ونصرة المظلوم ورفع مظلمته ( ).
ومن هنا كفل نظام القضاء في الإسلام تنفيذ الحكم بعد صدوره وهذا ما أصله عمر  في كتابه لأبي موسى الأشعري رضي الله عنه حيث جاء في كتابة المشهور : ( فافهم إذا أدلي إليك فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له) ( ) . قال ابن القيم رحمه الله : شارحاً هذه الوصية ما نصه وقوله ( فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له ) ولاية الحق نفوذه فإذا لم ينفذ كان ذلك عزلاً له عن ولايته ، فهو بمنزلة الوالي العادل الذي في توليته مصالح العباد في معاشهم ومعادهم فإذا عزل عن ولايته لم ينفع ومراد عمر بذلك التحريض على تنفيذ الحق إذا فهمه الحاكم ولا ينفع تكلمه به إن لم يكون له قوة تنفيذه ، فهو تحريض منه على العلم بالحق والقوة على تنفيذه ومدح الله سبحانه أولي القوة في تنفيذ أمره والبصائر في دينه فقال : وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ  ( ) .فالأيدي : القوة على تنفيذ أمر الله والأبصار: البصائر في دينه ) ( ) .
وإذا تقرر ذلك : فإن نظام المرافعات الشرعية في المملكة العربية السعودية ، جاء بتنظيم متكامل لقواعد التنفيذ الجبري الذي يحقق الغاية الحقيقية لإجراءات التقاضي وهي تنفيذ الحكم الصادر من المحكمة تنفيذاً جبرياً على المحكوم عليه وذلك ضماناً لاحترام أحكام القضاء من ناحية وإشباع حاجة صاحب الحق إشباعاً فعلياً من ناحية أخرى ( ) .
وقد جاءت نصوص صريحة من هذا النظام في مبدإ التنفيذ الجبري وذلك فيما يلي :
1- المادة السادسة والتسعون بعد المائة ونصها ما يلي : ( يتم التنفيذ بموجب نسخة الحكم الموضوع عليها صيغة التنفيذ ، وصيغة التنفيذ هي ( يطلب من كافة الدوائر والجهات الحكومية المختصة العمل على تنفيذ هذا الحكم بجميع الوسائل النظامية المتبعة ولو أدى إلى استعمال القـوة الجبرية عن طريق الشرطة ) .
2- المادة الثامنة والتسعون بعد المائة ونصها ما يلي 🙁 لا يجوز تنفيذ الأحكام جبراً قبل اكتساب الحكـم للقطيعة ، إلا إذا كان التنفيذ المعجل مأموراً به في الحكم ) .
3- المادة التاسعة والتسعون بعد المائة ونصها ما يلي : ( يجب شمول الحكم بالتنفيذ المعجل بكفالة أو بدونها حسب تقدير القاضي ، وذلك في الأحوال الآتية :
أ‌- الأحكام الصادرة في الأمور المستعجلة .
ب‌- إذا كان الحكم صادراً بتقرير نفقة ، أو أجرة رضاع ، أو سكن ، أو رؤية صغير ، أو تسليمه لحاضنه ،أو امرأة إلى محرمها ، أو تفريق بين زوجين .
ج‌- إذا كان الحكـم صادراً بأداء أجرة خادم ، أو صانـع ، أو عامل ، أومرضعة ، أو حاضنة ) .
4- المادة المائتان ونصها ما يلي: ( يجوز للمحكمة المرفوع إليها الاعتراض متى رأت أن أسباب الاعتراض على الحكم قد تقضى بنقضه – أن تأمر بوقف التنفيذ المعجل إذا كان يخشى منه وقوع ضرر جسيم ) .
5- المادة الأولى بعد المائتين ونصها ما يلي: ( إذا حصل إشكال في التنفيذ فبعد اتخاذ الإجراءات التحفظية إن اقتضاها الحال – يرفع الإشكال إلى المحكمة التي أصدرت الحكم لتبت فيه على وجه السرعة ) .
6- المادة السابعة عشرة بعد المائتين ونصها ما يلي : ( يجري التنفيذ على أموال المحكوم عليه إذا لم يقم بتسليم المبلغ المحكوم به وذلك بتوقيع الحجز على ما يكفي لتنفيذ الحكم من منقولاته وعقاراته ، وبيع هذه الأموال إن اقتضى الحال بالمزاد العلني بأمر المحكمة وفقاً لما نص عليه في هذا الفصل ، ويحدد القاضي قبل البيع ما تدعو الحاجة إلى تركه لمحجوز عليه من المنقول والعقار )
7- المادة الثامنة عشرة بعد المائتين ونصها ما يلي:
( يجرى التنفيذ بواسطة الجهات الإدارية المنوط بها التنفيذ ) .
8- المادة التاسعة عشرة بعد المائتين ونصها ما يلي:
( لا يجوز لمن يتولى التنفيذ كسر الأبواب أو فض الأقفال لتوقيع الحجز إلا بحضور مندوب من المحكمة وتوقعيه على المحضر ) .
9- المادة العشرون بعد المائتين ونصها ما يلي:
( الحجز على منقولات المحكوم عليه يكون بمحضر تبين فيه مفردات الأشياء المحجوزة مع ذكر أوصافها وبيان قيمتها التقريبية ، وإذا كانت الأموال المحجوزة تشتمل على حلي أو مجوهرات فلا بد أن يكون تقويمها وذكر أوصافها بوساطة خبير مختص ) .
10- المادة الثلاثون بعد المائتين ونصها ما يلي:
( إذا امتنع المحكوم عليه من تنفيذ الحكم الصادر ضده لغير عذر الإعسار ولم يمكن التنفيذ على أمواله جاز للمحكوم له طلب توقيف المحكوم عليه بموجب عريضة يرفعها إلى الحاكم الإداري المختص ، وعلى الحاكم أن يأمر بوقف الممتنع لمدة لا تزيد عن عشرة أيام ، وإذا أصر المحكوم عليه على الامتناع عن التنفيذ بعد تلك المدة فيحال إلى المحكمة التي يقيم المحكوم عليه في نطاق اختصاصها للنظر في استمرار توقيفه أو إطلاق سراحه على ضوء النصوص الشرعية ) .
11- المادة الحادية والثلاثون بعد المائتين ونصها ما يلي: ( متى كان الامتناع عن تنفيذ الحكم بحجة الإعسار فيحال المحكوم عليه إلى المحكمة التي أصدرت الحكم للتحقق من إعساره أو عدمه ) ، وبمبدإ التنفيذ الجبري أخذ نظام الإجراءات الجزائية حيث نصت المادة التاسعة عشرة بعد المائتين على ما يلي نصه : ( يرسل رئيس المحكمة الحكم الجزائي الواجب التنفيذ الصادر من المحكمة إلى الحاكم الإداري لاتخاذ إجراءات تنفيـذه . وعلى الحاكـم الإداري اتخاذ الإجراءات اللازمـة لتنفيذ الحكم فوراً ) .

المبدأ السابع عشر: مبدأ الأخذ بقاعدة سد الذرائع .

وقد اختلفت آراء العلماء في تحديد ضابط لمعرفة قاعدة ( سد الذائع ) ولكنها ترجع إلى كونها وسيلة أو طريقة تكون في ذاتها جائزة لكنها توصل إلى ممنوع ، قال ابن تيمية رحمه الله : ( الذريعة ما كان وسيلة وطريقاً إلى الشيء ، ولكن صارت في عرف الفقهاء عبارة عما أفضت إلى فعل محرم ولو تجردت عن ذلك الإفضاء لم يكن لها مفسدة ) ( ) .
ويقول الإمام القرافي رحمه الله : ( اعلم أن الذريعة كما يجب سدها يجب فتحها وتكره وتندب وتباح فإن الذريعة هي الوسيلة فكما أن وسيلة المحرم محرمة فوسيلة الواجب واجبة كالسعي للجمعة والحج ) ( ) .
ويقول الشاطبي رحمه الله 🙁 حقيقة الذرائع التوسل بما هو مصلحة إلى مفسدة ) ( ) .
ويفصل القول في قاعدة الذرائع العلامة ابن القيم رحمه الله فيقول : ( لما كانت المقاصد لا يتوصل إليها إلا بأسباب وطرق تفضي إليها كانت طرقها وأسبابها تابعة لها معتبرة بها ، فوسائل المحرمات والمعاصي في كراهتها والمنع منها بحسب إفضائها إلى غاياتها وارتباطاتها بها ، ووسائل الطاعات والقربات في محبتها والإذن فيها بحسب إفضائها إلى غايتها ، فوسيلة المقصود تابعة للمقصود ، وكلاهما مقصود ، لكنه مقصود قصد الغايات ، وهي مقصودة قصد الوسائل ، فإذا حرم الرب تعالى شيئاً وله طرق ووسائل تفضي إليه فإنه يحرمها ويمنع منها ، تحقيقا لتحريمه ، وتثبيتا له ، ومنعا أن يقرب حماة ، ولو أباح الوسائل والذرائع المفضية إليه لكان ذلك نقضاً للتحريم ، وإغراءً للنفوس به ، وحكمته تعالى وعلمه يأبى ذلك كل الإباء ، بل سياسة ملوك الدنيا تأبى ذلك ، فإن أحدهم إذا منع جنده أو رعيته أو أهل بيته من شيء ثم أباح لهم الطرق والأسباب والذرائع الموصلة إليه لعد متناقضاً ، ولحصل من رعيته وجنده ضد مقصودة ، وكذلك الأطباء إذا أرادوا حسم الداء منعوا صاحبه من الطرق والذرائع الموصلة إليه ، وإلا فسد عليهم ما يرومون إصلاحه فما الظن بهذه الشريعة الكاملة التي هي في أعلى درجات الحكمة والمصلحة والكمال ؟ ومن تأمل مصادرها ومواردها علم أن الله تعالى ورسوله سد الذرائع المفضية إلى المحارم بأن حرمها ونهى عنها ، والذريعة : ما كان وسيلة وطريقا إلى الشيء . ولابد من تحرير هذا الموضع قبل تقريره ليزول الالتباس فيه ، فنقول : الفعل أو القول المفضي إلى المفسدة قسمان ، أحدهما : أن يكون وضعه للإفضاء إليها كشرب المسكر المفضي إلى مفسدة السكر ، وكالقذف المفضي إلى مفسدة الفرية ، والزنا المفضي إلى اختلاط المياه وفساد الفراش ، ونحو ذلك ، فهذه أفعال وأقوال وضعت مفضية لهذه المفاسد وليس لها ظاهر غيرها . والثاني : أن تكون موضوعة للإفضاء إلى أمر جائز أو مستحب ، فيتخذ وسيلة إلى المحرم إما بقصد أو بغير قصد منه ، فالأول كمن يعقد النكاح قاصداً به التحليل ، أو يعقد البيع قاصداً به الربا ، أو يحلف قاصداً به الحنث ، ونحو ذلك . والثاني كمن يصل تطوعا بغير سبب في أوقات النهي ، أو يسب أرباب المشركين بين أظهرهم ، أو يصلي بين يدي القبر لله ، ونحو ذلك . ثم هذا القسم من الذرائع نوعان ، أحدهما : أن تكون مصلحة الفعل أرجح من مفسدته ، والثاني : أن تكون مفسدته راجحة على مصلحته ، فهاهنا أربعة أقسام الأول وسيلة موضوعة للإفضاء إلى المفسدة . الثاني : وسيلة موضوعة للمباح قصد بها التوسل إلى المفسدة .

الثالث : وسيلة موضوعة للمباح لم يقصد بها التوسل إلى المفسدة لكنها مفضية إليها غالباً ومفسدتها أرجح من مصلحتها .الرابع : وسيلة موضوعة للمباح وقد تفضي إلى المفسدة ومصلحتها أرجح من مفسدتها . فمثال القسم الأول والثاني قد تقدم . ومثال الثالث : الصلاة في أوقات النهي ، ومسبة آلهة المشركين بين ظهرانيهم ، وتزين المتوفى عنها في زمن عدتها ، وأمثال ذلك . ومثال الرابع : النظر إلى المخطوبة والمستأمنة والمشهود عليها ومن يطؤها ويعاملها ، وفعل ذوات الأسباب في أوقات النهي ، وكلمة الحق عند ذي سلطان جائر ، ونحو ذلك : فالشريعة جاءت بإباحة هذا القسم أو استحبابه أو إيجابه بحسب درجاته في المصلحة ، وجاءت بالمنع من القسم الأول كراهة أو تحريماً بحسب درجاته في المفسدة ، بقي النظر في القسمين الوسط : هل هما مما جاءت الشريعـة بإباحتهما أو المنع منهما ؟ فنقـول : الدلالـة على المنع من وجوه ) ( ) .ثم ساق تسعة وتسعين وجهاً على منع الذرائع المفضية إلى المحرم وقال : ولنقتصر على هذا العدد من الأمثلة الموافق لأسماء الله الحسنى التي من أحصها دخل الجنة ، تفاؤلا بأنه من أحصى هذه الوجوه وعلم أنها من الدين وعمل بها دخل الجنة ، إذا قد يكون قد اجتمع له معرفة أسماء الرب تعالى ومعرفة أحكامه ، ولله وراء ذلك أسماه وأحكامه .
وباب سد الذرائع أحد أرباع التكليف ، فإنه أمر ونهي ، والأمر نوعان ، أحدهما : مقصود لنفسه ، والثاني : وسيلة إلى المقصود ، والنهي نوعان . أحدهما : ما يكون المنهي عنه مفسدة في نفسه . والثاني : ما يكون وسيلة إلى المفسدة فصار سد الذرائع المفضية إلى الحرام أحد أرباع الدين ( ) .
وأنقل هنا ملخصاً لهذه القاعدة تعريفاً وأقساماً بقرار صادر من مجلس مجمع الفقه الإسلامي قرار رقم 96/9/د9 بشأن ( سد الذرائع ) ونصه ( إن مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره التاسع بأبوظبي بدولة الإمارات العربية المتحدة من 2 إلى 6 ذو القعدة 1415 هـ الموافق 11/6 إبريل 1995م . بعد إطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضـوع ( سد الذرائع ) وبعد استماعه إلى المناقشة التي دارت حوله ، يقرر ما يلي :
1- سد الذرائع أصل من أصول الشريعة الإسلامية ، وحقيقته : منع المباحات التي يتوصل بها إلى مفاسد أو محظورات .
2- سد الذرائع لا يقتصر على مواضع الاشتباه والاحتياط ، وإنما يشمل كل ما من شأنه التواصل به إلى الحرام .
3- سد الذرائع يقتضي سد الحيل إلى إتيان المحظورات أو إبطال شيء من المطلوبات الشرعية ، غير أن الحيلة تفترق عن الذريعة باشتراط وجود القصد في الأولى دون الثانية .
4- والذرائع أنواع :

( الأولى ) مجمع على منعها : وهي المنصوص عليها في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة أو المؤدية إلى المفسدة قطعاً أو كثيراً غالباً ، أكانت الوسيلة مباحة أو مندوبة أو واجبة ؟ ، ومن هذا النوع العقود التي يظهر منها القصد إلى الوقوع في الحرام بالنص عليه في العقد .
( الثانية) مجمع على فتحها : وهي التي ترجح فيها المصلحة على المفسدة .
( الثالثة ) مختلف فيها : وهي التصرفات التي ظاهرها الصحة ، لكن تكتنفها تهمة التوصل بها إلى باطن محظور ، لكثرة قصد ذلك منها ( ) .
5- وضابط إباحة الشريعة الذريعة : أن يكون إفضاؤها إلى المفسدة نادراً أو أن تكون مصلحة الفعل أرجح من مفسدته .
وضابط منع الذريعة أن تكون من شأنها الإفضاء إلى المفسدة لا محالة ( قطعاً ) أو كثيراً ، أو أن تكون مفسدة الفعل أرجح مما قد يترتب على الوسيلة من المصلحة ، هذا ويتفرع على هذه القاعدة مبدأ مهم هـو ( مبدأ اعتبار المآلات )
فالنظر إلى مآلات الأقوال والأفعال في عموم التصرفات مقصد مهم لشريعة الإسلام بل أن جميع الأحكام تتأسس على النظر المصلحي في مآل العباد في العاجل أو الأجل ولهذا فالمفتي والقاضي والمجتهد ينبغي لهم تقدير مآلات الأفعال التي هي محل حكمهم وليست المهمة في إعطاء الحكم الشرعي فحسب بل لا بد من استحضار المآلات والآثار والعواقب يقول الشاطبي :
( النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعاً أكانت الأفعال موافقة أو مخالفة وذلك أن المجتهد لا يحكم على فعل من الأفعال الصادرة عن المكلفين بالإقدام أو بالإحجام إلا بعد نظره إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل شرعاً لمصلحة فيه تستجلب أو لمفسدة تدرأ ولكن له مآل على خلاف ما قصد فيه قد يكون غير مشروع لمفسدة تنشأ أو مصلحة تندفع ولكن له مآل على خلاف ذلك فإذا أطلق القول في الأول بالمشروعية فربما أدى استجلاب المصلحة فيه إلى مفسدة تساوي المصلحة أو تزيد عليها فيكون هذا مانعاً من إطلاق القول بالمشروعية وكذلك إذا أطلق القول في الثاني بعدم المشروعية ربما أدى استدفاع المفسدة إلى مفسدة تساوي أو تزيد فلا يصح إطلاق القول بعدم المشروعية وهو مجال للمجتهد صعب المورد إلا أنه عذب المذاق محمود الغب جار على مقاصد الشريعة ) ( ) . وبمثل معنى هذا التقرير يقول العلامة ابن القيم رحمه الله : ( فإذا كان إنكار المنكر يستلزم ما هو أنكر منه وأبغض إلى الله ورسوله فإنه لا يسوغ إنكاره ، وإن كان الله يبغضه ويمقت أهله ، وهذا كالإنكار على الملوك والولاة بالخروج عليم ، فإنه أساس كل شر وفتنة إلى آخر الدهر ، وقد استأذن الصحابة رسول الله  في قتال الأمراء الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها ، وقالوا : أفلا نقاتلهم ؟ فقال : ( لا، ما أقاموا الصلاة ) ( ) ، وقال : ( من رأى من أميره ما يكرهه فليصبر ولا ينزعن يداً من طاعة ) ( ) . ومن تأمل ما جرى على الإسلام في الفتن الكبار والصغار رآها من إضاعة هذا الأصل وعدم الصبر على منكر ، فطلب إزالته فتولد منه ما هو أكبر منه ، فقد كان رسول الله  يرى بمكة أكبر المنكرات ولا يستطيع تغييرها ( ) ، بل لما فتح الله مكة وصارت دار إسلام عزم على تغيير البيت ورده على قواعد إبراهيم ، ومنعه من ذلك – مع قدرته عليه – خشية وقوع ما هو أعظم منه من عدم احتمال قريش لذلك لقرب عهدهم بالإسلام وكونهم حدثي عهد بكفر ٍ ( ) . ، ولهذا لم يأذن في الإنكار على الأمراء باليد ، لما يترتب عليه من وقوع ما هو أعظم منه كما وجد سواء فإنكار المنكر أربع درجات ، الأولى : أن يزول وخلفه ضده ، الثانية : أن يقل وإن لم يزل بجملته ، الثالثة : أن يخلفه ما هو مثله ، الرابعة : أن يخلفه ما هو شر منه : فالدرجتان الأوليان مشروعتان ، والثالثة موضع اجتهاد ، والرابعة محرمة ، فإذا رأيت أهل الفجور والفسوق يلعبون بالشطرنج كان إنكارك عليهم من عدم الفقه والبصيرة إلا إذا نقلتهم منه إلى ما هو أحب إلى الله ورسوله كرمي النشاب وسباق الخيل ونحو ذلك ، وإذا رأيت الفساق قد اجتمعوا على لهو ولعب أو سماع مكاء وتصدية ( ) . فإن نقلتهم عنه إلى طاعة الله فهو المراد ، وإلا كان تركهم على ذلك خيراً من أن تفرغهم لما هو أعظم من ذلك ، فكان ما هم فيه شاغلا لهم عن ذلك ، وكما إذا كان الرجل مشتغلا بكتب المجون ونحوها وخفت من نقله عنها انتقاله إلى كتب البدع والضلال والسحر فدعه وكتبه الأولى ، وهذا باب واسع. وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول : ( مررت أنا وبعض أصحابي في زمن التتار بقوم منهم يشربون الخمر ، فأنكر عليهم من كان معي ، فأنكرت عليه ، وقلت له : إنما حرم الله الخمر لأنها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة ، وهؤلاء يصدهم الخمر عن قتل النفوس وسبي الذرية وأخذ الأموال فدعهم ) ( ) .

وحينما تستعرض هذه القاعدة – اعتبار المآلات – في أحكام القضاء في الإسلام فستجد أن فقهاء الشريعة اعتبروها في مقام القضاء أساساً في سلامة الحكم وصحته وتحقيقه للعدل المنشود .
ولذا فقد راعوا الأحكام التي تجعل القاضي الشرعي حينما يصدر حكمه فإنه يراعي مآلات الحكم في أحوال المتخاصمين ومصالحهم الدينية والدنيوية بل أنه يراعي أثرها البعيد في نطاق المصالح العامة للأمة بكل دقة وكمال ولهذا فاعتبار النظر في المآل أصلاً في قطع أحكام النزاع والمخاصمة يعد مزية من مزايا قضاء الشرع الإسلامي وخصوصية من أعظم خصائصه .
ولهذا سأعرض بعض الجزئيات المبثوثة في الفقه الإسلامي المتعلقة بقاعدة سد الذرائع واعتبار المآلات وذلك فيما يلي :
1- أن القاضي ممنوع من قبول الهدية ، وما ذلك إلا لأن قبول الهدية ممن لم تجر عادته بمهاداته ذريعة إلى الحيف مع صاحب الهدية ( ) .
2- أن القاضي ممنوع من الحكم بعلمه لئلا يكون ذلك ذريعة إلى حكمه بالباطل ويقول : حكمت بعلمي ( ) .
3- أن الشريعة منعت من قبول شهادة العدو على عدوه لئلا يتخذ ذلك ذريعة إلى بلوغ غرضه من عدوه بالشهادة الباطلة ( ) .
4- أن النبي  نهى أن تقطع الأيدي في الغزو ( ) .
قال ابن القيم : وذلك لئلا يكون ذريعة إلى إلحاق المحدود بالكفار ولهذا لا تقام الحدود في الغزو ( ) .
5- أن النبي  كان يكف عن قتل المنافقين ( ) ، مع كونه مصلحة لئلا يكون ذلك ذريعة إلى تنفير الناس عنه وقولهم إن محمداً يقتل أصحابه فإن هذا القول يوجب النفور عن الإسلام ممن دخل فيه ومن لم يدخل فيه ومفسدة التنفير أكبر من مفسدة ترك قتلهم ومصلحة التأليف أعظم من مصلحة القتل ( ) .

تطبيق قاعدة سد الذرائع ومبدأ اعتبار المآلات في نظام القضاء في المملكة العربية السعودية .

لقد أخذ نظام المرافعات الشرعية في المملكة العربية السعودية بقاعدة سد الذرائع ومبدأ اعتبار المآلات في كثير من مواده وذلك من خلال منع القاضي وأعوانه مما يمكن أن يكون ذريعة للتأثر وبالتالي التأثير على سير الإجراءات بما يكون فيه الحيف على أحد المتخاصمين أو ما فيه عون لأحدهم ، وحينما نستعرض نصوص مواد نظام المرافعات نجد أن النصوص التالية تعطي المعنى ذاته الذي تتفرع من قاعدة سد الذرائع ومبدأ اعتبار المآلات :
1- جاء في المادة الثامنة مانصه 🙁 لا يجوز للمحضرين ولا للكتبة وغيرهم من أعوان القضاة أن يباشروا عملاً يدخل في حدود وظائفهم في الدعوى الخاصة بهم أو بأزواجهم أو أصهارهم حتى الدرجـة الرابعة ، وإلا كان هذا العمل باطلاً ) وذلك سداً لذريعة التأثير على سير العدالة في الخصومة .
2- جاء في المادة الحادية والخمسين ما نصه : ( إذا ظهر للمحكمة من أحد الوكلاء كثرة الاستهمالات بحجة سؤال موكله بقصد المماطلة فلها حق طلب الموكل بالذات لإتمام المرافعة ) وذلك سداً لذريعة التلاعب والتماطل بالحقوق
3- جاء في المادة الثانية والخمسين ما نصه : ( لا يجوز للقاضي ولا للمدعي العام ولا لأحد من العاملين في المحاكم أن يكون وكيلاً عن الخصوم في الدعوى ولو كانت مقامه أمام محكمة غير المحكمة التابع لها ، ولكن يجوز لهم ذلك عن أزواجهم أصولهم وفروعهم ومن كان تحت ولايتهم شرعاً ) وذلك سداً لذريعة كل ما يؤثر على سير العادلة في الخصومة ، ومثلها ما جاء في المادة التاسعة والعشرين بعد المائة ونصها : ( يجوز رد الخبراء للأسباب التي تجيز رد القضاة ، وتفصل المحكمة التي عينت الخبير في طلب الرد بحكم غير قابل للتمييز ، ولا يقبل طلب رد الخبير من الخصم الذي اختاره إلا إذا كان سبب الرد قد جد بعد أن تم الاختيار ) .
4- جاء في المادة الثالثة والخمسين ما نصه : ( إذا غاب المدعي عن جلسة من جلسات المحاكمة ولم يتقدم بعذر تقبله المحكمة تشطب الدعوى، وله بعد ذلك أن يطلب استمرار النظر فيها حسب الأحوال، وفي هذه الحالة تحدد المحكمة جلسة لنظرها وتبلغ بذلك المدعى عليه، فإذا غاب المدعي ولم يتقدم بعذر تقبله المحكمة تشطب الدعوى ولا تسمع بعد ذلك إلا بقرار يصدره مجلس القضاء الأعلى بهيئته الدائمة ) وذلك سداً لذريعة الإضرار بالمدعى عليه إذ الأصل براءة الذمة .
5- جاء في المادة الخامسة والخمسين ما نصه : ( إذا غاب المدعى عليه عن الجلسة الأولى فيؤجل النظر في القضية إلى جلسة لاحقة يبلغ بها المدعى عليه، فإن غاب عن هذه الجلسة أو غاب عن جلسة أخرى دون عذر تقبله المحكمة فتحكم المحكمة في القضية، ويعد حكمها في حق المدعى عليه غيابياً ما لم يكن غيابه بعد قفل باب المرافعة في القضية فيعد الحكم حضورياً ) وذلك سداً لذريعة التماطل بالحقوق والأضرار بالمدعى .
6- جاء في المادة الثامنة والخمسين ما نصه : ( يكون الحكم عليه غيابياً خلال المدة المقررة في هذه النظام المعارضة في الحكم لدى المحكمة التي أصدرته، ويجوز له أن يطلب من المحكمة الحكم على وجه السرعة بوقف نفاذ الحكم مؤقتاً، ويوقف نفاذ الحكم الغيابي إذا صدر حكم من المحكمة يوقف نفاذه أو صدر حكم منها معارض للحكم الغيابي يقضي بإلغائه ) وذلك سداً لذريعة ضياع الحق وفواته ما دام أن للمدعى عليه بينة دافعة للخصومة .
7- جاء في المادة الحادية والستين ما نصه : ( تكون المرافعة علنية إلا إذا رأى القاضي من تلقاء نفسه أو بناء على طلب أحد الخصوم إجراءها سراً محافظة على النظام، أو مراعاة للآداب العامة، أو لحرمة الأسرة ) فنجد أن الاستثناء جاء سداً لذريعة الفساد المحتملة في إعلان الجلسة القضائية .
8- جاء في المادة السادسة والسبعين ما نصه : ( للمحكمة من تلقاء نفسها أن تأمر بإدخال من ترى إدخاله في الحالات الآتية :
ت‌- من تربطه بأحد الخصوم رابطة تضامن أو حق أو التزام لا يقبل التجزئة
ث‌- الوارث مع المدعى أو المدعى عليه ، أو الشريك على الشيوع لأي منهما إذا كانت الدعوى متعلقة لتركة في الحالة الأولى ، أو بالشيوع في الحالة الثانية .
ج – من قد يضار بقيام الدعوى أو بالحكم فهيا إذا بدت للمحكمة دلائل جدية على التواطؤ ، أو الغش ، أو التقصير من جانب الخصوم .
وتعين المحكمة ميعاداً لحضور من تأمر بإدخاله ، وتتبع الأوضاع المعتادة في التكليف بالحضور ) وذلك سداً لذريعة الضرر المتوقع على الغير من الحكم بين الخصمين المترافعين .
9- جاء في المادة الثامنة والثمانين ما نصه : ( يجوز للمدعي ترك الخصومة بتبليغ يوجهه لخصمه أو تقرير منه لدى الكاتب المختص بالمحكمة ، أو بيان صريح في مذكرة موقع عليها منه ، أو من وكليه ، مع إطلاع خصمه عليها ، أو بإبداء الطلب شفوياً في الجلسة ، وإثباته في ضبطها ، ولا يتم الترك بعد إبداء المدعى عليه دفوعة إلا بموافقة المحكمة ) وذلك سداً لذريعة ضياع حق المدعي عليه مما ظهر بدفوعاته .
10- جاء في المادة التسعين ما نصه 🙁 يكون القاضي ممنوعاً من نظر الدعوى وسماعها ولو لم يطلب ذلك أحد الخصوم في الأحوال الآتية
ت‌- إذا كان زوجاً لأحد الخصوم أو كان قريباً أو صهراً إلى الدرجة الرابعة
ث‌- إذا كان له أو لزوجته خصومة قائمة مع أحد الخصوم في الدعوى أو مع زوجته .
ح‌- إذا كان وكيلاً لأحد الخصوم ، أو وصياً ، أو قيماً عليه ، أو مظنونة وراثته له ، أو كان زوجاً لوصي أحد الخصوم أو القيم عليه ، أو كانت له صلة قرابة أو مصاهرة إلى الدرجة الرابعة بهذا الوصي أو القيم .
د – إذا كان له أو لزوجته أو لأحد أقاربه أو أصهاره على عمود النسب أو لمن يكون هو وكيلاً عنه أو وصياً أو قيما عليه ، مصلحة في الدعوى القائمة .
هـ- إذا كان قد أفتى أو ترافع عن أحد الخصوم في الدعوى أو كتب فيها ولو كان ذلك قبل اشتغاله بالقضاء ، أو كان قد سبق له نظرها قاضياً أو خبيراً أو محكما ، أو كان قد أدى شهادة فيها ، أو باشر إجراء من إجراءات التحقيق فيها ) وذلك سداً لذريعة الفساد المتوقع بسبب القرابة ونحوها فما ذكر في الفقرات السابقة ، وكذا ما جاء في المادة الثانية والتسعين ونصها : ( يجوز رد القاضي لأحد الأسباب الآتية :
أ‌- إذا كان له أو لزوجته دعوى مماثلة للدعوى التي ينظرها .
ب‌- إذا كان له أو لزوجته خصومة مع أحد الخصوم أو مع زوجته بعد قيام الدعوى المنظورة أمام القاضي ، ما لم تكن هذه الدعوى قد أقيمت بقصد رده عن نظر الدعوى المنظورة أمامه .
ج- إذا كان لمطلقته التي له منها ولد ، أو لأحد أقاربه ، أو أصهاره إلى الدرجة الرابعة خصومة قائمة أمام القضاء مع أحد الخصوم في الدعوى ، أو مع زوجته ، ما لم تكن هذه الخصومة قد أقيمت أمام القاضي بقصد رده .
د- إذا كان أحد الخصوم خادماً له ، أو كان القاضي قد اعتاد مؤاكلة أحد الخصوم أو مساكنته ، أو كان قد تلقي منه هدية قبيل رفع الدعوى أو بعده
هـ- إذا كان بينه وبين أحد الخصوم عداوة أو مودة يرجح معها عدم استطاعته الحكم بدون تحيز ) .
11- جاء في المادة الثانية بعد المائة ما نصه : ( إذا كان للخصم عذر مقبول يمنعه من الحضور بنفسه لاستجوابه ينتقل القاضي أو يندب من يثق به إلى محل إقامته لاستجوابه ، وإذا كان المستجوب خارج نطاق اختصاص المحكمة فيستخلف القاضي في استجوابه محكمة محل إقامته ) وذلك سداً لذريعة التلاعب والإضرار ، وكذا مثل هذه المادة ما جاء في المادة التاسعة بعد المائة ونصها : ( من دعى للحضور للمحكمة لأداء اليمين وجب عليه الحضور فإن حضر وامتنع دون أن ينازع من وجهت إليه اليمين لا في جوازها ولا في تعلقها بالدعوى – وجب عليه إن كان حاضراً بنفسه أن يحلفها فوراً أو يردها على خصمه ، وإن تخلف بغير عذر عد ناكلاً كذلك ) ، والمادة الحادية عشرة بعد المائة ونصها 🙁 يجب أن يكون أداء اليمين في مواجهة طالبها إلا إذا قرر تنازله عن حضور أدائها، أو تخلف دون عذر مقبـول مع علمه بالجلسة ) ، وكذا المادة الثانية والعشرين بعد المائة ونصها : ( إذا طلب أحد الخصوم إمهاله لإحضار شهوده الغائبين عن مجلس الحكم فيمهل أقل مدة كافية في نظر المحكمة فإذا لم يحضرهم في الجلسة المعينة أو أحضر منهم من لم توصل شهادته أمهل مرة أخرى مع إنذاره باعتباره عاجزاً إن لم يحضرهم ، فإذا لم يحضرهم في الجلسة الثالثة أو أحضر منهم من لم توصل شهادته فللمحكمة أن تفصل في الخصومة فإذا كان له عذر في عدم إحضار شهوده كغيبتهم أو جهلة إقامتهم كان له حق إقامة الدعوى متى حضروا ) .
12- جاء في المادة السادسة عشرة بعد المائة ما نصه : ( يجوز لكل صاحب مصلحة في إثبات معالم واقعة محتمل أن تصبح محل نزاع أمام القضاء مستقبلا أن يتقدم للمحكمة المختصة بها محليا بدعوى مستعجلة لمعاينتها بحضور ذوي الشأن وإثبات حالتها وتتم المعاينة وإثبات الحالة وفق أحكام المواد السابقة ) وذلك سداً لذريعة ضياع معالم الواقعة .
13- جاء في المادة الرابعة والأربعين بعد المائة ما نصه : ( على الخصوم أن يحضروا في الموعد الذي يعينه القاضي لتقديم ما لديهم من أوراق المقارنة واختيار ما يصلح منها لذلك فإن تخلف الخصم المكلف بالإثبات بغير عذر جاز الحكم بسقوط حقه في الإثبات وإذا تخلف خصمه جاز اعتبار الأوراق المقدمة للمقارنة صالحة لها ) وذلك سداً لذريعة الإضرار والتلاعب .
14- جاء في المادة السابعة والأربعين بعد المائة ما نصه : ( يجوز لمن بيده ورقة عادية أن يخاصم من تتضمن هذه الورقة حقاً عليه ليقر بها ولو كان الالتزام الوارد فيها غير مستحق الأداء وقت الاختصام ويكون ذلك بدعوى تتبع فيها الإجراءات المعتادة ، فإذا حضر المدعى عليه فأقر فعلى المحكمة أن تثبت إقراره ، وإن أنكر فتأمر المحكمة بتحقيقها وفقاً للإجراءات السالفة الذكر ) وذلك سداً لذريعة النكران بالحق في المستقبل ، ومثل هذه المادة ما ورد في المادة الرابعة والخمسين بعد المائة ما ونصها : ( يجوز لمن يخشى الاحتجاج عليه بورقة مزورة أن يخاصم من بيده هذه الورقة ومن يستفيد منها لسماع الحكم بتزويرها ، ويكون ذلك بدعوى ترفع وفقاً للأوضاع المعتادة وتراعي المحكمة في تحقيق هذه الدعوى للقواعد والإجراءات السابقة الذكر )
15- جاء في المادة الثانية والستين بعد المائة ما نصه : ( بعد قفل باب المرافعة والانتهاء إلى الحكم في القضية يجب تدوينه في ضبط المرافعة مسبوقاً بالأسباب التي بني عليه ثم يوقع عليه القاضي أو القضاة الذين اشتركوا في نظر القضية ) وذلك لأن التسبيب من موانع سريان التهمة للقاضي من قبل المحكوم عليه أو غيره .
16- جاء في المادة المائتين ما نصه : ( يجوز للمحكمة المرفوع إليها الاعتراض متى رأت أن أسباب الاعتراض على الحكم قد تقضى بنقضه – أن تأمر بوقف التنفيذ المعجل إذا كان يخشى منه وقوع ضرر جسيم ) .
17- جاء في المادة الثامنة بعد المائتين ما نصه 🙁 للدائن أن يطلب إيقاع الحجز التحفظي على منقولات مدينة إذا لم يكن للمدين محل إقامة ثابت في المملكة أو خشي الدائن لأسباب مقبولة اختفاء أو تهريب أمواله ) ، ومثلها المادة التاسعة بعد المائتين ونصها : ( لمؤجر العقار أن يطلب إيقاع الحجز التحفظي على المنقولات أو الثمار الموجودة بالعين المؤجرة ضماناً للأجور المستحقة )
18- جاء في المادة الخامسة عشرة بعد المائتين ما نصه : ( يجب على طالب الحجز أن يقدم إلى المحكمة إقراراً خطياً من كفيل غارم صادراً من كتاب العدل يضمن جميع حقوق المحجوز عليه وما يلحقه من ضرر إذا ظهر أن الحاجز غير محق في طلبه ) .
19- جاء في المادة الرابعة والعشرين بعد المائتين ما نصه : ( لا يجوز أن يجرى البيع إلا بعد إخطار المحجوز عليه وإمهاله مدة عشرة أيام من تاريخ الإخطار ، ومع ذلك إذا كانت الأشياء المحجورة عرضة للتلف أو بضائع عرضة لتقلب الأسعار فللمحكمة أن تأمر بإجراء البيع من ساعة لساعة بناء على عريضة تقدم من أحد ذوى الشأن ) وذلك سداً لذريعة تلف الأموال المعرضة للتلف
20- جاء في المادة الثالثة والثلاثين بعد المائتين ما نصه : ( تحكم المحكمة المختصة بنظر الموضوع بصفة مؤقتة في المسائل المستعجلة التي يخشى عليها من فوات الوقت والمتعلقة بالمنازعة نفسها ، ولا يؤثر هذا الحكم على موضوع الدعوى سواء رفع طلب الحكم بالإجراء المؤقت مباشرة أو تبعاً للدعوى الأصلية ) .
21- جاء في المادة السادسة والثلاثين بعد المائتين ما نصه : ( لكل مدع بحق على آخر أثناء نظر الدعوى أو قبل تقديمها مباشرة أن يقدم إلى المحكمة المختصة بالموضوع دعوى مستعجلة لمنع خصمه من السفر ، وعلى القاضي أن يصدر أمراً بالمنع إذا قامت أسباب تدعو إلى الظن أن سفر المدعى عليه أمر متوقع وبأنه يعرض حق المدعى للخطر أو يؤخر أداءه ، ويشترط تقديم المدعى تأميناً يحدده القاضي لتعويض المدعى عليه متى ظهر أن المدعي غير محق في دعواه ، ويحكم بالتعويض مع الحكم في الموضوع ويقدر بحسب ما لحق المدعى عليه من أضرار لتأخيره عن السفر ) .
22- جاء في المادة السابعة والثلاثين بعد المائتين ما نصه : ( لكل صاحب حق ظاهر أن يتقدم إلى المحكمة المختصة بالموضوع بدعوى مستعجلة لمنع التعرض لحيازته أو لاستردادها ، وعلى القاضي أن يصدر أمراً بمنع التعرض أو باسترداد الحيازة إذا اقتنع بمبرراته ، ولا يؤثر هذا الأمر على أصل الحق ولا يكون دليلاً عليه ، ولمن ينازع في أصل الحق أن يتقدم للقضاء وفق أحكام هذا النظام ) .
23- جاء في المادة الثامنة والثلاثين بعد المائتين ما نصه : ( يجوز لمن يضار من أعمال تقام بغير حق أن يتقدم للمحكمة المختصة بالموضوع بدعوى مستعجلة لوقف الأعمال الجديدة ، وعلى القاضي أن يصدر أمراً بالمنع إذا اقتنع بمبرراته ولا يؤثر هذا الأمر بالمنع على أصل الحق ولا يكون دليلاً عليه ، ولمن ينازع فيه أن يتقدم للقضاء وفق أحكام هذا النظام )
24- جاء في المادة التاسعة والثلاثين بعد المائتين ما نصه : ( ترفع دعوى الحراسة للمحكمة المختصة بنظر الموضوع في المنقول أو العقار الذي يقوم في شأنه نزاع ويكون الحق فيه غير ثابت ، وللقاضي أن يأمر بالحراسة إذا كان صاحب المصلحة في المنقول أو العقار قد قدم من الأسباب المعقولة ما يخشى معه خطراً عاجلاً من بقاء المال تحت يد جائرة ، ويتكفل الحارس بحفظ المال ، وبإدارته ، ويرده مع غلته المقبوضة إلى من يثبت له الحق فيه ) .
25- جاء في المادة السادسة والأربعين بعد المائتين ما نصه : ( لا يجوز للقاضي تسجيل إنشاء أي وقف إلا بعد ثبوت تملك واقفه إياه وبعد التأكد من خلو سجله مما يمنع من إجراء التسجيل ) وذلك خشية من التحايل على التملك عن طريق الوقف .
26- جاء في المادة الخمسين بعد المائتين ما نصه : ( إذا اقتضى الأمر نقل وقف فليس لناظر الوقف سواء كان ناظرا خاصا أو كان إدارة الأوقاف أن يجرى معاملة النقل إلا بعد استئذان القاضي الشرعي في البلد التي فيها الوقف وإثبات المسوغات الشرعية التي تجيز نقله على أن يجعل ثمنه في مثله في الحال ، وكل ذلك يتم بعد موافقة محكمة التمييز ) وذلك خشية من فوات الغبطة والمصلحة في تصرفات الناظر المنفردة عن المحكمة .
27- جاء في المادة الرابعة والخمسين بعد المائتين ما نصه : ( قبل البدء في تدوين الإنهاء والشروع في إجراءات الإثبات لذلك على المحكمة أن تكتب إلى كل من البلدية ، ووزارة الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، ووزارة المالية والاقتصاد الوطني، وبالنسبة لما هو خارج المدن والقرى يكتب إلى الحرس الوطني، ووزارة الدفاع والطيران، ووزارة المعارف (إدارة الآثار) ووزارة الزراعة والمياه، ووزارة البترول والثروة المعدنية، ووزارة المواصلات، أو فروع تلك الوزارات والمصالح أو من يقوم مقامها في ذلك، وغيرها من الجهات التي تصدر الأوامر بالكتابة إليها، وذلك للاستفسار عما إذا كان لديها معارضة في الإنهاء وعلى المحكمة كذلك أن تطلب النشر عن طلب الاستحكام في إحدى الصحف التي تصدر في منطقة العقار، وفي حال عدم صدور صحف في المنطقة تطلب النشر في إحدى الصحف الأكثر انتشاراً فيها ، بالإضافة إلى إلصاق صور من المنشور في لوحة الإعلان على باب المحكمة والإمارة أو المحافظة أو المراكز ) وذلك خشية من تملك أموال الغير كان على المحكمة عمل هذا الإجراء .

المبدأ الثامن عشر : مبدأ علانية جلسات التقاضي .

والمراد بمبدإ علانية جلسات التقاضي : هو نظر القضية في جلسات علنية ، وذلك يقتضي الإذن من القاضي لغير المتخاصمين ، أن يحضر مجلس القضاء ، ويسمع ويشاهد كل ما يدور فيه ، من دعوى ، ودفاع ، وسماع شهود ونحو ذلك مما يلزم لنظر الدعوى والفصل فيها . والمستقرئ لكلام الفقهاء رحمهم الله تعالى يجد أنهم لم ينصوا صراحة على علانية جلسات المحاكمة ، ولكن طبيعة الواقع العملي للقضاء في الإسلام يدل على وجود العلانية في التقاضي . فأقضية الرسول  وأقضية خلفائه الراشدين من بعده رضي الله عنهم كانت تتم في المسجد ( ) . ، وهو مكان عام يؤمه ويقصده كل مسلم .وقد قرر الفقهاء رحمهم الله تعالى : جواز اتخاذ المسجد مجلساً للقضاء ، إلا أنهم اختلفوا بعد ذلك ، فمنهم من ذهب إلى جوازه بدون كراهة ، بل استحبه كثير من هؤلاء ، ومنهم من كره ذلك ( ) . والعلانيـة في الجلسات متحققة في القضاء إذا كان محله المسجد ، ولهذا نص بعـض الفقهاء على أن من فوائـد القضاء في المسجـد أنه أنفى للتهمة عن القاضي ، وأسهـل للناس في الدخـول عليـه ، فأجدر ألا يحجب عنه أحد ( ) . والمستقرئ لسيرة قضاء الصحابة – رضي الله عنهم – ومن بعدهم من السلف يجد أنهم كانوا يأخذون بهذا المبدأ ، إذ كانوا يتخذون الأماكن البارزة مواضع لفصل الخصومات ، فكان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه يقضي في السوق ( ) . وقال الإمام البخاري رحمه الله: ( وقضي يحيى بن يعمر في الطريق ، وقضى الشعبي على باب داره ) ( ) .
وقال الإمام الشافعي رحمه الله 🙁 أحب أن يقضي القاضي في موضع بارز للناس لا يكون دونه حجاب وأن يكون متوسطاً للمصر ().

ومما يؤيد هذا المبدأ أن بعض الفقهاء استحب للقاضي أن يدعو العلماء للجلوس معه عند نظره في القضايا، وإنما استحبوا ذلك من أجل مشاورتهم ( ) وقد ورد عن الخليفة الراشد عثمان بن عفان –  – أنه إذا جلس في المسجد ، وجاءه الخصمان قال لأحدهما : اذهب فادع علياً ، وقال للأخر : اذهب فادع طلحة والزبير ، ونفراً من أصحاب النبي  ( ثم يقول لهما : تكلما ثم يقبل على القوم فيقول :ما تقولون ؟ فإن قالوا ما يوافق رأيه أمضاه ، وإلا نظرا فيه فيقومان وقد سلما ( ) .
وكان شريح رحمه الله : إذا جلس للقضاء ينادي مناد من جانبه : يا معشر القوم اعلموا أن المظلوم ينتظر النصر ، وأن الظالم ينتظر العقوبة ، فتقدموا رحمكم الله ) ( ) . وهذا دليل على أن المحاكمة كانت تتم علانية أمام جميع الناس . ولا شك أن علانية جلسات التقاضي مبدأ مهم إذ فيه تحقيق نزاهة القضاء وعدالته ، وذلك لأنه يكفل إشراف الجمهور على أعمال المحاكم ومراقبة القضاء ، فيتعرفون على التهمة أو على الواقعة محل النزاع ، وعلى الحجج ، وعلى الدفوع ، وعلى الحكم ، الأمر الذي يضطر معه القاضي أن يكون متيقظاً إلى ما يجب عليه من المساواة بين الخصوم في مجلسه وفي لفظه ولحظه ، مما يحمله على أن يجتهد في أداء واجبه في هذا الخصوص في جميع مراحل الترافع من بدايتها حتى نهايتها ، وعلى أن يتحرى كافة الطرق التي تضمن إظهار الحكم العادل ، وأن يجتنب كل تصرف يقدح في عدله ومساواته بين الخصوم ( ) ، ولهذا فتقرير علانية جلسات التقاضي في التنظيم القضائي في المملكة العربية السعودية أمر مقرر بوضوح وجلاء ، إذ قد نص نظام القضاء الصادر عام 1395 هـ على مبدإ علانية المحاكمة حيث نصت المادة الثانية والثلاثون منه على أن ( جلسات المحاكم علنية إلا إذا رأت المحكمة جعلها سرية مراعاة للآداب العامة أو حرمة الأسرة أو محافظة على النظام العام ، ويكون النطق بالحكم في جميع الأحوال في جلسة علنية ) . ونصت المادة الحادية والستون من نظام المرافعات الشرعية في المملكة العربية السعودية على ذلك أيضاً فجاء فيها ما نصه ( تكون المرافعة علنية إلا إذا رأى القاضي من تلقاء نفسه أو بناء على طلب أحد الخصوم إجراءها سراً محافظة على النظام ، أو مراعاة للآداب العامة، أو لحرمة الأسرة ) ، كما أن نظام الإجراءات الجزائية قد أخذ بهذا المبدأ كما نصت عليه المادة الخامسة والخمسون بعد المائة ونصها ما يلي : ( جلسات المحاكم علنية ، ويجوز للمحكمة – استثناء – أن تنظر الدعوى كلها أو بعضها في جلسات سرية ، أو تمنع فئات معينة من الحضور فيها ، مراعاة للأمن ، أو محافظة على الآداب العامة ، أو إذا كان ذلك ضرورياً لظهور الحقيقة ) .
ويبقى هنا أن نقول : إن مبدأ علانية الجلسات مشروع للمقاصد التي أشرنا إليها ولكن هذه المقاصد تعارضها أهداف خاصة تقضي خلاف ما يقتضيه هذا المبدأ وحينئذٍ اقتضت المصلحة الشرعية الاستثناء من هذه القاعدة كما هي طريقة الشريعة في القواعد العامة والمبادئ الكلية ولهذا قرر فقهاء الشريعة استثناء القضايا التي لها صفة السرية الشخصية مما لا يرغب الخصمان أو أحدهما إفشاءه وإطلاع الناس عليه كقضايا النكاح والطلاق وحقوق الزوجية ونحوها وكذا قضايا الجنايات ، فحينئذٍ تكون المرافعة سرية لا يحضرها سوى القاضي والخصمين وأعوان القاضي مما يستوجب النظر حضورهم يقول السمناني: ( وإن كان الجلواز – الشرطي – ثقة فلا بأس أن يقف يسمع وبعده أولى ، لأن الخصومـة تكون في أمور ربما شنيعة بين الرجـال والنساء ، أو مضحكـة لا يؤمـن أن يـؤدي ذلك إلى ما يكره ( ) .
وقد أخذ بهذا المقتضى نظام المرافعات الشرعية في المملكة العربية السعودية كما أشير إليه في نص المادة الحادية والستين فقد استثنت ثلاثة أحوال تكون فيها الجلسة القضائية سراً .

الحالة الأولى : إذا اقتضت المصلحة ذلك لجلب المحافظة على النظام .
الحالة الثانية : إذا دعت المصلحة مراعاة الآداب العامة ذلك .
الحالة الثالثة : إذا دعت المصلحة الحفاظ على حرمة الأسرة ، وبعض هذه الاستثناءات أيضاً جاءت في المادة الخامسة والخمسين بعد المائة من نظام الإجراءات الجزائية وهذه الاستثناءات التي جاءت في هذه المادة هي الحالة الأولى والحالة الثانية وأضافت إلى ذلك حالة ثالثة لم تذكر في نظام المرافعات وهذه الحالة هي ما إذا كانت السرية ضرورية لظهور الحقيقة ولهذا جاء في نصها ما يلي : (جلسات المحاكم علنية ، ويجوز للمحكمة – استثناء – أن تنظر الدعوى كلها أو بعضها في جلسات سرية ، أو تمنع فئات معينة من الحضور فيها ، مراعاة للأمن ، أو محافظة على الآداب العامة ، أو إذا كان ذلك ضرورياً لظهور الحقيقة ) .
هذا وتجدر الإشارة إلى أن هذه السرية مقصورة على وقت السير في القضية أما النطق بالحكم فهو في جلسة علنية حيث نص على هذا في المادة الثالثة والستين بعد المائة من نظام المرافعات والتي ورد نصها كالتالي :
( ينطق بالحكم في جلسة علنية بتلاوة منطوقة أو بتلاوة منطوقة مع أسبابه ، ويجب أن يكون القضاة الذين اشتركوا في المداولة حاضرين تلاوة الحكم ، فإذا حصل لأحدهم مانع جاز تغيبه إذا كان قد وقع على الحكم المدون في الضبط ) ، وأيضاً مثل هذا المعنى جاء في المادة الثانية والثمانين بعد المائة من نظام الإجراءات الجزائية ونصها ما يلي : ( يتلى الحكم في جلسة علنية ولو كانت الدعوى نظرت في جلسات سرية ، وذلك بحضور أطراف الدعوى ، ويجب أن يكون القضاة الذين اشتركوا في الحكم قد وقعوا عليه ، ولابد من حضورهم جميعاً وقت تلاوته ما لم يحدث لأحدهم مانع من الحضور ، ويجب أن يكون الحكم مشتملاً على اسم المحكمة التي أصدرته ، وتاريخ إصداره ، وأسماء القضاة وأسماء الخصوم ، والجريمة موضوع الدعوى ، وملخص لما قدمه الخصوم من طلبات ، أو دفاع ، وما استند عليه من الأدلة والحجج ، ومراحل الدعوى ، ثم أسباب الحكم ونصه ومستنده الشرعي ، وهل صدر بالإجماع أو بالأغلبية ) .
هذا ما أمكننا جمعه وهناك للمستقرئ الكثير والكثير مما لا يحيط بها كتاب ولا يحصرها خطاب من المبادئ والتأصيلات الكلية التي تشهد بسبق قضاء الشريعة على غيره من الأنظمة ولا غرو فهي شريعة الله جل وعلا لعباده فنسأل الله جل وعلا أن يكون هذا الجمع خالصاً لوجهه الكريم وأن يكون لمطلعه من العلماء والكتاب والمثقفين ما يقوده للدعوة الجادة إلى تطبيق شريعة الله في أرضه بين عباده كما أسأله سبحانه أن تكون هذه الكتابة خطوة لغيري من طلبة العلم والقضاة لتأصيل كل نظام قضائي بتأصيل شرعي وتطبيق بمنظور مصطلحات الشريعة ووفق قواعدها ومبادئها العامة والخاصة ، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيراً.

فهرست الموضوعات

المقدمة ——– ص 1 .
تمهيد ———- 3 .
المبدأ الأول : مبدأ النظر إلى الجانب التعبدي ص 4.
المبدأ الثاني : مبدأ النظر إلى الظواهر دون البواطن ص 10 .
المبدأ الثالث : مبدأ قيام القضاء على الحجة والبرهان ص 12.
مميزات الإثبات في قضاء الشريعة الإسلامية ص 14 .
المبدأ الرابع : مبدأ المساواة والعدالة في القضاء الشرعي ص 21 .
المبدأ الخامس : مبدأ وحدة المصدر في القضاء الإسلامي ص 32.
المبدأ السادس : مبدأ استقلال القضاء في الإسلام – ص 32 .
المبدأ السابع : مبدأ تأصيل القضاء الأحكام القضائية – ص 35 .
المبدأ الثامن : مبدأ تسبيب الأحكام القضائية —- ص 39 .
المبدأ التاسع : مبدأ مراعات المصالح الزمانية والمكانية ص 45 .
المبدأ العاشر : مبدأ سرعة البت في فصل القضاء والمنازعات ص 46 .
الحالات التي يجوز فيها تأخير الحكم — ص 50 .
المبدأ الحادي عشر: مبدأ شمول القضاء في الإسلام لجميع المنازعات ص 54 .
المبدأ الثاني عشر: مبدأ السهولة والتيسير في الإجراءات القضائية ص55 .
المبدأ الثالث عشر : مبدأ اعتبار المعاني والمقاصد – ص 66 .
المبدأ الرابع عشر : مبدأ تدوين المرافعة — ص 68.
المبدأ الخامس عشر : مبدأ سلطة القاضي التقديرية في إجراء
سير النظم في القضايا المطروحة عليه — ص 70.
المبدأ السادس عشر : مبدأ التنفيذ الجبري للأحكام القضائية ص88.
المبدأ السابع عشر : مبدأ الأخذ بقاعدة سد الذرائع ص 91 .
تطبيق قاعدة سد الذرائع ، ومبدأ اعتبار المآلات في نظام القضاء
في المملكة العربية السعودية —– ص 101.
المبدأ الثامن عشر : مبدأ علانية جلسات التقاضي ص 110.
الخاتمة ————— ص 115 .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *