إغلاق المعابر في قطاع غزة في ضوء قواعد القانون الدولي الإنساني

مقدمة :
التداعيات السلبية لازمة إغلاق المعابر في قطاع غزة وأثارها على حقوق المواطن وخاصة وعلى حياة بصورة عامة ، حيث لا يخفى على احد مدى صعوبة العيش في منطقة جغرافية تمنع من الخروج منها أو حتى العودة إليها،واثر هذا إغلاق على الحياة الاقتصادية ،وعلى ضوء الاهتمام الوطني والإقليمي والعالمي بمشكلة ومعاناة العالقين من الفلسطيني على المعابر جراء الحصار الإسرائيلي المتواصل لقطاع غزة ،وضرورة إعطائهم الحماية القانونية المطلوبة لهم وفقا لقواعد القانون الدولي الإنساني، صدر الكثير من التقارير الميدانية والدراسات القانونية حول معاناة هؤلاء كمدنيين خاضعين تحت سلطة الاحتلال الحربي،

توصلت جميع هذه الدراسات إلى نتائج متقاربة مفادها إن انتهاج دولة احتلال نهج إغلاق المعابر وخاصة في وجه المواطنين أدي إلى تفاقم الوضع الإنساني لدى مواطني قطاع غزة، مما يعتبر في التحليل النهائي عقوبات جماعية مفروضة قانونا تتسبب بالألم لا مبرر لها، ونحن هنا سنحاول إن نرسم بعض التداعيات الإنسانية لهذه الأزمة المتجددة دائما وذلك عبر تسليط الضوء عليها من وجه نظر القواعد القانون الدولي الإنساني ،

وتأتى هذه الأزمة رغم وجود اتفاقية المعابر والتي وقعتها السلطة الفلسطينية وسلطات الاحتلال الحربي الإسرائيلي في الخامس عشر من تشرين الثاني/ نوفمبر من العام 2005، وبرعاية أمريكية،والتي يصفها البعض بأنها اتفاقية مخيبة للآمال،رغم أنها غيرت من بعض الظروف الكارثية السابقة على إبرام هذه الاتفاقية، فبدأت فكرة هذه الاتفاقية غداة إعلان إسرائيل انسحاب من قطاع غزة الذي ما هو إلا إعادة انتشار لقواتها، مما يبقى إسرائيل كدولة احتلال.

وقد شاءت الظروف أن أكتب أولى حروف هذا المقال في اليوم التي أعلنت فيه إسرائيل قطاع غزة والضفة الغربية منطقة عسكرية مغلقة تحت ذريعة أعياد إسرائيلية وذلك بتاريخ 18/9/2007 بقرار غير شرعي وغير قانوني ويتعارض مع أبسط التزامات دولة الاحتلال المنصوص عليها في اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949،والبرتوكول الإضافي الأول لعام 1977.

أسوق هذه المقدمة التي شكلت مدخلا ضروري جدا للكلام حول موضوع المقال والذي أرى لكي تعم الفائدة بان يقسم إلى أقسامين رئيسين هي :-
أولاً: اختصاصات دولة الاحتلال وفقا لقواعد القانون الدولي الإنساني.
ثانياً: حق وحرية التنقل والحركة للمدنيين في الأقاليم المحتلة وفقا للقانون الدولي.
يأتي هذا التقسيم لكي تقف على الجوانب القانونية الدولية للازمة أولا ومن ثم نذهب إلى بيان جوانب الحق في حرية التنقل والحركة للمدنيين في الأقاليم المحتلة وفقا للقانون الدولي، لنصل في الأخير إلى مجموعه من النتائج والتوصيات بهذا الصدد.

أولاً: اختصاصات دولة الاحتلال وفقا لقواعد القانون الدولي الإنساني:-
دونما الخوض في التأسيس الفقهي لسلطة المحتل في الإقليم المحتل التي تنازعت فيها أكثر من نظرية فان أكثرها رجاحة تلك التي تحدد أساس سلطة المحتل على اعتبار أن الاحتلال حالة فعلية مؤقتة وليست قانونية وأنه لا يغير الوضع القانوني للأراضي المحتلة، وعليه فإن دولة الاحتلال لا تستطيع ممارسة كل الاختصاصات دولة السيادة،

وإنما ليس لها إلا أن تراعي حدود الصلاحيات التي خولها القانون الدولي كصاحبة مركز فعلي، يترتب عليه منح المحتل إدارة الأقاليم المحتلة بشروط قانونية، مع التزام سلطة الاحتلال الحربي باحترام القوانين والنظم القضائية في الأراضي المحتلة العاملة، قبل حدوث واقعة الاحتلال، واحترام وتطبيق اتفاقيات جنيف الأربعة.

ولقد أخذت محكمة النقض الهولندية بهذا التأسيس حيث قررت أن اتفاقية لاهاي واللائحة الملحقة بها لا تخول للمحتل أي حقوق قِبل الأهالي في الأقاليم المحتلة، ولكن فقط تنظيم السلطة الفعلية في نطاق وحدود معينة للمحتـل، وهذا ما جاءت به اتفاقية جنيف الرابعة، فقد حددت بالتفصيل حقوق المدنيين التي لا يمكن النيل منها وواجبات دولة الاحتلال تجاه هؤلاء المدنيين، وأنه من المبادئ المعروفة في القانون الدولي الإنساني إن الاختصاصات دولة الاحتلال من حيث طبيعتها القانونية عبارة عن قيود، ترِدُّ على السلطة الفعلية المؤقتة للمحتل تجاه الإقليم المحتل وسكانه.

تؤكد هذه المواد على أن دولة الاحتلال ليست مطلقة اليدين في استخدام ما تشاء من القوة أو الإجراءات أو السياسات في إدارتها للأراضي المحتلة، ويجب على الدوام أن تراعي إلى أقصى حد مصالح السكان المدنيين وحماية ممتلكاتهم وألا تغير من الوضع القانوني لتلك الأراضي.

لنصل بناء على ما تقدم إلى نتيجة مفادها بان اختصاصات وسلطة الاحتلال ترتبط ارتباطا وثيقا بطبيعة وجود هذا الاحتلال في الأراضي التي تم احتلالها وإن الإطار الذي يحدد أساس هذه السلطة وطبيعتها، والآثار الناجمة عنها محكوم بعنصرين أساسيين هما مصلحة المحتل الحربي، وإعادة النظام العام على الأراضي المحتلة بما لا تعارض وغاية وأهداف القانون الدولي الإنساني ،لأن الغاية من تنظيم قوانين الاحتلال الحربي هو التخفيف من معاناة الأهالي المدنيين عند قيام حالة الاحتلال.

ورغم هذا فان دولة الاحتلال الحربي الإسرائيلية تنفذ سياسية عدوانية ضد الشعب الفلسطيني، حيث أنة و استمرارا لسياسة العقاب الجماعي قامت قوات الاحتلال الإسرائيلي بتاريخ 15/6/2007 بإغلاق كافة المعابر البرية المؤدية إلي قطاع غزة ،وذلك بعد الإحداث الداخلية الأخيرة، وبهذا الإغلاق فرضت الإقامة الجبرية والعقاب الجماعي على سكان القطاع والبالغ عددهم نحو مليون ونصف مواطن وأصبح القطاع سجن كبير جميع مفاتيحه بأيدي الاحتلال الإسرائيلي، مما يعتبر انتهاك واضح لقواعد اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 والبرتوكول الإضافي الأول لعام 1977، وقواعد الشرعة الدولية لحقوق الإنسان، كما سنبينه في النقطة التالية من المقال.

ثانياً: حق وحرية التنقل والحركة للمدنيين في الأقاليم المحتلة وفقا للقانون الدولي:-
لقد بذلت الجهود الدولية من أجل تقرير قواعد للحماية العامة للمدنيين في الأقاليم المحتلة ، وذلك عبر قواعد اتفاقية جنيف الرابعة ومن قبلها قواعد لائحة لاهاي الرابعة، وأخرى لحماية بعض الفئات من المدنيين تضمنها البروتوكول الإضافي الأول، وهذه القواعد التي تأخذ صداها أيضا في لشرعية الدولية لحقوق الإنسان،

هذا القانون الذي يقدم مع قانون النزاعات المسلحة حماية تكاملية للمدنيين، فان قواعد اتفاقية جنيف ترتكز على المبدأ الشهير الذي أرساه جان جاك روسو، والذي مؤداه أن العمليات العسكرية لا توجه نحو المدنيين طالما أنهم لم يشاركوا في القتال.

فقد استمرت دولة الاحتلال الإسرائيلي بانتهاك اغلب قواعد القانون الدولي الإنساني ،وعلى اخص فأن استمرار استخدام دولة الاحتلال سياسية الحصار وإغلاق المعابر في قطاع غزة يعتبر شكلاً من أشكال العقوبة الجماعية التي يحظرها القانون الدولي الإنساني، خاصة أحكام اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949،

فالمادة (33) من الاتفاقية المشار إليها “تحظر على قوات الاحتلال الحربي القيام بمعاقبة الأشخاص المحميين على جرائم لم يرتكبونها، كما تحظر على تلك القوات اتخاذ تدابير اقتصاص من الأشخاص المحميين وممتلكاتهم”.

وأيضا القانون الدولي العرفي يحظر العقاب الجماعي الذي يمكن تحديده بأنة معاقبة الأشخاص المحميين ليس بسبب ما قاموا به، بل بسبب أفعال قام بها آخرون، كما أن العقوبات الجماعية محظورة بموجب المادة(75) من البرتوكول الإضافي الأول لعام 1977.

وقد انتهكت أيضا دولة الاحتلال حق المدنيين في البقاء والتنقل داخل الأراضي المحتلة وتحريم النقل الإجباري الفردي أو الجماعي للسكان المدنيين في هذه الأراضي،ولقد حرصت اتفاقية جنيف الرابعة على تقرير هذا الحق في مادتها 49/1 بحظرها النقل الإجباري الفردي أو الجماعي بصفة مطلقة إلى دولة الاحتلال أو أراضي أي دولة أخرى هذه الصيغة المطلقة لا تسمح بأي استثناء رغم القيود الواردة في الفقرة الثانية من هذه المادة التي جاءت لتحقيق مصلحة السكان المدنيين ليس غير.

وهذا قد اهتمت المحكمة العسكرية الدولية في نورمبرغ،بتحريم النقل الإجباري فنصت المادة (6) من ميثاقها على أنة يمنع على دولة الاحتلال ترحيل مواطنيها إلى الإقليم المحتل مهما كانت دواعي هذا النقل ،واعتبرت الترحيل وجميع الإعمال غير الإنسانية التي تتخذ ضد أي من السكان المدنيين تعد من بين الجرائم ضد الإنسانية.

كما قررت محكمة نورمبرغ في حكمها الصادر في أكتوبر 1946 بأن ترحيل السكان المدنيين من الأراضي المحتلة يعتبر عملا غير قانوني غير شرعي وذلك عند إدانتها المتهمين الألمان في قضية .The High Command Case

ونجد هذا الحق الذي نصت علية المادة (49) من الاتفاقية الرابعة قد قررته ونصت علية الاتفاقية لإزالة كافة أشكال التميز العنصري، حيث أصبح من المقرر قانونا بان لكل إنسان بدون تمييز بسبب الجنس أو للون … حق حرية الانتقال والإقامة داخل حدود الدولة .. كما له الحق في مغادرة أي بلاد بما في ذلك بلادة ، وحق العودة إلى بلادة”، ونلاحظ بان هذا الحظر قد جاء بصفة مطلقة.

وعند عدم امتثال دولة الاحتلال لهذه القواعد، تعتبر بأنها جاءت بجريمتين دوليتين تدخلان في إطار المخالفات الخطيرة وفقا للمادة 147 من الاتفاقية، وإن كانت هذه القاعدة العامة فالاستثناء يجوز لدولة الاحتلال (حسب 49/2) الإخلاء الكلي أو الجزئي في حالة يتطلب ذلك أمن السكان وحالة الضرورة وأسباب القهرية، ويتخلف الإخلاء بطيعة الحال عن الترحيل أو النقل الإجباري الأول يكون في اغلب الأحوال لمصلحة السكان المدنيين.

كما أن استمرار قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي تنفيذ سياسة العقاب الجماعي بحق المدنيين الفلسطينيين في قطاع غزة منذ اندلاع انتفاضة يعتبر انتهاك واضح لقواعد القانون الدولي لحقوق الإنسان الذي كفل لكل إنسان حقه في التنقل والحركة، فقد انتهك الاحتلال الحربي الإسرائيلي على اخص نص المادة (13)

من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والتي تقضي بأنة ” لكل فرد حق في حرية التنقل ، ويحق لكل فرد أن يغادر أية بلاد بما في ذلك بلده كما يحق له العودة إلية ” وانتهاك واضح لنص المادة (12) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية للعام 1966، والتي تنص بأنة “لكل فرد يوجد على نحو قانوني داخل إقليم دولة ما حق حرية التنقل فيه وحرية اختيار مكان إقامته، ولكل فرد حرية مغادرة أي بلد، بما في ذلك بلده،

ولا يجوز حرمان أحد تعسفا من حق الدخول إلى بلدة” ،كما تتناقض هذه السياسية العدوانية غير القانونية مع العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للعام 1966، بموجب المادة (1/2)، حيث تنص على أنه “لا يجوز في أية حال حرمان أي شعب من أسباب عيشه الخاصة.”، وبموجب المادة (5) من نفس العهد ” تحظر على أي دولة أو جماعة أو شخص مباشرة أي نشاط أو القيام بأي فعل يهدف إلى إهدار أي من الحقوق أو الحريات المعترف بها في هذا العهد أو فرض قيود عليها أوسع من تلك التي المنصوص عليها فيه”.

وذادت هذه الانتهاكات المبرمجة والمنظمة من قبل دولة الاحتلال في الفترة الأخيرة، رغم غياب التواجد العسكري الفعلي لقوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي داخل القطاع والذي لا يعني بتاتاً انتهاء الاحتلال الحربي للقطاع، بل إن الواقع الميداني يؤكد استمرار السيطرة الفعلية لسلطات الاحتلال الحربي الإسرائيلي على حرية التنقل والحركة من وإلى قطاع غزة،والاستخدام المتواصل لإسرائيل لورقة المعابر كوسيلة ضغط علي الشعب الفلسطيني لتحقيق أهدافها السياسية والأمنية.

وعلية نؤكد على ضرورة مطالبة المجتمع الدولي والمؤسسات والمنظمات الدولية بممارسة الضغط على دولة الاحتلال إسرائيل من أجل فتح كافة المعابر أمام حركة الأشخاص والبضائع، لتجنب الكارثة الإنسانية المحتملة في قطاع غزة،وان نناشد الأطراف السامية المتعاقدة على اتفاقية جنيف الرابعة لحماية المدنيين وقت الحرب لعام 1949،

العمل لضمان احترام إسرائيل للاتفاقية في الأراضي الفلسطينية وتوفير الحماية الفورية للمدنيين الفلسطينيين، بالعمل الجاد على إجبار سلطات الاحتلال بالكف الفوري عن سياسية العقاب الجماعي بحق المدنيين المحميين من مواطني قطاع غزة ،وذلك برفع القيود عن حرية المواطنين الفلسطينيين بالتنقل والحركة.

تكلم هذا المقال عن : مأساة إغلاق المعابر في قطاع غزة