الجزاءات المترتبة عن العنف ضد المرأة في القانون الليبي

الحماية الجنائية للمرأة من العنف في القانون الجنائي الليبي / الباحثة مســـــتورة المعـــــداني

مقدمة

حاولنا في هذا البحث أن نلقي فيه الضوء على موضوع الحماية الجنائية للمرأة من العنف في القانون الجنائي الليبي، من خلال استعراض صور الحماية الجنائية للمرأة من العنف الجنسي والجسدي والنفسي المنصوص عليها في قانون العقوبات الليبي، :

 

 

 

للحصول على استشارة مجانية

تفضل الى رقم مكافحة الابتزاز

 

 

أولاً فيما يتعلق بالحماية الجنائية للمرأة من العنف الجنسي:

نلاحظ أن المشرع الجنائي الليبي في المادة 407 عقوبات، لم يقر حماية جنائية خاصة بالمرأة في حالة اغتصابها.

إذ لم يفرد لها نصاً خاصاً ولم يفرق في العقاب على جريمة الاغتصاب تبعاً لجنس المجني عليه، فعامل الجاني المعاملة الجنائية ذاتها سواء كان المجني عليه ذكراً أم أنثي … ضيّق المشرع الجنائي الليبي في الفقرة الثالثة من المادة 407 عقوبات من نطاق المحارم، فقصر تشديد العقوبة على الجاني إذا كان من الأصول، في حين العقوبة لا تشدد إذا واقع الجاني أحد أصوله كأمه أو جدته.

قام المشرع الجنائي الليبي بتجريم المواقعة الرضائية في القانون رقم 70 لسنه 1973 بشأن إقامة حد الزنا واعتبر الأنثى شريكاً في هذه الجريمة، إلا أنه من جهة أخرى ظل محتفظاً بترتيب حكمه التسامحي، بشأن المواقعة كرهاً، والذي مفاده إيقاف الإجراءات الجنائية أو إيقاف تنفيذ الحكم إذا ما قام المغتصب بالزواج من المعتدى عليها (المادة 424 عقوبات) رغم جسامة ما تسفر عنه هذه المفارقة التشريعية من إمكانية التواطؤ بين الجاني وشريكته على الادّعاء بأن كل مواقعة رضائية قد تمت غصباً، ليضمن كل منهما الاستفادة من هذا الحكم التسامحي المتمثل في إفلاتهم من العقوبة حال انعقاد زواجهما .

لم يقر المشرع الجنائي الليبي في المادة 408 عقوبات حماية جنائية خاصة بالمرأة في حاله هتك عرضها بالقوة، وعامل الجاني في هذه الجريمة المعاملة الجنائية ذاتها سواء كان المجني عليه ذكراً أم أنثي، وحصر الظروف المشددة للعقاب في صغر السن وصفة الجاني فلم يعتد بصفة الأنوثة كظرف مشدد للعقاب على الجاني .

تأثر المشرع الليبي في المادة 415 عقوبات بالاتجاه الذي ينادي بعدم التدخل في الحرية الجنسية، فقصر الحماية الجنائية في جريمة التحريض على ممارسة الدعارة على المجني عليه إذا كان قاصراً أو مختل العقل، إذ لا يجوز وفقاً لنص المادة 415 عقاب من يحرض شخصاً بالغاً على الدعارة مادام تم ذلك برضائه .

قصر الحماية الجنائية في جريمة الإرغام على ممارسة الدعارة في المادة 416 عقوبات على القاصر والأنثى أياً كانت سنها وحصر الظروف المشددة في صفة الجاني بأن يكون من أصول المجني عليه، أو أن يكون المجني عليه ( امرأة متزوجة ) كما اقتصر في النص على الإكراه المادي كوسيلة لإرغام المجني عليه على ممارسة الدعارة وأغفل النص على الإكراه المعنوي.

فيما يتعلق بالاتصال الجنسي بين الزوجين، لم يعتبر المشرع الجنائي الليبي رضا المرأة شرطاً من شروط ممارسته، ومن ثم يمكن للزوج ممارسة حقه في الاتصال الجنسي كرهاً، إلا أنه يشترط في ممارسة هذا الحق أن تضمن ممارسته السلامة الصحية للزوجة، وإلا سئل الزوج عن المباشرة المنحرفة، حسب قصده، وحسب نتائجه، بوصفه متعدياً على حق الزوجة في الحياة وسلامة الجسد، أما إذا تمت الممارسة الجنسية على مرأى من الآخرين فيعاقب الزوج على هذه الممارسة بوصفه فعلاً فاضحاًً علنياً، وإجمالاً فإن أي ممارسة منحرفة يمكن أن تسبب في الوقت ذاته أضراراً للزوجة مادية أو معنوية فإنها تكون خاضعة للنص التجريمي المادة 398 عقوبات ( إساءة معاملة أفراد الأسرة ).

