احمد باراك يتكلم عن اشكالية العلاقة بين القضاء و الاعلام

تم اعادة النشر بواسطة محاماة نت

الدكتور أحمد براك
‎النائب العام المساعد‎

لقد أكد خبير ألماني هايتاس كيبلينجر من جامعة ماينس الألمانية في علوم الإتصالات أن التقارير الإعلامية التي تنشر حول القضايا التي ينظر فيها القضاء تؤثر على سير اجراءات المحاكمة . حيث أكد الباحث المذكور أنه رصد في دراسته الحديثة حول تأثير الإعلام على اجراءات المحاكمة في المانيا تنامياً ملحوظاً في هذا الإتجاه وأضاف الباحث أنه ” أظهر استطلاع شمل (447) قاضياً و(271) وكيل نيابة و(35) محامياً أن اكثر من ثلث المحامين يعطون معلومات لوسائل الإعلام بهدف أن يؤثر الإعلام على قضاياهم ، كما اعترف 25% بأنهم يعملون على تحسين وضعهم في القضية عبر نشر معلومات عنها ، عن عمد ” .
ورغم أن الدستور الألماني ينص على حيادية القضاء قال كيبلينجر أن ” الواقع غير ذلك ، حيث ذكر أكثر من 50% من القضاة وممثلي الإدعاء أن التقارير الإعلامية تؤثر على اجراءاتهم “. ووفقاً للدراسة ، اعترف 42% من ممثلي الإدعاء بأنهم قد يفكرون في صدى الرأي العام عند المطالبة بحجم عقوبة معين .

كما اعترف ثلث القضاة الذين شملهم الإستطلاع بأن التقارير الإعلامية تؤثر على حجم العقوبة ، وقال نحو 25% منهم أن الاعلام يؤثر أيضاً على الموافقة أو رفض حبس المتهم مع ايقاف التنفيذ . وفي المقابل ، ذكر 5% فقط من القضاة أن للاعلام تأثيراً على الحكم ببراءة أو ادانة المتهم ، كما اعترف 76% منهم أنهم يتأثرون بإفادات الشهود .

وفي سؤال الخبير المذكور حول ما اذا كان من الأفضل أن يتم منع الإعلام من متابعة القضايا التي تنظر أمام المحاكم ، ذكر أن متابعة وسائل الإعلام لسير القضايا صارت من الأمور المثيرة للشك ، الا انه اكد في الوقت نفسه على اهميتها ، وقال ” في القرن ال19 كان الرأي العام مطلوباً لحماية المتهمين ولايجاد الحقيقة ، ولكن في الوقت الحالي تم تعلم كيفية التعامل مع الأمر ، فاليوم يتم استخدام الرأي العام بشكل موجه ، لذلك فإنه أصبح خطراً على المتهمين وعلى ايجاد الحقيقة ” . ( جريدة القدس ، فلسطين ، بتاريخ 17/08/2010 ، ص17 )

وفي ذات السياق و في اوائل شهر اكتوبر من العام المنصرم أصدر مجلس القضاء الأعلى المصري برئاسة المستشار / سري صيام قرار بالإجماع بمنع التصوير أو اذاعة داخل قاعات المحاكمات وهو يتناول ثلاث نقاط حظر تصوير واذاعة القضايا في مراحل التحقيق وخطر تصوير أو بث أو النقل المباشر ، وغير المباشر لجميع جلسات المحاكمات فلا يجوز نقل او بث او تسجيل أو اذاعة وقائع المحاكمات بواسطة اي وسيلة من وسائل الإعلام ، ولا يجوز تصوير الوقائع ، وهيئات المحاكم ، والدفاع ، والشهود ، والمتهمين أثناء اجراءات المحاكمات والنقطة الثالثة حظر تناول القضايا في وسائل الإعلام فيجب تجنب التناول الإعلامي بأي طريقة من طرق العلنية للدعاوي في جميع مراحل التحقيق والمحاكمة ، على نحو يتضمن الاخلال بهيبة اي من القضاة أو رجال النيابة العامة او ابداء ما من شأنه التأثر فيهم أو التأثير في الشهود أو الرأي العام لمصلحة طرف في المحاكمة او التحقيق ، أو ضده وعدم الخوض في الدعاوي او التعليق على مجرياتها او الأحكام غير الباتة الصادرة فيها وذلك من جانب الكافة بمن فيهم القضاة والمحامون وسائر السلطات والجهات … وذلك اتقاء لحدوث البلبلة وزعزعة ثقة الرأي العام في عدالة القضاء .

وكذلك اكد رئيس مجلس القضاء المصري المستشار / سري صيام على احترام مبدأ العلنية في كل جلسات المحاكم ومن حق الصحفيين حضور الجلسات ونقل ما يدور فيها من وقائع بموضوعية وحيادية بدون ابداء اي راي فيها . ولكن ذلك بدون تصوير أو تسجيل الجلسات فلا يجوز بث صور او تسجيلات صوتية لها . وقد اثار هذا الموضوع نقاش حاداً بين اصحاب الفكر والرأي ولا سيما أصحاب العلاقة بين مؤيد لقرار مجلس القضاء وبين معارض منادياً بحرية الاعلام وحتى وان تناول الاعلام الشأن القضائي بحجج شتى من ضمنها أنه في بلاد العالم الثالث أن الاعلام يلعب دوراً داعماً ورقابياً للجهاز القضائي . وهذا وقد أصدر رئيس مجلس القضاء الأعلى الفلسطيني السابق المستشار / عيسى ابو شرار تعميماً الى رؤساء وقضاة المحاكم النظامية بتاريخ 7/4/2009 م بشأن التغطية الاعلامية لجلسات المحاكمة جاء فيه أنه يسمح لجميع الصحافيين بنقل أخبار المحاكم ونشرها بوسائل الإعلام وكذلك يسمح للصحافي باستقدام معدات الكترونية لتغطية المحاكمة وعند التسجيل الصوتي والمرئي يتوجب الحصول على موافقة رئيس المحكمة مع خطر نشر صور للموقوفين وكذلك خطر التعميم على الصحفيين والقضاة التعليق أو التعصيب على الأحكام او نشر محاضر الجلسات ويحظر اعطائهم تلك المحاضر الرسمية . وفي ضوء ما ذكر يثور التساؤل هل استقلالية القضاء وحرية الإعلام في نقل المعلومات ومعرفة الجمهور بها هل فعلاً هما حقان متعارضان ؟ وما هو المسموح والممنوع لرجال الاعلام من نقله عن اخبار بشأن السلطة القضائية والمحاكمات ، حيث اننا نتحدث عن مبدأين دستوريين ولا يجوز انقاص أحدهما على حساب الآخر ؟ وهو ما سوف نجيب عليه في السطور التالية.

لقد ذكرنا آنفا ان حرية الاعلام والصحافة والرأي والتعبير من جانب ، واستقلالية القضاء من جانب اخر هما حقان دستوريان وهذا ما ورد في القانون الاساسي الفلسطيني لسنة 2003 وتعديلاته :
ففى المادة “19” التى جاء نصها انه: “لا مساس بحرية الرأي ، ولكل انسان الحق في التعبير عن رايه ونشره بالقول او الكتابة او غير ذلك من وسائل التعبير او الفن مع مراعاة احكام القانون “.
وكذلك نص المادة “27” والتى جرى نصها:” 1- تاسيس الصحف وسائر وسائل الاعلام حق للجميع يكفله هذا القانون الاساسي وتخضع مصادر تمويلها لرقابة القانون .

2- حرية وسائل الاعلام المرئية والمسموعة والمكتوبة وحرية الطباعة والنشر والتوزيع والبث ، وحرية العاملين فيها ، ومكفولة وفقا لهذا القانون الاساسي والقوانين ذات العلاقة .
3-تحظر الرقابة على وسائل الاعلام ، ولا يجوز انذارها او وقفها او مصادرتها او الغائها او فرض قيود عليها الا وفقا للقانون وبموجب حكم قضائي”.
اما المادة “98” فتحدث عن استقلالية القضاء والتى جاء نصها: ” القضاء مستقلون ، لا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون ، ولا يجوز لاية سلطة التدخل في القضاء او في شؤون العدالة “.
كما كفلت دساتير العالم حرية الصحافة ومنها الدستور الفرنسي في المادة “18” ، كما اضفى المجلس الدستوري الفرنسي على حق المواطن في الاعلام طابعا دستوريا في حكمه الصادر في 11/10/1984 استنادا للمادة 11 من الاعلان العالمي لحقوق الانسان والمواطن الصادر في عام 1789 ، فنصت على ان ” التداول الحر للافكار والآراء هو اهم الحقوق الحيوية للانسان ولكل مواطن ان يتكلم ويكتب ويطبع بحرية ، ولا يصبح محلا للمسائلة الا عند اساءة استعمال هذه الحرية في الحالات المحددة بالقانون” وهو ما حرصت عليه الثورة الفرنسية .

وعليه يلزمنا بسط كل من الحقين على حد لتوضيح مساحة الاتفاق وحدود الاشكال بينهما، حيث هناك مساحة مشتركة بين كل من القضاء والاعلام ،و هذه المساحة المشتركة تكمن فيها اشكالية العلاقة بينهما ، اذ تتعلق اولا بحرية الرأي والتعبير والتنظيم القانوني لمهنة الاعلام مقروءاً ومسموعا ومرئيا ً . ولاشك اننا هنا في هذا الموقف الجديد بصدد ” تعارض مصالح ” اكيد … يتطلب فهماً عميقاً لطبيعة القضاء وطبيعة الصحافة … فهما متبادلان .

وبخصوص حرية الاعلام والصحافة: مما لا شك فيه ان الاعلام بجميع انواعه اصبح من اهم وسائل تشكيل الرأي العام والتأثير المباشر في تحديد اتجاهات الشعوب وتوجيه حركتهم على كل المستويات السياسية والثقافية والاجتماعية بل والاقتصادية ايضاً ، فضلا عن مساهمة الاعلام الفعالة في تكوين احلام وتطلعات الافراد والجماعات في شتى المناحي ، بل لا ابالغ اذا اضفت الى ذلك اثر وسائل الاعلام في طريقة حياة البشر واسلوب عيشهم ، فاذا كان صحيحاً – وهو صحيح – ان للاعلام هذا التواجد الطاغي والفاعل في كل المجتمعات . ويستند اصحاب فريق انصار حرية الاعلام فى نقل اخبار المحاكم والنيابات بدون قيود او شروط الى ما يلى:
فمن جهه اوله :ان المتفق عليه ان عمل الاعلامي تحتم عليه تزويد الرأي العام بكل ما يحدث في المجتمع والتعليق عليه بما طبيعة في ذلك الجانب القضائي لاشباع حق المعرفة لدى المواطن ، وقد أعلى القرأن الكريم من شأن الحرية لدرجة أنه ساوى بينها وبين الحياة ذاتها كما في الآية الكريمة ” ومن قتل مؤمناً خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ” فقتل نفس بشرية خطأ يتطلب نفس أخرى بتحريرها من العتق. ومن نافل القول تأكيد أن العدل مرهون أيضاً بحرية الاعلام في التغطية المباشرة لبؤر الفساد في المجتمع
كما ذهب القاضي الامريكي أولفروندل هولمز في القرن التاسع عشر إلى ضرورة اجراء المحاكمات تحت أنظار الشعب ، ليس لأن الخلاف بين مواطن واخر هو من الامور التي تهم الشعب فحسب ، بل لانه من الاهمية البالغة ان يتصرف الذين يقيمون العدل وانما في ظل الشعور بالمسؤولية العامة ، وبأن كل مواطن لا يمكن اقناعه بصحة تأدية ما يمليه الواجب العام الا بما يراه بعينيه . وامتداداً لهذا المنهج لايمكن الاحتجاج بأن تصوير واذاعة الجلسات والتعليق على الاحكام النهائية يؤثر على الثقة في القضاء فالأحكام بمجرد صدورها على نحو نهائي تصبح ملكاً للقضاء العام يجوز بل يجب على أهل الرأي والخبرة والاختصاص تناولها بالدراسة والتمحيص والتدقيق ، وفي ذلك تدعيم للثقة في القضاء باحكامه حيث يستشعوا الرأي العام ان لا شيء يحاك في الظلام ، وان الحكم هوعنوان الحقيقة فعلا .

ولان ثقة الرأي العام في القضاء والقضاة تتعزز بالشفافية والعلانية وتتحصن بذيوع المعلومات وانتشارها ، وتتأثر سلبا بالتكتم والسرية والحيطة كان لزاما على وسائل الاعلام التناول الموضوعي والمسئول كما يدور في قاعات المحاكم والتعليق على الاحكام حال صدورها ليس فقط لان ذلك يتمم عمل القضاء ، ويحقق علانية الاحكام ، ويلبي حاجة الرأي العام المتعطش الى المعرفة ، ولكن تماشياً مع واقع جديد لم تعد معه السرية ممكنة . ولقد تنبهت دول مثل الولايات المتحدة بخطورة اساءة استعمال الثقة فأصدرت مجموعة من القوانين على المستويين الفيدرالي والولايات عرفت باسم قوانين اشعة الشمس على اثرها اتيحت القنوات التليفزيون البث المباشر لجلسات المحاكمات وانشئت بموجبها شبكة تلفزيون امريكية ارضية تعرف باسم تليفزيون المحكمة تعمل على بث جلسات المحاكمات الفعلية باعتبارها جزءا من برنامج عملها الرئيس على مدى الساعة . (دكتور:بسيونى حمادة/الاعلام والقضاء كلية الاعلام-جامعة القاهرة)

ومن جهه ثانيه، ووفقا لهذا الراى فان المشرع العربي ينظر بريبة شديدة الى مبدا حرية تداول المعلومات وحق الصحفيين والمواطنين عامة في الحصول على المعلومات ، ويكاد يكون المبدأ الحاكم في هذا الشأن هومبدأ الحظر لا الاباحة والتقييد لا الاتاحة ، وتمتلىء التشريعات العربية بالنصوص التي تحدد المعلومات المحظور تداولها او نشرها ، مثال الحظر على العاملين فى الحكومة التعامل مع الصحف الابإذن كتابي من رؤسائهم ، وكذلك قوانين العربية المتعلقة بحظر نشر الوثائق الرسمية العليا او الامن القومي ونشرها الا بتصريح خاص من مجلس الوزراء ،وهذا امر غير جائز.(دكتورة:عواطف عبد الرحمن/الاعلام والقضاء)
ومن جهه ثالثه، فان الدور التاريخي الرائد الذي قامت بها الصحافة العربية في توحيد الامة والقضاء شاهد عيان ، كما ان زعماء الحركات الوطنية العربية كانوا من القضاة ورجال القانون ويتصدرهم مصطفى كامل ولطفي السيد ومحمد فريد وقاسم امين وسعد زغلول ومكرم عبيد فالمدرسة القانونية قادت الحركة الوطنية من خلال الصحف حيث كانوا يمثلون جسرا من التواصل الفكري والثقافي بين الفكر القانوني والرأي العام نجحوا في ارساء مبدأ حق التقاضي في التعبير عن قضايا الوطن ولم يخل ذلك بواجباتهم الوظيفية ونحن في الحاجة الان الى احياء هذا التراث الايجابي في علاقة الصحافة والاعلام بالقضاء اعلامياً.

ومن جهه رابعة:فليس كل القضاة من يرفض التدخل فى القضاءفمنهم من يوافق على التعليق على الاحكام على سبيل المثال وهى احد الاشكالات وحول هذه النقطة قال المستشار احمد مكي ” ليس لمجلس القضاة ولا لغيرهم الحق في منعنا من التعليق على الاحكام”.والمستشار محمود الخضيري رئيس نادي قضاة الاسكندرية السابق: “قال لا يمكن اخفاء شيء سواء بالنسبة لاسباب الاحكام او الادلة والقرائن التي يمكن تناولها في التعليق على الاحكام من خلال المتخصصين ، وهذا الامر يجعل القضاة انفسهم يضعون نصب اعينهم مدى موضوعية الاحكام “. وبرى هذا الراى ان التعليق على الاحكام القضائية في وسائل الاعلام يجعل منها منتدى اوسع يطلع فيه رجال القضاء وغيرهم على خبرات ومهارات بعضهم البعض ويرفع من مستوى دراية الشعب بالقانون مما يساهم في سيادة انماط افضل للتقاضي حيث تتداخل خبرات الاجيال مع بعضها البعض ونبلغ الدرجة القصوى من الشفافية التي تؤدي لمنع ضبابية الرؤية والحديث عن الاحكام وعن القضايا يوسع افق تفكير المواطنين .وعلى حد قول البعض كيف اكون واحدا ممن تصدر الاحكام باسمهم ولا يحق لي التعليق على شيء يصدر باسمي أو بصفتي واحدا من هذا الشعب الذي تصدر الحكام باسمه .

ففي امريكا هناك نظام المحلفين مجموعة من الشعب ناس عاديين ليسوا قضاة هم من يصدروا الاحكام ويقوم القاضي بتنفيذ ما يصلوا اليه من قرارات والاحكام ليست تنزيلا الهيا فهي موضع البشر وكل ما هو بشري ناقص ويمكن الحديث عنه وعدم الكمال هو ما يجعلنا بشر لا نسمو لمرحلة الالهة لان كل بني ادم خطاء وكل خطاء يجوز بل يجب نقده فهي احكام في الاول وفي الاخر قرارات بشرية تحتمل الصواب وتحتمل الخطأ واليس تعدد مراحل القضاة اعتراف صريح بان السادة القضاة ليسوا معصومين من الخطأ ؟ والا فما الداعي للاستئناف والنقض . وفى هذا حدد المجلس الدستوري الفرنسي بعض هذا النتائج بقوله ان تدخل المشرع لتنظيم ممارسة حرية الصحافة لا يجوز ان يكون الا بهدف جعل هذه الحرية اكثر فعالية او للتوفيق بينها وبن المبادىء الدستورية الاخرى .(دكتور:شريف سيد كامل/جرائم النشر فى القانون المصرى)

ومن جهه خامسة، فان النصوص التشريعية التي تفرض قيودا على حرية الصحافة تخضع لرقابة القضاء الدستوري ، وفي هذا المعنى قالت المحكمة الدستورية العليا المصرية في حكم لها صدر في اول فبراير سنة 1997 ” ان تجريم افعال تتصل بالمهام التي تقوم الصحافة عليها وفقاً للدستور – ولو بطريق غير مباشر – انما يثير من وجهة نظر مبدئية الشبهة حول دستوريها ، ويستنهض ولاية هذه المحكمة في مباشرتها لرقابتها القضائية التي تفصل على هداها فيما اذا كان الفعل المؤثم قانوناً في نطاق جرائم النشر، ينال من الدائرة التي لا تتنفس حرية التعبير الا من خلالها ، فلا يكون الا محددا لها ، متضمنا عدوانا عليها ام يعتبر مجرد تنظيم لتداول هذا الاراء بما يحول دون اضراراها بمصلحة حيوية لها اعتبارها ، وبالاضافة الى ذلك “، يؤكد الفقه على ضرورة ان يتم تفسير هذه النصوص ( اي النصوص التشريعية التي تفرض قيوداً على حرية الصحافة وحرية الراي ) تفسيرا ضيقاً. (دكتور شريف سيد كامل:المرجع السابق).

فقد اكدت المحكمة الدستورية العليا المصرية ايضا:” ان الطريق الى السلامة القومية انما يكمن في ضمان الفرص المتكافئة للحوار المفتوح .اذ لا يجوز لاحد ان يفرض على غيره حكما ، ولو كان معززا بالقانون ، لان حوار القوة اهدار لسطان العقل والحرية والابداع والخيال ، وهو في كل حال يولد رهبة تحول بين المواطن والتعبير عن ارائه، مما يعزز الرغبة في قمعها ، ويكرس عدوان السلطة العامة المناوئة لها ، مما يهدد في النهاية امن الوطن واستقراره ، كما اكدت المحكمة الدستورية العليا ان الدستور كفل للصحافة حريتها ، متوخيا دوما ان يكرس بها قيما جوهرية ، يتصدرها ان يكون الحوار بديلا عن القهر والتسلط ، ونافذة لاطلال المواطنين على الحقائق التي لا يجوز حجبها عنهم، ومدخلا لتعميق معلوماتهم ، وان الصحافة تكفل للمواطن دورا فاعلا ، وعلى الاخص من خلال الفرص التي تتيحها له للتعبير عن الاراء التي يؤمن بها ، ويحقق بها تكامل شخصيته ، فلا يكون سلبيا منكفئا وراء جدران مغلقة او مطاردا بالفزع من باس السلطة وعدوانيتها ” .

ويخاف هذا الراى ان يصيب ابو العلاء المعري حين قال : “ان اس البلاء الفكري هو ان يجتمع السيف والرأي الذي لا ارى غيره في يد واحدة فاذا تلا عليك صاحب السيف باطلة زاعماً انه هو وحده الصواب فماذا انت صانع الا ان تقول له نعم انت صاغر”.
ومن جهه سادسة، يستند هذا الراى الى القانون المقارن فى شروط صحة النشر لصحة ادعائه: فقد نص قانون اصول المحاكمات الجزائية الفرنسي في المادة (208) منه على ان الاحكام المتعلقة بتسجيل ونشر المحاكمات ، وهذا ما اشارت اليه المادة (310) من قانون التحقيق الجزائي الفرنسي، كما نصت المادة (1162) من قانون اصول المحاكمات الفرنسي على حرية الاستعلام عن المرافعات في الصحف وحرية نشر الاحكام . اما شروط صحة النشر فهي :

1- ان يكون الملخص الصحفي حقيقيا : بمعنى ان يكون مشتملا على الوقائع والمرافعات التي تمت في المحاكمة دون مناصرة رأي على آخر ، اما اذا تضمن الملخص الصحفي نشرا للتهم المنسوبة للمتهم واقوال الشهود وادلة الإثبات ومرافعات النيابة العامة ومرافعات دفاع المتهم فإن الملخص يعد حقيقيا .

2- يجب ان يكون الملخص الصحفي وافيا : اي ان ينقل الصحفي المضمون الحقيقي للمناقشات والمرافعات التي تمت في الجلسة ، وهذا مقصور على اجراءات المحاكمة ولا يمتد الى التحقيقات الاولية والادارية ، لانها ليست علانية ، وان من ينشر ذلك يتعرض للمسؤولية الجنائية ، وعليه فإن الملخص المنشور يجب ان يكون وافيا ولو كان جزئيا ، ولا يشترط ان يكون تفصيليا ، بينما يرى بعضهم ان النشر يجب ان يتفق مع القانون ولا عبرة بالملخص او التعليق اذا نشر الخبر مستقلا وكان متفقا مع القانون . (دكتور:حسن عبد الله، حرية الصحافة دراسة مقارنة فى القانونين المصرى والفرنسى، رسالة دكتوراه ،جامعة عين شمس،1997م)ونتفق مع الرأي الثاني ؛ اذ ان العبرة في التوافق بين ما ينشره الصحفي وأحكام القانون التي تنظم كيفية ممارسة هذا الحق بحيث تقرر المسؤولية الجنائية للصحفي متى كان نشره للخبر يتنافى مع احكام القانون مما يسبب ضررا للاخرين او للمصلحة العامة المستشار/وجدى عبد الصمد،استقلال القضاء، بحث فى مجلة القضاء ، العددان الثالث والرابع، مارس وابرايل ،1986 دار وائل للنشر والتوزيع، الاردن،ص130).

3- يجب ان يتوافر حسن النية لدى الصحفي : ان نشر الملخص الصحفي يجب ان يكون بحسن نية وليس بسوء نية ، ويستدل على هذه الاخيرة في النشر حينما يورد الصحفي عبارات لا وجود لها في المناقشات التي تمت بالجلسة ، وتنص المادة “16” من اللائحة التنفيذية لقانون سلطة الصحافة الفرنسي على انه ( مع عدم الإخلال بحق الصحفي في التعليق وإبداء الرأي من وجهة النظر العامة يجب نشر البيانات الصادرة عن النيابة العامة ومنطوق الأحكام والقرارات التي تصدرها السلطات القضائية المختصة بالأمور والقضايا التي تناولها النشر الصحفي أثناء التحقيق أو المحاكمة مع موجز كافٍ للأسباب التي تقام عليها وذلك اذا تقرر الحفظ او البراءة ) .ويجب ايضا عدم تمجيد الجريمة او المجرمين من خلال النشر الصحفي المتعلق بأخبار الجريمة وأسماء وصور المحكوم عليهم او المتهمين الأحداث حتى يتمكنوا من العودة الى المجتمع ، وقد قصد المشرع من ذلك الموازنة بين حرية الصحفي بالمجتمع وحق المجتمع في الإعلام دون تأثير النشر على سير الدعوى في مرحلة التحقيق او المحاكمة .
اما عن التقاط الصور الفوتوغرافية للمتهمين وهم داخل المحكمة او لهيئة المحكمة او الشهود او السماح للتلفزيون بتصوير مشاهد من الجلسة او إذاعة التسجيلات للمحاكمة ، فإن مشكلة ذلك تكمن فيما اذا كانت هذه الاجراءات تتفق مع مبدأ العلانية من عدمه وقد حلت هذه المشكلة المادة (38) من قانون (29) يوليو (1881) والمعدلة بالقانون الصادر في (2) فبراير 1982 حيث حظرت استعمال أي جهاز تسجيل او نقل ما يدور داخل قاعة المحاكمة أو التقاط صور فوتوغرافية من داخل قاعة المحاكمة عند افتتاح الجلسة ، ومع ذلك فإن لرئيس المحكمة أن يسمح بالتقاط الصور قبل بدء المناقشات شريطة موافقة الخصوم أو ممثليهم او النيابة العامة .
وقد نصت المادة (90) من قانون الاجراءات الجنائية الفرنسي على شروط خاصة ومحددة لتسجيل وتصوير المرافعات ، فقد اشترطت المادة (92) ان لا تسبب هذه الاجهزة إزعاجا للعدالة ، وتعكر صفو الهدوء او اعطاء صفة سيئة او دعاية للمجرمين.
كما اكدت المادة (93) حظر استعمال اجهزة التسجيل الصوتي أو التصوير بالكاميرا او التلفزيون أو السينما في قاعة المحكمة سواء الإدارية أو القضائية أثناء المرافعات ، كذلك حظرت التصوير الفوتوغرافي إلا إذا كان بإذن استثنائي وفي حالات خاصة .
ويسمح قانون (11) يوليو 1985 في فرنسا بإجراء تسجيلات لبعض وقائع الجلسة او جميعها ، شريطة ألا تذاع أو تنشر هذه التسجيلات ؛ لان الغرض من ذلك إعداد ملفات مرئية للقضاء للرجوع اليها عند الحاجة كما نصت على ذلك المادة (106) والمادة (109) من قانون الاجراءات الفرنسي .كما نصت المادة (98) من ذات القانون على ان لرئيس المحكمة إعطاء إذن بتصوير قاعة المحكمة قبل المرافعات شريطة موافقة جميع الاطراف ولكن يجب التوقف والخروج لحظة انعقاد الجلسة .(دكتور:فتحى توفيق الفاعورى/المرجع السابق).وبعد استعراض حجج انصار الفريق الاول المؤيد لحرية الاعلام وتدخله فى الشان القضائى ، يلزمنا تناول انصار الفريق الثانى المعارض لتدخل الاعلام فى الشان القضائى.

وبذلك ننتقل الى عرض وجهة نظر المعارضين لتدخل الإعلام في الشأن القضائي وحججهم في هذا الشأن :-فقد عرضها ولخصها المستشار سري صيام رئيس مجلس القضاء الأعلى المصري في مؤتمره الصحفي فى اوخر عام 2010 الرؤية القانونية للعلاقة بين القضاء والاعلام وقد اكد على أنه لا يبتدع مبدأ او يختلق قانوناً . وان ما تحدث بشأنه في بيانه يعود الى نصوص قانونية مستقرة ،وانه ينبغي ضمان عدم توجيه الرأي العام تجاه الاحكام قبل ان تصدر من خلال التغطيات غير المتوازنة ،لان الناس تكون وجهات نظر حين تستمع الى دفاعات واسانيد طرف دون طرف ، ومن ثم يعتقدون ان الاحكام قد جانبها الصواب ، وان على الصحافة لكي تضمن الحيادية ان تنقل كل المطروح في المحكمة فلا تبرىء متهما يفترض فيه البراءة قبل ان يصدر الحكم . ولا تدينه قبل قرار المحكمة ،وليس عليها ان تنشر التحقيقات الجارية في النيابة العامةلانها بحكم القانون سرية ، كما انه ليس على احد ان يسجل مقطعاً من المحاكمة بأي وسيلة والا فان عليه ان يذيعها كلها كاملة دون نقصان . هذا رأي سيادته ولسلطة القضاء كل الحق في ان تضع الضوابط التي تريدها والتي تراها ،خصوصاً اذا كان هذا قانونياً فعلا ، وخصوصاً اذا كانت تعمل من اجل صالح المتهمين ” الابرياء في الاصل ” قبل صدور الاحكام ،ولا سيما اذا كان هدفها هو صون استقلال القضاء من صخب الاعلام (الاستاذ/ عبد الله كمال :تعارض مصالح بين الصحافة والقضاء) .

ويمكن رد حجج هذا الفريق الى ما هو اتى:
من جهه اولى، كما ذكر القاضي احمد مكي ، نائب رئيس محكمة النقض إن تصوير وبث وتسجيل وقائع المحاكمة بالكاميرات التلفزيونية يحول جلسة المحاكمة ل” مسرحية ” يقوم بأدوار التمثيل فيها الشهود والمحامون والمتهمون ، وقد تؤثر على القاضي نفسه ، مؤكدا أن المنع لا يتعلق بحقوق المتهم والمجني عليه ، بل بإجراءات سير العدالة .واوضح مكي ان منع التصوير داخل المحاكم نظام عالمي ودولي ، حيث ان وجود كاميرات تلفزيونية داخل جلسة المحاكمة يحول الشهود والمحامين الى ممثلين ، ويؤثر على جلسات المحاكمة مستشهدا بوقائع جلسات محاكمة قاتل شهيدة الحجاب مروة الشربيني في دريسدن بالمانيا ، ونظام المحاكم المعمول به في امريكا وانجلترا .وبذلك فانها تحول المحاكمة الى ما يشبه المسرح على الرغم من أن هذا المكان له قدسيته ويعد محراباً للعدالة .
ومن جهه ثانية،ان طبيعة عمل ووظيفة القضاة تفرض على رجال القضاة تفضيل التكتم والسرية ضماناً لحسن سير العدالة ، وعدم التأثير على الرأي العام أو النيل من سمعة القاضي وصورته وهيبته .
ومن جهة ثالثة،ان هناك تجاوزات قد ترتكبها وسائل الاعلام والتي مست صميم وجوهر مهنة القضاء ، تلك التجاوزات التي لا تستند الى اي اساس معرفي او مهني أو التزام اخلاقي ، فالاعلامين اصبحوا منشغلين بأمور تعد من صميم عمل القاضي فيما يتجاهلون الجوانب الاخرى للقضايا وعلى الاخص الابعاد الاجتماعية – الثقافية . ومن هنا جاءت معاناة القضاة من الصخب الاعلامي وتداعياته السلبية على الاحكام القضائية ، اذ لا يمنح للقاضي فرصة التفرغ النفسي والذهني وتحقيق التوازن العادل في صياغة الاحكام قبل اصدارها . فالصحافة والاعلام المرئي لا يلتزمان بالاصول المهنية والاخلاقية في تغطية ومتابعة القضايا المنظورة امام القضاء ، اذ سقط من اهتمام الاعلاميين الحد الفاصل بين الابعاد المهنية التي ترتبط بدور القاضي وبين الابعاد السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية للقضايا. والواقع ان هذا التداخل دائماً ما تكون ضحيته العدالة والوعي الجمعي ، خصوصاً عندما يشكك الاعلام في نزاهة القضاء بدون دليل ، واحيانا ً يمارس الارهاب المعنوي ضد القاضي ، واحياناً يؤلب الرأي العام ويحرفه في اتجاه خاطىء لا يخدم العدالة وينطبق ذلك على القضايا المنظورة امام القضاء بصورة خاصة (الدكتورة/عواطف عبد الرحمن :المرجع السابق).
من جهه رابعة، اكد هذا الفريق ان حرص وسائل الاعلام على نقل احداث ما يدور في جلسات المحاكمة وكذلك اجراء تسجيلات والتقاط صور للمتهمين والشهود والقضاة بدعوى علانية المحاكمة . لما كانت هذه الاحداث قد تؤثر على حسن سير اجراءات المحاكمة من جهة ، وعلى مصالح المتهمين وغيرهم من جهة اخرى ، فقد اتجهت التشريعات المتقدمة الى تنظيم هذه المسألة . ذلك ان علانية الجلسة ليس مقصودا بها على الاطلاق ان من حق الجمهور ان تنقل اليه في بيته او في مكتبه ما يدور في جلسات المحاكمات ، وتطبيقاً لذلك قضت المحكمة الاتحادية في سويسرا بأن الاشخاص الغائبين عن قاعة جلسة المحاكمة لا يمكنهم ان يتمسكوا بمبدا علانية المحاكمة ، ومن جهة اخرى فان التقاط صور للمتهمين او الشهود او القضاة لا صلة له بمبدأ علانية الجلسات ، ذلك ان المقصود هو علانية اجراءات المحاكمة من سماع شهادة الشهود ومناقشتهم وكذلك الخبراء ، وسماع مرافعات الاتهام والدفاع . اما التقاط الصور فهي مسألة ادارة الجلسة وهي منوطة برئيس الجلسة (دكتور/ عبد الرءوف مهدى:شرح القواعد العامة للاجراءات الجنائية،دار النهضة العربية،ص 1284). ويرى جانب من الفقه ان النشر في الصحافة قد يؤثر على سير الدعوى إذا قامت الصحف بنشر الوقائع اقل مما كانت عليه في الجلسة مما يؤثر على العدالة وعلى الشهود وبالتالي قد يؤثر في ضمير القضاة وحكمهم .وان علانية جلسات المحاكمة لا تعني بث او تسجيل وقائعها او تصوير المتهمين فيها وان التسجيل وتصوير المتهمين يتناقض مع اصل البراءة في المتهم ، ويؤثر على الرأي العام .ويؤكد الدكتور عاطف البنا استاذ القانون الدستوري بجامعة القاهرة ، ان منع التصوير داخل المحاكم لا يتعارض مع علانية جلسات المحاكم التي ينص عليها الدستور ، فالمحاكمة علنية الا اذا قررت المحكمة في قضايا خاصة ان تجعلها سرية مثل قضايا الاحداث ، او مراعاة للنظام العام او الاداب ، وفي جميع الاحوال يكون النطق بالحكم في جلسة علنية .

ولقد استقرت الاعراف القانونية في الولايات المتحدة وفي القضاء الامريكي على منع التصوير داخل قاعات المحاكم ،و اكتفى القضاء بالسماح بدخول فنان تشكيلي يقوم برسم وجوه الحاضرين في الجلسات ،هذه هي الحماية المطلوبة للمتهمين في مرحلة الاتهام . المتهم يجب حمايته هو واسرته خلال مرحلة التحقيق لا يمكن الكشف عن اسماء المتهمين او صورهم طوال فترات المحاكمة وإلا يعد ذلك انتهاكا لحقوقهم .قد يصدر حكم في نهاية مراحل التقاضي ببراءة المتهم كيف يمكن رد الاعتبار له ؟كيف يمكن رد سمعته التي تم اهدارها بنشر تفاصيل القضية ؟هل يمكن نشر البراءة بنفس المساحات التي تمت خلالها تغطية القضية ؟في الدول المتقدمة ديمقراطيا لا يسمحون لكاميرا أو مذيع بدخول الجلسات ، ولا يسمحون بنشر صور المتهمين ويكتفون بصور توضيحية ، ولا يقبلون نشر تفاصيل القضايا على النحو الذي يهدد سير العدالة ويؤثر على الرأي العام .والا تحول الامر من ” علنية المحاكمة ” الى ” علانية على حساب المحاكمة “(الاستاذ/جمال زايدة:منع تصوير المحاكمات).

والعلانية المطلوبة والتي لا تتعارض مع عمل المحكمة هي ان يسمح للجميع بحضور المحاكمات ومتابعتها ومنهم الصحفيون والاعلاميون وهو امر مكفول ومسموح ولا خلاف عليه ، ولكن من غير المنطقي وبحجة العلانية ان تتحول قاعة المحكمة مع ذلك الى بلاتوه سينمائي يشبه نقل مباريات كرة القدم على الهواء(المستشار/اشرف البارودى:علانية المحاكمة ضمانة للرقابية الشعبية) .
ومن جهة خامسة، فإن اصل البراءة الذي يتمتع به كل متهم حتى يصدر ضده حكم بات ، يجعل له الحق في الا تلتقط له أية صورة في وضع يجعله محل ازدراء الاخرين أو حتى شكوكهم ، واصل البراءة يرتفع الى مصاف المبادىء الدستورية ، فقد نص عليه كافة الدساتير ،ومنها القانون الاساسى الفلسطينى لسنة 2003 وتعديلاته فى المادة ( 14)،و الدستور المصري ( المادة 67 ) ” المتهم بريء حتى تثبتى ادانته في محاكمة قانونية تكفل له فيها ضمانات الدفاع عن نفسه ” . وكذلك الاعلانات العالمية لحقوق الانسان . وفي مصر قضت المحكمة الدستورية العليا بأن ” اصل البراءة يلازم الفرد دوماً ولا يزايله سواء في مرحلة ما قبل المحاكمة او اثناءها وعلى امتداد حلقاتها ، ومؤدي ذلك امتناع دحض أصل البراءة بغير ادلة جازمة لاثبات التهمة واستقرار حقيقتها بحكم صار باتا “. (دكتور/ عبد الرءوف مهدى:المرجع السابق، ص1285).

ولحماية لقرينة البراءة من حظر النشر الاعلامي صدر في 15 يونيو سنة 2000 في فرنسا قانون حول قرينة البراءة وبمقتضاه اضيفت مادة تمهيدية لقانون الاجراءات الجنائية الفرنسي تؤكد على قرينة البراءة ، وضمانات المحاكمة العادلة ، وبناء على ذلك حظر نشر أي تعليق باستفتاء حول ادانة شخص اثناء محاكمة جنائية او مدنية ، واسست محكمة النقض الفرنسية قضائها بادانة صحفي على مخالفة سرية التحقيق حكما في 19 يونيو سنة 2001 وقضائها بادانة اعلامي نشر في التلفزيون تقريرا يفيد القطع بادانة المتهم حكما في 20 يونيو سنة 2002 على ان ذلك يعتبر مساسا بقرينة البراءة واستقر قضاء محكمة النقض الفرنسية بعدم وقوع جريمة التاثير في القضاء لمجرد النشر العلني تعليقا قبل صدور حكم نهائي في الدعوى ما دام التعليق لا يهدف الى ممارسة ضغط على اقوال الشهود او قرار سلطة التحقيق او الحكم والواقع انه لا يحق لصحفي او اعلامي ايا كان ان يملك دور القاضي لتوجيه سير المحاكمة ، فالاعلامي الذي يسعى الى جذب انظار اكبر عدد من الجمهور القراء او المشاهدين يعتمد على معلوماته الشخصية بخلاف القاضي الذي يمتنع عليه الحكم بناء على هذه المعلومات ، بل يتعين عليه التقيد بما جاء في اوراق الدعوى بعد اتاحة مناقشتها امام الخصوم في مرافعة شفوية ، واذا كانت اثارة العواطف واستخدام المانشتات اللافتة للنظر هي افضل وسيلة لجذب اهتمام القراء او المشاهدين ، فان ذلك ليس هو الشأن في المحاكمات الجنائية ، واذا كان من غير المطلوب من وسائل الاعلام ان تمحص ما تعرضه من وقائع او ان تعرض اسبابها بالعقل والمنطق .(الدكتور احمد فتحى سرور:الاعلام والقضاء) .

ومن جهه سادسة، ان من أخطر ما يتعرض له استقلال القاضي تعرضه لتأثيرات الرأي العام . فهناك من القضايا الجنائية ما يطلق عليها قضايا الرأي العام . ويقصد بالرأي العام شعور يسود جماعة معينة يشعر افرادها بأنه يربطهم معاً . ووسائل الاعلام من اهم الوسائل المؤثرة في الرأي العام سواء كانت صحافة او اذاعة مسموعة او مرئية . ومن هنا تبدو خطورة تأثير وسائل الاعلام على الرأي العام بصدد دعوى منظورة امام القضاء . فمعظم الذين يتعرضون لتأثير وسائل الاعلام يكونون رأياً عاماً سواء ضد مرتكب الجريمة او بالتعاطف معه ،وحتى لمجرد البحث عن شخص يدفع ثمن الجريمة وتعمد الصحافة احياناً الى اثارة العواطف المضللة وكل هذا ينال من استقلال القاضي في حكمه ، اذ يباشر هذا الرأي العام تأثيراً على القاضي فيفقد كل او بعض استقلاله حين يصدر حكمه فيجد القاضي نفسه محرجاً في الحكم بما يخالف ما هيأت الصحف الرأي العام له ، فيأتي هذا الحكم اذا فقد القاضي استقلاله غير معبر عن كلمة الحق وانما معبراً عن ارضاء الرأي العام فقط ان بالحق وان بالباطل . ذلك ان حكم الرأي العام لا يأتي نتيجة العلم بتفاصيل القضية المعروضة على القضاء او الاقتناع بأدلتها ، وانما يجىء نتيجة العاطفة التي تنتشر بين الناس بسرعة فائقة ، فيكون هذا الحكم في غالب الامور منطويا على خطأ او قسوة مبالغ فيها . فعلى حد تعبير قاضي القضاة الاسبق المستشار/وجدى عبد الصمد :” الذين ينذرون انفسهم للقضاء يجب ان يكونوا على يقين من ان القاضي لن يفوز بتصفيق الجماهير الا مقابل الاخلال بشطر عظيم من واجباته ، يجب عليهم ان لا يأبهوا برضى الجماهير او عدم رضاها ، وان يقنعوا بالكفاف من رضى ضمائرهم ” المستشار/وجدى عبد الصمد،استقلال القضاء، بحث فى مجلة القضاء ، العددان الثالث والرابع، مارس وابرايل ،1986 . فالرأي العام يصدر في الواقع احكاماً تعرض جانباً من جوانب القضية ، فيخل ذلك اخلالاً خطيراً بالعدالة (دكتور/ عبد الرءوف مهدى:شرح القواعد العامة للاجراءات الجنائية،1022 ).

من جهه سابعة:- ان الاعتداء على سلطة القضاء ورجاله – تحت اي شعار أو التدخل في شئون وانتهاك حرماته او اضعافه – هو نذير شؤم على الافراد والبلاد – كما ان تشويه سمعة القضاء والنيل من رجاله او احكامه وانتقادها او الادعاء بانه يمارس ولاية غير منوطة به او اية تجاوز لولايته – ليس من حق احد ايا كان موقعه وايا كان قدره ، فليس لاحد ان ينتزع من القاضي سلطته او ان يجلس في مقعده – كما الفهم الحقيقي لدور القضاء في اي دولة متحضرة يوصي بضرورة الحفاظ على استقلاله واحترام احكامه .وان العدالة القضائية في اي نظام لا تخضع ولا تتقيد بأمور السياسة او ما يسمى بالمواءات السياسية التي يترتب عليها الافتئات على الحقوق والحريات – كما انها لا تتلون بتلون السياسة وهي صمام امن المجتمع وسبيل لاستقراره . وان السبيل الوحيد للطعن على الاحكام هو ما رسمه القانون والتي ليس من بينها الآراء الصحفية او الفلسفية (المستشار/فهيم درويش:بين الصحافة والقضاء).

ومن جهه ثامنة ، ان التدخل الاعلامى يودى الى التاثير في مكافحة الجريمة وضبط الجناة وتعطيل العدالة : وهو ما يتطلب ان يكون كاتب التعليق امينا في عرضه، ولو كان من وجهة النظر الشخصية لصاحبه ، وان يكون كاتبه حريصا حسن النية في بيان مضمون الحكم واسانيده دون مسخ او تشويه ، ان التعليق الامين الحريص لصاحبه من شأنه ان يثري الحوار القانوني حول الاسس التي بنيت عليها الاحكام القضائية ، وصولا الى اثراء العلم القانوني وهذا بخلاف التعليق الساخر الذي يهدف الى هز الثقة في القضاء ، والذي يبدو في تغيب الحكم بسبب امور ترجع الى شخص القاضي او تمس اعتباره او نزاهته .(الدكتور احمد فتحى سرور:الاعلام والقضاء) . ولا اظن ان تناول اجراءات المحاكمة بالنقد والفحص والتشكيك هو امر في صالح العدالة كذلك ، ولا يصح ان تنطبق نظرية المؤامرة في كل مرة ترى المحكمة فيها تاجيل نظر الدعوى أو حجزها للحكم او الحكم فيها ، وفيما عدا ذلك فالتعليق على الاحكام مكفول فقط بعد ان تصبح نهائية باتة ، بل هو في الحقيقة واجب وخصوصا على خبراء القانون وفقهائه ، وتحفل كتب الفقه القانوني بالنقد والتقييم للجوانب الفنية للاحكام وتقدير اتجاهات محكمة النقض او التمييز فيما ترسيه من مبادئ قانونية ، وكلها امور تصب اخر الامر في خدمة العدالة لا ضدها (المستشار/اشرف البارودى:علانية المحاكمة ضمانة للرقابية الشعبية ). وعليه يلزم البحث عن معيار موضوعي متوازن ، يفرق بين التعليق على الاحكام ، وهو مرفوض ، وبين دراستها والاستفادة منها ، وهو مطلوب (المستشار/محمود العطار:القضاء والصحافة فى مصر وامريكا).

ومن جهه تاسعة، انه تم تجريم والعقاب على التاثير في القضاء فى كافة التشريعات المقارنة، والواضح من هذه الجرائم انها تنطوي على حماية جنائية لحسن سير العدالة ، اذ يمتد التجريم الى كل ما يمس ذلك سواء كان فعل التأثير موجها الى القاضي او الى المحقق او الى الشاهد او الى الرأي العام ، ويرجع العقاب على التأثير في الرأي العام ، لانه يتكون من التحقيقات او المحاكمات الصحفية أو التلفزيونية التي يديرها الاعلام بصدد قضية معينة مطروحة على قضاء الحكم او التحقيق ، فهذه المحاكمات ، وما يتعلق بها من قيام الاعلاميين باجراء تحقيق مواز للواقعة والانتقال الى مكانها ، وسؤال الشهود او غيرهم على نحو معين لايجاد انطباع معين لدى الرأي العام ، كل ذلك يولد تأثيرا سلبيا على القضاء بايجاد ضغط من الرأي العام على القضاء مما يؤثر في استقلاله وحياده ، او بإضعاف ثقة الرأي العام في القضاء اذا ما جاء حكمه مغايرا للانطباع الذي احدثه التحقيق الصحفي او المحاكمة الصحفية .

وقداكدت القوانين العربية والمقارنةعلى حظر النشر فى امور معينة:حيث نجد إن نشر وثائق الإجراءات القضائية يعد محظورا وفقا للمادة (38) من قانون الصحافة الفرنسى الصادر سنة 1881 ، ولا عبرة في وسيلة النشر سواء أتم ذلك عن طريق الصحف أم الإذاعة أم بلصق الإعلانات أم بأي وسيلة أخرى من وسائل العلانية ، وان الهدف من الحظر هو حماية سير العدالة من تأثير الرأي العام ، والحظر المقصود به هنا هو يشمل أخبار الجرائم التي تسارع وسائل الإعلام الى نشر معلومات عن الجريمة أو المتهمين أو المجني عليهم وصفاتهم وسوابقهم ، كما يشمل أيضا أقوال الخصوم والشهود ويمتد هذا الحظر الى مرحلة التحقيق بالإضافة الى مرحلة المحاكمة ويرى جانب من الفقه أن هذا الحظر لا يشمل أخبار الجرائم على اساس ان الجريمة واقعة عامة ويجب العلم بها من الكافة .
ويرى جانب آخر من الفقه ان نشر وقائع من الجريمة قد يؤدي الى معرفة الجناة الحقيقيين لأبعاد الجريمة وإجراءاتها ، وبالتالي يحاولون الهرب من وجه العدالة .

ونؤيد الرأي الاول ذلك ان نشر أخبار الجرائم بصفة عامة يجلب الطمأنينة للرأي العام الذي علم بارتكاب الجريمة ، وقد يساعد ذلك على اعطاء معلومات من قبل المواطنين الذين علموا بالجريمة مما يؤدي الى القاء القبض على الفاعلين ، اما عن نشر صور المتهمين فإن المشروع الفرنسي حظر نشر الصور الخاصة بجرائم الاحداث بقصد المحافظة عليهم من الفساد وإبعاد الآثار السيئة التي تنتج عن النشر ومنعا للتقليد من قبل الاخرين .
كما لا يجوز للصحافة الفرنسية ان تنشر ملخصا لبعض الدعاوي الخاصة بالقذف وذلك طبقا للمادة (39) من القانون الصادر في (29) يوليو سنة 1981 وكذلك حظر نشر الامور المتعلقة بالحياة الخاصة ، كما حظرت المادة (42) من المادة (3) نشر الامور التالية:
1- نشر محاضر الاجراءات الجنائية قبل الجلسة العلانية
2- نشر محاضر مناقشات محاكمة الاحداث .
3- نشر محاضر جلسات المداولات الداخلية للمحلفين والمحكمة .
4- نشر محاضر دعاوي القذف والاجهاض ودعاوي الاعتراف بالنبوة .
5- نشر صور تهدف نقل كل أو جزء من ظروف احدى الجنايات او الجنح المنصوص عليها في الاقسام 1،2،3،4 في الفصل الاول من الباب الثاني من الكتاب الثالث من قانون العقوبات كأحوال نشر صور القتل والجروح والاعتداء على الاخلاق.(دكتور:فتحى توفيق الفاعورى/المرجع السابق).

وعموما فيمكننا ان نشير الى اربع جرائم جنائية نص عليها قانون العقوبات الاردنى والمصري وتكون العقوبة فيها الحبس والغرامة وهي تقع بواسطة وسائل النشروهى:
1- من نشر امورا من شأنها التأثير في القضاء الذين يناط بهم الفصل في دعوى مطروحة امام القضاء او التاثير الشهود او في التحقيق او التاثير في الراي العام لمصلحة طرف في الدعوى او التحقيق او ضده .
2- من اخل بمقام قاض او هيبته او سلطته ومن أهان المحاكم .
3- من ينشر ما جرى في الدعاوي المدنية او الجنائية التي قررت المحاكم سماعها في جلسة سرية .
4- من ينشر ما جرى في المداولات السرية بالمحاكم ، او ينشر بغير امانة ما جرى في الجلسات العلنية (المستشار/محمود العطار:القضاء والصحافة فى مصر وامريكا).
اخيرا،لا شك ان هناك مسئولية مشتركة تقع على عاتق كل من الاعلاميين والقضاة من اجل السعي لتحقيق الاستقلال الفعلي للقضاء

وبعد تناولنا اراء وحجج الفريقين بين مؤيد ومعارض بشان التدخل الاعلامى فى الشان القضائى،وتجردنا من هذا التحليل والذي يبدو فيه التعارض الظاهري ، وانتقلنا الى مستوى اعلى لوجدنا قيمتين أساسيتين هما قيمة الحرية لدى الاعلاميين ، وقيمة العدل لدى القضاة وهما اغلى ما يمكن أن يعتز بهما المجتمع ، ولا يمكن تصور او وجود تعارض او تصادم بينهما ، مما يفرض أكبر درجة ممكنة من التفاهم والتعاون والتآزر والاحترام بين الجانبين ، وهما قيمتين متلازمتان ومتكاملتان .
فمن البديهى انه لا يمكن تناول قضية العلاقة بين الاعلام والقضاء بمعزل عن السياق المجتمعي الراهن الذي يزخر بكم هائل من التناقضات الناتجة عن صراع المصالح وتزامن القديم والجديد والوافد والموروث دون تفاعل حقيقي ، حيث تهيمن ايديولوجية السوق برموزها الاستهلاكية على مجمل الواقع المجتمعي وفي قلبه الاعلام والقضاء .وفي ضوء ذلك تبرز امامنا مجموعة من الحقائق نوجزها على النحو التالي : الحقيقة الاولى : الارتباط العضوي بين كل من المدرستين القانونية والاعلامية فهما توأمان يكمل كل منهما الاخر في الاهداف والغايات ويختلفان في الوظائف والاليات ، فالمدرسة القانونية تشرع وتضع القوانين وتصدر الاحكام ، والمدرسة الاعلامية تسعى لتشكيل الرأي العام في اطار هامش الحرية الذي تسمح به السلطة التنفيذية وتشرع له المدرسة القانونية ، وكل منهما يسهم بدور اساسي في تشكيل العقل الجمعي حول قضايا الحقوق والحريات ، فرجال القانون يقومون بارساء اسس العدالة ، والاعلاميون يقومون بتوعية الجمهور من خلال الكشف عن الفساد وسوء الادارة والظلم الاجتماعي (دكتورة/عواطف عبد الرحمن،المرجع السابق).

الحقيقة الثانية :- ان استقلال القضاء – في أي نظام سياسي ديمقراطي أوغير ديمقراطي يمثل ركنا اساسيا من اركان الدولة وجزءا من الضمير الانساني وحقا من حقوق الانسان – وذلك لتأمين العدالة وكفالة الحقوق وصون الحرمات والقضاء على القفز فوق القوانين وحماية المواطن في مواجهة السلطة وان تحقيق الاستقلال انما يدور في محورين :-
اولهما :- ان يكون القضاء سلطة من سلطات الدولة الثلاث وليس وظيفة من وظائفها ويستتبع اسباغ وصف السلطة على القضاء ان يكون محايداً ومتخصصاً .
ثانيهما :- أن يكون القضاة متحررين من اي تدخل بوعد أو وعيد أو ترهيب أو اشراف او رقابة غير متأثرين في قضائهم الا بكلمة القانون العادل والحق (المستشار/محمد فهيم درويش،المرجع السابق).
ان حرية الصحافة ليست مطلقة ، وانما يرد عليها ، كسائر الحقوق والحريات ، بعض القيود التى يتكفل الالتزام بالمقومات الاساسية للمجتمع من ناحية ، وعدم المساس بحقوق الافراد من ناحية اخرى .لذا وجب علينا التعرض الى جانب اخر للعلاقة بين الاعلام والقضاء وهى حماية المصالح الاجتماعية .فان كان للصحافة الحق في نشر الاخبار التي تهم الجمهور ايا كان نوعها ، وهي بذلك تمارس وظيفتها الاولى ومع ذلك فقد تكون هناك في بعض الاحوال ، مصلحة اجدر بالرعاية من حق الجمهور في الاعلام .

على الصحافة ان تلتزم اثناء ممارسة رسالتها بحرية باحترام الحقوق الاساسية للافراد ،و منها حق الفرد في صيانة شرفه واعتباره ، وفي احترام حرمة حياته الخاصة ، وفي هذا الصدد تنص المادة الثانية عشر من الاعلان العالمي لحقوق الانسان على ان لا يعرض احد لتدخل تعسفي في حياته الخاصة او اسرته او مسكنه او مراسلاته او لحملات على شرفه وسمعته ولكل شخص الحق في حماية القانون من مثل هذا التدخل او تلك الحملات .

و كذلك من الحقوق الفردية الاساسية التي يجب الاشارة اليها في هذا المجال ” تمتع المتهم بأصل البراءة ” ( المادة 14من القانون الاساسى الفلسطينى المعدل لسنه 2003، و11/1 من الاعلان العالمي لحقوق الانسان الصادر سنة 1948 ، والمادة 6/2 من الاتفاقية الاوروبية لحقوق الانسان وحرياته الاساسية الموقعة في روما سنة 1950 ، والمادة 14/2 من الاتفاقية الدولية للحقوق المدنية والسياسية لعام 1966 ) وقد لوحظ بحق ان قرينة البراءة ينبغي ان تحترم ، ليس فقط من قبل السلطات العامة ، سواء تمثلت في المشرع او السلطة التنفيذية او القضاة وانما ايضا من الاشخاص العاديين وبصفة خاصة الصحفيين ،ولا شك ان ذلك يقتضي عدم نشر اجراءات التحقيق الابتدائي التي تتخذ مع المتهم في الصحف او غيرها من وسائل الاعلام .

وعلى ذلك فان تجاوز الصحفي ، اوغيره ، حدود حريته مما يؤدي الى المساس بمصلحة اجتماعية او فردية يحميها القانون ، فإنه يكون مسئولا جنائياً ومدنيا ان توافرت جميع شروط المسئولية ، اي ان التجريم والعقاب ينحصر فقط في حالة اساءة استعمال الحرية (دكتور/شريف سيد كامل،المرجع السابق).

ومما هو جدير ذكره ان قضية التدخل في سير العدالة امام المحكمة من جانب الاعلام ثارت ايضا فى الولايات المتحدة الامريكية والدول المقارنة: حيث يبدو خطر هذا التاثير عند نشر الوقائع القضائية سواء قبل المحاكمة او اثناءها ، ونظرا لما تتمتع به الصحافة ووسائل الاعلام الاخرى من حرية واسعة واسعة في الولايات المتحدة الامريكية برز التناقض بين الاعلام والقضاء ، مما اثار جدلا كبيرا بين رجال القضاء والمحاماة .وفي هذا الصدد رفض بعض قضاة المحكمة العليا الامريكية اصدار امر بحظر النشر على اساس ان الحق في المحاكمة العادلة يمكن توفيره من خلال تدابير اخرى على اساس ان السرية قد تضر اكثر من العلانية ، هذا بينما سمح البعض الاخر بحظر نشر الوقائع قبل المحاكمة اذا كان من شأن النشر ان يترتب عليه الحاق ضرر وطني محتمل بسبب العلانية ، الا ان المحكمة العليا قضت بأن الامر بعدم النشر قد يصدر لحماية الخصوم من سوء استخدام ما تم اكتشافه من وقائع ، ولا يتناقض القضاء الذي اجاز عدم النشر مع قضاء المحكمة العليا الامريكية بان علانية المحاكمات الجنائية تنبع من اهتمام الجمهور برؤية تطبيق قانونهم الجنائي ، لان هذه المحكمة اجازت تقييد ضمان العلانية من اجل ضمان قيمة اعلى . وكذلك قد قضت المحكمة العليا في كندا سنة 2001 وسنة 2005 بان الامر بعدم النشر لا يجوز اتخاذه الا اذا كان ضروريا لاستبعاد خطر جسيم على حسن ادارة العدالة ، وان تكون الآثار المترتبة على هذا المنع اكثر فائدة من تلك التي اضرت بحرية التعبير ، وذهبت المحكمة الاوروبية لحقوق الانسان انه اذا كانت وسائل الاعلام ملزمة بعدم تخطي الحدود المفروضة لعدم المساس بحسن ادارة العدالة ، فان من حقها اطلاع الجمهور على المعلومات المتصلة بمسائل تعرفها المحاكم كلها ، ومن بينها ما يتعلق بالقضية المعروضة امام المحكمة . لذلك نجد ايضا المشرع الفرنسي قد نص في قانون 2 فبراير سنة 1981 الذي عدل به نص الفقرة الثالثة من المادة 38 من قانون الصحافة الصادرة في 29 يولية سنة 1881 على انه ” يحظر عند افتتاح الجلسة استعمال اي جهاز للتسجيل او نقل كلمات او صور ومع ذلك فلرئيس المحكمة ان يسمح بأخذ صور قبل بدء المناقشات بشرط ان يوافق الخصوم او ممثليهم والنيابة العامة .كما تنص المادة 308 من قانون الاجراءات الجنائية الفرنسي على انه ” يحظر عند افتتاح الجلسة استخدام اي جهاز تسجيل صوتي او اذاعة او آلة تصوير للتلفزيون او السينما او الات التصوير الفوتوغرافي.ويلاحظ ان المشرع الفرنسي لم يحظر التسجيل الاذاعي او التصوير التلفزيوني بصورة مطلقة فقد اجاز ذلك في حالتين :الاولى : بناءا على قرار رئيس المحكمة او الخصوم او ممثلهم او النيابة العامة .والثانية : امام جميع المحاكم عندما يكون الغرض اعداد ملفات مرئية للقضاء يمكن الرجوع اليها وقد نادى بعضهم بضرورة التصوير التلفزيوني والتسجيل حتى يتحقق طابع العلانية لجلسات المحاكمة ، ويتمكن الجمهور الذي لم يحضر الجلسات من مشاهدة ما جرى داخل قاعة المحاكمة.

والرأي لدينا: ان من حق وسائل الاعلام والجمهور متابعة القضايا وما يجري بشأنها اعمالا بحق المعرفة والشفافية ، ولكن دون التخطي الى التدخل السافر في سير المحاكمات ووزن ادلة الادانة والبراءة فيها ، والتي هي شأن القاضي فقط دون غيره ، وانذاك لن يكون القاضي في حاجة الى حظر النشر وحرمان وسائل الاعلام من المتابعة واشباع رغبات الجماهير الشغوفة ببعض القضايا،و لكن من حق القضاء ان يطالب الصحافة بعدم التدخل خلال التغطيات في توجيه الرأي العام ضد مواقف القضاة او منح هذا او ذاك تعاطفاً لا يستحقه او ادانة ولا تجب عليه ولا ينبغي ان يكون قضاء موازياً ، كما لا نتوقع من القضاء ان يقضي تدريجياً على هذا المكون المهم في الصحافة التي نقدمها للناس ومنها يتعلمون القيم ويعرفون كذلك ان القانون يطبق وان من يخطىء يعاقب وهذا يفيد القضاء في اقرار مسئولياته وتأكيد حضور القانون وفعاليته(الاستاذ/عبد الله كمال،المرجع السابق) .

وقد كثر الحديث حول احقية التعليق على الاحكام وتناول حيثياتها بالتفنيد ومدى شرعية ذلك ، والحق انه لا يوجد نص صريح وقاطع في هذا الشان رغم خطورته الواضحة ، ولعل اخطر ما يمكن ان ينتج عن مثل هذه التجاوزات الاعلامية هو التأثير السلبي على القضاء وكذلك الرأي العام الذي تجعله يتعرض لعمليات غسيل مخ تؤثر على مدى احترامه للقضاء وللعدالة، ومن ثم فانني اناشد المشرع الفلسطينى والعربى ان يتدخل بشكل واضح وصريح لاصدار نص قانوني يؤثم انتقاد الاحكام والتعليق عليها والحط من قدر مصدريها (المستشار/مجدى عبد الرازق ،دعوة الى اصدار قانون يجرم التعليق على الاحكام )،ولكن دون المساس بحق النقد القانونى للحكم لغايات البحث العلمى .ومانريد قوله ان اعمال القاضي القضائية ، فهي ليست بمنجاة من النقد الاعلامي او العلمي ما دام بمقياس القانون وتقاليد القضاء ، واعمالا للتوازن بين حرية الاعلام ” ومنها حرية الصحافة ” وكل الحقوق المتصلة بحسن سير العدالة ، والتي تقوم اساسا على الحق في التقاضي ، والحق في المحاكمة العادلة ، والحق في استقلال القضاء وحياده ، ومبدأ الاصل في المتهم البراءة ،وعلى المشرع ان يتكفل باقامة تناسب منطقي بين هذه الحقوق والحريات ، فلا يجوز التضحية بحسن سير العدالة حتى لا تهتز الثقة بالقضاء ، والتي يتوقف عليها احساس الناس بالامن والطمأنينة والاستقرار ، ولهذا قيل بحق ان القاضي هو الحارس الطبيعي للحريات ، كما انه في الوقت ذاته لا يجوز التضحية بحرية الاعلام ” ومنها حرية الصحافة ” باعتبارها مدخلا لكثير من الحريات واساسا من اسس الديمقراطية ، وفي هذا المعنى قضت المحكمة العليا الكندية بان العلانية يجب ان تتناسب مع حسن سير العدالة ، مما يعني ان الحد من علانية المحاكمة سلطة تقديرية للمحكمة في اختيار الوسيلة المؤدية الى حسن سير العدالة وبان تكون لها علاقة منطقية بهدف ارساء حسن سير العدالة دون مبالغة .بحيث نصل الى نقطة توازن تحفظ للمجتمع حقه في المعرفة ، وتحفظ للقضاء استقلاليته ، وتحفظ للمتهمين عدم انتهاك خصوصياتهم دون موافقتهم .

وعلى ذلك نوصى بالاقترحات التالية ، بالاضافة الى توصيات مؤتمر الاعلام والقضاء المنعقد فى كلية الاعلام بجامعة القاهرة بالتعاون مع نادى قضاة المصرى فى 2010م وهى:
1-عقد ورش عمل ودورات قانونية لجميع الاعلاميين ، بهدف الوقوف على التناول المهني الصحيح ولرفع مستوى الثقافة القانونية لديهم ، ودعا القضاة الى ضرورة انشاء لجنة اعلامية في المجلس القضائى والنيابة العامة لمتابعة ما يثار في الاعلام حول الاعمال القضائية من خلال ممثلين رسميين يقومون بالتنسيق مع جميع الجهات المعنية .
2-ان العلاقة بين الاعلام والقضاء ، يجب ان تكون تكاملية ، فمن خلالها يستطيع الاعلام نشر معلومات محايدة تتعلق بنشاط المحاكم ، فتسهم في شفافية اداء القضاء دون التاثير في مجرياته ، وهو ما يدعو الى توفير ما يسمى بالاعلام القضائي الذي يجب ان يتسم بالمعرفة الواسعة بالمعلومات القانونية والقضائية ، فالاعلام من ناحية يكشف الانحرافات ، فاذا ما عرضت علي القضاء يعمل عليها حكم القانون . وهذا التداخل في الادوار ادى الى الاشتباك ، ومن ثم الصراع ولن يفض هذا الاشتباك الا من خلال التنسيق ، بحيث يلتزم كل من الاعلام والقضاء بحدوده المهنية المتخصصة وبالياته وادواته
3-وجود مستشار قانوني متخصص في قضايا النشر في كل مؤسسة اعلامية بجميع انواعها تعرض عليه المواد الاعلامية المتعلقة بالاعمال القضائية بصفة خاصة قبل نشرها لمراجعتها تجنباً لمخالفة القانون او تعرض الاعلامي للمساءلة القانونية ، بالإضافة الى تشكيل لجنة من القضاة والاعلاميين تكون مهمتها وضع مدونة للمعايير المهنية والقانونية في معالجات الاعلام في شئون القضاء والقضاة 4-يجب عدم التوسع في قرارات حظر النشر اعمالا للاطار الصحيح لحرية الرأي والتعبير دون المساس بحقوق الغير والاصول القضائية المتعارفة عليها ،فمن المتفق عليه ان حرية الصحافة والاعلام ، وحرية الراي بصفة عامة ، تعتبر من لحريات الاساسية في العصر الحديث ، وبخاصة في الدول الديمقراطية . غير ان هذه الحريات ،كما يستفاد من المواثيق الدولية والنصوص الدستورية الوطنية التي كفلتها ، ليست مطلقة ، وانما يرد عليها بعض الضوابط التي تقتضيها حماية المصالح الاجتماعية واحترام الحقوق الفردية .

تكلم هذا المقال عن : أحمد باراك يتكلم عن اشكالية العلاقة بين القضاء والاعلام