أصل و نشأة مبادئ حقوق الإنسان

أصل مبادئ حقوق الإنسان

المحامية: ورود فخري
يختلف مفهوم حقوق الانسان من مجتمع الى اخر وفي نفس المجتمع من وقت الى اخر وذلك بحسب درجة وعي ذلك المجتمع والفلسفة التي يتبناها وكذلك قيمة الانسان لديه فنوع تلك الحقوق التي يعترف بها المجتمع يرتبط اساسا بالتصور الذي يتصور به الانسان بوصفه قيمة عليا وغاية سامية. وقد ذهب الفقيه رينيه كاسان وهو احد واضعي وثيقة الاعلان العالمي لحقوق الانسان الى تعريف حقوق الانسان بانها : ( فرع خاص من الفروع الاجتماعية يختص بدراسة العلاقات بين الناس استناداً إلى كرامة الإنسان وتحديد الحقوق والرخص الضرورية لازدهار شخصية كل كائن إنساني ) .

ويذهب فقهاء اخرون الى ان حقوق الانسان ” تمثل رزمة منطقية متضاربة من الحقوق والحقوق المدعاة ” . اما منظمة الامم المتحدة فقد عرفتها على انها (ضمانات قانونية عالمية لحماية الأفراد والجماعات من إجراءات الحكومات التي تمس الحريات الأساسية والكرامة الإنسانية، ويلزم قانون حقوق الإنسان الحكومات ببعض الأشياء ويمنعها من القيام بأشياء أخرى ) .

ويرى اغلب المؤرخين والكتاب انه لا يمكن تحديد الفترة الزمنية التي ظهرت فيها الجذور الاولى لحقوق الانسان ويذهب غالبيتهم الى اعتبار حقوق الانسان ترجع الى الفترة التي بدأ فيها ظهور التجمعات البشرية ففكرة حقوق الانسان في رأيهم قديمة جدا قدم الحياة البشرية ذاتها . لقد كانت فكرة حقوق الانسان محور اهتمام المفكرين والفلاسفة اليونان على مر الزمن فقد تناولوها بالمعالجة والتحديث وطالبوا بصيانتها بعد ان كانت شخصية الفرد ذائبة في الجماعة فكان خضوعه لها خضوعا مطلقا من دون حد او قيد الى ان تعالت الاصوات بضرورة عدم التدخل في شؤون الافراد المتعلقة بحقهم في الحياة و حرية التعبير والمساواة امام القانون والتي اطلقت عليها الحقوق الطبيعية والتي تعتبر الركن الاساسي في بناء المجتمع السياسي .

فضلا عن الشرائع الوضعية القديمة كلها كانت تتركز حول اهمية حقوق الانسان والاخطار التي قد تلحق بالحريات الطبيعية له جراء سيادة مبدأ القوة والاستغلال ونقض العهود وقد تضمن قانون مانو الذي ظهر في حدود ( 1000 ق . م ) مجموعة من المبادئ والقيم التي تهدف الى حماية تلك الحريات ، وجاءت الفلسفة الصينية بمبادئ مشابهة بالاضافة الى جانب تاكيدها على تضامن الافراد فيما بينهم من اجل كفالة الحقوق الاساسية لهم وعدم المساس بها . اما بالنسبة للشرائع السماوية فقد جاءت الديانة المسيحية بمبادئ تؤكد على صيانة كرامة الانسان والمساواة بين الجميع بوصفهم ” عيال الله ” اما الشريعة الاسلامية فقد كان دستورها القرآن الكريم قد جعل محور اهتمامه الانسان اذ يقول الله تعالى ” لقد خلقنا الانسان في احسن تقويم ” .

و قد تبنى الحكام ” مجبرين ” هذه المبادئ لامتصاص نقمة الشعوب بعد ما عانته من اهدار لحقوقها نتيجة الحكم المطلق المسند من قبل النظريات الثيوقراطية ( الدينية ) فظهرت في اوربا صكوك وضعية جاد بها الملوك على تلك الشعوب ومنها الماجنا كارتا ( العهد الاعظم ) عام 1215 الذي اصدره الملك جون للشعب البريطاني ثم قانون الحقوق الانكليزي او ملتمس الحقوق الذي صدر في اواخر القرن السابع عشر والذي تضمن نصوصا تتعلق بضمانات الفرد في التقاضي .

الا ان الفقه الحديث يتفق على ان ظهور حقوق الانسان بصيغة تشريع وضعي منظم لم يتبلور الا مع الثورتان الامريكية والفرنسية التي اطاحت بالانظمة الاستبدادية المطلقة ، على ان التشريعات الوضعية التي احتوت بعض الحقوق والحريات التي نادت بها الثورتين الامريكية والفرنسية الزمت نصوصها على وجوب احترام حقوق الانسان وضمان حرياته لان ذلك هو اساس وجود المجتمع السياسي واستمراره ، فضلا عن العديد من الاتفاقيات والمعاهدات الدولية التي تمثل تلك الحقوق مثل اتفاقية برلين عام 1855 واتفاقية بروكسل لتحريم الاتجار بالرقيق عام 1890 واتفاقية باريس عام 1904 الخاصة بمكافحة الاتجار بالرقيق الابيض وغيرها الكثير .

الا ان تلك الاتفاقيات والتشريعات الوضعية لم تعتمد فقط على الافكار التي جاءت بها الثورتين الامريكية والفرنسية وانما استقت الكثير من نصوصها من المبادئ المستقرة في القانون الدولي العرفي التي تتعلق بحماية الانسان وصيانة حقوقه مثل مبدأ التدخل لاغراض انسانية الذي استندت اليه الامم المتحدة في تدخلها في الصومال ثم في البوسنة وغيرها وكذلك القواعد المتعلقة بمسؤولية الدولة .

وعلى خلاف ذلك فان عهد عصبة الامم لم يتضمن نصوصا خاصة تتعلق بحماية حقوق الانسان خلال ما التزم به اعضاء العصبة من ان يعاملوا الشعوب التي تقطن في الاقاليم الخاضعة لادارتهم سواء كانت بصيغة حماية ام انتداب ، ثم جاء ميثاق الامم المتحدة الذي ورد فيه ذكر حقوق الانسان في سبعة مواضع واستنادا لها صدر الاعلان العالمي لحقوق الانسان عام 1948 الذي وضعت مشروعه لجنة حقوق الانسان على مدى اكثر من ثلاث سنوات والذي صدر بموجب قرارها المرقم ( 217 ) بديباجة وثلاثين مادة تتعلق باربع فئات من الحقوق وهي : الفئة الاولى وتتناول الحقوق الفردية والشخصية ، والفئة الثانية تتعلق بعلاقات الفرد بالمجموع او بالدولة ، والفئة الثالثة تتضمن الحريات العامة والحقوق الاساسية اما الفئة الرابعة فتناولت الحقوق الاقتصادية والاجتماعية ، وقد قدم ” ايفات ” رئيس جمعية الامم المتحدة في دورتها لعام 1948 نبذة عن القيمة المعنوية والانسانية لهذا الاعلان بقوله : ” هذه أول مرة تقوم فيها جماعة منظمة من الدول بإعلان حقوق وحريات أساسية للإنسان تؤيدها الأمم المتحدة جميعاً برأي جماعي، كما يؤيدها الملايين من الرجال والنساء في جميع أنحاء العالم إذ إنهم مهما كانوا على مسافات متباعدة من نيويورك أو من باريس خليقون بأن يتجهوا إلى هذه الوثيقة يستلهمون منها العون والنصح ” وهكذا كان فقد استلهمت الكثير من دساتير دول العالم نصوصها من هذا الاعلان .

وقد اختلف الفقهاء والكتاب بخصوص القيمة القانونية لهذا الاعلان فبعضهم ذهب الى انه ملزم قانونا مثل تشير كوفيتش بينما ذهب كتاب اخرون الى انه مجرد اعلان لمبادئ معينة تتصل بحقوق الانسان وحرياته “ هو نموذج لما حققته شعوب كل الدول ” مثل اوبنهايم ومهاجان وهناك راي اخر وسط بين الاتجاهين السابقين فاعتبروا الاعلان ذا صفة ادبية عظيمة امثال ايزبجيوفور و ازار و فيرون .

ولم تقف مسيرة تطور حقوق الانسان الى هذا الحد بل تلا هذه المرحلة صياغة عهدين اخراين احدهما يعالج حقوق الانسان السياسية والمدنية والثاني يتناول حقوق الانسان الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ووضعت مشروع العهدين لجنة حقوق الانسان التي استمر عملها لمدة سنتين تقريبا اي من عام 1952 الى عام 1954 وقدم المشروعان الى الجمعية العامة للامم المتحدة واستمرت المناقشات لمدة 12 عاما وصدر الميثاقان بقرار من الجمعية العامة بدورتها العشرين برقم ( 2106 ) في عام 1966 الى جانب بروتكول اختياري ملحق بالاتفاقية الخاصة بحقوق الانسان المدنية والسياسية و التي عرضت جميعها للتصديق عليها من قبل الدول الاعضاء و اعتبرت نافذة فيما بين الدول المصدقة او المنضمة عام 1976 وتضمن تعهد الدول المصدقة على العهد الخاص بالحقوق المدنية والسياسية بحماية شعبها من المعاملة القاسية او غير الانسانية المهنية وحق كل انسان بالحرية والامن والكرامة وتحريم الرق وتكفل الحق بمحاكمة عادلة للجميع وتحمي الاشخاص من الاعتقال والايقاف التعسفيين الى جانب حرية العقيدة والفكر والراي والتعبير وغيرها والتي هي بمجموعها مستلهمة من الاعلان العالمي لحقوق الانسان ولم ينص فيه على حق الملكية واللجوء اما بالنسبة للدولة التي صدقت على العهد المتعلق بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية فقد اقرت مسؤوليتها عن العمل وضمان مستوى معيشي افضل لشعبها وحق كل فرد بالعمل والاجر العادل والضمان الاجتماعي وتوفير مستويات معيشية مناسبة وكذلك حق كل فرد بالصحة والثقافة وهذا العهد ايضا قد استقى مواده من الاعلان العالمي لحقوق الانسان الا انه جاء اطول واشمل.

والى جانب هذه الاعلانات والعهود فقد ابرمت الامم المتحدة العديد من الاتفاقيات الدولية منها الاتفاقية الدولية لازالة التمييز العنصري بكل اشكاله عام 1965 و الاعلان الخاص بازالة كل اشكال عدم التسامح والتمييز على اساس الدين او المنفعة عام 1981 و الاتفاقية الخاصة بكل اشكال التمييز ضد النساء لعام 1981 فضلا عن اتفاقية مكافحة التعذيب والمعاملة القاسية واللاانسانية لعام 1984 و الاتفاقية الخاصة بحقوق الطفل لعام 1989 و الاعلان الخاص بالحق في التنمية لعام 1986وغيرها الكثير من الاتفاقيات والاعلانات المتعلقة بحقوق الانسان و حرياته .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *