بحث قانوني هام حول أثر أعمال حقوق الإنسان على مبدأ السيادة

دراسة وبحث متميز عن أثر اعمال حقوق الانسان على مبدأ السيادة

المقدمة

أدى الاهتمام الدولي بحقوق الإنسان مند انتهاء الحرب العالمية الثانية إلى اهتزاز المبادئ التقليدية الأساسية للقانون الدولي لكون هدا القانون الذي ينظم العلاقات بين الدول لا يتلائم مع التطورات الجديدة التي أصبح فيها الفرد يتمتع بحماية النظام الدولي. ومن أهم المبادئ التقليدية التي تعرضت للاهتزاز, مبدأ السيادة المطلقة للدولة ومبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول باعتبار أي تدخل في شؤون الدولة المستقلة ذات السيادة يعد انتهاكا لسيادتها. وبعد دخول مسألة حقوق الإنسان إلى نطاق القانون الدولي ثار الخلاف حول جواز التدخل في الشؤون الداخلية للدول لمنع انتهاك حقوق الإنسان, مما أثار الجدل حول مبدأ السيادة باعتباره مطلقا أم نسبيا خصوصا مع التغيرات الدولية الجديدة.هذا مايطرح الإشكال التالي : ما هي انعكاسات الحماية الدولية لحقوق الإنسان على مبدأ السيادة ؟

للإجابة على هذه الإشكالية تناولنا الخطة التالية:

الخطة:

مقدمة

المبحث الأول : مبدأ السيادة في ظل النظام الدولي الجديد .

المطلب الأول : مفهوم السيادة والآثار المترتبة عنها .

المطلب الثاني : تراجع مبدأ السيادة من المفهوم المطلق إلى المفهوم النسبي .

المبحث الثاني : التدخل الإنساني تحت ذريعة حقوق الإنسان.

المطلب الأول : مفهوم التدخل الإنساني.

المطلب الثاني :تحول مبدأ التدخل من التفسير الجامد إلى التفسير المرن.

الخاتمة

المبحث الأول :مبدأ السيادة في ظل النظام الدولي الجديد.

المطلب الأول: تعريف السيادة والآثار المترتبة عنها

الفرع الأول :تعريف السيادة

يرجع الفضل للمفكر الفرنسي “جان بودان” كونه أول من طرح فكرة السيادة فعرفها بأنها تعني -<القوى الكبرى والسلطة العليا في نطاق إقليم معين > وكان يعني بذلك السلطة الدائمة المطلقة للملك.

وجاء كتاب القانون الدولي فعرف بعضهم السيادة ,بأنها سلطة الدولة على سكانها و إقليمها دون أية قيود تشريعية أو نظامية من الخارج , وبمعنى آخر فإن الدولة تملك سلطة مطلقة على السكان والإقليم الذي يعيشون فوقه وتستقل استقلالا كاملا في بسط سيطرتها هذه عن أي سيطرة أخرى, أو تأثير خارجي.

ومهما تعددت تعريفات السيادة فإنها تدور حول محور أساسي يتمثل في المبدأ القانوني والسياسي الذي تمارسه الدولة على شعبها وفوق إقليمها في إطار حدودها الوطنية , وكذا العلاقات التي تقيمها الدولة خارج هذه الحدود مع أشخاص المجتمع الدولي الأخرى من غير الدول على نحو يجعلها تخضع بشكل متغاير لقواعد القانون الدولي.[1]

الفرع الثاني :الآثار المترتبة عن السيادة.

تترتب عن فكرة السيادة العديد من الآثار أهمها :

– تتمتع الدول بكافة الحقوق والمزايا الكامنة في سيادتها , سواء على الصعيد الدولي كإبرام المعاهدات الدولية , وتبادل التمثيل الدبلوماسي والقنصلي وإثارة المسؤولية الدولية للمطالبة بالتعويض عن الأضرار التي أصابتها أو تصيب رعاياها أو إصلاح هذه الأضرار. وعلى المستوى الداخلي فللدولة حق التصرف في مواردها الأولية وثرواتها الطبيعية , كما يمكنها اتخاذ التدابير التي تراها مناسبة حيال الأشخاص المتواجدين على إقليمها بغض النظر صفتهم كمواطنين أو أجانب.

– المساواة بين الدول :تترتب على السيادة كذلك أن الدول متساوية قانونا , إذ ليس هناك تدرج في السيادات , معنى ذلك أن الحقوق والواجبات التي تتمتع أو تلتزم بها الدول متساوية من الناحية القانونية حتى ولو كان هناك اختلاف بينها من ناحية الكثافة السكانية أو المساحة الجغرافية أو الموارد الاقتصادية.

غير أن مبدأ المساواة في السيادة الذي أقره ميثاق الأمم المتحدة ليس مطلقا,فهناك العديد من الحقوق تتمتع بها الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن ولا تتمتع بها الدول الأعضاء الأخرى منها استخدام حق النقض )الفيتو( وحق تعديل الميثاق.[2]

المطلب الثاني :تراجع مبدأ السيادة الوطنية من المفهوم المطلق إلى المفهوم النسبي

يعنى مفهوم السيادة المطلقة على الصعيد الدولي، التصميم القادر على رفض التدخل في شؤون الدولة من جانب أية هينة أجنبية عنها،فالدولة لا تخضع عند مباشرتها لخصائص السيادة لأية سلطة خارجية أيا كانت طبيعتها بما في ذلك القيم الأخلاقية إلا برضاها واستجابة لمصالحها الوطنية.ومع التغير الناتج عن انتقال السيادة من الملوك إلى الشعوب باعتبارها مصدر السلطات،أصبحت السيادة تمارس لحساب الأخيرة، الأمر الذي نقل مفهوم السيادة من الجانب السلبي المتمثل برفض الامتثال لأي سلطة خارجية، إلى جانب إيجابي متمثل بإدارة الدولة لشؤونها الداخلية والخارجية وفقاً لمصلحتها الوطنية، حتى لو كان من شأن ذلك تجاوز اختصاصها الإقليمي وبالتالي التسلل إلى اختصاص الدول الأخرى.

والسيادة هي الهيمنة الشرعية داخل إقليم معين، وهناك اختلاف بين السيادة المشروعة بواسطة القانون والسيادة الفعلية القائمة بحكم سيطرة الأمر الواقع، فالأولى مطلقة داخل حدود الدولة باستثناء ما تحد من سلطتها بإرادتها من خلال اتفاق تعقده مع حكومة دولة أخرى، تسمح لها بممارسة بعض النفوذ داخل حدودها، أما السيادة الفعلية بحكم الأمر الواقع، فيندر إيجاد سلطة كاملة لحكومة دولة ما على كل ما يحدث داخل حدودها السياسية، ويعود ذلك إلى زيادة التفاعل والتداخل بين الدول بسبب الاعتماد الاقتصادي المتبادل. فمثلا عندما أراد الحزب الاشتراكي الفرنسي عام 1981 تغيير السياسة الاقتصادية للدولة، هرب رأس المال إلى الخارج،وانخفضت قيمة الفرنك الفرنسي، الأمر الذي دفع الحكومة الفرنسية إلى العودة لتتبنى نفس السياسة المشتركة مع الدول الأوروبية الأخرى، وهكذا لم يؤثر الاعتماد المتبادل فى السياسة القانونية لفرنسا، لكنه حتم سيطرتها على أرض الواقع.

والدولة بصفتها تنظيماً سياسيا ًذا سيادة ،تتميز بخاصية احتكار القوة المادية وتكلف بوظيفة سياسية تهدف إلى حفظ النظام والسلام، ودعم التنظيم الاجتماعي والاقتصادي، ولذلك فإن هناك جانبين للسيادة، الجانب الداخلي الذي يعنى امتلاك الدولة للسلطة الشرعية المطلقة على جميع الأفراد والمجموعات التي يتعين عليها إطاعة الدولة داخل إقليمها، وأي انتهاك لهذه الأوامر يعرضهم للعقاب، أما الجانب الخارجي فيعنى الاستقلال عن كل رقابة وتدخل من أية دولة أخرى أو منظمة دولية، وهنا ينشأ التميز بين دولة كاملة السيادة وأخرى ناقصة السيادة.

وقد اتفقت الدول الأوروبية في مؤتمر وستفاليا عام 1648 على مبدأ السيادة الإقليمية من أجل تحقيق السلام الدولي، وكنتيجة ثانوية لهذا المبدأ، اعتبرت الطريقة التي تعامل بها الدولة الأفراد الذين يقيمون داخل أراضيها مسألة داخلية، ولم تكن حقوق الإنسان جزءاً من السياسة الدولية رغم بعض الاستثناء منذ مؤتمر وستفاليا وحتى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وقد قبلت الدول هذا المبدأ لأنها رأت فيه إفادة في تحقيق السلام والاستقرار الدوليين.

لكن النظام الويستفالي لسيادة الدولة، أصبح ضعيفاً في نهاية القرن العشرين، حيث لاحظ الاقتصادي الفرنسي فرانسو بيرو( Perroux) أن هناك ظواهر متعددة وبسبب طبيعتها لا تستطيع الحكومات السيطرة عليها ، لأنها تنبثق في وقت واحد في أماكن عديدة وتهم العديد من الدول في نفس الوقت،حيث لا يمكن فهم الاقتصاد العالمي إذا اقتصر الاهتمام على ما يحدث داخل الحدود الجغرافية السياسية فقط، فنفوذ المصارف المركزية ومراكز الاستثمار وبيوت المال التي تهدف إلى إعادة توجيه أو تعميم الاستثمارات يتجاوز حدود الجغرافيا السياسية، كما أن هذا التعاون قد يتم على الرغم مما قد تتخذه الحكومات من ترتيبات لإعاقته، وهكذا تنزع الأنشطة الاقتصادية عن طريق استخدام التقنيات الحديثة نحو اللامكانية.

وعليه تتناقض قدرات الدول تدريجياً بدرجات متفاوتة فيما يتعلق بممارسة سيادتها في ضبط عمليات تدفق المعلومات والأموال والسلع والبشر عبر حدودها، لأن الثورات الهائلة في مجالات الاتصال والإعلام قد حدّت من أهمية حواجز الجغرافيا والحدود. كما حد توظيف التكنولوجيا المتطورة في عمليات التبادل التجاري والمعاملات المالية من قدرة الدولة على ضبط السياسة المالية والضريبية، وقدرتها على محاربة الجرائم الاقتصادية، بل إن القوة الاقتصادية الضخمة للشركات العملاقة تسمح لها بممارسة الضغط على حكومات الدول والتأثير فى قراراتها السيادية، مما دفع إلى التساؤل عن مستقبل الدولة القومية في ظل هذه التحولات.[3]

هذا ورغم أن مفهوم السيادة مازال يتمتع ببعض مظاهره الأساسية فإنه وبفعل العديد من التحولات العالمية بدأ يتراجع أمام تطور العلاقات الدولية والقانون الدولي ,حيث أخذت مظاهر السيادة الوطنية التقليدية بالتراجع من خلال [4]:

1. التوسع المتزايد في إبرام الاتفاقيات الدولية الشارعة ,والنظم الدولية التي تتضمن قواعد وأحكام ملزمة لعموم الدول ,ويمكننا أن نتمثل تلك الحقيقة الهامة فيما يلي :

· أن ثمة قواعد قانونية دولية آمرة حاليا تختص بمجالات عديدة, وقد أصبحت لهذه القواعد حجية في مواجهة كافة الدول فلا يجوز بحال الاتفاق على ما يخالفها حتى لو كان ذلك تذرعا بفكرة السيادة.

· أنه قد أضحت لدينا في نطاق الجماعة الدولية نظم للرقابة و الإشراف الدولي تقوم بمهام التحقق والتفتيش وهو ما نلاحظه في مجالات اتفاقيات حقوق الإنسان والتسلح النووي واتفاقيات العمل الدولية على سبيل المثال.

· استقرار الفقه والقضاء الدولي على عدم إمكانية احتجاج الدول بدساتيرها أو بتشريعاتها الداخلية وهي من مظاهر السيادة الوطنية للتنصل من الالتزامات الدولية سواء أكانت ذات طبيعة تعاقدية , أو ناشئة عن أحكام القانون الدولي العام والنظم الدولية ذات الصفة الشارعه حتى وان لم تصدق الدول عليها تنضم إليها .

2. الاتجاه المتنامي نحو احترام حقوق الإنسان وحرياته الأساسية , ونحو كفالة الضمانات الدولية التي تمكن لاحترام هذه الحقوق وتكفل عدم انتهاكها من جانب الحكومات الوطنية.

3. الاتجاهات الحديثة في مجال تقنين قواعد المسؤولية الدولية والتي تجيز للشخص الدولي المتضرر إمكانية تحريك دعوى المسؤولية الدولية حال وقوع الضرر بصرف النظر عن مدى مشروعية أو عدم مشروعية الفعل الذي تسبب في وقوعه.

4. الاتجاه المتزايد نحو إقامة الكيانات الدولية عابرة القومية أو فوق القومية.

5. بروز نوعية من المشكلات الدولية التي تستلزم تكاتف الجهود الدولية و تظافر الإرادات السياسية للدول في سبيل التوصل إلى حلول ناجحة وفعالة لها ,من ذلك مثلا :مشكلات البيئة والتلوث ومشكلات الطاقة ,مشكلات ندرة المياه والجفاف والتصحر مشكلات التضخم والبطالة والفقر ونقص الغذاء,مشكلات الإرهاب والعنف السياسي ,مشكلات انتشار الأمراض الوبائية كالإيدز وإدمان المخدرات والجريمة المنظمة….الخ[5]

وعلى ضوء هذا التراجع نلخص إلى أهم التغييرات التي طرأت على مفهوم السيادة الوطنية والدور التقليدي للدولة نتيجة لتأثير التنظيم الدولي.

· تقلص نطاق الاختصاص الداخلي للدولة لصالح دور أكبر للمجتمع الدولي وزيادة التدخل الدولي على حساب مبدأ عدم التدخل .

· ظهور كيانات قانونية عديدة كالمنظمات الدولية منافسة للدور التقليدي للدولة وتراجع هذه الأخيرة خاصة مع تزايد المنظمات الغير الحكومية وجماعات الضغط.

· تراجع مبدأ السيادة الإعلامية للدولة نتيجة تراجع احتكارها لوسائل الإعلام.

· ظهور فكرة حق وواجب التدخل على حساب مبدأ السيادة التقليدي.

· ظهور فكرة النظام العالمي الدولي الذي يقوم على مجموعة من القواعد القانونية الآمرة والمنشئة لالتزامات في مواجهة الكافة, والتي لا يجوز مخالفتها بالتذرع بمبدأ “لا تلتزم الدول إلا برضاها ” الذي هو مظهر من مظاهر السيادة التقليدية.

· التقارب التشريعي والاتجاه نحو الحد من نظرية ثنائية القانون )القانون الدولي والقانون الداخلي( وإعطاء الأولوية للقانون الدولي. إذ ما تبين عند التطبيق تعارضه مع القانون الداخلي واتفاقيات ثنائية أو متعددة التزاما بالمادة 103 من الميثاق التي تنص على )إذ تعارضت الالتزامات التي يرتبط بها أعضاء الأمم المتحدة وفقا لهذا الميثاق مع أي التزام آخر يرتبطون به ,فالعبرة بالتزاماتهم المترتبة على هذا الميثاق (

· ظهور أشخاص قانونية وكيانات تضطلع بمهام وصلاحيات واختصاصات لا تقل عن تلك التي المناطة بالدولة لدرجة شكلت تهديدا ينافس سلطة الدولة سواء من الأعلى كالمنظمات الدولية أو من الأسفل كالمنظمات الغير الحكومية

· الاعتراف للفرد أحيانا في بعض التشريعات والأنظمة القانونية باللجوء الى المحاكم الوطنية ذات الولاية العالمية للنظر في بعض القضايا الخاصة بالانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان وكذا المحاكم الدولية المتخصصة كالمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان

· تقلص سيادة الدول بموجب الصلاحيات التي خولها الميثاق للجمعية العامة ومجلس الأمن الدولي الذي له صلاحيات أوسع ,كحق الفيتو الذي يعكس عدم المساواة في السيادة بين الدول.[6]

المبحث الثاني : التدخل الإنساني تحت ذريعة حقوق الإنسان.

المطلب الأول :مفهوم التدخل الإنساني

كان من نتائج تراجع مبدأ السيادة الوطنية للدول أنه تزايدت إمكانية التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى.فقد تعددت وتنوعت مبررات التدخل الأجنبي من ذلك مثلا :التدخل لاعتبارات إنسانية والتدخل لحماية حقوق الإنسان والتدخل بدعوى مقاومة الإرهاب الدولي …..الخ [7]

انقسم فقهاء القانون الدولي حيال المقصود بالتدخل الإنساني إلى اتجاهين :

اتجاه يتبنى المفهوم الضيق للتدخل الإنساني حيث يرى أن التدخل الدولي لا يمكن أن يحدث إلا من خلال العمل العسكري و استخدام القوة المسلحة. أما الاتجاه الثاني يتبنى المفهوم الواسع للتدخل الإنساني و يعتبر أن التدخل كما يمكن أن يتم باستخدام القوة العسكرية يمكن أ، يتم أيضا بوسائل أخرى مثل الضغط السياسي والاقتصادي والدبلوماسي ….الخ[8]

الفرع الأول :المفهوم الضيق للتدخل الإنساني.

يرى هذا الجانب من الفقه أن التدخل الإنساني هو كل تدخل يقتصر على القوة المسلحة في تنفيذه.وأن القوة تعتبر الأساس الذي يقوم عليه .

إذ يشير الأستاذ “باكستار “إلى ))أن وصف التدخل الإنساني يطلق على كل استخدام للقوة من جانب إحدى الدول ضد دولة أخرى لحماية رعايا هذه الأخيرة .((

وفي نفس الاتجاه يشير الفقيه شتروب (chtrupp) ))بأن التدخل هو قيام دولة بالتعرض للشؤون الداخلية والخارجية لدولة أخرى دون سند قانوني.وباستعمال القوة المسلحة لإلزام هذه الدولة لإتباع ما تمليه عليها من شؤونها الخاصة((

إلا أن الأخذ بهذا الجانب من الفقه أصبح أمر غير مقبول في العلاقات الدولية الحديثة المبنية على قواعد قانونية دولية معاصرة تنبذ القوة والتهديد بها في العلاقات الدولية وعلى صعيد آخر فإن التسليم ببطىء الوسائل الغير العسكرية في تحقيق الأهداف الإنسانية وإن كان له جانبا من المأخذ في بعض الأحيان ,إلا أن الوضع حاليا أصبح يفرض ضرورة اللجوء إلى هذه التدابير خاصة ما كان منها ذو طبيعة اقتصادية كوقف المساعدات الاقتصادية, أو فرض القيود على حرية التبادل التجاري مع الدول التي ينسب لها الانتهاك الجسيم والمتكرر لحقوق الإنسان.

ولما كان الأمر كذلك فإن الأخذ بهذه التدابير الغير العسكرية قول يحمل على الارتياح لما لها من نتائج إيجابية إذ ما قورنت بالوسائل التي تتم بناءا على استخدام القوة لما تحصده من أرواح الأبرياء وما تجلبه من فساد ودمار وبالتالي فإن هذا يعني بالضرورة القول بوجود نوع آخر من التدخل الإنساني نتطرق إليه من خلال التعريف الموسع.[9]

الفرع الثاني :المفهوم الواسع للتدخل الإنساني

لا يربط هذا الاتجاه بين التدخل الذي يتم لأغراض إنسانية وبين استخدام القوة المسلحة على أساس أن هذا التدخل يمكن أن يتم بوسائل أخرى غير اللجوء إلى هذه القوة كاستخدام وسائل الضغط السياسي أو الاقتصادي أو الدبلوماسي….الخ

حيث يعرفه الفقيه “روسو” (أنه العملية الممارسة من طرف دولة ضد حكومة أجنبية بهدف وضع حد للمعاملة المنافية لقوانين الإنسانية والتي تطبق على تابعيها).

ويذهب “كريستو فرجين وود” إلى القول بأن التدخل الإنساني ينحصر في الحالات التي يتعرض فيها قطاع كبير من المواطنين _ وليس بالضرورة رعايا دولة أو دول أخرى _ في دولة ما للموت أو التعذيب على نطاق كبير نتيجة لسياسة حكومة هذه الدولة .كما هو الحال في المناطق التي تسكنها الشيعة والأكراد في العراق بعد أزمة الكويت ,أو بسبب انزلاق الحكومة إلى الفوضى والتسيب كما هو الحال في ليبيريا والصومال.

كما يرى الأستاذ “ماريو بتاتي” أن التدخل يمكن أن يحدث بوسائل أخرى غير استخدام القوة المسلحة ,فالتدخل الدولي الإنساني حسب وجهة نظره هو ذلك التدخل الذي يتحقق من خلال دولة أو منظمة دولية حكومية في الشؤون التي تعد من صميم الاختصاص الداخلي لدولة معينة .ويزيد على ذلك أن التدخلات التي تحدث من قبل أشخاص عاديين أو من قبل مؤسسات أو شركات خاصة أو من قبل منظمات دولية غير حكومية لا ترقى لكونها تدخلا دوليا .وإنما تعد مخالفات داخلية يتصدى لها القانون الداخلي للدولة.

ونلاحظ من هذا التعريف أن الأستاذ “ماريو بتاتي” لم يحدد ما إن كان التدخل يقتصر على العمل العسكري واستخدام القوة المسلحة فقط. بل اعطى مفهوما واسعا لهذا التدخل بحيث يشمل كل عمل من شأنه التعدي على الاختصاص الداخلي المحض للدولة المعنية شريطة أن يمارس هذا التعدي من قبل أشخاص القانون الدولي المعترف بهم وهم الدول والمنظمات الدولية الحكومية .

