بحث قانوني هام حول النية الجرمية وعقوبتها الجنائية

اطلعت على ملخص لحكم صادر من دولة إسلامية حاصله أن احد الموظفين أُتهم بالاختلاس و تم التحقيق معه و الاستماع لشهادة الشهود الذين جاءت شهاداتهم متناقضة الأمر الذي جعل المحامي يطمئن المتهم بقوة موقفه القانوني لأنه لا يمكن التعويل على شهادات ينقض بعضها بعضاً و لكنه تفاجأ بصدور حكم عليه بالحبس لمدة سنة واحدة حيث أن المحكمة أدانته بتهمة (النية الجرمية) بينما العقوبة المقررة لجريمة الاختلاس هي الحبس لمدة عشر سنين و هي التهمة التي أُحيل للقضاء بسببها. و نحن ننتقد الحكم المذكور لمخالفته عددا من الثوابت القانونية و نحاول تناول البعض منها فنقول :

أولاً-عدم جواز الجمع بين سلطتي القضاء و الاتهام

القوانين الحديثة واضحة في عدم جواز الجميع بين سلطة القضاء و الاتهام
و لا يجوز للمحكمة أن تقضي إلا في الاتهام الذي أحيل المتهم إليها بموجبه و هو المذكور في قرار الإحالة و في حال ظهر للمحكمة أثناء نظر القضية عناصر يعتبر ها القانون جريمة فان لها فقط أن تحرر محضراً بذلك و تحيله للنيابة العامة أو سلطة الادعاء أو الاتهام لتتصرف حياله وفق ما تراه فقد تقرر حفظ الدعوى و قد تقوم بمزيد من البحث و التحري حوله و قد تقوم بإحالته للقضاء بتغيير الوصف عما رأته المحكمة التي أحالته إليها أو بذات الوصف . و حتى في الحالات التي تقوم المحكمة فيها بتغيير وصف التهم فانه يجب عليها إبلاغ الخصوم بذلك و إعطاءهم مجالاً للترافع و الدفاع بناء على وصف التهمة الجديد الذي قيد ته المحكمة و ليس لها ان تتداول القضية حسب ما هو في قرار الإحالة من سلطة الاتهام فإذا تصدت المحكمة لإصدار الحكم و وجدت أن الأدلة لا تصلح لإثبات التهمة المذكورة تقوم بإصدار الحكم لما تصلح له الأدلة من التهم و دون إبلاغ الخصوم و دون ترافعهم حوله .

 

 

 

للحصول على استشارة مجانية

تفضل الى رقم مكافحة الابتزاز

 

 

ثانيا- حكم النية الجرمية المجردة في القانون الجنائي:

النية الجرمية المجردة معناها أن الأمر لا يتعدى أن الشخص قد اقتنع بفكرة قيامه بجريمة و نوى و صمم على تنفيذها فقط فلم يتعد الأمر الى البدء في التنفيذ و لا إلى عمل آخر ممهد له و هذا في جميع القوانين الشرعية و القانونية لا عقاب عليه و لكن ورد في القران الكريم العقاب الأخروي –وليس الدنيوي- عليه في نية جرمية واحدة و هي نية الاعتداء على المسجد الحرام فقد قال تعالى ( و من يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب السعير ) صدق الله العظيم .