ثانياً فيما يتعلق بالحماية الجنائية للمرأة من العنف الجسدي:

قام المشرع الجنائي الليبي في القانون رقم 6 لسنة 1423 و.ر وتعديلاته بشأن القصاص والدية بتبني أحكام الشريعة الإسلامية الغراء بتطبيق عقوبة الإعدام قصاصاً على مرتكب جريمة القتل العمد سواء كان المجني عليه ذكراً أو أنثي، إلا أن المشرع الجنائي الليبي، حين عمد إلى الاقتداء بأحكام الشريعة الإسلامية لم ينص على ظروف تشديد خاصة بجريمة القتل العمد، فلم يأتِ بأحكام تنظم ظروف تشديد العقوبة تصل العقوبة بتوافرها إلى حد الإعدام تعزيراً في حالة عدم انطباق أحكام القصاص، ولم يحل إلى قانون العقوبات فيما لم يرد بشأنه نص.

على الرغم من أن المشرع الجنائي الليبي يوقع أشد العقوبات على مرتكب جريمة القتل العمد إلا أنه في المادة 375 عقوبات يلتمس العذر لمرتكب هذه الجريمة إذا ارتكبها دفاعاً عن شرفه وشرف أسرته، واعتبر أن ارتكاب الفعل المجرم ممارسة لحقه في حفظ العرض، يدلل على خطورة إجرامية أقل جسامة مما يستوجب معاملة جنائية متسامحة، إلا أنه لم يقم بالتغاضي الكلي عن هذه الأفعال الإجرامية وإنما اكتفي بتخفيف العقاب عليها.

فرق المشرع الجنائي الليبي في العقاب على جريمة الخطف تبعاً لقصد الجاني، وما إذا كان قصده الزواج المادة 411أو كان قصده ممارسة أفعال شهوانية المادة412 حيث اعتبر قصد الزواج من القصود الشريفة التي لا تمثل خطورة إجرامية في الجاني فاعتد به وجعله مؤثراً في طبيعة الجريمة بحيث يحولها من جناية إلى جنحة، كما نص المشرع الجنائي الليبي على إعفاء الخاطف من العقاب إذا تزوج بمخطوفته وساوى في ذلك بين الخطف بقصد الزواج والخطف لإتيان أفعال شهوانية .

لم يقرر المشرع الجنائي الليبي حماية جنائية خاصة بالمرأة في حالة الإيذاء العمدي وإنما أخضعها لأحكام الإيذاء العمدية الواردة بالمواد379- 380 -.381

أما عن ممارسة حق تأديب الزوجة فقد اشترط المشرع الجنائي الليبي عدداً من الشروط التي تكفل حماية المصالح المحمية التي من أهمها، ألا تمثل هذه الممارسة اعتداء على حق الزوجة في سلامة البدن، وأن الخروج عن هذه القيود يجعل المؤدب جديراً بالمتابعة الجنائية وفقاً لنص المادة 398 عقوبات.

اعتدَّ المشرع الليبي بوجود الحمل كركن أساسي لا تقوم جريمة الإجهاض إلا به، ولم يشترط أن يكون الحمل غير الشرعي نتيجة لاغتصاب المرأة وما في حكمه من حالات عدم الرضا عندما نص على العذر المخفف فيستوي أن يكون هذا الحمل نتيجة الوطء المحرم بالرضا أو بالإكراه (المادة 394 .عقوبات ).

ثالثاً ـ فيما يتعلق بالحماية الجنائية للمرأة من العنف النفسي:

إن المشرع الجنائي في المادة 420 مكرر قصر حماية الأنثى من جريمة التعرض على وجه يخدش حياءها على وقوعها في الطرق العامة والأمكنة المطروقة فلم يمد بسط حمايته للإناث في حالة وقوعهن ضحايا لهذه الجريمة في غير الطرق العامة والأمكنة المطروقة .

ساوى المشرع الليبي بين الرجل والمرأة في حق القيام بالنهضة العلمية في المجتمع، بل في ضرورة القيام بهذا الواجب ؛ لأنه من أهم المعايير التي يقاس بها اشتراك المرأة في الحياة العامة هو حظها من العلم والثقافة .

أعطي للمرأة حق اختيار شريك حياتها فلا تتزوج دون رضاها بكراً كانت أو ثيباً .

قام المشرع الليبي بوضع نماذج قانونية مجرمة للإخلال بالواجبات العائلية في الفصل الخاص بالتقصير في الواجبات العائلية باعتبارها جرائم ضد الأسرة كنوع من الحماية الجنائية لحقوق الأسرة، فإذا أخل الزوج أو الأب بواجب الرعاية المعنوية أو الرعاية المالية تطبق عليه العقوبات المنصوص.

توصيات تساهم في إرساء دعائم واضحة لحماية المرأة من العنف بكافة أشكاله وصوره

نهيب بالمشرع الجنائي الليبي إجراء التعديلات الآتية :

أن يكون أكثر تشدداً في سياسته التشريعية تجاه مرتكب جريمة الاغتصاب.

أن يوسع من نطاق المحارم ويشدد العقوبة لتكون الإعدام في حالة مواقعة المحارم بصفة مطلقة دون تقييد أو تحديد.

أن ينص على بعض ظروف التشديد، تضاف إلى الظروف المنصوص عليها في الفقرة الثالثة من المادة 407 عقوبات والتي ترجع إلى مكان ارتكاب الجريمة، وظروف ارتكاب الجريمة، والنتائج المترتبة على الجريمة، فيشدد العقوبة كلما توافرت أحد هذه الظروف.

أن ينص على إلغاء الإعفاء الوارد في المادة 424 عقوبات لما يحمل في طياته من تشجيع لكل من يرغب في الزواج من فتاة ويظن في نفسه أنه مرفوض كزوج لها أن يتوسل هذه الوسيلة القانونية لتحقيق غرضه .

أن يعدل من نص المادة 416 عقوبات التي تنص على جريمة الإرغام على ممارسة الدعارة وذلك بالنص صراحة على الإكراه المعنوي كوسيلة لإرغام المجني عليه لممارسة الدعارة منعاً لأي لبس، وأن يوسع من نطاق الحماية الجنائية في جريمة التحريض على ممارسة الدعارة وذلك بمعاقبة مرتكب هذه الجريمة في جميع الأحوال أيا كانت سن المجني عليه سواء كان قاصراً أو شخصاً بالغاً .

التأكيد على تعديل نص المادة 408 عقوبات وذلك بأن تكون عقوبة الجاني في جريمة هتك العرض بالقوة السجن من خمس إلى عشر سنوات، على أن تشدد العقوبة لتكون السجن من عشر إلى عشرين سنة إذا توافر أحد الظروف المشددة.

نقترح أن يتدخل المشرع مرة أخرى معدلاً قانون القصاص والدية ويضيف مادة جديدة إلى قانون القصاص والدية تعالج ظروف التشديد استقلالاً، والتي يمكن أن تصل العقوبة بتوفرها إلى الإعدام تعزيراً في حالة عدم انطباق أحكام القصاص، وأن يعتد بصفة الأنوثة كظرف مشدد للعقاب على جريمة القتل العمد .

إلغاء العذر القانوني المنصوص عليه في المادة 375 عقوبات وذلك لاعتماده على افتراضات قانونية مصطنعة.

قد تصادف وتطابق الواقع، وفي أحوال كثيرة قد لا يحدث ذلك، مما يجعل العدالة في خطر ويهدد المصالح المحمية قانوناً، ويفضل بدلاً من ذلك أن يصبح الحق في حفظ العرض من الظروف القضائية المخففة بحيث يكون للقاضي حرية أوسع في تحديد المستفيد منه إذ إن قاضي الموضوع أقرب للواقع الاجتماعي وللتغيير في العلاقات الإنسانية ويستطيع بما له من خبرة تقدير خطورة الجاني بناء على ما يمثله فعله وذلك في كل واقعة معروضة أمامه على حدة .

إلغاء القيد الإجرائي المنصوص عليه في المادة 398 عقوبات، فاشتراط شكوى المجني عليه كقيد إجرائي على حرية سلطة الاتهام في تحريك الدعوى الجنائية وإن تمثلت نتائج الاعتداءات العنيفة في الإيذاء الجسيم والخطير يخل بالحماية الجنائية التي نص عليها المشرع الجنائي الليبي في المواد 397 /398 عقوبات .

أن يضيف فقرة جديدة إلى نصوص الإجهاض تعاقب على كل دعاية يُقصد بها نشر أو ترويج أو تسهيل استعمال وسائل الإجهاض وتعاقب كـل من باع أو عرض للبيع مواداً معدة لإحداث الإجهاض .

إلغاء العذر القانوني المنصوص عليه في المادة 394 عقوبات، ويفضل بدلاً من ذلك النص على إباحة إجهاض جنين الاغتصاب ضمن مجموعة من الشروط والإجراءات أهمها : التحقق من أن الحمل ثمرة لجريمة اغتصاب وليس علاقة رضائية بين الطرفين، وأن يتم الإجهاض خلال مدة لا تتجاوز أربعة الأشهر الأولى من الحمل، وأن يتم من قبل طبيب متخصص في أمراض النساء مرخص له بإجراء هذا النوع من العمليات.

نقترح أن يمد المشرع الليبي بسط حمايته للمرأة في جريمة التعرض لأنثى على وجه يخدش حياءها المنصوص عليها في المادة 420 مكرر عقوبات، ويعدل من النص ويضيف عبارة (ولو في غير علانية ) ولاسيما أن المشرع يرمي إلى حماية الأنثى وليس الحياء العام، وحياء الأنثى يخدشه التعرض لها بالقول أو الفعل سواء وقع ذلك في مكان عام أو في مكان خاص.

لمزيد من المعلومات تفضل للتواصل مع محامي متواجد الان

تكلم هذا المقال عن : الجزاءات المترتبة عن العنف ضد المرأة في القانون الليبي