كما يضيف الأستاذ أن التدخل هو حق للدول تستعمله متى رأت ذلك مناسبا لأغراض إنسانية.[10]

وانطلاقا مما سبق ذكره فإننا نميل صوب الاعتراف بالمفهوم الواسع للتدخل الإنساني كونه لا يقتصر على اللجوء إلى القوة ولكن تستعمل فيه كافة الوسائل الناجحة من أجل تحقيق الأهداف الإنسانية ,على أن لا تتجاوز هذه الأساليب معيار المصلحة الإنسانية وأن الأخذ بالمفهوم الواسع للتدخل الإنساني إنما يرتكز على مجموعة من الأسس يمكن إجمالها

في ما يلي :

· كون أن المفهوم الضيق يصلح فقط لتبرير المرحلة التقليدية والتي كان يسمح فيها باللجوء إلى القوة أما وقد تراجع الفقه المعاصر عن فكرة القوة إلا في مواضع محددة فإن القول به أصبح غير معقول خاصة لتعارضه مع مبادئ السلم والأمن الدوليين . وكون أن المفهوم الواسع أصبح يتفق مع واقع العلاقات الدولية المعاصرة خاصة مع التطور الذي يشهده العالم اليوم, والذي أكد نجاحة الوسائل التي جاء بها أنصار هذا الجانب من الفقه في تنفيذ التدخل الإنساني.

· وأن القول بالمفهوم الواسع للتدخل الإنساني لا يتعارض مع مبدأ عدم التدخل المشار إليه ضمن نص المادة 2/7 والذي أكد على أن التدخل يكون باللجوء إلى القوة ولم يبين أنواعه ولا صفاته الأمر الذي أصبح معه التدخل بمعناه الواسع مقبولا في القانون الدولي.

من خلال ما ذكرناه يمكن القول بأن التدخل الإنساني بمفهومه الواسع قد أخذ نصيبه في العلاقات الدولية .وحصل على تأييد جانب كبير من الفقه وعليه يصير من الملائم أن نقدم تعريفا ملائما له فنقول بأنه )لجوء شخص أو أكثر من أشخاص القانون الدولي إلى وسائل الإكراه السياسية أو الاقتصادية أو العسكرية….الخ ضد الدول التي ينسب إليها الانتهاك الجسيم والمتكرر لحقوق الإنسان بهدف حملها لوضع نهاية لمثل هذه الممارسات وبشرط موافقة الدول التي يتم فيها هذا التدخل وبالقدر المناسب دون تجاوز الهدف الإنساني و أن يكون هذا التدخل ضروريا لإنقاذ الإنسانية(.[11]

المطلب الثاني :تحول مبدأ عدم التدخل من التفسير الجامد إلى التفسير المرن.

يعتبر مبدأ عدم التدخل من المبادئ الراسخة في القانون الدولي وقد انبثق عن مبدأ السيادة لذا تم تكريسه في ميثاق الأمم المتحدة )مادة 2 فقرة 9( إلا أنه أمام التطورات التي شهدها العالم في تسعينيات القرن الماضي وما شهدته بعض مناطق من العالم من مآسي دعت الأمين العام للأمم المتحدة في دورة الجمعية العامة )سبتمبر 1999( إلى إجازة التدخل.[12]

وقد جعل بعض الفقهاء من مبدأ عدم التدخل مبدأ مطلق إلا إذ كانت الدولة في حال دفاع شرعي وقد أخذت لجنة القانون الدولي للأمم المتحدة في مشروعها الخاص بحقوق وواجبات الدول عام 1974 بهذا الرأي عندما نصت المادة 3 على أنه )على كل دولة واجب الامتناع عن كل تدخل في الشؤون الداخلية والخارجية لدولة أخرى(

غير أن زيادة التدخل بين مصالح الدول المختلفة أدى إلى عدم أمكانية مراعاة مبدأ عدم التدخل بصفة مطلقة واضطرار الدول في بعض الأحيان إلى الخروج عنه لصيانة مصالحا الخاصة أو المصالح العامة للجماعة الدولية ما اضطر الفقهاء إلى اعتبار التدخل عملا غير مشروع في الأصل مع التسليم بأن هناك حالات يجوز فيها التدخل على سبيل الاستثناء إذ وجدت أسباب مشروعة تبرر ذلك.

وقد حاولت الدول الضعيفة استغلال المبدأ لتحوله إلى قاعدة قانونية دولية مطلقة من خلال إصدار الجمعية العامة للأمم المتحدة عددا من الإعلانات منها :إعلان عدم جواز التدخل في الشؤون الداخلية للدول وحماية استقلالها وسيادتها رقم )2131( لعام 1965 حيث تنص الفقرة الأولى منه “أن الجمعية العامة إذ تدرك أن المراعاة التامة لمبدأ عدم تدخل الدول في الشؤون الداخلية والخارجية للدول الأخرى هي ضرورة لتحقيق مقاصد الأمم المتحدة .تعلن رسميا أنه ليس لأي دولة حق التدخل بصورة مباشرة أو غير مباشرة ولأي سبب كان في الشؤون الداخلية والخارجية لأي دولة أخرى.ويشجب بالتالي كل تدخل مسلح أو مسلح أو أي تهديد يستهدف شخصية الدولة أو عناصرها السياسية والاقتصادية والثقافية”.

وكذا إعلان الجمعية العامة )2625( الصادر في 24/10/1970 الخاص بمبادئ القانون الدولي المتعلقة بالعلاقات الودية القومية للدولة .ومنها اختيار أنظمتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية وتعرض القضاء الدولي لمبدأ عدم التدخل في قضية كورفو بين بريطانيا وألمانيا

وعلى الرغم من أن مبدأ عدم التدخل وبموجب الميثاق الأممي و إعلانات الجمعية العامة وكذا اجتهادات القضاء الدولي ,يعتبر حجر الزاوية في العلاقات الدولية فإن الممارسات الدولية تكشف عن عدم تقيد الدولة في سياستها الخارجية .فهي تبرر التدخل إذ اتفق مع مصالحها الدولية وتستنكره إذ لم يكن لها فيه مصلحة ,وبذلك تعرض هذا المبدأ للاهتزاز وإذ كانت الدول الاشتراكية والنامية قد تمسكت بالمبدأ باعتباره مبدأ عام وجامد يشمل جميع الدول بغض النظر عن طبيعة النظام السياسي و الاقتصادي القائم فيها ,وأنه لا يقبل أي استثناء حتى لو كان الأمر متعلقا بحماية حقوق الإنسان فإن الدول الغربية خاصة بعد الحرب الباردة تمسكت بالتفسير المرن لمبدأ عدم التدخل باعتبار أن للدول والمنظمات الدولية الحق في حماية حقوق الإنسان في أية دولة أخرى لأنها تهم الإنسانية جمعاء وتفرض واجبا على الدول بحمايتها بغض النظر عن النظام القانوني الذي ينتمي إليه الإنسان بجنسيته

– من هنا وأمام النظرة الجامدة للمبدأ من جهة والمرنة الموسعة من جهة ثانية وأمام تطور العلاقات الدولية خاصة في ظل التغير في بنية النظام الدولي كأن تأثر هذا المبدأ لصالح التفسير المرن الموسع على حساب التفسير الجامد ولصالح حقوق الإنسان باعتبارها متغير عالمي ينادي بوحدة الإنسانية ومن شأن كفالة احترامها أن يحقق السلم والأمن الدوليين وهو ما يتطابق مع ما جاء في تقرير الأمين العام الأسبق “بطرس بطرس غالي” عام 1991 عندما قال )أن مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول يجب ألا يستخدم كعازل واق لبعض الحكومات التي تمارس انتهاكات بشعة لحقوق شعبها كما أشار أن المنظمة الدولية ملتزمة بميثاقها الذي يحمي سيادة الدول الأعضاء ,ولكنها ملتزمة أيضا بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان”.[13]

الخاتمة :

كخلاصة لما سبق ذكره يمكن القول أن الدولة كلما التزمت بالاتفاقيات الدولية كلما أدى ذلك إلى تقييد سيادتها وتراجعها وهذا ما يؤدي إلى إمكانية تزايد التدخل في الشؤون الداخلية للدول تحت مظلة القانون الدولي و حقوق الإنسان ,لتصبح مسألة حقوق الإنسان منفذا للتدخل وانتهاكا للسيادة بدل من أن تكون دعما لهذه السيادة.

قائمة المراجع :

أ. الكتب

1. أ-بوراس عبد القادر , التدخل الدولي الإنساني وتراجع مبدأ السيادة الوطنية,)ب ط( ,دار الجامعة الجديدة, مصر ,2009.

ب.المجلات والمقالات

1.د-علي أبو هاني,تراجع مبدأ السيادة في ظل النظام الدولي الجديد,مجلة البحوث والدراسات العلمية, العدد 6 مارس 2012.

2.د-حسن جديد,د-سعدي كريم, التدخل الإنساني وإشكالية السيادة ,مقال منشور على موقع www.dirassat.com.ly 2005

3.أ-نواري أحلام ,تراجع السيادة الوطنية في ظل التحولات الدولية الراهنة , دفاتر السياسة والقانون ,العدد 4, جانفي 2011.

4.ماجد عمران,السيادة في ظل الحماية الدولية لحقوق الإنسان ,مجلة دمشق للعلوم الاقتصادية ,المجلد 27,العدد 1, 2001.

ج.الرسائل الجامعية

1.محمد عبيدة,التدخل الإنساني بين سيادة الدولة والالتزام باحترام حقوق الإنسان,رسالة ماجستير, كلية الحقوق , جامعة الدكتور يحي فارس المدية ,2010

2.مهيرة نصيرة,التدخل الإنساني دراسة حالة كوسوفو,رسالة ماجستير ,كلية الحقوق والعلوم السياسية ,جامعة منتوري قسنطينة,2009

3.هلنالي محمد,التدخل الإنساني بين حماية حقوق الإنسان ومبدأ السيادة في عالم ما بعد الحب الباردة,رسالة ماجستير,كلية الحقوق والعلوم السياسية,جامعة منتوري قسنطينة ,2008

الفهرس

مقدمة…………………………………………………………………2

المبحث الأول : مبدأ السيادة في ظل النظام الدولي الجديد ……………………….. 3 المطلب الأول : مفهوم السيادة والآثار المترتبة عنها ………………………………3

الفرع الأول :تعريف السيادة………………………………………………….3

الفرع الثاني :الآثار المترتبة عن السيادة…………………………………………..3 المطلب الثاني : تراجع مبدأ السيادة من المفهوم المطلق إلى المفهوم النسبي ……………….4

المبحث الثاني : التدخل الإنساني تحت ذريعة حقوق الإنسان…………………………9 المطلب الأول : مفهوم التدخل الإنساني………………………………………..10

الفرع الأول :المفهوم الضيق للتدخل الإنساني…………………………………….10

الفرع الثاني :المفهوم الواسع للتدخل الإنساني……………………………………11

المطلب الثاني :تحول مبدأ التدخل من التفسير الجامد إلى التفسير المرن………………13

الخاتمة ………………………………………………………………….16

قائمة المراجع…………………………………………………………….17

الفهرس…………………………………………………………………19

[1] د.علي أبو هاني,تراجع مبدأ السيادة في ظل النظام الدولي الجديد,مجلة البحوث والدراسات العلمية ,جامعة الدكتور يحي فارس المدية

,العدد 06 مارس 2012, ص 13

[2] .أ.نواري أحلام, تراجع السيادة الوطنية في ظل التحولات الدولية الراهنة ,دفاتر السياسة والقانون العدد 4 ,جانفي 2011 ص 26

[3]. د.حسن الجديد,د.سعدي كريم, التدخل الإنساني و إشكالية السيادة مقال منشور على موقع www.dirasat.com.ly 2005 , ص3.1

[4] .ماجد عمران,السيادة في ظل الحماية الدولية لحقوق الإنسان ,مجلة دمشق للعلوم الاقتصادية ,المجلد 27, العدد 1 ,2011 ص 146

[5] .أ.نواري أحلام ,مرجع سابق ,ص 29.28

[6] .محمد عبيدي ,رسالة ماجستير التدخل الإنساني بين سيادة الدولة والالتزام باحترام حقوق الإنسان ,كلية الحقوق ,جامعة د.يحي فارس بالمدية 2010 ص 55

[7] أ.نواري أحلام ,مرجع سابق.ص 30

[8].مهير نصيرة,التدخل الإنساني دراسة حالة كوسوفو,رسالة ماجستير,جامعة منتوري قسنطينة, 2010

[9] .أ.بوراس عبد القادر ,التدخل الدولي الانساني وتراجع مبدأ السيادة الوطنية ,جامعة إبن خلدون ,الجزائر ,2009.

[10] .مهيرة نصيرة,مرجع سابق ,ص 56

[11].بوراس عبد القادر ,نفس المرجع ,ص 179 وما بعدها

[12] .د.علي أبو هاني, مرجع سابق ,ص 20

[13] .هلتالي أحمد,التدخل الإنساني بين حماية حقوق الإنسان ومبدأ السيادة في عالم ما بعد الحرب الباردة, رسالة ماجستير,جامعة منتوري قسنطينة,2008.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *