مقال عن العلاقة بين الدين والسلوك الإجرامي

يعبر الدين Religion عن مجموعة المعتقدات التي تستمد قوتها من مصدر غيبي وتتصل بفكرة الألوهية وصفات الإله وكيفية عبادته ، وما يتفرع عن هذا من قواعد تنظم السلوك الاجتماعي للفرد [9].

وبصفة عامة يتعين الحذر حال دراسة صلة الدين بالسلوك الإجرامي. ذلك أنه يخشى أن تتأثر النتائج التي يتوصل إليها الباحث في علم الإجرام بمعتقداته الدينية الخاصة ، أو تتأثر بتعريفه الخاص للدين وما إذا كان يشمل كافة العقائد السماوي منها وغير السماوي ، أم يقتصر على نوع واحد من ذلك. كما يخشى أن يخلط الباحث في هذا المجال بين “الدين” “والديانة”. فهذه الأخيرة هي مجرد انتماء شخص إلى دين معين وممارسته شعائره دون أن يعني ذلك بالضرورة تمسك هذا الشخص بتعاليم هذا الدين. فرغم أن أداء الشعائر ركن أساسي في جميع الديانات إلا أن ذلك لا يقوم دليلاً على التدين ، الذي هو أمر باطني داخلي لا سبيل إلى تلميه وقياسه. وهكذا قد تأتي نتائج الأبحاث الإجرامية في هذا الشأن مشوبة بالقصور وعدم الدقة إذا انعقدت المقارنة بين إجرام المنتمين إلى دين معين بالمنتمين إلى دين آخر.

ويمكن بصفة عامة أن نؤكد على أن الدين ، بما يحمله من حض على مغالبة الشهوات وتهذيب الغرائز وتزكية النفوس والإعلاء من وضرورة التمسك بالقيم والمثل السامية التي منها التراحم والترابط بين البشر وحب الخير للآخرين ، يحول بين الإنسان وبين الخطيئة ، ومنها التردي في سبيل الجريمة. وهكذا يظهر الدين في صورة “المضاد الحيوي” المانع من تحريك عوامل الإجرام. لذا يخشى – على حد قول جابريل تارد – إذا ما تراجع دور الدين أن ينضب المعين الذي تستقي منه الأجيال الجديدة ما يعينها على مقاومة الميول الإجرامية [10].

 

 

 

للحصول على استشارة مجانية

تفضل الى رقم مكافحة الابتزاز

 

 

هذا الدور الوقائي للدين ينتج أثره كلما تداخلت دائرة الدين مع دائرة قانون العقوبات دون أن تتعارض الدائرتان ، بحيث يصبح هذا الأخير صورة معبرة عن ضمير المجتمع ، ويكون الباعث على الالتزام بأحكام القانون الجنائي هو التمسك بما تدعو إليه الأديان من فضائل.

غير أن هذا لا يمنع أن الدين قد يبدو في بعض حالاته عاملاً من عوامل الإجرام ، ويحدث ذلك في حالتين : الأولى حال وجود تعارض بين أحكام الدين وأحكام القانون الجنائي بصدد أمر ما ، أو حال وجود فهم خاطئ للدين يقف وراء السلوك الفردي.

فقد تنفصل قواعد الدين عن قواعد قانون العقوبات ويكون أمام الفرد قاعدتين من قواعد السلوك ، بحيث يعتبر التمسك بما تحض عليه الأديان جريمة في نظر المشرع لمخالفة الفرد قاعدة قانونية تسمو في نظره على قواعد الدين. فبعض الدول – مثل تركيا وروسيا – قد أقامت نظاماً علمانياً يفصل بين الدين والدولة ، بحيث يعتبر التمسك ببعض المظاهر الدينية (كتعدد الأزواج وفقاً لما يسمح به الدين الإسلامي مثلاً) جريمة.

وبالطبع لا يهتم الباحث في علم الإجرام بحالة التعارض بين الدين والقانون إذا ما كان القانون يبيح أمراً تحظره الأديان ، ذلك أن علم الإجرام كما قلنا لا يهيم إلا بالمفهوم القانوني للجريمة دون المفهوم الأخلاقي.ويحدث هذا الشكل إذا ما اتبع المشرع سياسة الحد أو القسط في التجريم Décriminalisation التي بمقتضاها يرفع التجريم عن أفعال تتعارض في أصلها مع ما تقضي به الأديان ، وهو ما حدث حينما رفع المشرع في بعض الدول التجريم عن الزنا واللواط والإجهاض وتناول الخمور وبعض أنواع المخدرات ، وأباح أيضاً نمط القتل الرحيم أو بدافع الشفقة Euthanasie .

كما أن الفهم الخاطئ لتعاليم الدين قد يكون سبباً وراء ارتكاب بعض الجرائم ، كالاعتقاد الخاطئ لدى البعض أن الدين الإسلامي يسمح للزوج في جميع الحالات أن يضرب زوجته ، أو يحظر الانخراط في الجندية متى كانت لا تستهدف إقامة الدولة الإسلامية ، أو يسمح بسلب الأموال المملوكة لمعتنقي الديانات الأخرى. ومن ذلك أيضاً اعتقاد البعض خطأً أن الدين المسيحي يبيح شرب الخمور والتي بدورها تعد عاملاً إجرامياً.

والواقع أن تعاليم الدين – أياً ما كان – لا يمكن أن تكون بذاتها عاملاً إجرامياً ، مما مؤداه أن أبناء طائفة دينية معينة لا يكونون بناءً على انتمائهم الديني أكثر ميلاً عن غيرهم من أبناء الطوائف الدينية الأخرى في الاتجاه نحو الجريمة. لهذا فإن الدراسات التي انتهت عند مقارنتها في الدولة الواحدة بين إجرام عدد من الطوائف الدينية إلى تزايد إجرام طائفة على طائفة أخرى ، لا يمكن فهمها إلا بالرجوع للظروف الاقتصادية والاجتماعية التي يمر بها أبناء كل طائفة ، بحسبان أن تلك الظروف – وليس انتمائهم الديني في ذاته – هي التي تقف وراء ارتفاع نسبة الإجرام.

وعلى هذا فإن الدراسة التي أجريت في هولندا وألمانيا والتي كشفت عن ارتفاع معدل الإجرام بين الكاثوليك إذا ما قورنوا بالبروتستانت ، وانخفاض معد الإجرام العام بين اليهود إذا ما قورنوا بهاتين الطائفتين ، لا يمكن فهما إلا في ضوء التحليل السابق.

وبالفعل فقد ثبت أن ارتفاع نسبة إجرام الكاثوليك لا يعود إلى كونهم هكذا ، ولكن لسكناهم في مناطق ذات حظ أقل من التطور بالمقارنة بالبروتستانت. كما أن هؤلاء الآخرون يحتلون في العادة المراكز الاقتصادية والاجتماعية العليا داخل البلدان الأوروبية إذا ما قورنوا بالكاثوليك. كما أن المذهب البروتستانتي ينتشر في المناطق الشمالية من أوروبا ، وهى مناطق تتميز بالنشاط والإقبال على العمل والقدرة على ضبط النفس ، مما يجعلهم أقل عرضة من سكان المناطق الجنوبية ذات الأغلبية الكاثوليكية في ارتكاب الجرائم.

كما أن انخفاض إجرام أبناء الديانة اليهودية لا يعود لكونهم يهود ، وإنما لطبيعة التنظيم العائلي والعنصري لديهم الذي يقوم على الترابط. فضلاً عن أن الإحساس العام لدى اليهود بكونهم أقلية يدفعهم دائما إلى احترام القواعد القانونية السائدة في البلدان التي يقطنوها كي يعطون انطباعاً حسناً عن عنصرهم الذي ينتمون إليه.

إعادة نشر بواسطة محاماة نت

لمزيد من المعلومات تفضل للتواصل مع محامي متواجد الان

تكلم هذا المقال عن : مقال عن العلاقة بين الدين والسلوك الإجرامي