ثالثاً- حكم النية الجرمية في القانون المدني

يكون للنية الجرمية أثر في القانون المدني فيما يتعلق بالجزاء الذي توقعه المحكمة على المخالف فمثلا الخطأ الذي يسبب ضررا للغير يلزم فاعله بالتعويض و لكن الخطأ قد يكون مقصودا و قد لا يكون مقصودا ففي الحالة التي يكون فيها مقصودا فان ذلك يعني وجود نية جرمية و عليه فالمحكمة تزيد من مقدار التعويض و مثال ذلك حالة إتلاف مال الغير قد يكون بدون قصد و قد يكون قصد .كذالك قد يكون بحسن نية و بقصد حماية مال الغير أو نفعه و لكن لسبب ما أو للخطأ في التقدير يتسبب في تلفه و في هذه الحالة تراعي المحكمة هذا الجانب عند الحكم عليه بالتعويض بل من الناحية الشرعية في بعض الحالات التي يحاول الشخص نفع الآخرين فيضرهم بدون قصد فانه لا يلزم بالتعويض متى كان عمله و إجراءاته سليمة طبقا لما يقتضيه الحال لمثل تلك الحالة و بشرط أن يكون فعله بلا مقابل و بدون أجر و يستدلون على ذلك بقوله تعالى ( ما على المحسنين من سبيل ) صدق الله العظيم

رابعاً- المراحل التي تمر بها الجريمة

تمر الجريمة بعدة مراحل من قبل ولادتها و حتى تمام تكوينها القانوني ونوجز ذلك بالمراحل التالية:
أ‌- مرحلة الفكرة و في هذه المرحلة تنبت في ذهن الجاني فكرة الجريمة و قد يستتبع ذلك التفكير في جزئياتها و كيفية تنفيذها لو أراد ذلك و الصعوبات التي تواجهها و كل ذلك في مرحلة التفكير لا غير
ب‌- مرحلة النية و في هذه المرحلة يقرر الجاني ارتكاب الجريمة و يقتنع بها و يصمم عليه و انبثاقا من نية هذه يعد العدة لاتخاذ الخطوات و المراحل الآتي ذكرها .
ت‌- مرحلة الأعمال التحضيرية و في هذه المرحلة يقوم الجاني بإعداد العدة لتنفيذ الجريمة و تجهيز لوازمها و خلق الظروف المناسبة لها فيشتري حبلا للتدلي للسرقة و قفازا لكي لا يترك بصمات و قناعا لكي لا يعرف و يقوم بمراقبة المحل الذي ينوي سرقته لمعرفة أفضل و أنسب الأوقات للقيام بالجريمة و هكذا
ث‌- مرحلة الشروع في الجريمة و في هذه المرحلة يقتحم الجاني المحل المراد سرقته فيكسر الأقفال و يأخذ الأموال و الأغراض و يحملها بنية تملكها
ج-مرحلة تمام و اكتمال الجريمة في هذه المرحلة يخرج الجاني منن المحل المسروق و بهذا تنقطع صلة المالك الحقيقي للمال و الحاجيات بها وتصبح في حيازة الجاني الكاملة و سيطرته التامة و هنا تكتمل الجريمة قانوناً.

خامساً – الطوارئ على الجريمة

قد تطرأ أثناء تنفيذ الجريمة أمور تشدد من العقوبة أو تخففها ومن الطوارئ المشددة للعقوبة استخدام السلاح أثناء تنفيذها أو تعدد الفاعلين أو تسور المنزل بدل من دخوله من الباب ومن الطوارئ المخففة تراجع الجاني أثناء التنفيذ أو بعده بحيث يقوم بإرجاع المسروقات بعد خروجه من المحل و بعد تمام الجريمة و أيضاً لو فرض انه أثناء تنفيذ الجريمة وجد صاحب المحل مغمى عليه أو مصاب بنوبة قلبية فاستدعى له الإسعاف او قدم له الدواء فأنقذ حياته أو اقتحم بيتاً بقصد سرقته فصادف أن هناك من سبقه لارتكاب جريمة قتل فمنعها أو عمل على منعها أو ساعد السلطات في الكشف عن مرتكبها أو دخل منزلا بصحبة آخر بقصد السرقة فحاول صاحبه اغتصاب صاحبة المنزل فمنعه أو حاول منعه و هكذا .

سادساً – انقطاع تنفيذ الجريمة

قد يدخل الجاني منزلا بقصد سرقته و في الأثناء ينقطع تنفيذ الجريمة و هذا الانقطاع قد يكون بإرادته و قد يكون بغير إرادته فالذي يكون بإرادته مثل أن يغير رأيه و يعدل عن إتمام الجريمة و في هذه الحالة فالعقوبة تحدد بناء على ما تم من أفعال جرمية فمثلا لو دخل البيت فقط فانه لا يحاسب عن السرقة التي دخل لأجلها و إنما يحاسب عن دخول بيت بدون إذن صاحبه و اذا كسر القفل كان العقاب اشد و اذا كان بالإضافة لذلك أخذ المسروقات و لكن لم يخرج بها فانه يحاسب بتهمة الشرع في السرقة و حيث أن كل الأفعال سالفة الذكر مترابطة و لهدف جريمة واحدة فانه يحاسب على الجريمة الأشد و الوصف الأشد في العقوبة مع الأخذ في الحسبان انه قد ندم و عدل عن إتمام الجريمة , و قد يكون انقطاع تنفيذ الجريمة بغير إرادته فانه يحاسب على التفصيل السابق و لكن من دون رأفة أو تسامح لأنه لم يكن ليعدل عن إتمام الجريمة و إنما خاب أثرها أو إتمامها لسبب لا دخل له فيه كما لو قبض عليه قبل أن يخرج بالمسروقات أو صاح جهاز الإنذار فالقاها وهرب دون أخذها أو تعثر أثناء خروجه فانكسرت قدمه فلم يقوٍ على الهروب .

سابعاً -اللواحق القانونية بالموضوع

1- الفكرة الإجرامية و المرحلة التحضيرية لا عقاب عليها جنائياً .
2- يعاقب على الشروع في الجرائم التي يعتبرها القانون جنايات و لا يعاقب على الشروع في الجرائم التي يعتبرها القانون جنح و ذلك وفقا لبعض فقهاء القانون و لدينا في ذلك نظر بل ان المحاكم لا تعمل بهذا الرأي و أما الشروع في المخالفات فقطعاً لا عقاب عليه.
3- لا عقاب جنائي على الشروع في الشروع .
4- عند القبض على السارق قبل الخروج بالمسروقات لا يحاسب عن تهمة سرقة و إنما شروع في سرقة لان يشترط في جريمة السرقة الاستيلاء على مال الغير بقصد تملكه و يشترط إخراجه من حيازة مالكه و قطع صلته به فلو خرج السارق بالمسروقات و كان المالك يطارده الى إن قبض عليه لا تكون جريمة سرقة لأنها لم تكتمل قانونا لان صلة المال بالمال المسروق لم تنقطع .
5- عند الدخول لمنزل بقصد السرقة فسواء سرق او لم يسرق وسواء اتهم بالشروع في السرقة أو لم يتهم فان هناك جريمة قد تمت قانونا و هي دخول منزل بغير إذن .
6- مع أن القانون لا يحاسب على النوايا المجردة من الأفعال بمعني أن لا يرافقها مظهر مادي إجرامي فانه متى تمت جريمة أية جريمة فان النية بمعنى الباعث على ارتكابها له دور كبير في العقاب المقرر على الجاني و قد ينطوي ذلك على مفارقات عجيبة فقد يدخل مسكنا بدون إذن و بقصد القيام بجريمة كبرى كالقتل و الاغتصاب وهنا سيكون العقاب ليس فقط عقاب دخول منزل دون رضا أصحابه بل بملاحظة الباعث الخطير لدخول المنزل و قد ُترتكب جريمة قتل و لكن الباعث يكون الدفاع عن النفس أو العرض )او الشرف على بعض الوجوه) أو الوطنية أو غير ذلك فان العقاب يكون بملاحظة هذه البواعث
و في هذا الصدد نذكر أن بعض القوانين تنص على عقوبة الإعدام اذا كان القتل لسبب دنيء أو تافه..

لمزيد من المعلومات تفضل للتواصل مع محامي متواجد الان

تكلم هذا المقال عن : بحث قانوني هام حول النية الجرمية وعقوبتها الجنائية