الاستاذ حمدي بن سالم

لئن كان الميزان ذروة سنام رموز العدالة عبر التاريخ ، إلا أن المسافة بين صورة الرمز و واقع المعنى تبقى قابلة للمد و الجزر . وهي مسافة لا يكشفها سوى محك التجربة ، ليضع القاعدة القانونية أمام مرآة واقعها ، فيتراءى لنظامها القانوني الذي صاغها مدى تحقيقها للأهداف التي وضعت من أجلها .

ولعل الكسب الأكبر بالنسبة للقاعدة القانونية يتجاوز مجرد البحث عن فضل سبق هذا النظام القانوني أو ذاك في ابتكارها و تفعيل آلياتها ليتمثل حقيقة في مدى استجابتها إلى حقوق المتقاضين و ضمان مصالحهم .

و لا شك أنها حقوق و حاجيات تتزايد بارتقاء الإنسان في معارج الحضارة و المدنية ، لتكون الحاجيات المنتظرة من قاعدة قانونية قبل مائة سنة خلت مختلفة عن حاجيات اليوم ، مما يتطلب مسايرة تلك القاعدة لوتيرة المتطلبات المعاصرة ، و مما يتطلب ارتباط النظام القانوني بمرونة في مصادر الإجتهاد حتى تصل تلك القاعدة إلى تنفيذ و تكريس أهدافها.

و لا تشذ النصوص القانونية التونسية المنظمة لالتزام البائع بضمان العيوب الخفية للمبيع عن هذا التأصيل ، لكن نظرتنا لها و لمدى تحقيقها لأهدافها تنطلق من عرضها على مصادرها .

 

 

 

للحصول على استشارة مجانية

تفضل الى رقم مكافحة الابتزاز

 

 

إذ لا تخلو قاعدة قانونية ما من مصدر يؤصل مشروعيتها ، و لعل اصطلاح ضمان البائع لعيوب المبيع يحمل بين طياته الجذور الغربية لمحتوى الجزء الثاني من الفرع الثاني من القسم الثاني من الباب الثاني من المقالة الأولى من الكتاب الثاني لم إ ع و تحديدا الفصول من 647 إلى 674 .

و لئن كانت تلكم الفصول هي التقنين الحالي الذي كرسه المشرع التونسي لمسألة ضمان العيب ليكون الإطار التشريعي الأم المتضمن للقواعد العامة لكنها ليست النصوص القانونية الوحيدة التي نظمت المسألة ، إذ ينضاف لها قانون حماية المستهلك[1] و القوانين المتعلقة بالبعث العقاري و بالتجارة الإلكترونية[2] في إطارها المحدد.

كما تجدر الإشارة إلى أن فصول م إ ع المتعلقة بضمان العيوب الخفية للمبيع ليست أول تقنين تونسي نظم هذا المجال ، بل نظمه قبله قانون الجنايات و الأحكام العرفية لسنة 1861. إذ رغم محدودية هذا القانون في الزمن بما أنه لم يتجاوز العمل به الثلاث سنوات ، و رغم أن أحكام العيوب الخفية لم يفرد لها فرع خاص ضمن هذا القانون ، بل كانت مضمنة في أحكام الباب الثاني عشر من القسم الثاني المتعلق بالبيع ، إلا أنها تبقى شهادة ملموسة على أن أحكام ضمان العيب الخفي قد خضعت لتقنين محلي تونسي منذ أواسط القرن التاسع عشر كان له فضل السبق عربيا ، إذ شذ عن ارتباط العديد من الدول العربية الأخرى بالنسبة لتاريخ تقنين هذا الضمان لديها في نفس الفترة بمجلة الأحكام العدلية العثمانية.[3]

ولعل موقع ضمان عيوب المبيع في هذا القانون قد جسده فصلان صريحان منه ، و تحديدا الفصل 508 الذي أورد أنه : “من باع شيئا على البراءة من العيوب الظاهرة و الخفية الموجبة للرد أو النقص من الثمن ، بأن يقول أبيع لك ما ترى و لا عهدة علي في شيء ، ثم وجد المشتري عيبا و لو يوم البيع ، بعد إبرام العقد ، لا قيام له على البائع .”[4] و كذلك الفصل 510 الذي أورد أنه : “من اشترى ملكا أو شيئا منقولا و قلبه و رضيه و حازه ثم ادعى فيه عيبا ظاهرا لا يخفى وقت التقليب لا قيام له بالعيب إلا إذا كان العيب خفيا لا يظهر وقت التقليب ، يحلف المشتري أنه ما رآه وقت التقليب ، و له الرجوع إذا كان العيب ينقص من القيمة الثلث ، و كان القيام بعد 10 أيام فأقل في الربع و العقار و بعد 3 أيام في المنقول.”[5]

تطالعنا في هاذين الفصلين مصطلحات فقهية عدة تعيدنا إلى أحكام ضمان عيوب المبيع في م إ ع و تحديدا إلى منطوق الفصول من 647 إلى 674 منها ،بالإضافة إلى الفصل 630.

و في سياق حديثنا عن مصادرها و عن النفس الغربي الذي حكم إطار هذه الفصول المتعلقة بالضمان فإنه ، و في ذات الوقت ، لا يمكن حجب تناثر المصطلحات الفقهية بين أرجاء تلك الفصول ، نذكر منها مثلا مصطلحات ( الرد ، البراءة ، الصفقة ، ثمرة لم تؤبر ، العهدة ، إلخ…)[6] كما لا يمكن حجب التراث الفقهي الذي أشار له الأستاذ سانتيلانا سواء في حواشي فصول مشروعه التمهيدي للمجلة المعد سنة 1897[7] أو م م م ت ت المعد بعد سنتين فقط من ذلك التاريخ ، أي سنة 1899[8] و تحديدا في قسميهما المخصصين لضمان العيوب.

إذ لا يخلو المشروعان من أسماء للفقهاء و ذكر لمؤلفاتهم ، سواء في الفقه المالكي و نذكر منها : التاودي و التسولي و شرحيهما على تحفة ابن عاصم ، أو مختصر خليل و شرح الزرقاني عليه،أو كتاب العمليات العامة لعبد الجليل الفلالي السجلماسي،بالإضافة إلى كتاب الإعلان بأحكام البنيان للحرفي التونسي ابن الرامي البناء،إلخ… كذلك الشأن في الفقه الحنفي و خاصة حاشية رد المحتار على الدر المختار لابن عابدين ، و كتاب مرشد الحيران إلى معرفة أحوال الإنسان لمحمد قدري باشا و كتاب البحر الرائق في شرح كنز الدقائق لابن نجيم . كما أشار سانتيلانا في المشروعين سابقي الذكر إلى تقنينات الفقه الإسلامي السابقة لم إ ع ، و على رأسها مجلة الأحكام العدلية العثمانية و قانون الجنايات و الأحكام العرفية.

إشارات و إحالات و صلت إلى حد التعليق على بعض الفصول من م م م ت ت لسنة 1899بتوضيح آراء الفقهاء على المسألة التي يتناولها الفصل المقترح ، و هي تعليقات انتصبت بين النقيضين: فوصلت إلى حد الإسهاب تارة في الفصل 773نظير الفصل 660 م إ ع المتعلق بواجبات المشتري و البائع الناجمة عن الرد عندما أخذ يفسر الفروق بين النظام الروماني و الفقهي في تنظيمها[9] ، و إلى حد الإقتضاب تارة أخرى ، نذكر منها على سبيل المثال الفصل 777المتعلق بتوارد العيوب نظير الفصل 664 م إ ع .

حيث اكتفى في شرحه بالإشارة إلى اعتماد المالكية على عديد الفرضيات عند توارد العيوب ، حسب جسامة العيب الجديد الذي يصيب المبيع المعيب، مع أنها نقطة تستحق المزيد من التوضيح و الدرس[10].

لذا يبدو أن رجوع الأستاذ سانتيلانا إلى المصطلحات الفقهية المبثوثة بين فصول ضمان العيوب ، و ثراء الأعمال التحضيرية لم إ ع بالإحالات إلى المراجع الفقهية ضرورة أملتها متطلبات صياغة تقنين للبلاد التونسية يحاول احترام جذورها و نظامها القانوني السابق لعهد الحماية الفرنسية ، و المرتكز على الفقه الإسلامي . ذاك الفقه الذي بقي نورا خفاقا من نبراس الحضارة العربية الإسلامية يشار له ببنان العرفان .

و بانتقال سريع من رحاب أحكام العيوب الخفية للمبيع في م إ ع إلى مجمل أحكامها التي كشفت للبعض عن ظاهر من المراعاة و التأثر بالمقتضيات الفقهية تأصيلا لمدونتنا المدنية في مناخها الأصلي و جذورها الإسلامية[11]. إلا أنها كشفت للبعض الآخر عن باطن يرى في تلك الأحكام ذرا للرماد على العيون ، لتكون مجرد قناع يخفي مشروع مجلة لائكية غربية صرفة وزعت بين ثناياها بديلا قائما على استيراد النموذج الفرنسي و إكسائه بمصطلحات و نظريات فقهية ، قد عكست في بعض الأحيان مفاهيما إسلامية المنشأ ، لكنها كرست في معظمها فكرة تأثر الفقه الإسلامي بالقانون الروماني تطبيقا لفكرة وحدة العقل البشري التي يؤمن بها سانتيلانا[12]. فانقسم الفقه التونسي تبعا لهاذين التأويلين إلى شقين رئيسيين .

و لعل كلمة سانتيلانا الإفتتاحية لم م م ت ت الزاخرة بالمتناقضات قد غذت هذا الإختلاف في الرأي : إذ بين دفاع هذا الفقيه عن أحكام الشريعة الإسلامية أمام من يصفونها بالجمود و عدم قابلية تعاليمها أن تكون تقنينا معاصرا ، هذا الدفاع الذي أكده بحرص اللجنة في عملها على مراعاة المذاهب الإسلامية و نظامها العظيم الزاخر بالمبادئ التي لا تقل قيمة في نظره : “عن أحدث المبادئ القانونية التي نجدها بالقانون المدني و التجاري الأوروبي”[13] نجد بين ثنايا نفس كلمته الإفتتاحية الشهيرة النقيض لأطروحته تلك الذي لاحظ من خلاله خلو الفقه الإسلامي من طرق البحث الدقيقة و افتقاره للأسلوب التحليلي : “فهذا الميل إلى الفوضى ، و هذا العجز العريق عن التنظيم و الإنقياد تسببا منذ البداية في فشل العرب سياسيا ، و كانا كذلك سببي ضعفهم في الميدان الفكري ، زيادة على كونهما منعا الفقه الإسلامي من أن يصبح نظاما عالميا.”[14]

تبعا لكلمة سانتيلانا حمالة الأوجه ، انقسم الفقه التونسي إلى هاذين الإتجاهين،و لكل منهما أدلته : حيث رأى الأول التأصيل الفقهي لم إ ع الذي لا يمكن تجاوزه بما أن : “هذا العمل من أعمال الحضارة السامية التي بادرت فرنسا به و الذي يمكن لها أن تفخر به أمام التاريخ،فإني أؤيده كل التأييد ، و ليتهمني من شاء بما شاء في أن لفرنسا الإستعمارية أن تفخر بأن أوكلت إلى مستشرق إيطالي أن يضع قانونا يستمده من الشريعة الإسلامية في الوقت الذي عمدت فيه مصر بواليها أو خديويها المسلم و استقلالها و أزهرها و علماءها الدينيين و المدنيين إلى نقل القوانين الفرنسية وإصدارها إلى مصر.”[15] فالمرجعية الإسلامية لم إع واضحة المعالم ، إذ كرست التوجهات الفقهية لواضعيها التي تصل : “في بعض الصور إلى النقل الحرفي لبعض الأحكام الفقهية ، و حتى إن اختار المشرع التعصير و الحداثة في بعض المواضيع ، إلا أنها كانت حداثة منصهرة في ما هو فقهي دون مخالفة المبادئ العامة للفقه الإسلامي”[16].

و هو موقف دعمه الأستاذ محمد بوزغيبة بأمثلة أرجع من خلالها مجموعة من فصول م إ ع إلى مظانها الفقهية : و هي تلك المتعلقة تباعا بالصورية و الغبن و المسؤولية عن فعل الحيوان و الحوالة و التعسف في استعمال الحق و التقادم و الإثراء دون سبب و المعاوضة و الإجارة ، و خاصة قواعد القانون العمومية الواردة بالفصول من 532 إلى 563 م إ ع التي تبقى المثال الأبرز في استدلاله[17].

كما يدعم هذا الإتجاه حجج تاريخية ،لعل أهمها مراعاة السلطات الإستعمارية الفرنسية لخصوصيات المجتمع التونسي اتعاظا من فشل تجربتها الجزائرية في طمس الموروث الثقافي لهذا البلد ، و نظرا كذلك إلى فشلها في توحيد الجهاز

المرسل إلى وزير الخارجية الفرنسية بتاريخ Benoit القضائي التونسي [18]. ولعل تقرير 9 / 10 /1901 يؤكد نية الإدارة الفرنسية منذ انتصاب الحماية نحو ضرورة إصدار قوانين عامة للشريعة الإسلامية ليقع تطبيقها في المحاكم الشرعية و في وزارة العدل التونسية [19] .

لكن أنصار الإتجاه الثاني يرون أن م إ ع ليست تقنينا وفيا للفقه ، إذ لا يمكن مثلا وضعها جنبا إلى جنب مع م أع ع لأن نية الحماية في التحكم في البلاد عن طريق وضع تشريع ييسر لها سياستها الإستعمارية و يسرب نموذجها الأوروبي في التقنين لا يمكن التغاظي عنها بأي حال من الأحوال .

و هو ما تم التصريح به في كلمة سانتيلانا نفسه الذي أكد أنه على اللجنة و قبل كل شيء: “ أن تجمع و ترتب و تنتقي من التشريع الفرنسي ما تراه صالحا للإستعمال في مهمة التدوين النهائية…كما كان عليها أن تستخرج من عمل المحاكم الشرعية و من التشريع التونسي كل ما يمكن استعماله لتماشيه سواء مع مبادئ القانون العصري ، أو مع الظروف المحلية للمجتمع التونسي.”[20]

فلئن كان الهدف المعلن صراحة من واضعي م إ ع هو محاولة التوفيق بين نظامين قانونيين مختلفين تواكب روح العصر و الجواهر من تراث الماضي ، إلا أن الأستاذ نذير بن عمو يرى أن الهدف الرئيسي للمشروع كان أبعد ما يكون عن توفيق حقيقي بين النظامين ليتمثل حقيقة في وضع مكونات نظام آهل للسقوط و الإضمحلال في خدمة مجلة يجب أن يضبط شكلها و محتواها على مقاس النموذج الأوروبي[21].

و هو استدلال تدعمه الوقائع التاريخية التي تؤكد الغياب الكلي لدور علماء و فقهاء المالكية و الأحناف أثناء صياغة المشروعين التمهيدي و م م م ت ت لسنتي 1897 و 1899 ، رغم تأكيد واضعي المجلة على اتباع مذهبيهما أثناء صياغتها.

إذ ما عدى سانتيلانا ليس هناك ضمن أعضاء اللجنة من له معرفة كافية بالأحكام الفقهية ، لتكون م إ ع مجلة موضوعة للمسلمين بأقلام غير المسلمين . و هو موقف تدعمه الأستاذة رجاء السكراني في أطروحتها حول المصادر الفقهية لم إ ع بدعوة المقيم العام الفرنسي بتونس لسانتيلانا من روما سنة 1900 و قبوله لها و رجوعه لتونس في ماي 1900 لشرح و تفسير مشروع 1899 لعلماء و شيوخ الزيتونة الذين تم تغييبهم عن صياغته ، و بعد رفضهم للمشروع التمهيدي ليقتصر دورهم على مراجعة م م م ت ت قبل إصدار م إ ع لمعاينة مدى توافق نصوصها مع أحكام الشريعة . و هي معاينة أثمرت بعض المراجعات المرتبطة بحذف بعض الفصول المتعلقة مثلا : بالغرر و الإثبات و تقدير الضرر و الشرط الجزائي تارة ، و بالتعديل الجزئي و إضافة بعض الفصول تارة أخرى ، لكنها تبقى تعديلات لاحقة و مختلفة عن الشراكة الفعلية في صياغة المجلة .

و لعل أثرها الأكبر هو عدم ارتقائها لإضفاء الصبغة الفقهية لم إ ع ليبقى الطابع الأوروبي الغربي طاغيا على أحكامها.[22] كما يتناول هذا الإتجاه مسألة ثراء المشروعين سالفي الذكر بالمراجع الفقهية ، ليؤكد أن اللجوء للفقه و المحاولة التأليفية له لم تتم بطريقة موضوعية باحترام تطوره في الزمن و مختلف تشكلاته .

إذ اقتصرت الكتب المشار لها إلى تلك التي كانت معتمدة في التعليم الزيتوني ، مع الغياب الكلي للمصنفات التي تم تأليفها في العصر الوسيط ( أي بعد القرن الثاني من الهجرة ).

فلا نجد كتاب الخراج لأبي يوسف و لا المبسوط للسرخسي و لا الجامع الكبير و الصغير للشيباني ، بل لم يتم اللجوء حتى إلى موطأ مالك و لا لمدونته مع أن اللجنة أعلنت اعتناق المالكية مذهبا في تحرير المجلة و الحنفية مكملا له.[23] لذا فإن تلك الهوامش الزاخرة بالمراجع لم يتجاوز دورها إضفاء نوع من المشروعية على النص القانوني لتسهيل تقبله من طرف لجنة توجيه النظر الشرعي على المشروع .

كذلك الأمر بالنسبة إلى بعض المصطلحات الفقهية المستعملة : ” فبغض النظر عن قلة عددها و غيابها من النص الفرنسي للمجلة ، يجب التنبيه إلى أن وجودها هو أقرب إلى الإستخدام اللفظي و الرمزي منه إلى الإستعارة الأصلية المتعلقة بالمضمون .

و تصدق هذه الملاحظة على عبارة فسد البيع في الفقرة الثانية من الفصل 624 م إ ع التي ترمز إلى بطلان البيع بطلانا مطلقا ، لا إلى فساد العقد كجزاء مستقل عند الحنفية”[24].

و حتى بالنسبة إلى بعض المؤسسات المعتمدة و التي تحمل في الظاهر أصولا بدت لأنصار الإتجاه الأول مرسخة لأقدامها في جذورها الإسلامية ،إلا أن أصحاب الإتجاه الثاني،لئن لم ينكروا ذلك ،إلا أنهم و بالنسبة لمعظمها انطلقوا من الإشارة إلى المراجع اللاتينية في حواشيها ليستخلصوا منها ما أشار له سانتيلانا نفسه من إقراره بتأثر الأحكام الفقهية بالقانون الروماني[25].

و ليتضح أن تلك المؤسسات ليست من إبداع المسلمين ، بل من القانون الروماني حسب رأي الفقيه و ميوله التي تظهر انخراطه في تيار المستشرقين الغربيين الأوروبيين عموما والإيطاليين خصوصا المؤمنين بتأثر الفقه بالقانون الروماني[26].

إلا أنه و في تصورنا لهذه المسألة، و بغض النظر عن سرد حجج هذا الإتجاه أو ذاك ،فإن كشف النقاب عن حقيقة مراد واضعي م إ ع و التسليم بموقف وسط من خلال القول بتوفيقهم بين النفس الفقهي و الغربي الأوروبي عبر بنودها ، أو الميل نحو إحدى كفتي الميزان بإقرار تأصل المدونة المدنية التونسية في جذورها الفقهية أو نحو الكفة الأخرى لتبني الرأي القائل بطغيان النسق الغربي اللائكي بين جنباتها يتجاوز مجرد الإستقراء التاريخي لمراحل إعداد و إصدار م إ ع .

و يتجاوز تلك الدراسات المقتضبة التي تكتفي في تناول بعض المؤسسات القانونية ببضعة أسطر أو صفحات ، لأنها تمر بجانب دراسة مقارنة تمكن من استخراج الملاحظات و الإستنتاجات الدقيقة.

و يتجاوز البحث عن فضل سبق هذا النظام القانوني أو ذاك في خروج تلك المؤسسات إلى معترك التطبيق ، ليرتقي إلى ذاك العمل الضخم الذي يعيد استقراء كل فصل من فصول مجلتنا ووضعه في إطاره من البحث و التدقيق.

و بما أن: “قراءة التراث الإسلامي من جديد قراءة علمية و منهجية هو عمل جبار لم يستكمل بعد إلى حد الآن”[27] ،فإنه بالإمكان الآن تناول بعض المؤسسات في م إ ع بالدراسات المستفيضة التي تحاول أن تبحث عن نجاعة القاعدة التي تتناولها بالدرس عبر البحث عن مدى إشباعها لمتطلبات المتقاضين لبيان الإستنتاج الذي يبقى مبدئيا من النقطة التي تم تناولها و لا يمكن تعميمه إلا بإتمام تلك الدراسة الجامعة المانعة لم إ ع عبر عرضها الإجمالي على الأحكام الفقهية .

فتلك الدراسة فقط بإمكانها استخراج الموقف الكامل و المدروس من المسألة التي بين أيدينا ، و لعل مجال ضمان العيوب الخفية للمبيع يعد مجالا خصبا و نقطة انطلاق طلائعية لاستنطاق الأحكام التشريعية التونسية و عرضها على النموذج الفقهي و على مرآة النجاعة في الإستجابة إلى متطلبات العصر و انتظارات الأفراد من قانونهم ، ليكون مثالا حيا و شاهدا واقعيا من بين شواهد التقييم الشامل لم إ ع في علاقتها بالفقه الإسلامي .

لكن ما لا يمكن تجاوزه أو السكوت عنه حاليا ، هو ذاك التيار الذي يصبغ ثوب الفقه بألوان القانون الروماني ، و دون الدخول في متاهة الإستشراق و الإستشراق المعكوس[28] و حجج استقلالية الفقه عن القانون الروماني ، فإننا سنكتفي بشهادة المؤتمر الدولي للقانون المقارن المنعقد في لاهاي سنة 1937 . حيث نفى من خلاله ممثلو الأزهر كل علاقة مزعومة بين القانون الروماني و الشريعة الإسلامية في محاضرتهم حول المسؤولية المدنية و المسؤولية الجزائية في الإسلام ، ليصدر القرار التاريخي عن رجال القانون الغربيين و مفاده : “1- إعتبار الشريعة الإسلامية مصدرا من مصادر التشريع العام 2 – إن الشريعة حية قابلة للتطور 3 – إنها شرع قائم بذاته ليس مأخوذا عن غيره“[29] كما تراجع بعض علماء الغرب عن مواقفهم القائلة بنظرية التأثر و على رأسهم “جولد تسيهر”إذ بعد إقراره بالإستعارة الفقهية من القانون الروماني تراجع عن موقفه في كتابه “العقيدة و الشريعة في الإسلام”[30]

لكن الجدل بقي قائما حول موقف سانتيلانا بعد إصدار م إ ع ، فبعد تبنيه الواضح لفكرة تأثر الفقه الإسلامي بالقانون الروماني كما سبق بيانه ، يطالعنا محمد عابد الجابري بقولة لسانتيلانا زعم أنها في مقالة متأخرة له و مفادها أنه : “عبثا نحاول أن نجد أصولا واحدة تلتقي فيها الشريعتان الشرقية و الغربية ( الإسلامية و الرومانية ) كما استقر الرأي على ذلك ، إن الشريعة الإسلامية ذات الحدود المرسومة و المبادئ الثابتة لا يمكن إرجاعها أو نسبتها إلى شرائعنا و قوانيننا ، لأنها شريعة دينية تغاير أفكارنا أصلا.”[31]

لكن الأستاذ أحمد أدريوش نقد هذه القولة في أطروحته و أنكر ورود دليل مكتوب يقر تراجع سانتيلانا عن موقفه ناسبا إلى ترجمة “مقالة القانون و المجتمع ”للمستشرق الإيطالي سوء ترجمتها من طرف الفقيه جرجس الذي نقلها عنه الجابري .

إذ : “فضلا عن عدم مراعاة المصطلحات القانونية الفقهية الواردة في المقال ، فإنه قد نسب لصاحبه ما لم يقل به فيه . أي نسب له رأيا سائدا لدى غيره من المستشرقين بهدف نقده و الرد عليه.”[32]

و نحن أميل لرأي الأستاذ أدريوش الذي لم ينكر أن يكون سانتيلانا قد تراجع عن موقفه ، لكن لا يوجد دليل مكتوب على ذلك ، و حتى إن ثبت اعترافه باستقلالية الفقه فإن ذلك كان حتما بعد تدوين م إ ع ، و ما يهمنا هو موقفه إبان أعمالها التحضيرية الذي أعلن عنه. و عودا على بدء ، و ربطا لقضيتنا بموضوع بحثنا ، حيث أننا لا ندعي أن ضمان العيوب إبداع فقهي لأن التاريخ يشهد أنه ابتكار ترجع جذوره إلى شريعة حمورابي التي تعود إلى 2000 سنة قبل الميلاد ، و ليسبق قانون الألواح الإثني عشر الروماني بخمسة عشر قرنا[33].

إلا أن الأيادي البيضاء لهذا الأخير في تجسيد دعوى الضمان لا يمكن إنكارها ، كما لا يجوز التسليم بنقل النموذج الروماني إلى مؤسسة خيار العيب ، لأن الفروق بينه و بين النموذج الفقهي عديدة سواء في إطار الدعوى أو موجباتها أو آثارها . فلئن وجدت متشابهات ، لكنها لا ترتقي إلى التسليم بفرضية النقل الأعمى للنموذج الروماني إلى الأحكام الفقهية هاهنا.[34]

و في هذا السياق ، فإن موضوعنا يتمثل في دراسة المقاربة التشريعية التونسية في مجال ضمان العيوب انطلاقا من مقارنتها بمصدرها الفقهي ، و قد عرفتها محكمة التعقيب في قرار 4 أوت 1994 بأنها العيوب : “التي تخفى على الإنسان العادي و لا يمكن معرفتها و إدراكها إلا بواسطة أهل الخبرة”[35].و دون الدخول في تداعيات هذا التعريف،إلا أنه لا مناص من التذكير أن صياغة العيوب الخفية للمبيع اعتمدت أساسا على أشهر التسميات التي عرفتها النظرية ككل في شتى التشريعات.

لذلك خيرنا هذه التسمية في صياغة الموضوع لبحث أثر مؤسسة العيوب الخفية على القانون التونسي و الفقه الإسلامي باعتبارها التسمية الشائعة لهذه المؤسسة. و ليس في تلك الصياغة إقرار بتبني الفقه الإسلامي لنموذج القوانين الوضعية لخفاء العيب ، بل إن له نمطا فريدا و مختلفا عن معظم هذه القوانين بخصوص عيوب المبيع و شرط الخفاء فيها رغم اعترافه بأهداف خفاء العيب المعاصرة كما سيتم بيانه في إبانه.[36]

و لئن ارتبط هذا العمل بالضمان ، فقد قصرناه على عيوب المبيع دون سائر العيوب الأخرى المتعلقة بعقد الكراء في الفصول من 758 إلى 766 م إ ع ، و عقد المعاوضة في الفصل 722 م إ ع ، و عقد الإجارة على الصنع في الفصول من 874 إلى 879 م إ ع و عارية الإستهلاك في الفصل 1089. فقواعد ضمان العيب في عقد البيع تلعب دور القواعد العامة لسائر العقود مثلما تلعب م إ ع دور الشريعة العامة لسائر المجلات الأخرى ، إذ أنه : “العقد الرئيسي الذي يلتزم فيه البائع بنقل الملكية و الحيازة.”[37]

و نلتمس هذا المعنى في منطوق سائر الفصول المتعلقة ببقية العقود التي نجد فيها إحالات كلية إلى أحكام ضمان العيب في عقد البيع و مثال ذلك الفصل 722الذي أوجب : “على كل من المتعاوضين للآخر ما على البائع من ضمان العيوب الخفية و ضمان الإستحقاق.”و منها الإحالات الجزئية مثل منطوق الفصل 874 م إ ع المتعلق بالإجارة على الصنع الذي ورد فيه أن : “أجير الصنع يضمن ما كان في عمله من عيب و نقصان و تجري على هذا الضمان أحكام الفصول 647 و 651 و 652 و 655.

”و منها ما كان نقلا حرفيا لمنطوق فصول ضمان المبيع الذي لم يتغير فيه سوى المسميات ، مثل الفصل 758 م إ ع المتعلق بضمان عيوب المكري نظير الفصل 647 م إ ع .

كما ارتبطت هذه الدراسة بالمصدر الفقهي ، و لا بد من الإشارة إلى تدارك الخلط الذي وقع فيه الكثيرون بين مفهومه ومفهوم الشريعة . فلئن تجسد هذه الأخيرة جملة: “الأوامر و الأحكام الإعتقادية العملية التي يوجب الإسلام تطبيقها لتحقيق أهدافها”[38] ، في حين يعرف الأستاذ محمد الشرفي الفقه الإسلامي بكونه: “مجموع الأحكام التي من بينها القواعد القانونية ، و التي تغطي كل القضايا التي يمكن أن تعترض الفرد المتعايش في أحد مجتمعات العالم الإسلامي خلال القرون الماضية.

إنه ، و بالرغم عن اختلاف مذاهبه و تعارض مدارسه ، صرح قانوني يتألف من قواعد قد ساهم في بلورتها مؤلفون يعدون بالمئات. إنه مجموع منسجم متناسق تتضمنه آلاف التصانيف ، و يشمل العديد من المواد القانونية… و يعتبر في ميدان القانون المقارن…أحد أكبر الأنساق القانونية الموجودة في العالم.”[39]

و لعل مضار الخلط تتمثل في الأخذ بآراء الفقهاء على أنها تشريع لتتخذ الشريعة مقاس الإجتهاد ، فترمى بالجمود تارة و بالتناقض طورا ، مع أنها تعف عن الجمود و التناقض ، إذ أنها تشريع سماوي سنه للناس رب الناس و هو المحيط بشؤون عباده ظاهرها و باطنها[40].

و في مجمل القول ، لا يمكن ربط موضوع فقهي بالحديث عن الشريعة لأن في هذه أحكام اعتقادية و تكليفية رغم تعلقها أيضا ببعض المعاملات المدنية أو الجزائية إلخ…و في تلك أحكام عملية صاغها العقل المسلم المجتهد على ضوء الكتاب و السنة . و قد قصرنا البحث في الفقه الإسلامي على المذهب المالكي أساسا بالإضافة إلى المذهب الحنفي ، بما أنهما المذهبين المعتمدين من قبل محرري م إ ع[41] ، دون إغفال ما يعتبر جدة أو إضافة في مجال عيوب المبيع مما اعتمدته المذاهب الأخرى و رجع له القانون التونسي.

إذ أن زاوية نظرنا ستنحصر في منظور القانون التونسي لفقهه الإسلامي حتى لا يقارن بغير مصادره ، أو بالأحرى بغير المذهبين اللذين اعتمدهما . و في هذا الإستدلال تفسير لاستباق عبارة القانون التونسي لعبارة الفقه الإسلامي في صياغة الموضوع و للتمشي الذي سيتم اعتماده في كامل الدراسة ، إذ سنعرض في كل عنصر منها موقف القانون التونسي من المسألة المطروحة ثم تتم مقارنته بالفقه .

فهي دراسة موضوعية ، خيرنا من خلالها عدم الإنحياز لأحد النظامين بقدر حرصنا على البحث عن مصلحة المشتري و البائع و انتظاراتهما من نظرية ضمان العيوب و مدى سعي النظامين القانونيين إلى حمايتهما.

فلئن كانت الدراسة المقارنة قوام عملنا لكنها ليست الغاية منه ، فلا يمكن حصر هدفه في مجرد العرض النمطي لنيقاط التشابه و الإختلاف بين النظامين التي ،وعلى أهميتها ،لكنها لا تفي بالغرض للكشف عن أهدافه. كما تم استبعاد بعض الجوانب لأسباب محددة :فبما أنه سيتم التركيز على التزامي البائع و المشتري الأساسيين ،فقد تم إقصاء كل المسائل المتعلقة بانتقال ضمان العيوب من طرفي العقد إلى أطراف أخرى .

و هي تلك المتعلقة بقابلية هذا الإلتزام للإنقسام و حالة تعدد البيوع و انتقال الحق في الضمان بتعدد الباعة و المشترين ،أيضا مسألة انتقال الحق في الضمان إلى الورثة ،و الوكالة في البيع و الشراء.

و رغم أهمية المسائل التي تم إقصاؤها و الإهتمام التونسي[42] و الفقهي[43] بتنظيمها ،إلا أنها تبقى متعلقة بأشخاص الضمان و بالحق الناشئ لهم منه ، في حين أن تركيزنا انحصر على الضمان في حد ذاته لا على أشخاصه الذين يتجاوزون البائع و المشتري الرئيسيين في العلاقة التعاقدية الثنائية بينهما.

كما تم إقصاء الجوانب المتعلقة بالزيادة في الضمان في إطار أحكام الضمان الإتفاقي نظرا لبحثنا عن أسس يمكن من خلالها بناء جسر لنيقاط التشابه و الإختلاف بين النظامين القانونيين ، و الحال أن الفقه لم يعرف أحكاما للزيادة في موجبات البائع التي يمليها خيار العيب.

كذلك الأمر لصورة من صور الضمان الإتفاقي المستحدثة و هي“كفالة المبيع لمدة معينة من طرف البائع”إذ يعرف بكونه: “الضمان الذي تعمل به القوانين الحديثة بالنسبة للأجهزة و الآلات الجديدة ، فأي عطب يصيب الجهاز أو الآلة المبيعة ، إذا كان ضمن المدة المقررة في العقد ، و كان ذلك في حدود الإستعمال الطبيعي للمبيع ، فعلى الشركة المصنعة أن تصلحه على حسابها و نفقتها. و قد تقوم بإرسال قطع التبديل عند تعطلها في ضمن مدة محددة أيضا.”[44]

و تكرسه غالبا شهادة ضمان يسلمها البائع المحترف للمشتري.

لكن فضلا عن الطبيعة المزدوجة لهذا النوع من الضمان الذي لا يمكن الجزم بكونه ضربا من ضروب التشديد في الضمان القانوني أو من ضروب تخفيفه ، فإن كتب الفقه و فقهاءنا الأقدمين لم يعرفوا هذا النوع من الضمان نظرا لارتباطه بالمصنوعات و الأجهزة الحديثة ، و نظرا لحداثة التعاملات به ، إذ ترجع إلى مطلع القرن العشرين .

و أمام سبات مجمع الفقه الإسلامي الذي كان بإمكانه القياس على أحكام العهدة في الفقه المالكي التي لها أصول تقترب كثيرا من هذا الضمان المستحدث لتأسيسه و تأصيله فقهيا ، لم يسعنا إلا إقصاءه من مجال المقارنة بين قانوننا التونسي و الفقه الإسلامي .

كما يمكن ضبط أساس هذه الدراسة ، إذ لا شك أن الهدف الأساسي من نظرية ضمان العيوب هو حماية المشتري خاصة إذا كان الطرف الضعيف في العقد بحكم تطور العلاقات التعاقدية و مساهمتها في اختلال موازين القوى ، فيكون البائع ملزما بمقتضى هذه الحماية بتسليم المبيع سليما حتى يتجنب قيام دعوى الضمان ضده . لكن لا يجوز تغليب هدف حماية المشتري و إجراءه على إطلاقه لما يتسبب فيه ذلك من إضرار بمصالح البائع ، خاصة مصلحته في الإبقاء على العلاقة التعاقدية حفظا لمبدأ استقرار المعاملات .

لذا يبدو أن الرهان الأساسي من نظرية ضمان العيوب الخفية يتجاوز مجرد النظر الضيق لأحد طرفي العقد قصد حمايته أو الإبقاء على التزامه ، ليرتقي إلى النظر المشترك و الحماية التوفيقية لمصلحتين متباينتين قصد إقامة التوازن المنشود بينهما . و هو توازن يجب ضبطه في الآن ذاته على إيقاع الرهانين المتباينين المتمثلين في حماية المشتري و استقرار المعاملات .

في هذا الإطار المضبوط ، يمكن النظر إلى أي تجربة اعتمادا على مدى توفيقها في إقامة التوازن التعاقدي المنشود و على مدى نجاحها في المعادلة الصعبة ذات الرقمين الصعبين المتمثلين في البائع و المشتري .

إذ تتم معاينة المقاربة التشريعية التونسية في مجال ضمان العيب انطلاقا من عرضها على أحكام فقهها الإسلامي الذي رجعت له في تدوين شريعتها المدنية العامة ، خاصة و أن الأستاذ سانتيلانا بين في كلمته الإفتتاحية لم م م ت ت أن اللجنة سعت: “على أن لا تخاطب العرب إلا بلغة فقهائهم نفسها و بعبارة أوضح عن طريق فقهائهم”[45].

لكن بين لغة الفقهاء و بين حقيقة مقاصدهم ، و بين النموذج الذي قدموه لهذه المعادلة و ما انتهجه المشرع التونسي في نموذجه ، و بين مراد القانون و نتائجه التي تم تحقيقها و بين ما توفر للمتقاضين و ما يمكن أن يوفره النص التشريعي التونسي من حماية لمتطلبات و ثوابت عدة عن طريق مضمونه ، تتمحور معالم هذه الدراسة المقارنة.

لهذا يجوز التساؤل و طرح الإشكال التالي في هذا الصدد : إلى أي مدى حقق القانون التونسي هذا التوازن التعاقدي المنشود مقارنة بالفقه الإسلامي ، و هل خاطب التونسيين في سبيل تحقيقه فعلا بمقاصد فقهائهم أم أنه اكتفى بظاهر ألفاظهم و تراكيبهم ؟ في هذا السياق ، يبدو أن هذا التوازن التعاقدي قد خضع لمنطق التفاوت بين القانون التونسي و الفقه الإسلامي. وهو تفاوت من حيث الشكل و المضمون لا تتجلى مظاهره إلا من خلال بيان : التوازن التعاقدي المتفاوت في مرحلة ثبوت العيب ( الباب الأول ) ، و التوازن التعاقدي المتفاوت في مرحلة القيام بالعيب و انحلاله ( الباب الثاني ) .

الباب الأول :التوازن التعاقدي المتفاوت في مرحلة ثبوت العيب

يمثل التوازن التعاقدي الهاجس الأكبر لأي نظام قانوني في مجمل الأحكام التي تنظم عقد البيع سواء في مرحلة تكوينه أو تنفيذه أو إنهائه ، بما أنه يبلور الفكرة الرئيسية التي تقوم على حماية الإنسجام في مقتضيات العقد و الإلتزامات المترتبة عنه عندما يصيبها اختلال .

و تحكمه مجموعة من المبادئ لعل أهمها : الصبغة التبادلية و الموازنة و التقارب[46]. و لعل أحكام ضمان العيوب انخرطت في هذا الإتجاه ، و هو ما يسعى له القانون التونسي استجابة لروح الحداثة في أحكامه . فتصاعد وتيرة الحياة المعاصرة و تطور وسائل الإنتاج و التوزيع حتم اختلال

موازين القوى التعاقدية ، مما أوجب التدخل التشريعي لمعاضدة هذه الأحكام و تدعيمها بتعديل أوتار التوازن حماية للطرف الضعيف في العقد.

و رغم حداثة هذا المفهوم الذي سبق الإعتراف به مخاض عسير[47] ، ورغم عدم تداوله في ديدن الفقهاء المسلمين و كتاباتهم ، إلا أن معالمه واضحة في أحكام خيار العيب و لا يمكن طمسها .

كما أنه لابد أن يوجد العيب للحديث عن منظومة ضمانه ، وقد رسم القانون التونسي معالمه مثلما أسسها الفقه الذي عرف العيب و ميزه خلافا لما ذهب إليه أحدهم[48] ، كما اعتنى النظامان بتحديد شروطه[49].

فمرحلة ثبوت العيب هي التي تعنى بمفهومه عموما ثم ببيان شروطه الموجبة لقيام الضمان أو الخيار ، و لعل إفراد فصل خاص بمفهوم العيب في القانون التونسي و الفقه الإسلامي أملاه الإختلاف في الإطار العام للمفاهيم التي تحوم حول عيب المبيع في النظامين القانونيين ، و هو اختلاف تبرره مصادر المشروعية التوفيقية التونسية مقارنة بثباتها الفقهي.

كما أن شروط العيب تحظى بأهمية قصوى بما أنها إحدى سبل صيانة التوازن التعاقدي حفظا لمبدأ استقرار معاملات البائع ، لكن لا يجب إهمال المشتري عن طريق تحقيق الحماية الكافية له من خلال تلك الشروط ذاتها ، ليكون مجال التوازن التعاقدي متمثلا في مدى كفاءة النموذج التونسي و الفقهي في إقامة الموازنة بين المصلحتين المتباينتين للبائع و المشتري. و هي جوانب يمكن الإستفاضة في دراستها عبر تناول : إختلاف مجال العيب و أساس مشروعيته ( الفصل الأول )،و الموازنة المتفاوتة بين مصلحتي طرفي العقد في شروط العيب ( الفصل الثاني).

الفصل الأول :إختلاف مجال العيب و أساس مشروعيته

أورد الفصل 630 م إ ع قبل تنقيحه بمقتضى قانون 9– 8– 2005[50] ما يلي: “ضمان البائع للمشتري ينحصر في أمرين ،

أولهما : حوز المبيع و التصرف فيه بلا معارض و هو ضمان الإستحقاق ، ثانيهما : سلامته من العيب و هو خيار العيب.”

ليتبين ارتباط ضمان المبيع بالإستحقاق و العيب الخفي . إلا أنه يطالعنا تعبيرا عن ضمان العيوب مصطلح ” خيار العيب “وهو مصطلح فقهي أساسا ، مما يدفعنا إلى التساؤل عن دواعي اعتماده في ذاك الموضع مع أن السياق المرتبط به الفصل هو الحديث عن ضمان البائع للمبيع لا عن الخيار الممنوح للمشتري و ما يدعم هذا الموقف الصياغة الفرنسية لنفس الفصل و المصطلح الذي

إذ لو كان المصطلح الفقهيLa garantie pour les vices rédhibitoires اعتمدته أي

. L’option pour vice معنيا بسياق العبارة لكان المصطلح الفرنسي المعتمد هو

و ما يمكن استقراءه من توظيف المصطلحات قبل التنقيح المذكور ، هو استعمال المشرع مصطلحا فقهيا في سياق تأطيره لالتزام البائع بالضمان لكنه يبدو مسقطا على مدلوله .

مما يمكن أن يعكس سوء ترجمة عفوية للصياغة الفرنسية لذاك الفصل من طرف اللجنة التي قامت بتلك المهمة، كما يمكن أن يعكس سوء ترجمة موظفة أراد أصحابها من خلالها إصباغ اللون الفقهي على فصل يغلب الطابع الغربي على أحكامه .

لذا يبدو أن الدافع الأساسي لتنقيح سنة 2005 هو تفادي الخلط في المحاولة التوفيقية بين أحكام الضمان و الخيار التي أوقفت المشرع قبل ذلك التنقيح في منتصف الطريق، لكنه أرجع الأمور إلى نصابها و المصطلحات إلى دلالاتها الأصلية . حيث صارت صياغة الفصل 630 م إ ع كما يلي : “ضمان البائع للمشتري ينحصر في أمرين… ثانيهما : سلامته من العيب و هو ضمان العيب…”

فلئن ارتبط كل من الضمان و الخيار بعيوب المبيع ، إلا أن كلا من المفهومين مثل إطارا مختلفا نظمها ، حيث مثلا فلكا تسبح من خلاله المفاهيم المحيطة و الملتبسة بالعيب . كذلك الشأن بالنسبة للأسس التي يقوم عليها الضمان و الخيار إذ بين ثبات المصدر الفقهي ، يبدو القانون التونسي مراوحا بين السبيل الفقهي و المعاصر .

و هو ما سيتم تجسيده انطلاقا من : أثر اختلاف الإطار العام للعيب و موجباته ( المبحث الأول ) ، و تناول أساس مشروعية العيب بين النزعة التوفيقية و الإستنباط من المصادر النقلية ( المبحث الثاني ) .

المبحث الأول :أثر اختلاف الإطار العام للعيب و موجباته

لا يمكن الحديث عن العيب بمجرد إلقاء تعريف بسيط له بين جنبات دراسة مقارنة تضع أحكام قانوننا التونسي أمام مرآة أحد مصادره المادية ،لأن الأمر يتجاوز ذاك التعريف ليبحث عن المنظومة التي تحكمه بمختلف عناصرها و التوجهات التي تعبر عنها . إذ أن ضبط إطار العيب ضرورة أملتها الأسس المختلفة له في النظامين القانونيين ، فعيوب المبيع يحكمها مفهوم الضمان التونسي و مفهوم الخيار الفقهي .

و في إطارهما تكمن مراجع الإختلاف الرئيسية التي تحوم حول العيب،لكنها لا تخفي بعض نيقاط الإلتقاء التي سيتم بيانها في إبانها.

كما لا يمكن تناسي المعايير التي تحكم العيب ، و هي معايير تكتسي أهمية قصوى بما أنها تمكن من حصره و بيان حدوده المضبوطة حتى تكون منظومة عيوب المبيع في النظامين محققة للتوازن التعاقدي المنشود . و بهذا يتبين أن إطار العيب يكمن في المنظومة العامة التي تحكم تعريفه و تمييزه و في المعايير التي تسيره و ترسم معالمه .

و هو ما سيتم تناوله من خلال : إقتران العيب بمدلول الضمان و الخيار ( الفقرة الأولى ) ، و المعايير المعتمدة لبيان العيب و سماتها البارزة ( الفقرة الثانية ).

الفقرة الأولى :إقتران العيب بمدلول الضمان و الخيا

إن ارتباط العيب بإطار الضمان التشريعي التونسي و إطار الخيار الفقهي يعكس أكثر من جانب في تحديد مفهومه . و مسايرة منا لوتيرة القانون التونسي ، حرصنا أن ننطلق من الأثر المختلف للضمان في عقد البيع في النظامين .

و هو ما يحيلنا مباشرة إلى طريقة تعاملهما مع مفهوم العيب و موقعه من عقد البيع و للمفاهيم الملتبسة و المتقاربة معه .

و هو ما سيتم بيانه تباعا بتناول : الإختلاف في علاقة الضمان بعقد البيع ( الفرع الأول ) ، و تعريف العيب و موقعه من عقد البيع ( الفرع الثاني ) ، و تمييز العيب عما يقاربه من المفاهيم و محدودية جدواه الفقهية ( الفرع الثالث ) .

الفرع الأول :

الإختلاف في علاقة الضمان بعقد البيع

لمدلول الضمان ارتباطات مختلفة و استتباعات عديدة ، فهو مفهوم شاسع يضيق المجال عن الإلمام بمختلف جوانبه ، لكن ما يهمنا هنا هو سياق عقد البيع و علاقة الضمان به .

فإذا انطلقنا من قانوننا التونسي لأمكننا العودة بصفة آلية إلى أحكام الفرع الثاني من القسم الثاني من الباب الثاني من المقالة الأولى من الكتاب الثاني لم إ ع المرتبط بالضمان في جزئيه المتعلقين بضمان الإستحقاق و العيب الخفي . و يعرف ضمان المبيع بكونه : “موجب مركز قانوني أو عقدي يلتزم بموجبه البائع بتسليم شيء مفيد للمشتري ، و إلا في حالة عدم تمكنه من ذلك ، يعوض للمشتري وفقا لأسس معينة.”

[51] و لم تنفرد أحكام عقد البيع بتنظيم الضمان في م إ ع ، إذ تبقى مصطلحاته مبثوثة بين جنباتها لتهم أكثر من مجال ، كما أنه منظومة تتسع لتشمل أقسام القانون الأخرى .

لكن ما يهمنا هو الضمان المرتبط بالتزام تعاقدي يؤطره و يضبط مجاله و تحديدا المرتبط بعقد البيع.

فلئن تعلق العيب بمدلول الضمان و إطاره إلا أن ذلك لم يكن محل إجماع بين الفقهاء

اعتبر أن Le Gall الوضعيين الذين اختلفوا في ارتباطه بعيوب المبيع ، فمع أن الفقيه

اعتبر الضمان Starck مصطلح الضمان صالحا لشتى الإستعمالات القانونية[52] ، لكن الفقيه

تعويضا عما يصيب الإنسان من ضرر[53]. مما يبرز انخراطه في تيار الفقهاء الذين فضلوا اعتماد مصطلح المسؤولية بخصوص عيوب المبيع بدلا من مصطلح الضمان من بينهم اللذين ذهبا إلى أن : “مسألة العيوب الخفية لا تعتبر من قبيل الضمان،لأن هذاAubryوRau

يفترض قيام شخص بالدفاع عن الآخر ضد الغير و مثل هذا الفرض لا وجود له في موضوع العيوب الخفية. إذ لا يقوم الضامن إلا بتعويض الضرر الذي لحق بالمضمون و على ذلك يجب أن يكون اصطلاح الضمان قاصرا على ضمان الإستحقاق.”[54]

اعتبر أنه لا يمكن مزج أحكام الضمان في المسؤولية لأن هذه Gross لكن الفقيه ترمي إلى تعويض المشتري عن الضرر الذي أصابه ، في حين تهدف تلك إلى تأمين نقل حيازة نافعة له [55] ، لذا يجب أن ينضاف الضمان إلى موجبات العقد لتعزيز بنيانه [56] .

و هو الموقف الذي تجسده أحكام ضمان المبيع في م إ ع بما أنها تنضاف كأثر من آثار العقد لتعزيز التزامات البائع الناشئة عنه .

في المقابل لئن امتلأت جنبات الكتب الفقهية بمصطلح الضمان نظرا لمساسه بأكثر من مجال ، لكننا لا نجد بينها أثرا يرسم معالم عيوب المبيع . فإذا نظرنا خاصة في أحكام ضمان العقد يتبين لنا أنه ضمان مال تلف انطلاقا من عقد اقتضت أحكامه الضمان: “فالمبيع عند هلاكه في يد البائع مضمون بالثمن فيسقط الثمن بهلاكه و يبطل عقد البيع و يرد الثمن إذا كان قد أدي قبل ذلك.”[57]

لكن ورغم احتلال عقد البيع لمرتبة طلائعية في أحكام ضمان العقد ، إلا أنه لا يتعلق بعيوب المبيع .

و لعل المطلع على مصنفات الفقهاء يلاحظ تواتر مصطلح ضمان المبيع ، مما قد يوقعه في التباس يتصور من خلاله أن أحكام الضمان تلك هي نظيرة لأحكام ضمان العيوب الواردة في م إ ع ، لكنها تتعلق بضمان المبيع لا بالعيب فيه حسب الصياغة الوضعية. إذ أن البائع يضمن المبيع من المخاطر التي تصيبه مادام لم يسلمه بعد ، أو مادام العقد لم يقم صحيحا نافذا لازما مع اختلاف بين الفقهاء[58].

و المخاطر التي تصيب المبيع عديدة ، إذ قد تتعلق بالتلف الكلي بسبب آفة سماوية كالموت و الحريق[59] ، لكن ضمان البائع ينتقل للمشتري بمجرد القبض أو بمجرد قيام العقد صحيحا نافذا لازما حسب اختلاف الفقهاء . و رغم ارتباطه بعقد البيع ، إلا أنه ينأى عن تنظيم العيب فيه الذي نظمه إطار الخيار الفقهي ، و هو ما يبين أن سياقه مختلف عن القانون التونسي .

فهو ضمان يبقى مرتبطا بنظرية تحمل التبعة و المخاطر في عقد البيع التي نظمتها أحكام مبدأ انتقال الملكية و المخاطر في م إ ع مع مجمل استثناءاته ، إذ رغم أن العقد واحد و هو عقد البيع ، و رغم أن المصطلحات واحدة و هي ضمان المبيع ، إلا أن المدلول المتعلق بالعيب مختلف بين القانون التونسي و مصدره المادي .

فالمعنى الدلالي لضمان المبيع فيه مرتبط بالإستحقاق و العيب الخفي رغم تواتر مصطلح الضمان في فصول م إ ع المتعلقة باستثناءات مبدأ انتقال المخاطر مع انتقال الملكية[60] ، في حين أن ضمان المبيع الفقهي ارتبط بالمخاطر التي تطرأ عليه ، لا بعيوبه التي نظمها و حددها إطار الخيار . كما أن هذه العيوب يحكمها تعريف في النظامين القانونيين و تحتل موقعا معينا في العقد ، و هذا ما يحيلنا إلى البحث عن تعريف العيب و موقعه من عقد البيع.

الفرع الثاني :

تعريف العيب و موقعه من عقد البيع

هي جوانب لا يمكن الإلمام بدراستها إلا عبر تناول : تعريف العيب بين السكوت و البيان ( أ ) ، و موقع العيب في عقد البيع بين طبيعة الإلتزام و حكم العقد ( ب ) .

أ – تعريف العيب بين السكوت و البيان :

لم يعرف المشرع التونسي العيب صلب الفصل 647 م إ ع[61] ، فاستعماله لاسم الموصول “التي”[62] يبرز أن نيته لم تتجه نحو التعريف بل نحو بيان معايير العيب . و هو ما عكسته عبارات : “البائع يضمن سلامة المبيع من العيوب التي…و العيوب التي…لا ضمان فيها على البائع.” إذ لو كان المقصود بهذا الفصل تعريف العيب ، لكانت صياغته المعتمدة: “العيب في المبيع هو…”و لكان التعريف مختصرا و لا يستحق مجموع الجمل الواردة بالفصل المذكور لتحديد معايير العيب الموجب للضمان .

كما لم يعرّف قانون حماية المستهلك الصادر في 17 – 12 – 1992 المقصود بالعيب الموجب للضمان ، بل اكتفت الفقرة الثالثة من فصله 17 بالإشارة إلى خضوع الضمان إلى القواعد العامة في م إ ع[63].

إذ فضلا عن إحالة هذه الفقرة إلى تلك القواعد التي لا تستأثر بها العيوب الخفية فحسب بل يشاركها فيها الإستحقاق ، فإنها لا تحتوي على تعريف جامع للعيب .

كذلك الأمر بالنسبة للقانون المتعلق بتحوير التشريع الخاص بالبعث العقاري الصادر في 26 – 2 – 1990، حيث اكتفت الفقرة الأولى من الفصل السادس عشر منه بإلزام المشتري بإعلام الباعث العقاري بالعيوب الظاهرة للبناء في أجل ثلاثة أشهر من تاريخ التسليم[64] ، دون أن تعرف المقصود بالعيب أو حتى المقصود بالعيب الظاهر تمييزا له عن الخفي و لتترك الأمر موكولا إلى اجتهاد القاضي .

و مرد هذا السكوت في هاذين القانونين يرجع إلى إحالتهما إلى القواعد العامة الخاصة بضمان العيوب في م إ ع ، و الحال أن مدونتنا المدنية لم تعرّف العيب بل اكتفت بضبط معاييره .

و هو سكوت لم ينفرد به مشرعنا التونسي بل سبقه إليه المشرع الفرنسي في الفصل 1641م م ف[65].

كما أن أغلب التشريعات الغربية لم تعرف العيب ، نذكر منها : المشرع الألماني و الإنكليزي و الاسكتلندي و السويسري[66].

كما أن معظم التشريعات العربية لم تعرف العيب ما عدى المشرع العراقي في المادة 558 من قانونه المدني الذي أورد أن العيب : “هو ما ينقص ثمن المبيع عند التجار و أرباب الخبرة أو ما يفوت به غرض صحيح إذا كان الغالب في أمثال المبيع عدمه…”و هو تعريف مقتبس من الأحناف[67].

و لم يعرف فقه القضاء التونسي المقصود بالعيب ، ليقتصر دوره على مراقبة مدى تطبيق مقتضيات الفصل 647 م إ ع و معياريه . حيث لا يمكن اعتبار تعريف قرار 4 أوت 1994تعريفا للعيب في حد ذاته بقدر ما هو تعريف لشرط الخفاء فيه.[68]

على أن تعريف العيب ليس ضروريا ، فمتطلبات التوازن التعاقدي و احتياجات الطرفين من نظرية الضمان ليست مرتبطة بتعريفه المجرد بقدر ارتباطها بمقتضيات واضحة تبين آثاره و نتائجه و حقوق و واجبات الطرفين[69].

لكن فوائد التعريف تبقى جمة و لا يمكن إنكارها : إذ أنه يرسم معالم صورة مصغرة ، مانعة جامعة ، تجمل معظم ذات العيب بكلمات مختصرة تنفذ إلى صميم المعنى و المراد منها ، و من شأنها أن تكشف حقيقة المصطلح القانوني و تمنعه من التداخل مع أشباهه من المفاهيم .

لعل ذلك ما جعل الفقهاء يولون تعريف العيب قدرا من العناية، حيث أنهم استفادوا من لغتهم العربية و غزارة دلالاتها فوظفوا موروثهم اللغوي لخدمة أحكامهم الفقهية . فتواتر عبارة : “ما تخلو عنه أصل الفطرة السليمة” في كتبهم لم يكن من قبيل المصادفات الفريدة ، بل كان له حكمة معلومة[70].

إذ أن ضابط أصل الفطرة السليمة مثل مقياسا معتبرا للأحناف لتعريف العيب و تمييزه عن مفهوم الرداءة ، إذ يعرف ابن عابدين العيب قائلا : “و العيب لغة ما يخلو عنه أصل الفطرة السليمة. قال في الشرنبالية ، و الفطرة السليمة هي الخلقة التي هي أساس الأصل ، ألا ترى أنه لو قال بعتك هذه الحنطة و أشار إليها فوجدها المشتري رديئة لم يكن علمها ليس له خيار الرد بالعيب لأن الحنطة تخلق جيدة و رديئة و وسطا. و العيب ما يخلو عنه أصل الفطرة السليمة عن الآفات العارضة لها فالحنطة المصابة بهواء منعها تمام بلوغها الإدراك صارت رقيقة الحب معيبة.”[71]

لذا يبدو أن العيب آفة عارضة قد تكون في الخلقة و التكوين أو طارئة قد حدثت بعد تكوين المبيع ، و من ثم فهو عيب طالما أنه مما يخلو عنه أصل الفطرة السليمة ، فالمقصود بهذه الفطرة هو الحالة الأصلية التي يغلب وجودها في المبيع.

فالكسر أو العطب في الآلة المبيعة يعتبر آفة عارضة مما يخلو عنه أصل فطرتها السليمة المتمثل في سلامة هيكلها و تنظيمها الداخلي ، لكن إذا كان ذلك الأصل يتراوح بين الجودة و الرداءة مثلما يطرأ على الفواكه و الخضروات فإن تلك الحالات لا ترتقي إلى أن تكون عيبا ، بل لا تتجاوز صفة الرداءة[72]. كما يعرف العيب تيارا ثانيا من تعريفاته الفقهية لدى الأحناف تحديدا ، حيث عرفه الفصل 338 م أ ع ع بكونه : “ما ينقص ثمن المبيع عند التجار و أرباب الخبرة.”[73]

إذ فسر الكاساني العيب بقوله : “و كل ما يوجب نقصان الثمن في عادة التجار نقصانا فاحشا أو يسيرا فهو عيب يوجب الخيار.”[74] ليتم التركيز من خلاله على قيمة المبيع في السوق الخاضع تقديرها لأهل الخبرة و هم التجار و أرباب الصنائع .

أما المالكية فقد حاولوا التوفيق في تعريفهم بين التوجهين المذكورين ، إذ فضلا عن كون العيب يعرف بمصطلح النقيصة عندهم ، فقد حاولوا التركيز على تأثيره في العقد[75].

كما أن للعيب إطارا مضبوطا مرتبطا بمصطلح الخيار و هو: “حق العاقد في فسخ العقد أو إمضائه لظهور مسوغ شرعي أو بمقتضى اتفاق عقدي.”[76] و لعل الحكم الأبرز للعقد الذي تعتريه أحكام الخيار هو سلب اللزوم فيه ، أي استواءه في الصفة مع العقود غير اللازمة،لكنه راجع إلى أثر الخيار على حكم العقد[77].

و حكمة تشريع الخيارات الحكمية تتمثل في تفادي النقص الحاصل بعد تخلف شرط اللزوم ، إذ شرعت لتخفيف مغبة الإخلال بالعقد مما يؤدي إلى الإضرار بالعاقد : “فالغاية من الخيارات الحكمية تمحيص الإرادتين و تنقية عنصر التراضي من الشوائب توصلا إلى دفع الضرر عن العاقد.”[78] و لعل التقسيم الأبرز للخيار هو الذي يتناول طبيعته ليصنفه إلى خيارات حكمية تثبت بمجرد حكم الشارع و وقوع سببها الذي لا يحتاج إلى ثبوت اتفاق أو اشتراط بين طرفي العقد و مثاله خيار العيب ، و خيارات إرادية تنشأ من محض إرادة المتعاقد و من أمثلتها : خيار الشرط و خيار التعيين[79].

لذا فإن أحكام الخيار هي السبيل الذي تلتمسه مقتضيات عيوب المبيع الفقهية لا أحكام الضمان ، و لعل : “إضافة الخيار إلى العيب من إضافة السبب إلى المسبب أي الخيار الذي يثبت بسبب العيب.”[80] و مصطلح خيار العيب الفقهي ليس حكرا على أحكام عقد البيع بل يشمل أيضا مجموعة العقود المنضوية تحت لواءه ، كالإجارة و الرهن و القسمة و الصلح و مقتضاه : “أن يكون لأحد المتعاقدين حق الفسخ بسبب عيب اطلع عليه في المعقود عليه المعين بالتعين ، و لم يكن على علم به وقت العقد . فهو خيار إذن سببه عيب بمعقود عليه معين ، و هذا العيب حادث قبل القبض ، و لم يكن عالما به في أثناء التعاقد.”[81] و بالتالي يتبين أن سياق الخيار الفقهي يختلف عن الضمان التونسي .

ب– موقع العيب في عقد البيع بين طبيعة الإلتزام و حكم العقد

لاستقراء المناخ العام الذي يحكم موقع العيب في النظامين ، لابد من الإنطلاق من تعريف عقد البيع فيهما : إذ يعرفه الفصل 564 م إ ع بكونه : “عقد تنتقل به ملكية شيء أو حق من أحد المتعاقدين للآخر بثمن يلتزم به.”في حين يعرف الفقه البيع المطلق أنه : “تمليك البائع مالا للمشتري بمال يكون ثمنا للمبيع.”[82] إذ نلحظ اختلاف زاوية النظر إلى انتقال الملكية ، فالقانون التونسي نظر له من زاوية كونه أثرا من آثار العقد ، في حين أن الفقه اعتبره غرضا شرع من أجله ذلك العقد[83].

فبين الأثر لانتقال الملكية و الغرض منها يكمن مناط الإختلاف ، لأن القانون التونسي يسعى إلى ترتيب الإلتزامات التي تكفل نجاعة هذا النقل بتحميل البائع التزاما بالضمان الذي يشمل العيب بغية نقل حيازة نافعة للمبيع.[84]

أما الفقه فيسعى إلى حماية ذاك الإنتقال عبر صيانة عنصر التراضي و تنقية إرادة العاقد المنتفع بحق الملكية[85] توصلا إلى دفع الضرر عنه ، عن طريق منحه الحق في الرجوع في العقد عبر خيار العيب إذا انتقلت ملكية المبيع إليه بمجرد إبرام العقد و وجد فيه عيبا قد خلى من شرط السلامة الذي يجب أن يرافقه .

إذ يبلور التزام البائع بالضمان موقع العيب في عقد البيع في القانون التونسي ، و هو التزام قانوني أقره المشرع في الفصول من 647 إلى 674 م إ ع ، و هو التزام بتحقيق نتيجة لا يلتزم المشتري تبعا له بإثبات تقصير البائع في الضمان بقدر التزامه بإثبات وجود العيب و شروطه الموجبة لقيامه[86] ، لأن ذلك التقصير مفترض قانونا بمجرد إثبات العيب.[87]

كما أن التزام البائع بضمان العيب تقتضيه طبيعة العقد لا جوهره ، فلا تأثير لإلغائه على العقد و يمكنه التواصل بدونه ، فهو يبقى التزاما ضروريا لا حتميا فيه . إذ لا تهم القواعد المنظمة لهذا الضمان في م إ ع النظام العام و يمكن للطرفين الإتفاق على مخالفتها حسب الفصل 670 .

لكن ذلك يبقى المبدأ القابل للإستثناء ، خاصة مع تطور مفهوم البائع المحترف و بروز مفهوم المستهلك ، مما تطلب مسايرة التشريع التونسي لهذا الخيار عبر تدخل قواعد النظام العام الحمائي الذي جسدته أحكام الفقرة الثانية من الفصل 17 من قانون حماية المستهلك التي منعت إتفاقات عدم الضمان[88].

ليتم تطبيق أحكام الفصل 670على حالات البائع حسن النية عملا بمقتضيات الفصل 673 م إ ع دون المزود و المستهلك[89]. فالبعد الحمائي وحده هو الذي يحول أحكام ضمان العيوب التي تعتبر التزاما يمكن الإعفاء منه إلى أحكام تهم النظام العام لا يجوز للطرفين الإتفاق على تجاوزها خاصة إذا ارتبطت بالمستهلك.

أما في الفقه فإننا لا نتحدث على طبيعة الإلتزام بالضمان ، بل عن حكم العقد المقترن بخيار العيب ، و هو حكم عام ينقسم إلى حكمين خاصين بطرفي العقد : أما الحكم العام فهو انعقاده صحيحا نافذا في حق طرفيه[90] : “و يرجع ذلك إلى أن خيار العيب لكونه لا يدخل على السبب و لا على الحكم فإن أثره على العقد يتحدد في منع لزومه فقط .”[91]

أما الحكمين الخاصين بالطرفين فيتعلق أولهما بالبائع الذي ينعقد البيع في حقه صحيحا نافذا لازما[92] ، لا يجوز له الرجوع فيه.أما ثانيهما فيتعلق بالمشتري الذي ينقسم الحكم في حقه إلى قسمين :أما الأول و هو الأبرز على الإطلاق و استفاضت فيه الكتب ، فهو عدم لزوم العقد من جانبه قبل قبض المبيع إذا وجد فيه عيبا. في حين يرتبط القسم الثاني بالقبض ، ليكون العقد لازما من جانبه لكنه يبقى قابلا للفسخ إذا أثبت العيب و شروطه.لكنه فسخ لا يتم بإرادته المنفردة كحالة عدم اللزوم ، بل يجب أن يتم على عين البائع إما بالتراضي بينهما أو بلجوئهما إلى القضاء.[93]

و لئن تميز هذا الحكم بتشعبه و تنظيمه لكل حالة على حدى ، إلا أنه ينطلق من أسس ثابتة يمكن توضيحها : فالحالة و الحكم الطبيعيين لعقد البيع هو صبغته الإلزامية ، لذا يجب عند وجود الموجب لفسخه أن تلتقي إرادتا طرفاه مثلما التقتا في إبرامه .

لكن إذا وجد المشتري عيبا بعد إبرامه ، فإن ذلك حتما سيتسبب في مضرته ، فإذا تواصل العقد لازما في حقه خاصة عندما لم يقبض المبيع ، فإن خسائره ستكون جمة[94] ، خاصة أمام إخلال البائع بموجب تسليم المبيع سليما ، و هو موجب عقدي ثابت بالشرط ضمنا و بحكم الشرع .[95]

مما أوجب التدخل الفقهي لحماية المشتري المتضرر برفع اللزوم عن العقد ليصير غير لازم من جانبه . و يعرف عدم اللزوم بكونه : “إمكان رجوع العاقد عن العقد و نقضه بإرادته المنفردة دون الحاجة إلى التراضي على ذلك النقض.”[96] لكن هذا الحكم يبقى استثناءا سنه الفقه كحماية للمشتري الذي صدر رضاه عن مبيع خال من العيوب ليجده معيبا قبل القبض.

أما بعد القبض فيتم الرجوع إلى القاعدة العامة التي مفادها أن ما عقد بالتراضي لا يفسخ إلا به ، ليصير العقد صحيحا نافذا لازما في حق المشتري لكنه يبقى قابلا للفسخ بتراضي الطرفين أو بلجوئهما إلى القضاء . خاصة إذا وجد عيب يوجب رد السلعة المشتراة حتى بعد القبض إذا توفرت فيه الشروط الفقهية ، و هو فسخ يرتب التزامات جديدة على عاتق الطرفين .

ليتبين اختلاف المسارين اللذين يسلكهما العيب في عقد البيع بين القانون التونسي و الفقه الإسلامي ، و هما سبيلان سطرهما إطارا الضمان و الخيار المختلفان.

إذ رغم ما قد يبدو من تأثر تونسي بالأحكام الفقهية في تنظيم عيوب المبيع ، إلا أنه لا يحجب البون الشاسع بين موقع العيب التونسي و نظيره الفقهي ، كما لا يحجب الإختلاف في التعاطي مع المفاهيم القانونية المتقاربة مع مفهوم العيب الخفي في القانون الوضعي بين النظامين القانونيين .

الفرع الثالث :

تمييز العيب عما يقاربه من المفاهيم و محدودية جدواه الفقهية

تشكل جدوى تمييز العيب عن أشباهه من المفاهيم كالغلط و عدم المطابقة و فوات الوصف معيارا رئيسيا للإختلاف بين النظامين ، فالغلط يتعلق بماهية المبيع حسب الفصل 45 م إ ع الذي أورد أنه غلط : “في نفس الشيء يكون موجبا للفسخ لغلط في ذات المعقود عليه أو في نوعه أو في وصفه الموجب للتعاقد.” فهو غلط يخرج المبيع عن تصنيفه الطبيعي[97].أما العيب فلا يتعلق بالماهية بقدر تعلقه بالنقص المحسوس في قيمة المبيع أو عدم الصلوحية عملا بمقتضيات الفصل 647 م إ ع . و هذا الإختلاف في الأسس يؤكده تعريف الغلط بكونه : “تصور خاطئ يدفع المتعاقد إلى التعاقد ولم يكن ليتعاقد لو علم حقيقة الأمر ، أو هو حالة تقوم في النفس فتحمل على توهم غير الواقع.”[98] مما يبين الطابع الذاتي النفسي الغالب على أحكام الغلط ، عكس الطابع الموضوعي الغالب على أحكام ضمان العيب.[99]

أما من الناحية الإجرائية ، فمن المتفق عليه أن مآل دعوى الغلط هو البطلان النسبي ، في حين أن الأمر يتعلق بالفسخ و الرد أو التنقيص من الثمن في إطار دعوى ضمان العيوب التونسية . على أن أمر التفريق بين المفهومين ، رغم ما أسلفناه من اختلاف المفاعيل بينهما، ليس بهذه البساطة ، خاصة إذا تعلق الأمر بغلط في صفة جوهرية في العقد .

فقد يكون بالمبيع عيب يجعله غير صالح للإستعمال و لغرضه ، و ذاك الغرض هو عينه الصفة المعتبرة من قبل المشتري التي أوقعته في الغلط[100].

لتكون تلك الصفة على طابعها الشخصي متقاربة مع الغرض الذي أعد له المبيع بمقتضى العقد على طابعه الموضوعي . ليطرح إشكال التعامل مع الدعويين ، إذ لا يجوز للمشتري الجمع بين دعوى ضمان العيب و دعوى الإبطال لأجل الغلط لكن هل أنه مجبر بأن يقوم بأحد الدعويين أم أنه مخير بينهما ؟

يبدو جواب محكمة التعقيب التونسية على هذا السؤال بالصمت و الحال أن فقه القضاء الفرنسي متذبذب بين رفض للتخيير بين الدعويين مع إلزام المشتري القيام بدعوى الضمان ، ثم قبول في مرحلة ثانية منذ سنة 1996 لمبدأ التخيير ، ثم عودة منذ بداية هذا القرن إلى الحل الأول[101].

أما قبول هذه الخيرة من قبل قضائنا التونسي: “فهو رهين تبني سياسة حمائية من عدمها لفائدة المشتري.”[102] لكن إذا ربطنا مناط الغلط بالأحكام الفقهية خاصة في علاقتها بالعيوب ، فلن نعثر فيها عن تمييز يذكر بين المفهومين بل عن تفاعل معتبر بينهما .

ففكرة الغلط الفقهية قد وردت مشتتة بين مجموع الخيارات و لم ترد مستقلة بذاتها[103] ، لأن دافع الغلط ذاتي ، في حين أن السمة الغالبة على الأحكام الفقهية هي الموضوعية و السعي إلى انضباط الإستقرار في التعامل بين الناس أكثر من البحث عن إرادة المتعاقدين الحقيقية[104] .

لهذا لا يمكن الجزم باستقلالية خيار العيب المنظم لأحكام عيوب المبيع الفقهية عن فكرة الغلط ، فحق المشتري أن يتوقع خلو المبيع من العيوب ، لأنه يعتبر من شروط العقد دلالة دون الحاجة إلى التصريح به و من واجب البائع تقدير ذلك ، فإذا ظهر في المبيع عيب: “كان المشتري غالطا و معذورا في غلطه ، له نقض العقد و فسخه و لا يكون ذلك مفاجأة للبائع لأن عليه أن يتوقعه.”[105] فإرادة المتعاقد الذي وقع في غلط تستخلص من طبائع الأشياء و من طبيعة التعامل في العقد و موجباته ، مما يؤكد الصبغة الموضوعية لأحكام الغلط الفقهية : “فإذا ظهر عيب في الشيء ، تبين أن المشتري كان واهما عندما اعتقد أن الشيء سليم من العيب. و من هنا كان خيار العيب متصلا أوثق الإتصال بنظرية الغلط ، بل هو ليس إلا صورة من صوره المتعددة.”[106]

لذا لا يمكن الإقرار باستقلالية مفهوم العيب عن مفهوم الغلط في الفقه الإسلامي ، بل عن ترابط و تكامل وثيق بينهما.

أما فيما يخص عدم المطابقة و تمييزها عن العيب،فإن الريبة يمكن أن تقوم بين المفهومين خاصة أننا لا نجد أثرا لهذه العبارة في م إ ع إلا في الجزء المتعلق بضمان العيوب في الفصل 649 في صياغته الفرنسية[107]. لكن الفصل 606أورد أنه : “على البائع أن يسلم المبيع على حالته التي هو عليها حين العقد و لا يجوز له تغييره بأي وجه من ذلك الوقت.”ليتبين أنه يتم الوفاء بالإلتزام بالتسليم بمجرد ثبوت عدم تغير في المبيع كما و وزنا و كيفا .

و هذا يختلف عن حالة المبيع المعيب التي لا تتعلق بالطبيعة ، بل بالصلوحية للإستعمال و نقص القيمة.لكن فرقا في جودة المبيع يختلف عن الجودة المطلوبة يمكن أن يغير قيمته و صلوحيته للإستعمال ليجعله معيبا و ملتبسة أحكام ضمان العيب فيه مع مقتضيات الفصل 606[108]. كما أن عبارة النقص قد توحي أنها ذات وجهين لتشمل النقص المحسوس و النقص في المبيع .

لكن معيار الخفاء يبقى رئيسيا للتمييز بين المفهومين ، فهذا الشرط الناتج عن قراءة عكسية للفصل 668 م إ ع[109] لا مثيل له بالنسبة لعدم المطابقة التي قد تكون ظاهرة و يمكن ملاحظتها بسهولة ، و مع ذلك توجب قيام مسؤولية البائع نتيجة إخلاله بالإلتزام بالتسليم،[110] كما قد يكون تسليم المبيع مطابقا للعقد و مع ذلك يثبت العيب.

لكن الأمور تزداد تعقيدا بظهور المفهوم الوظيفي لعدم المطابقة في فقه القضاء الفرنسي ، حيث اعتبرت الدائرة الأولى لمحكمة التعقيب الفرنسية في قرارها المؤرخ في 20 / 3 / 1989 أن : “الإلتزام بالتسليم لا يتمثل في تسليم ما وقع الإتفاق عليه فحسب ، بل في تمكين المشتري من شيء ملائم في كل جزئياته للهدف المنشود.”[111]

ليتسع الإلتزام بالتسليم و يشمل حسب مفهومه الوظيفي عدم صلوحية المبيع للإستعمال .

و أمام النقد الذي وجه لهذا الحل ، اعتبر فقه القضاء الفرنسي أن عدم مطابقة المبيع مع الغرض منه لا يعتبر عيبا عملا بمقتضيات الفصل 1641 م م ف[112] .

لكن منطوق فصول م إ ع يؤكد اعتناقها للمفهوم المادي لعدم المطابقة المقتصر على مطابقة المبيع لحالته حين العقد حسب الفصل 606 . لذا : “أمكن التمييز بين المطابقة للإستعمال التي تهم ميدان العيوب و المطابقة للعقد التي تدخل في نطاق الإلتزام بالتسليم.”[113]

أما الفقه فلم يشذ عن تنظيم عدم المطابقة ضمن خيار العيب ، لذا لا يمكننا تمييز المفهومين. فوجوب تسليم المبيع سليما ليس سوى فرضية من فرضيات الإلتزام بتسليم شيء مطابق ، إذ لم يتم تنظيم دعوى مستقلة ناشئة عن الإخلال بالتسليم[114].

فلئن تم تنظيم خيار الرؤية لكنه لا يشمل كل فرضيات م إ ع المرتبطة بالتسليم ، فهو خيار ممنوح لكل مشتر لم ير المبيع في فسخ البيع أو إتمامه ، كما أنه ينطبق على الأشياء المطابقة و غير المطابقة[115]. لذا فإن ثبوت العيب هو دليل على إخلال البائع بالتسليم المطابق.

كما أن حكمة تشريع هذا الخيار هي تأمين مطابقة المبيع الذي تم تسليمه للإتفاق ،فالتسليم المطابق يعتبر دعامة من دعائم هذا الخيار[116].

و لعل الجدل الأكبر يدور حول فوات الوصف الذي يمكن اعتباره صورة مخصوصة لعدم المطابقة تشذ عن أحكام التسليم التي لا يمكن الرجوع لها إلا إذا لم تقع تحت طائلة الفصل 647[117].أما فيما يتعلق بتمييز العيب عن فوات الوصف،فإن السؤال الأبرز هو مدى استقلالية المفهومين ، خاصة أن أحكام الفصل 647 م إ ع و ما بعده جمعتهما معا .

إذ يرى الأستاذ بن عمو في سياق تعليقه على الفقرة الثانية من الفصل 647 أن ما جاء بها لا يعني توسيعا في مفهوم العيب ، بل في ميدان الضمان و إخضاع فوات الوصف إلى نظام ضمان العيب.[118]

إذ لم تشمل كل الفصول المتعلقة بضمان العيوب ضمان الصفة ، فلئن و قعت الإشارة الصريحة إلى فوات الوصف في الفصول 655 و 670 و 672 م إ ع ، إلا أنها لم تشمل فصولا أخرى مثل 652و653. كما أن أثر المفهومين يختلف ، فالعيب يمنع من استعمال المبيع في الغرض المقصود ، بينما لا يعتبر الوصف عيبا قائم الذات و لا يمنع الإستعمال في جميع الحالات[119].

لذا يتحقق ضمان فوات الوصف بقطع النظر عن الصبغة الجوهرية للصفة التي ثبت تخلفها ، إذ يمكن أن لا يكون لها أثر على الإنتقاص في القيمة أو على الصلوحية للإستعمال و مع ذلك توجب الضمان الوارد بم إ ع . فإذا كانت الصفة التي كفلها البائع في المبيع توافق أصل فطرته السليمة كان ذلك عيبا فيه ، أما إذا كانت طبيعته تخلو عادة من تلك الصفة فإن تخلفها لا يعد عيبا[120].

كما أن ضمان الوصف لا يثبت دون اشتراطه صراحة ، و يأخذ حكم الشرط إلزام عرف المكان بتوفر ذلك الوصف ، أو وجوده في النموذج الذي بيع على أساسه، أو وجود قواعد آمرة سن المشرع من خلالها مجموعة من المواصفات لبعض المنتوجات[121].

في حين أن ضمان العيب يثبت دون شرط في العقد ، و دون تصريح من البائع بتحمله أو من المشتري للمطالبة به ، لأنه التزام قانوني تقتضيه طبيعة العقد .

أما إذا انتقلنا إلى الأحكام الفقهية التي لئن نظمت خيار الوصف ، إلا أن الإجماع يندرج على اعتباره صورة من صور خيار العيب ، فهذا التقسيم : “إلى خيار وصف و خيار عيب لم يرد منه حقا أننا أمام قسمين… فالفقه إذن يتحدث عن وصف و عن عيب أي عن صنفين لكن لم يقصد أن الصنفين مختلفان و الدليل أنا نجد في الفقه إذابة لكل فرق بين الخيارين.”[122] و ما يدعم ذلك ، هو تأطير المذهب المالكي للعيوب ضمن خيار النقيصة التي تعتبر: “نقصا في المبيع في عينه أو منافعه بحيث يكون العقد قد وقع على السلامة من ذلك ، إما بحسب ما يشترط المشتري و يلتزم له البائع ، و إما بحسب ما يقضي به من عرف.”[123]

ليشمل مفهوم النقيصة حسب المالكية العيب و فوات الوصف المرغوب فيه معا ، مما يدل على التقارب و التكامل الكبير بين المفهومين ، كما أن موارد العيب و المعايير التي تحكم تصنيفه و تمييزه تكشف أثرا للإختلاف و التقارب في الآن ذاته بين النظامين القانونيين .

الفقرة الثانية :

المعايير المعتمدة لبيان العيب و سماتها البارزة :

للعيب معايير تميزه عن كل ما لا يوجب الضمان أو الخيار ، و لعل الفصل 647 م إ ع الذي لم يعرفه قد ضبط معياريه الرئيسيين اللذين تظهر فيهما بوضوح نزعة التوفيق بين الشرق و الغرب .

كما أن زخم التعريفات التي وردت بخصوص العيب في الفقه قد رسمت معالم ضوابط له يعتد به شرعا[124] ، لعل الصبغة الموضوعية هي الغالبة عليها. وهذا ما سيتم التوسع فيه عبر تناول : الإطار التوفيقي لمعايير العيب في القانون التونسي ( الفرع الأول ) ، و الصبغة الموضوعية الغالبة على معايير العيب الفقهية ( الفرع الثاني) .

الفرع الأول :

الإطار التوفيقي لمعايير العيب في القانون التونسي

أشار الفصل 647 م إ ع إلى معيار النقص المحسوس في القيمة و إلى معيار عدم الصلوحية ، و هما معياران تناوبيان حيث استعمل حرف التخيير“أو”إذ ليس من الضروري توفرهما معا للجزم بكوننا أمام عيب ، بل يكفي توفر أحدهما لتقرير ذلك . حيث تم الإنطلاق من نتيجة و جود العيب،ألا و هي النقص في القيمة كمعيار أول من معاييره،لذلك يمكن القول أن القانون التونسي عبر في سياق ضبطه للعيب عن النتيجة المضمرة في باطنها للسبب.

و من المؤكد أن لمعيار نقص القيمة التونسي جذورا تؤسسه و تعكسها الأعمال التحضيرية لم إ ع ، إذ يطالعنا م م م ت ت في حاشية فصله 754نظير الفصل 647 بمجموعة من المراجع الفقهية التي رجع لها سانتيلانا في إعداده [125] لعل أبرزها مراجع الأحناف الذين هم أكثر من اعتنوا بمعيار النقص في القيمة . نذكر من تلك الإحالات الإشارة إلى تعريف العيب الوارد في الفصل 338 م أ ع ع الذي أكد على نقص الثمن رجوعا إلى التجار و أهل الخبرة.

إذ أن النقص المحسوس في القيمة يعتبر عاملا رئيسيا من عوامل الحديث عن عيب موجب للضمان، لأن تأثيره على القيمة الإقتصادية للمبيع و صبغته المحسوسة في السوق تبقى حجر الأساس لتقييمه و دخوله تحت طائلة الضمان[126]. و بهذا يمكن اعتبار هذا المعيار إقتصاديا بامتياز و مميزا للفصل 647 م إ ع عن نظيره الفرنسي أي الفصل 1641 م م فالذي اكتفى في تحديده لمعيار العيب على درجة تأثيره على إقبال المشتري على اقتناء المبيع في حالة علمه بالعيب من عدمها .

إذ يكفي أن تتم ملاحظة النقص في قيمة المبيع على مستوى السوق الإقتصادية حتى نتحدث عن عيب موجب للضمان، و في هذا تأثر واضح من قانوننا التونسي بالمقتضى العام للحكم الفقهي الذي أقر حسب تعريفي م أ ع ع و كتاب مرشد الحيران سابقي الذكر بتأثير العيب في القيمة ، لكنهم جعلوه موجبا للخيار سواء كان فاحشا أو يسيرا.

كما أن ذلك النقص تحكمه مجموعة من الضوابط التي يجب على القاضي احترامها ، إذ يجب أن يتعلق بعين المبيع لا بتوابعه المنفصلة عنه عملا بالفصل 658 م إ ع الذي بين أن ثبوت العيب فيها لا يوجب الفسخ ، رغم أن ثبوته في الأصل يترتب عنه شمول ذلك الحكم للتوابع و إن استقلت بالثمن . بالإضافة إلى كون النقص المقصود هو المتعلق بقيمة المبيع لا بكميته،لأن نقص الكمية مرتبط بالإخلال بالتسليم الخاضع لأحكام الفصل 605 م إ ع المتعلق بعدم المطابقة لا بعيب يوجب قيام الضمان[127].

كما حدد الفصل 647 محرارا أساسيا لقياس مدى خضوع العيب للضمان و هو العرف و العادة ، إذ أشار إلى إقصاء كل عيب اقتضى العرف و العادة التسامح فيه و هو عامل فقهي : “فما يعتبره العرف عيبا يكون عيبا يثبت به الخيار ، و ما لا يعتبره عيبا لا يكون عيبا و لو نقصت به القيمة.”[128] حيث أن إشارة المشرع إلى أحكام العرف و العادة كضابط لذلك النقص يمكن أن تتسع لتشمل عرف الإستعمال.

كما أشار الفصل 647 إلى معيار عدم الصلوحية للإستعمال الذي قد يبدو شخصيا ، لكنه مضبوط بعاملين يتعلقان بطبيعة المبيع و التنصيصات الصريحة . لذا نلحظ الطابع الموضوعي الذي أرساه المشرع على معيار الإستعمال ، فمدار عدم الصلوحية يقع ضبطه حسب طبيعة الإستعمال المتعارف عليها . و قد انخرطت محكمة التعقيب في قرار 19– 3 –1999 ضمن توجهات الفصل 647[129]. كما يمكن أن يكون العيب تعاقديا ، إذ أن الإتفاق قد يحدد المراد من الإستعمال ليحصره في صورة معينة تكون مخالفتها موجبة للضمان .

و بهذا يتسرب جانب من الذاتية في تحديد معيار العيب ، لأن المتعاقدان يكونان قد اتفقا بمقتضاه على استعمال مخالف لما درجت عليه المجموعة في عرفها و عادتها[130].

لكن ذلك يتطلب إثبات المشتري لعلم البائع بذاك الغرض ، لتتقرر مخالفته بمجرد عدم تحققه . و لعل أفضل وسيلة لذاك الإثبات هي الكتابة[131] من خلال التنصيص على طبيعة الإستعمال في العقد.

و لا يخفى الطابع الغربي لهذا المعيار الذي يسمى أيضا بالمعيار الوظيفي نظرا لإحالة سانتيلانا في حاشية نفس الفصل 754 م م م ت ت إلى مجموعة فصول من المجلات المدنية الأوروبية الإيطالية و السويسرية و الألمانية منها ، خاصة الفصل 1641 م م ف[132].

كما أن الفقه لم يبلور هذا المعيار بوضوح القانون الوضعي ، فلا يمكن أن نجد في مصنفات الفقهاء ما يقربنا من هذا المعيار سوى ما ذهب إليه الشافعية من فوات الغرض الصحيح على المشتري تحديدا منهم لضابط العيب ، لكنه يبقى غرضا متعارفا بين الناس و غير خاضع لاتفاق خاص .

و بهذا تتأكد الجذور الغربية لهذا المعيار الذي تتمثل إضافته الحقيقية في تركيزه على الإخلال بالتنصيصات التعاقدية .

هذا ما دفع بفقهاء القانون الوضعي و خاصة الفرنسيين منهم إلى تسمية هذه النظرية الوظيفية بالنظرية التعاقدية[133] ، لأن الأهم بالنسبة للمشتري هو الوظيفة و الخدمة التي ينتظر أن يحققها له المبيع لا طبيعته في حد ذاتها.

لهذا يعتبر المبيع معيبا بمجرد عدم صلوحيته للإستعمال الذي أعد له ، أو إذا تقلصت تلك الصلوحية إلى درجة أن المشتري ما كان ليشتري المبيع ،أو لاشتراه بثمن أقل لو علم بوجود العيب فيه عملا بمقتضيات الفصل 1641 م م ف[134].

و لا يخفي هذا التوضيح النزعة الذاتية لمعيار الإستعمال الفرنسي نظرا لتركيزه على تأثير العيب على إرادة المشتري و رغبته في اقتناء المبيع لو علم بوجود العيب ، لكن الفقهاء الفرنسيين حاولوا التلطيف من حدة هذه النزعة عبر إصباغ اعتبارات ذلك التأثير بألوان من الموضوعية[135].

أما الفصل التونسي فلم يكن في معرض النقل الوفي لمقتضيات نظيره الفرنسي لأنه وضح الإعتبارات الموضوعية التي يجب على القاضي و الطرفين التثبت منها ألا و هي طبيعة المبيع و مقتضى العقد. و باستقراء لقرارات محكمة التعقيب يتبين أنها حاولت احترام مقتضيات الفصل 647 فاكتفت في مجملها بأحد المعيارين لإقرار وجود العيب و ليكون تطبيقها لهما موافقا له.

إذ نراها في قرار 16 – 11 – 1994 تسعى إلى التثبت من توفر معيار القيمة ، حيث اعتبرت أن : “عدم احترام القواعد الفنية في البناء ، و النقص الواضح في استعمال الكمية المستوجبة و الضرورية من المواد الأولية ، و إنجاز الأشغال دون احترام القواعد المعدة لذلك ، و عدم دراسة الإنحدار و نوعية التربة فإن ذلك ينقص من قيمة المحل.”[136]

في حين أنها اكتفت أحيانا بالتثبت من توفر معيار عدم الصلوحية للإستعمال ، حيث اعتبرت في قرار 8 – 5 – 2002 أنه : “و حيث اعتبرت محكمة الأساس أن تلك العيوب من شأنها أن تخفى على الإنسان العادي و هي كذلك عيوب مؤثرة على صلوحية السيارة بدليل رفض الإدارة منحها الترخيص الفني للجولان.”[137] لتكتفي بمعيار عدم الصلوحية للإستعمال و لتقترب من روح الفصل 647 م إ ع .

و بهذا تتبين النزعة التوفيقية التونسية بين المعيارين الفقهي و الغربي ، كما أن النزعة الموضوعية تبقى طاغية على مجموع معايير العيب الفقهية.

الفرع الثاني :

الصبغة الموضوعية الغالبة على معايير العيب الفقهية

عبر الفقهاء على معيار العيب بلفظ الضابط و وضعوا مجموعة منها ، و هي تتمثل في نقصان قيمة المبيع في عرف التجار ، و نقصان عينه و نفعه ، و فوات الغرض الصحيح على المشتري ، و كل ما ينقص التصرف أو تخاف عاقبته ، و يغلب على مجموعها النزعة الموضوعية . و يعد معيار نقص القيمة و ارتباطه بتقدير التجار من أكثر المعايير تداولا بين الفقهاء و تكريسا للموضوعية ، إذ رجوعا إلى تعريف الفصل 338 م أ ع ع يمكن القول أن التعويل على اعتبار المبيع معيبا يرجع إلى عرف التجار ، و إن كان عامة الناس من غيرهم يرونه غير ذلك . كما أن ذكر التجار ليس تخصيصا لهم ، بل المقصود منه أهل الخبرة و أصحاب الدراية المحترفين في البيع دون سواهم[138]. بالإضافة إلى كون المقصود بنقص الثمن هو النقص في القيمة الحقيقية للمبيع ، لا النقص المجرد في ثمنه المسمى ، فالنقص في المبيعات يقاس بقيمتها الذاتية و بصفة موضوعية بحتة ، بغض النظر عن الثمن المشترى به.

فلو كان العيب لا ينقص إلا ثمن المبيع دون قيمته فلا خيار للمشتري ، إذ لا يقال أنه تضرر بنقصان الثمن[139] أو حتى بارتفاعه عن قيمته الحقيقية ، و هو ما أكده ابن عابدين[140]. كما يمكن أن يثور التساؤل حول حكم أهل الخبرة في تقدير العيب ، فهل يكفي رأي بعضهم دون الآخر أم يشترط إجماعهم حول ذلك الحكم ؟ يبدو أن الأحناف يميلون إلى اشتراط إجماع أهل الخبرة ، إذ يؤكد ابن عابدين : “إن اختلف التجار فقال بعضهم هذا عيب و بعضهم لا ، ليس له الرد إذا لم يكن عيبا بينا عند الكل.”[141] في حين رجح الشافعية الإكتفاء بشهادة التاجر أو التاجرين و لم يشترطوا التعدد[142]. و الأجدى في صورة اختلاف الآراء أن يترك تقدير ذلك للقضاء ، فإذا أجمع التجار و أصحاب الخبرة أن ذاك النقص عيب أو أنه ليس بعيب فإن رأيهم يلزم القاضي بما أنهم أكثر دراية بمجالهم.[143]

كما صاغ الفقهاء معيار النقص في عين المبيع و منفعته بشرط أن يكون الغالب في جنسه عدم وجود العيب ، و هو معيار بلوره الشافعية بامتياز ، فكل نقص في عين المبيع يعتبر عيبا حتى إن لم يترتب عليه نقصان القيمة ، و المعيار هنا موضوعي بحت لأنه يقتضي أن النقص المعتبر هو الغالب في جنس المبيع[144].

كما لم يقصه بقية الفقهاء بل وظفوه حسب تعبيراتهم الخاصة : منها ما أورده الأحناف من كونه ما تخلو عنه أصل الفطرة السليمة ، أو الحنابلة من كونه ما اقتضى العرف سلامة المبيع عنه غالبا ، أو المالكية من أنه ما نقص عن الخلقة الأصلية أو الخلق الشرعي و خالف المعتاد[145].

كما تبنى الشافعية معيارا آخر ركزوا من خلاله على المشتري و وافقهم عليه الأحناف و هو ثبوت العيب بفوات غرض صحيح عليه ، و المتأمل في هذا المعيار قد يقر بتشابهه مع عدم صلوحية المبيع للإستعمال الوارد بالفصل 647 م إ ع لكنه يبقى تشابها خاضعا إلى جدلية التقارب و التنائي في نفس الوقت.

فهو تقارب يتمثل في مطابقة الإستعمال المنشود لنوع المبيع و الغرض منه ، كما أنه تناء يبرزه أن ذلك الغرض لا يمكن تخصيصه بمقتضيات العقد ، بل يبقى موضوعيا بحتا ، فهو الغرض العام المتعارف عليه و ليس الخاص بالمشتري أو الذي اشترطه في العقد . فالفقهاء لم يقصروا العيب على فوات غرض على المشتري ، بل وقع تعميمه ليشمل الغرض الصحيح العام الذي يعتد به الشرع لا المشتري فحسب[146].

كما أضاف المالكية معيارا آخر يتمثل في ما ينقص التصرف في المبيع أو يخاف عاقبته[147] ، و اعتبروا أن البيت الموحش الذي قتل فيه إنسان فنفرت نفوس ساكنيه منه من قبيل ما ينفر منه الناس عادة و تقل رغبتهم فيه فتبخس قيمته ليكون معيبا[148]. مما يبرز النزعة التوفيقية التونسية و هي نزعة تجد لها أثرا في المنظومة المتعلقة بأساس مشروعية العيوب الخفية أمام ثبات الأسس الفقهية.

المبحث الثاني :

أساس مشروعية العيب بين النزعة التوفيقية و الإستنباط من المصادر النقلية

إن العيب يحتاج دائما إلى أسس و دعائم تؤصل مشروعيته داخل نظام قانوني معين ، وهي مهمة الفقيه حتى يبني له صرحا و دلالة بين زخم النظريات و المؤسسات القانونية .

و هو بناء قد يحكمه التأثر ببقية المفاهيم ، و قد ترسمه مرآة الواقع و حاجيات المتقاضين ، و قد يرسمها النص التشريعي المفرز لمشروعيتها . فترانا حينها لا نتحدث عن ثنائية النظري و الواقعي بقدر حديثنا عن مبادئ استنبطها أصحاب القلم لتبرير تلك المؤسسة و بيان جذورها المنطقية.

في هذا الفلك الواسع يسبح أساس عيوب المبيع التونسية و الفقهية ، ففي إطار النزعة التوفيقية التونسية بين المبادئ الفقهية و متطلبات الإقتصاد المعاصر ، و بين ثبوت المصادر النقلية ، يكمن مناط التعاطي مع هذه الأسس . وهي نيقاط تتطلب تقصي : توفيق القانون التونسي بين المبادئ الفقهية و متطلبات الحداثة ( الفقرة الأولى ) ، والمصادر النصية لمشروعية العيب الفقهية و المبادئ المنبثقة عنها ( الفقرة الثانية) .

الفقرة الأولى :

توفيق القانون التونسي بين المبادئ الفقهية و متطلبات الحداثة

إن البحث عن الخصوصية التونسية لأساس ضمان العيب يتطلب إقصاء مختلف النظريات الغربية التي منها ما يرجع أساسه إلى مرحلة تكوين العقد،أو تنفيذه،أو إلى دعائم فلسفية،نظرا إلى قصورها عن الإلمام بذات العيب بما يلائم البيئة التشريعية التونسية[149].

مما يدفعنا إلى الإقرار بصعوبة تبني حل حاسم، نظرا لاستقلالية نظرية ضمان العيوب عن سائر النظريات التي تم تناولها.[150] لذا تبدو النظرية الوضعية الوحيدة التي يمكنها تأسيس هذه المشروعية هي نظرية ضمان العيوب ذاتها التي أثبتت استقلاليتها عن كل أصل نظري آخر.

لكن لا يجب أن يوقعنا هذا الإستنتاج في فخ الإقرار بعدم التأثر التونسي بالقوانين الغربية، فهو حي و ملموس و لا يمكن طمسه ، و هو ما سيتم توضيحه في الفصول القادمة . مما يتطلب البحث عن معالمه داخل التناول التشريعي الغربي لنظرية العيوب الخفية ذاتها ، لا بين ثنايا النظريات التي تؤصل العيب خارج إطار الضمان كنظرية السبب أو الإفتراض أو التسليم إلخ…

لكن الأساس الصلد الذي يمكن أن تقوم عليه عيوب المبيع التونسية هو المراوح بين الماضي و الحاضر ، و بين بعض الثوابت و العديد من المتغيرات ، أي بين المبادئ الفقهية و متطلبات الحداثة . فلئن كان لا يمكن ربط تأصيلنا النظري التونسي عبر تسليمنا بالنقل الوفي لمقتضيات مؤسسة خيار العيب الفقهية إلى نموذجنا التشريعي ، إلا أنه بالإمكان ربطه بمجموعة من المبادئ و التوجهات العامة التي كرسها المشرع في أحكامه المنظمة لهذا الضمان .

من بينها مبدآن هامان : أما أولهما فقد تم تكريسه عبر قصر الإستردادات المتبادلة عند الفسخ على المبيع المعيب و توابعه و غلته منذ إبرام العقد دون أرباحه و فوائده ، كما أن البائع لا يرجع فوائد الثمن الذي تقاضاه عملا بالفصل 660 م إ ع . و هو ما يعكس تأثرا بالتوجه العام للأحكام الفقهية التي تحرم الربا و تمنع استرداد فوائد المبيع المعيب و ثمنه.

و قد برر سانتيلانا في حاشية الفصل 773 م م م ت ت هذا الحكم بالإختلاف الرئيسي بين القانون الروماني و الفقه الإسلامي .

فلئن كان الأول يسمح بأداء فوائد المبيع و الثمن ، فإن الثاني يمنع ذلك و يعتبره من قبيل الربا[151] ، لذلك فقد تم احترام هذا التوجه الفقهي العام صلب أحكام مدونتنا المدنية . كما يمكن أن نشير إلى مبدأ فقهي ثان تبنته م إ ع و كان له تأثير على النتائج المترتبة على ثبوت العيب ، ألا و هو الإعتراف للمشتري بالحق في فسخ العقد و منع الخيار بين هذه الدعوى و دعوى التنقيص من الثمن عملا بمقتضيات الفصل 655 م إ ع التي لا يمكن اللجوء لها إلا كحل احتياطي في صور تعذر الرد التي أشار لها الفصل 661 من نفس المجلة.

و هو حل فقهي بامتياز ،أجمع عليه الفقهاء ما عدى الحنابلة الذين أبقوا الحق في هذا الخيار. حيث أن هذه الخصوصية التونسية هي نقطة اختلاف رئيسية مع القانون الفرنسي الذي اعترف بالحق في الخيار بين الدعويين ، مما يؤكد التأثر التونسي بهذا التوجه الفقهي .

و لعل الحيز الأكبر الذي عرفته أحكام ضمان العيب التونسية هو ارتباطها بالواقع المعيش و تأثرها به و تأثيرها عليه ليكون أساسا متينا من بين أسس مشروعيتها . فقد أمكن لقواعد م إ ع مسايرة واقع تطور المبادلات و صياغة قرينة متعلقة بعلم البائع المحترف بالعيب صلب الفصل 655 م إ ع ، حيث تبقى تلك الإضافة التشريعية تأكيدا ملموسا على هذا التفاعل . لكن مجموع قواعد م إ ع إذا بقيت بمنأى عن التنقيح أو الإضافات التشريعية تكون قاصرة بمفردها عن مجاراة المزيد من تطورات العصر المتسارعة و المقترنة بارتفاع وتيرة الحياة الإقتصادية يوما بعد يوم ، خاصة مع ما تبعها من ارتفاع لسقف انتظارات المتقاضين من قانونهم .

لذلك كان من الواجب تدعيمها و إصباغها بألوان الحداثة حتى لا يبقى البون شاسعا بين القاعدة القانونية و صميم واقعها . و هو ما تطلب بعض الإضافات التشريعية التونسية التي أخذت بعين الإعتبار طبيعة طرفي العقد تارة و طبيعة المبيع طورا.

فنظام الإقتصاد الحر المرتكز على مفهوم النجاعة ما انفك يطور أساليبه مما مكن من تصدير نموذجه تحت غطاء العولمة[152]. و تعتبر تونس من بين البلدان المنخرطة فيه لكن بصفة تدريجية ، خاصة في إطار فترة تحول من إقتصاد موجه شبه اشتراكي إلى نظام تحرري شبه ليبرالي .

و هو توجه واجب التدعيم عن طريق قواعد النظام العام الإقتصادي الحمائي استجابة إلى مجموع الرهانات التي تعتبر حماية المستهلك من أبرزها[153]. فبدايات القرن العشرين المرافقة لصدور م إ ع لم تشهد مساهمة لمفهوم المستهلك في بلورة السياسات الإقتصادية المرتكزة حينها على المفهوم المجرد للمشتري[154]. إلا أن متطلبات الإقتصاد الحر فرضت حماية المستهلك ، خاصة أن البائع المعاصر لم يعد تقليديا ، بل صارت تجسده الشركات و المؤسسات التي يحكمها منطق العرض و الطلب و يسيرها مضمار التسابق نحو تضخيم الإنتاج لتدعيم الأرباح ليعتبر المستهلك تجاهها الطرف الضعيف في عملية التبادل .

مما تطلب التدخل التشريعي التونسي لفرض حماية المستهلك على البائع المحترف تدعيما لجودة المنتوج و لتسليمه خاليا من العيوب . في هذا الإطار يندرج القانون عدد 117 لسنة 1992 المؤرخ في 7 ديسمبر 1992المتعلق بحماية المستهلك ، و تحديدا في الفصل 17 منه الذي لا تكمن إضافته في فقرته الأولى أو في مطلع فقرته الثالثة اللذان اقتصر دورهما على إلزام المزود بالإعتراف بحق الضمان للمستهلك و على التذكير بخضوعه إلى القواعد العامة لم إ ع[155].

لكن الإضافة الملموسة للفصل المذكور بلورتها صياغته لمجموعة الإستثناءات لقواعد الشريعة المدنية العامة و التي تمثلت في : 1 – إنتقال الحق في الضمان بحكم القانون مع انتقال الملكية ، 2 – بطلان الإتفاقات و البنود المتعلقة بعدم الضمان ، 3 – إمكانية ضبط طرق الضمان الخاصة بكل منتوج بقرار من وزير الإقتصاد[156].

إلا أن النسق السريع لوتيرة الحداثة جعل نظرية حماية المستهلك القائمة على التبادل المباشر غير محققة لجميع أهدافها ، خاصة مع بروز التجارة الإلكترونية التي تشكل ثورة في نطاق أنظمة التجارة : “و يؤكد العارفون بأنها ستكون الأساس الوحيد للتعامل في السنوات القادمة ، و سيضطر العاملون في الميدان التجاري إلى الإنخراط في هذا المنهج و إلا تحتم عليهم الخروج تماما من هذا العالم.”[157]

و في إطار مسايرة القانون التونسي لهذه الوتيرة ، صدر القانون عدد 83 لسنة 2000 المؤرخ في 9 أوت 2000 المتعلق بالمبادلات و التجارة الإلكترونية ، الذي لئن أحال فصله الأول صراحة إلى القواعد العامة للضمان[158] ، لكنها تبدو قاصرة عن توفير الحماية للمستهلك خاصة إذا ارتبطت المعاملة الإلكترونية بطرفين لا يملكان نفس الجنسية و لا يقطنان داخل إقليم ترابي واحد يسهل دور الإختصاص الترابي لمحاكمنا التونسية مما يحد من نجاعة الدعوى[159].

هذا ما جعل القانون المذكور و في إطار خروجه عن القواعد العامة للضمان يعترف للمستهلك بحق العدول في فصوله 30 و 32 و 33[160]،و هو حق يخول له التراجع عن الشراء في أجل 10 أيام من تاريخ تسلمه للبضاعة ، و بالنسبة للخدمات من تاريخ إبرام العقد ، و هو حق غير خاضع لاستثناءات الفصل 32 في مجال ضمان العيب.

و بغض النظر عن تداعيات هذا الحق التي سيتم بحثها لاحقا ، فإنه يمثل شهادة أخرى على تدعيم المشرع للقواعد العامة للضمان و على محاولته مواكبة متطلبات الحداثة كأساس من أسس مشروعيته.

بالإضافة إلى الإعتبارات المتعلقة بطرفي العقد توجد اعتبارات تتعلق بطبيعة المبيع و تحديدا تلك المتعلقة بالبيوع العقارية ، نظرا لتطور هذا النمط من البيوع في بلادنا و بروز عدة شركات و مؤسسات تتولى مهمة البعث العقاري لعل أهمها الشركة القومية العقارية بالبلاد التونسية .

إذ لم تعد هذه البيوع تقتصر على صبغتها التقليدية المتعلقة ببائع و مشتر يتعاقدان بخصوص العقار، بل ارتبطت كذلك ببروز شركات البعث العقاري التي تتولى بناء مجموعة ضخمة من العقارات و بيعها تارة بمجرد اكتمالها و جاهزيتها التامة للسكن ، و طورا و العقار بصدد الإنجاز.

مما تطلب التدخل التشريعي في هذا المجال أيضا عن طريق القانون عدد 117 لسنة 1990 المتعلق بتحوير التشريع الخاص بالبعث العقاري الصادر في 26 – 2 – 1990 الذي أرسى استثناء للقواعد العامة متعلقا بضمان الباعث العقاري لعيوب المبيع الذي أصبح يطال بمقتضى هذا القانون العيوب الظاهرة بالنسبة للعقارات التي بصدد الإنجاز دون العقارات التامة التي تبقى خاضعة لتلك القواعد[161]. في المقابل فإننا نتحدث في الفقه عن أساس ثابت لمشروعية عيوب المبيع و عن مبادئ منبثقة عنه.

الفقرة الثانية :

المصادر النصية لمشروعية العيب الفقهية و المبادئ المنبثقة عنها

المصادر النقلية المقصودة هي القرآن و السنة و ما تضمناه من أحكام يمكن أن يستنير بها الفقيه لتأسيس مشروعية خيار العيب الفقهية و بناء المبادئ عليها ، فخيار العيب لا يجد أساسا لمشروعيته في أي خيار آخر و لا أي نظرية فقهية أخرى بقدر استقاءه لذلك من النصوص الشرعية. لذا فقد ثبت دور كل من:المصادر النقلية و تأثيرها على مشروعية خيار العيب(الفرع الأول)و المبادئ المنبثقة عنها و بعدها الحمائي للعلاقة التعاقدية (الفرع الثاني).

الفرع الأول :

المصادر النقلية و تأثيرها على مشروعية خيار العيب

لم يرد سياق لفظ العيب في القرآن الكريم إلا مرة واحدة و لم يكن متصلا بالخيار[162] ، لكن المفسرين لم يذكروا شيئا عن تعريفه عند تفسيرهم للآية التي ذكرته لأنها لا تؤدي إلى صميم المعنى بقدر ما تؤديه الآية التي ورد فيها قوله تعالى : “يَا أيّهَا الذِينَ آمَنُوا لاَ تأكُلوا أمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بالبَاطِلِ إلاَ أنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ ترَاضٍ مِنْكُمْ.”[163] و قد استدل بها الفقهاء لإقرار مشروعية خيار العيب ، إذ أن انعدام الرضا يمنع صحة عقد البيع و اختلاله يوجب الخيار فيه إثباتا للحكم على قدر الدليل[164].

فإذا ثبت وجود عيب فكأن المشتري قد دفع ثمنا لا يتناسب مع المقابل القيمي للمبيع ، و كان من المفترض على البائع تسليمه خاليا من أي عيب . فيكون بهذا قد أكل مال المشتري دون وجه ، و هذا يكون من باب أكل مال الناس بالباطل الذي نهت عنه الآية[165]. كما استخلص الفقهاء: “أن العاقد لا يلزمه المعقود عليه المعيب بل رده و الإعتراض بقطع النظر عن طريقة الرد و الإصلاح لذلك الخلل في تكافؤ المبادلة.”[166]

كما زخرت السنة النبوية بالأحاديث التي تؤصل مشروعية هذا الخيار ، إذ ركز قسم منها على ضرورة تثبت البائع من سلامة مبيعه ، و منها ما أكد على وجوب إعلام البائع معاقده بالعيب إن كان يعلمه ، و هو ما سيتم بحثه لاحقا . أما بالنسبة إلى جملة الأحاديث المؤسسة لمشروعية خيار العيب فيمكن أن نذكر منها قوله ۖ : “البيعان بالخيار ما لم يتفرقا فإن صدقا و بينا بورك لهما في بيعهما ، و إن كتما و كذبا محقت بركة بيعهما.”[167]

و مؤداه أن البائع إذا كان عالما بالعيب وجب عليه عدم كتمانه عن المشتري مادام مجلس العقد قائما بينهما. و منها حديث كان خاصا ببيوع الرقيق ، لكن الفقهاء استدلوا به في سياق مشروعية خيار العيب عموما و هو ما روي عن العداء ابن خالد أنه قال : “كتب لي النبي ۖ : هذا ما اشترى محمد رسول الله من العداء بن خالد ، بيع المسلم للمسلم لا داء و لا خبثة و لا غائلة.”[168]

كما أن رسول الله ۖ : “مر على صبرة طعام فأدخل يده فيها فنالت أصابعه بللا فقال : ما هذا يا صاحب الطعام ؟ قال : أصابته السماء يا رسول الله قال : أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس ، من غشنا فليس منا.

”[169] و هو حديث يدل على النهي عن إخفاء العيب و عن استعمال الطرق الإحتيالية لذلك . و لعل الحديث الأبرز في مشروعية هذا الخيار و الذي أجمع عليه الفقهاء ما عدى الأحناف منهم ، هو الحديث الشهير بحديث المصراة ، و مفاده قوله ۖ : “من ابتاع شاة مصراة فهو فيها بالخيار ثلاثة أيام إن شاء أمسكها و إن شاء ردها و رد معها صاعا من تمر.”[170] و التصرية المقصودة تحمل بين ثناياها مفهوما لغويا و مفهوما اصطلاحيا . أما لغة فهي تعني حقن اللبن في ثدي الحيوان حتى يوهم المشتري أنه ذو لبن غزير.[171]

و قد فسر الفقهاء المقتضى الفقهي لهذا الحديث[172] ، كما تم تلخيص الأهمية التشريعية له ، حيث أجمع أهل العلم على صحته و ثبوته و رواته الثقات[173].

إذ لا خلاف بين الفقهاء حول حرمة التصرية لما فيها من إضرار بالمعاقد بطرق غير مشروعة ، و النهي هاهنا حقيقة في التحريم ، كما لا خلاف حول صحة العقد إذ لا يمكننا الحديث عن عقد باطل أو فاسد ، بل عن عقد صحيح نافذ لكنه غير لازم من جهة المشتري الذي تم منحه إمكانية الخيار ، لكن الخلاف بين الفقهاء ارتكز على مقتضى هذا الخيار.

حيث ذهب جمهور المالكية و الحنابلة و الشافعية و حتى الفقيه أبو يوسف من الأحناف إلى إثبات الخيار للمشتري بين الإمساك و الرد، في حين رأى أبو حنيفة و محمد أن التصرية لا توجب الخيار و أنها لا تمكن المشتري من رد المبيع . و قد اختلفوا في الأثناء حول إمكانية الرجوع بنقص الثمن[174] ،إلا أن التصرية تبقى صورة من صور أكل أموال الناس بالباطل دون الرضا الكامل بين الطرفين،لأن المشتري لم يقدم على شراء الشاة المصراة إلا لكونها كثيرة الحلب.

لكن قولة ابن عبد البر تؤكد لنا أن حديث المصراة لم يفرد خيار العيب بتأصيل المشروعية ، إذ ينضاف له خاصة خيار التدليس . و هناك من الفقهاء من خص مقتضيات هذا الحديث لتأصيل ما سموه بخيار التصرية[175]. و لهذا لا يمكن اعتبار مقتضياته مشرعة لخيار العيب بالكلية ، لأنه تناول جانبا منه فحسب ألا و هو التدليس بالعيب و استعمال الطرق الإحتيالية لذلك ، و الحال أن هذا الخيار يمكن أن يقوم و البائع جاهل بوجود العيب أيضا ، و هذا ما يميز خيار العيب عن خيار التدليس خاصة ، لكنه يبقى الدليل النبوي الأبرز الذي ساقه الفقهاء لتأصيل مشروعية خيار العيب الفقهية و الذي ينضاف إلى الدليل القرآني ، و هي أدلة استنبطوا منها المبادئ التي أصلوا بها هذه المشروعية عبر الأدلة العقلية.

الفرع الثاني :

المبادئ المنبثقة عن المصادر النقلية و بعدها الحمائي للعلاقة التعاقدية

هما مبدآن رئيسيان يتمثلان في صيانة المساواة التي تعتبر قوام العقد ، و في حماية الرضا الذي انبنى عليه ، حيث تبدو الصبغة الحمائية هي السمة البارزة لهاذين المبدأين اللذين صاغهما العقل المسلم المجتهد انطلاقا من الكتاب و السنة . أما بالنسبة للمساواة ، فيمكن التذكير بتعريف عقد البيع المطلق و هو أقرب ما ينسجم مع تعريف الفصل 564 م إ ع و مفاده أنه : “تمليك البائع مالا للمشتري بمال يكون ثمنا للمبيع.”[176] و هو ما يبرز أن عقد البيع من عقود المعاوضات التي تقوم على فكرة التعادل في صبغتها التبادلية، فالثمن الكامل للمبيع يجب أن يعادله سلامته من العيوب. لذا فإن وجود العيب يحدث الخلل على مبدأ المساواة،لأن ذاك الثمن لا يجد نظيرا له إلا في مبيع معيب ، مما يخل بتوازن المبادلات[177] . فالمبدأ العام المتفق عليه هو كون الثمن الذي تولى المشتري دفعه يعتبر مقابلا لعين خالية من العيوب.

و حيث أن مقتضى هذا المبدأ يكمن في أن : “الثمن كله يجب أن يقابله تسليم للعين كلها ، فإذا وجدت العين معيبة فإنه يجب إنقاص الثمن كحل منطقي و بديهي . و لكن المشتري عادة لا يرغب بذلك و إنما يلجأ إلى فسخ العقد ، لأنه لا يبحث عن عين معيبة بل يبحث عن عين سليمة كاملة.”[178] فغرض المشتري من اقتناء المبيع هو الإنتفاع به ، و هو ما لا يكتمل ما لم يكن خاليا من العيوب التي من شأنها أن تؤثر على سلامته.[179] و هذا التأصيل يؤكد الإعتبار الذي مفاده أن خيار العيب الفقهي ليس سوى فرضية من فرضيات الإخلال بالإلتزام بالتسليم المتمثل في عدم المطابقة الذي تبناه القانون الوضعي عموما ، و مشرعنا التونسي على وجه الخصوص.[180] أما المبدأ الثاني فهو مبدأ حماية الرضا في عقد البيع و تفادي الإخلال به ، إذ أن الأساس الذي يقوم عليه خيار العيب هو الخلل الذي أصاب رضا المشتري في العقد ، حيث أنه كان مبنيا على سلامة المعقود عليه.

و هي سلامة يجب أن تخدم الغرض من اقتناء المبيع ألا و هو الإنتفاع به ، ليكون ظهور العيب مخلا بالأساس الذي تم عليه التعاقد و مخلا بذاك الغرض . و حيث أن الرضا أساس عام تقوم عليه جميع العقود[181] : “و لأن السلامة لما كانت مرغوبة المشتري فلم تحصل فقد اختل رضاه ، و هذا يوجب الخيار لأن الرضا شرط صحة البيع ، و قد قال تعالى : يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم.”[182] فإذا لم يتحقق الرضا ، أعطى الشارع حق فسخ العقد للطرف الذي اختل رضاه ليكون له حق رد المبيع المعيب أو إمضاء العقد. هذا ما يدخل على لزوم العقد لا على صحته،لأن حالة الصحة مترتبة عن انعدام الرضا لا عن حصول خلل فيه فحسب . و في هذا البيان تأكيد على أن خيار العيب ليس سوى صورة من صور الغلط في القانون الوضعي و في القانون التونسي .

و بهذا يتضح لنا أن مبادرة المجلس الوطني لتنظيم و ترتيب الأحكام الجاري بها العمل في تنقيح و مراجعة بعض فصول م إ ع التي جسدها قانون 15 أوت 2005 ، و تحديدا الفصل 630 و مجموع فصول ضمان العيوب يمكن تبريرها باختلاف مفاعيل و منطلقات إطاري الضمان و الخيار.خاصة إذا تم ربط تلك العيوب بصميم البيئة التشريعية التونسية التي حكمها المنطق التوفيقي في أساس مشروعيتها ، خلافا للفقه الذي كان المصدر فيه ثابتا و المبادئ المنبثقة عنه شديدة الإرتباط به . لذا فإن الإطار المختلف للعيب في النظامين القانونيين يؤكد لنا أن مدونتنا المدنية لم تتكلم صراحة بلغة فقهائها في ضمان العيب إلا في أضيق الحدود، لكنها تكلمت بلغة العصر خاصة عبر مختلف القوانين التي لحقتها. على أن ما رأيناه إلى حد الآن يمثل المظهر النظري و المسوغ الرئيسي للتفاوت في تحقيق التوازن التعاقدي بين النظامين القانونيين ، في حين أن المظهر العملي له يتطلب نزولنا إلى معترك شروط العيب.

الفصل الثاني :

الموازنة المتفاوتة بين مصلحتي طرفي العقد في شروط العيب

لا يجب الإكتفاء بالعيب لكي نجزم باقتحام المشتري معترك الدعاوى القضائية للمطالبة بحقه في الفسخ و استرداد الثمن ، لأن ذلك يتطلب المرور حتما عبر معبر شروط العيب مع استيفائها كاملة. و الشرط هو : “ما يلزم من عدمه العدم ، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته.”[183] لكن أساس مشروعيته غير مرتبط بماهية المؤسسة التي يتناولها كالركن في العقد بقدر ارتباطه بجوهرها . و يدرج الفقه شروط العيب في باب الشرط المحض الذي ينقسم إلى شروط جعلية و شرعية[184] ، فسلب اللزوم من العقد بسبب العيب رهين لإثبات شروطه.

كما أن عيوب المبيع التونسية شديدة الإرتباط بمجموعة الشروط الواجبة التحقق حتى نتمكن من الحديث عن التزام قانوني بالضمان لا يرتبط بإثبات تقصير البائع ، بقدر ارتباطه بإثباتها. و هي شروط أوردتها الفصول647و650و 668 م إ ع،و ذكرت بها محكمة التعقيب في قرار 5 ديسمبر 1995[185]. كما أنها شروط أوجبها الفقهاء ، و عبروا عنها بلفظ “شرائط العيب”و أجملوها في شرط قدم العيب و عدم علم المشتري به و عدم اشتراط البائع البراءة منه ، و هو شرط أجلنا تناوله إلى حين البحث في مقتضيات إسقاط القيام بمقتضى العيب.

و الحكمة الرئيسية من هذه الشروط هي صيانة مبدأ استقرار المعاملات ، لكن هذا الهاجس لا يجب أن يطغى على حماية المشتري أخذا بعين الإعتبار لمؤهلاته و قدراته الفنية. لذا فإن الهاجس الأكبر الذي يجب أن يسعى له النظام القانوني يتمثل في الموازنة بين استقرار المعاملات و حماية المشتري التي يحكمها التفاوت بين النظامين القانونيين و يبينها مفصلان رئيسيان هما : مظاهر الموازنة المتفاوتة في الشروط المتعلقة بعين المبيع (المبحث الأول) ، و مظاهر الموازنة المتفاوتة في شروط علاقة المشتري بالعيب (المبحث الثاني).

المبحث الأول :

مظاهر الموازنة المتفاوتة في الشروط المتعلقة بعين المبيع

هذه الشروط هي المرتبطة بالمبيع ذاته ، و هي تنحصر في شرطين يتمثلان في جسامة العيب و قدمه . فشرط الجسامة يلعب دورا طلائعيا ، إذ يجب أن يكون العيب على درجة من التأثير على قيمة المبيع و صلوحيته للإستعمال . لكن درجة ذلك التأثير هي التي تبقى محلا للتعامل المختلف التونسي و الفقهي ، فالصياغة الحرفية التونسية لهذا الشرط قد توقع المشتري في مأزق حقيقي إذا كان مطالبا بإثباتها.

كما ينضاف شرط قدم العيب إلى جسامته ، حيث أن الإشكال يتعلق بالعيب الحادث بقسميه، و هنا نتحدث عن منطق التجزئة التشريعية لوقت الضمان حسب نوع المبيع التي لم تعرفها الأحكام الفقهية . و يمكن أيضا أن يكون العيب حادثا لدى المشتري بسبب البائع ، وهو ما أقصاه القضاء التونسي في مقابل اعتراف الفقه به . بالإضافة إلى إشكال عبئ إثبات قدم العيب الذي يمثل عائقا أساسيا أمام المشتري قد اختلف التعاطي بخصوص تخفيفه ، و هو ما سيتم دراسته عبر تناول : شرط جسامة العيب بين النقائص و التدارك ( الفقرة الأولى ) و شرط قدم العيب و اختلاف تناول زمن اعتباره و إثباته ( الفقرة الثانية ).

الفقرة الأولى :

شرط جسامة العيب بين النقائص و التدارك

تبقى نقائص الصياغة التشريعية لشرط الجسامة نقطة أساسية ، خاصة إذا تمت مقارنتها بطريقة التعامل الفقهي مع مدلولها . و هو ما سيتم التطرق له تباعا عبر تناول : نقائص الصياغة التشريعية لشرط الجسامة ( الفرع الأول ) ، و التعامل الفقهي مع شرط الجسامة و مدى تداركه للنقائص التشريعية ( الفرع الثاني ) .

الفرع الأول :

نقائص الصياغة التشريعية لشرط الجسامة

إن الإشكال في الصياغة التشريعية لشرط الجسامة الوارد في الفصل 647 م إ ع غير مرتبط بصفته المحسوسة التي يجب أن تميز النقص في القيمة ، بل بدرجة تأثير ذلك النقص و في ارتباطه بعدم صلوحية المبيع للإستعمال . حيث يشير إلى أن : “العيوب التي لا تنقص قيمته…إلا بالقدر اليسير لا ضمان فيها على البائع…”فما المقصود بالعيب اليسير الذي تم إقصاءه ؟ إن البحث عن المقصد التشريعي يتطلب الرجوع إلى أحكام الفصل 655 م إ ع الذي رتب على ثبوت العيب فسخ العقد مع إشارته إلى رد الثمن من قبل المشتري و حرمانه من طلب تنقيصه. ليتبين أن العيب اليسير هو كل عيب لا يمكن أن تؤدي جسامته إلى النتيجة القصوى المتمثلة في طلب الفسخ ، أي أن الضمان مرتبط بتأثير العيب الفادح في القيمة و بخسارة المشتري الكبيرة التي تمكنه من طلب فسخ العقد.و ما يدعم هذا التحليل مصطلح

الذي يقابله العيب اليسير الذي أشارت له الصياغة الفرنسية للفصل 647Le vice majeur

لكن الإشكال يبقى قائما حول العيب الذي يتوسط الجسامة المطلقة و اليسر الذي يمكن

الذي رغم صبغته المحسوسة إلا أنه يبقى مقصىLe vice moyen تسميته بالعيب المتوسط

من إطار الضمان . إذ يمكن أن توجد عيوب يكون لها تأثير محسوس على القيمة الإقتصادية مع إجماع عرف المكان على اعتبارها مؤثرة ، لكنها تبقى خارج دائرة الضمان التونسي لأنها لا تمكن من طلب الفسخ بل من تنقيص الثمن فحسب ، وهو حل يبقى احتياطيا يتم اللجوء له في صورة تعذر الرد و ليس حلا أصليا.و حسب صياغة الفصل 647 يمكن اعتبار هذه العيوب يسيرة قد ساوى مشرعنا بينها و بين العيوب المغتفرة بحسب العرف و العادة في عدم خضوعها للضمان و الحال أن في بقاءها ضرر ينقص من انتفاع المشتري بالمبيع.

كما أنها نقائص تجليها عدم صلوحية المبيع،إذ يشير نفس الفصل أن البائع يضمن العيوب التي تجعل المبيع : “غير صالح لاستعماله فيما أعد له بحسب نوعه أو بمقتضى العقد… و العيوب التي لا تنقص…الإنتفاع به إلا بالقدر اليسير لا ضمان فيها على البائع…”فصياغة هذا الفصل واضحة في عدم أخذها بنقص الإستعمال أو الإنتفاع كمعيار جوهري لتأثير العيب ، بل فقط بعدم صلوحية المبيع المطلقة للإستعمال ، فالنقص الوحيد الذي يعتد به هو الذي يترتب عليه الإنعدام الكلي للصلوحية . و هي صياغة قد تظهر نقائصها مقارنة بالفصل 1644 م م ف الذي لئن أشار إلى أن البائع يضمن عيوب المبيع التي تجعله غير صالح للإستعمال ، لكنه أشار في شقه الثاني أن البائع يضمن كذلك العيوب التي تنقص من ذاك الإستعمال بحيث لو اطلع المشتري عليها لامتنع عن الشراء أو لاشترى المبيع بثمن أقل[186].

فإشارة هذا الفصل إلى العيب المتوسط واضحة عبر بيان مقتضاه و هو النقص في الإستعمال لا عدم الصلوحية فحسب ، و خاصة بالإشارة إلى نتيجته المتمثلة في شراء المبيع بثمن أقل مما يؤدي إلى المطالبة بتنقيصه . حيث أجمع الفقهاء الوضعيون على أنه ليس من الضروري أن يجعل العيب استعمال المبيع مستحيلا حتى يثبت الضمان[187]. فبالإضافة إلى هذه الحالة ، يمكن أن نتحدث عن الضمان في حالة النقص في التمتع بمنافع المبيع النقص الذي يبقى شرط الجسامة مطلوبا فيه . إذ قد توجد عيوب تتسبب في عدم صلوحية المبيع للإستعمال بالمرة ، لكنها لا تتوقف عند هذا الحد ، إذ قد توجد عيوب أخرى تؤدي إلى الإنقاص من الإنتفاع و لا تعدمه تماما بحيث أنها تبقى معيقة لاستعماله العادي. و بهذا يمكن الإعتداد بهذا النقص حتى لو كان المبيع قابلا للإصلاح لكن من شأن إجراء الإصلاحات اللازمة لدرء العيب أن تؤدي إلى حرمان المشتري من الإنتفاع بالمبيع مدة طويلة[188].

لذا فإن المقتضى الأصلي لدرجة تأثير العيب هو الذي يقصي العيب التافه الذي لا تأثير له على القيمة و لا يقصي العيب اليسير الذي قد يشمل مفهوم العيب المتوسط ، فالعيب التافه هو الذي لا يترتب عليه إلا النقص في بعض الأمور الكمالية التي لا تنقص من الإنتفاع بالمبيع إلا نقصا ضئيلا . كذلك الأمر إذا لم يكن من شأن العيب إلحاق ضرر بالمشتري ، أو إذا كان ضررا تافها و متوقعا[189] ، ومثاله وجود خدش بهيكل السيارة . كما يعتبر عيبا تافها ، العيب الذي يمكن إزالته بإصلاحات بسيطة ليكون سهل التدارك[190] : “أما إذا كان الإصلاح كبيرا و يحتاج إلى و قت طويل لإنجازه بحيث يتعطل الإستعمال فترة طويلة ، يكون للمشتري أن يتمسك بالضمان.”[191] هذا النوع هو الذي يجب أن يتلاءم مع جملة العيوب التي لا تنقص من قيمة المبيع أو الإنتفاع به إلا بالقدر اليسير التي أشار لها الفصل 647 م إ ع و ساوى بينها و بين العيوب المتسامح بها عرفا في إقصائها من الضمان ،لا العيب اليسير المنقص من الثمن.

ولعل المثال الواقعي الذي يظهر فيه هذا الإشكال هو المتعلق بعيوب بالمباني السكنية ، إذ بين الأستاذ عبد الوهاب الرباعي أن أحكام م إ ع لا يمكن قصرها على العيوب المعيقة لاستعمال المبنى تماما ، إذ يكفي أن تعيق انتفاع المشتري به ، و هي مسألة واقع تبقى خاضعة لتقدير قضاة الأصل مع ضرورة التعليل[192]. كما اعتبر أنه يمكن استقاء وجود عيب بخصوص الخلل في قابلية السقف لوقف سيلان مياه الأمطار تسببت في تسربها إليه ، و هو عيب موجب للضمان رغم أنه لا يجعل المبنى غير صالح للسكنى تماما[193]. لكن م م م ت ت في فصله 761 قد حوى صورة مخصوصة من عيوب البناء و اعتبرها من قبيل العيوب الجسيمة الموجبة للضمان و استخرج منها قاعدة عامة تكرس الإعتراف بالعيب المتوسط المنقص من الثمن[194] ، لكن سرعان ما تم إلغاءه في صياغة م إ ع النهائية.

أما عن تعامل فقه القضاء مع هذا شرط ، فإن التثبت منه كان ضمنيا عبر التثبت من وجود العيب و معياريه ، فمجرد ثبوته من قبل المحكمة كان كافيا لإقرار أهميته دون الوقوف على درجة الجسامة الواردة في الفصل 647 م إ ع[195]. فقد اكتفى القضاة بتعداد عيوب البناء دون بيان للنقص الفادح في القيمة أو عدم الصلوحية المطلقة للسكن بقدر بحثهم على النقص المحسوس و أثره على الصلوحية للإستعمال . إذ تعتبر محكمة التعقيب من قبيل العيوب استعمال المواد الرديئة في البناء و عدم المطابقة لقواعد صناعته[196] ، أو تشقق السقوف و الجدران بعد نزول الأمطار بسبب عدم المطابقة[197] ، أو الغش في نوع الحديد باستعمال الحديد رقم 10عوضا عن رقم 16[198]. فقد اعتبرت في قرار 16 نوفمبر1994 أن : “عدم احترام القواعد الفنية في البناء و النقص الواضح في استعمال الكمية الضرورية من المواد الأولية و إنجاز الأشغال دون احترام القواعد المعدة لذلك ينقص من قيمة المحل .”[199]

إذ يلاحظ أن منها العيوب الفاحشة التي تشكل خطرا جسيما على سلامة المتساكنين لتمثل الجسامة المطلقة ، و منها المتوسطة التي لا تتسبب في تهدم المبنى أو تعدم استعماله تماما ، لكنها تعكر استعماله العادي و تنقص قيمته نقصا محسوسا.كما نلحظ غيابا للقرارات التي ترفض الدعوى المقدمة بناء على الصبغة اليسيرة للعيب ، و في ذلك مخالفة صريحة للفصل 647 م إ ع تم تبريرها بسعي القاضي إلى توفير حماية أفضل للمشتري[200]. و يرجع ذلك للسلطة التقديرية للقاضي و نزعته الحمائية ، لكنها تبقى حماية مخالفة للنص ، مما يتطلب تنقيح صياغته لكي تربط النقص المحسوس بقيمة المبيع و خاصة بالإنتفاع به دون الإقتصار على عدم الصلوحية المطلقة للإستعمال ، مع إيراد استثناء للقواعد العامة يخول تنقيص الثمن في حالة ثبوت العيب المتوسط كحل وسط يرضي الطرفين ، و هو ما تبناه الفقه المالكي .

الفرع الثاني :

التعامل الفقهي مع شرط الجسامة و مدى تداركه للنقائص التشريعية

لا يمكن اعتبار الجسامة من شروط ثبوت الخيار الفقهية لأننا لا نجده في مختلف المصنفات، لكن هل أن هذا يعني أن أحكام هذا الخيار تثبت لأتفه العيوب ؟ إن الإجابة على هذا السؤال تتطلب البحث عن مناط الحكم الفقهي الذي عرف العيب و حدد معاييره : و سننطلق بالمقتضى العام للجسامة الذي اعتبره بعض الفقهاء الوضعيين مسوغا لإقصائها من دائرة اهتمام الفقهاء المسلمين ، إذ أورد الكاساني أن: “تفسير العيب الذي يوجب الخيار و تفصيل المفسر فكل ما يوجب نقصان الثمن في عادة التجار نقصانا فاحشا أو يسيرا فهو عيب يوجب الخيار، و ما لا فلا..”[201] إذ رأى بعض الفقهاء الوضعيين في سياق بيان موقف الفقهاء ما عدى المالكية ، أن كل نقص في الثمن مهما كان طفيفا يمكن اعتباره موجبا لثبوت الخيار في نظرهم[202]. لكن النقص المقصود يراد منه نقص القيمة حقيقة[203] ، لأن شرط الجسامة لم يرد مستقلا في الفقه بل كان مدمجا في ماهية العيب و معايير تمييزه اندماجا تاما[204].

إذ أن العبرة في نقصان المالية التي هي ما كان في المبيع من عيب ينقص الثمن عند وجوده و يزيد عند عدمه[205]. حيث أن قيمة المبيع هي : “مقدار ما تساويه سلعة ما في السوق وفقا لقواعد العرض و الطلب و وفقا للظروف الإقتصادية و التجارية ، و لا شأن للإعتبارات الشخصية في تعيينها.”[206] و هي مرتبطة بأشخاص غير المتعاقدين في تقديرها . ورجوعا إلى تفسير الكاساني ، فإن ذلك النقص يبقى خاضعا لضابط متعلق بخضوعه إلى التجار الخالين عن الغرض من الصفقة التي تم إبرامها بين طرفي العقد[207].

و ليس ذلك النقص مطلقا ، حيث لا يمكن التصور أن التجار يثبتون نقصا ما في المبيع بكونه عيبا لمجرد وجود أتفه العيوب و أقلها أثرا على نقصان القيمة في السوق . إذ يجب أن يكون على درجة من الجسامة تخول لأهل الخبرة الإجماع على اعتباره عيبا ، لأن هاجسهم هو استقرار المعاملات الذي حاول الفقهاء المسلمون وضعه في إطاره العام حتى لا يكون تقدير ذلك النقص خاضعا لاعتبارات التجار الضيقة بصفة مطلقة ، فبينوا أن ذلك النقص الذي خضع لإجماع عرف التجار في تحديده و ضبطه ليس من الضروري أن يرتبط بفرق كبير بين ثمن المبيع معيبا و ثمنه سليما ليثبت العيب ، بل يكفي أن يكون ذلك الفرق يسيرا.

كما تم اعتبار أن شرط الجسامة ، إن حظي بإجماع الأحناف و الشافعية في عدم الأخذ به ، إلا أنه يجد له أثرا لدى المالكية الذين يميزون بين العيب الجسيم و اليسير : فالأول فقط هو الذي يكون موجبا للخيار بين الرد أو الإمساك ، أما الثاني فلا يتيح سوى المطالبة بإنقاص الثمن[208]. حيث يؤخذ على هذا الرأي إطلاقه لهذا الموقف و عدم بيان أنه يبقى استثناء للقاعدة التي توجب ثبوت الخيار في العيوب التي تنقص من الثمن نقصانا فاحشا أو يسيرا .

فهو استثناء يخص عيوب الأصول التي تهم العقارات و عيوب الدور ، في حين أن ما يقابلها من عيوب العروض يبقى خاضعا لمقتضى القاعدة العامة التي لم يشذ عنها المالكية إلا بمقتضى نظرية الجسامة في عيوب البناء فحسب . إذ أشار الأستاذ سانتيلانا في حاشية الفصل754 م م م ت ت إلى مجموعة من مراجع المالكية مثل الإعلان بأحكام البنيان للحرفي التونسي ابن الرامي البناء ، و شرحي التسولي و التاودي على تحفة ابن عاصم و مختصر خليل إلخ…[209]

لكن لا ندري ما حقيقة وضع تلك المراجع مع أنها لا تعكس مقتضى الفصل التونسي ، بقدر ما عكست تداولا لنظرية جسامة العيب المالكية في عيوب البناء و حالاتها الخاصة ، حيث فرق الفقهاء بين عيوب الدور و قسموها إلى ثلاثة و هي : “عيب ليس فيه شيء ، و عيب فيه قيمة ، و عيب فيه رد . فأما الذي ليس فيه شيء فهو اليسير الذي لا ينقص من الثمن ، و أما عيب القيمة فهو اليسير الذي ينقص من الثمن فيحط عن المشتري من الثمن بقدر نقص العيب… و أما عيب الرد فهو الفاحش الذي ينقص حظا من الثمن… فالمشتري في عيب الرد بالخيار بين أن يرده على بائعه أو يمسكه و لا أرش له على العيب ، و ليس له أن يمسكه و يرجع بقيمة العيب إلا أن يفوت في يده.”[210]

فلا تكمن إضافة هذا الإستثناء في إقصائه للعيب اليسير الذي لا ينقص من الثمن ، لعدم تأثيره على القيمة[211] فبقية الفقهاء يشاركون المالكية هذا الحكم ، لكن إضافته تكمن في العيب اليسير المنقص من الثمن الذي اصطلحت المالكية على تسميته بالعيب المتوسط[212].فحكمه هو مطالبة المشتري بقيمة النقص الذي أدخله العيب على المبنى و بالتالي فلا يمكن فسخ العقد بشأن هذا العيب المتوسط ، بل الرجوع بنقص الثمن مع الإحتفاظ بالمبيع[213]. و قد بين المالكية علة التفريق بين جواز الرجوع بالقيمة في عيب الدار اليسير و عدم جوازه في بقية البيوع[214].

فذاك الرجوع بمثابة التعويض عن العيب المتوسط ، في حين تنحصر إمكانية رد الدار في العيب الفاحش المتسبب في النقص الفادح في قيمتها . و لعل المثال الأبرز لهذا العيب الفاحش هو صدع الجدار و خلله الذي يخشى منه سقوط المبنى و تهدمه[215] بما يشكل خطرا على حياة متساكنيه . كما تم إيراد أمثلة أخرى لهذا العيب الفاحش[216] لكن يبقى تحديد قدره محل اختلاف بين العلماء[217] الذين اعترفوا بالعيب المتوسط الذي تبقى عيوب البناء أحد أهم ميادينه الحيوية ، كما اختلف التعامل التونسي و الفقهي مع شرط قدم العيب.

الفقرة الثانية :

شرط قدم العيب و اختلاف تناول زمن اعتباره و إثباته

يمثل شرط القدم أحد أهم شروط ضمان العيب التونسية و إحدى الركائز الأساسية لشرائط ثبوت الخيار الفقهية ، حيث اتفق عليه النظامان القانونيان .

فالأصل في هذه الشروط ضمانها لاستقرار المعاملات ، و هو ما لا يستقيم إذا ثبت وجود عيب حادث لدى المشتري بعد حيازته الفعلية للمبيع و بعد تسلمه إياه أو إذا أخفق في إثبات قدمه .

و هو ما يتضح من خلال: اختلاف التعاطي مع العيب الحادث لدى البائع أو بسببه ( الفرع الأول ) ، و إشكال إثبات القدم و مبادرات تخفيفه ( الفرع الثاني ) .

الفرع الأول :

إختلاف التعاطي مع العيب الحادث لدى البائع أو بسببه

يقصد بالعيب الحادث ذاك الذي وقع بعد إبرام العقد بين الطرفين ، و بعد وقوع البيع ، كما أنه يطرح مجموعة من الإشكالات منها : العيب الحادث لدى البائع بين التجزئة التشريعية و الإختلافات الفقهية ( أ ) ، و العيب الحادث بسبب البائع بين التجاهل القضائي و التكريس الفقهي ( ب ).

أ– العيب الحادث لدى البائع : بين التجزئة التشريعية و الإختلافات الفقهية

يشير الفصل 650 م إ ع أنه : “إذا كان المبيع قيميا فإن البائع لا يضمن إلا العيوب الموجودة فيه وقت البيع ، و إن كان مثليا قد بيع بالوصف أو بالكيل أو بالوزن فإن البائع لا يضمن إلا العيوب الموجودة فيه وقت التسليم.”لتتبين تجزئة المشرع لوقت القدم إلى جزأين لعل أهم نتائجها عدم الإعتراف بالعيوب الحادثة بين و قتي العقد و التسليم في القيميات .

كما أن القدم فيها ليس مرتبطا بالوقت المجرد لإبرام العقد ، بل المقصود منه وقت انتقال الملكية للمشتري عملا بالفصل 583 م إ ع[218]. فشرط القدم مرتبط ارتباطا وثيقا بانتقال الملكية ، إذ منذ ذلك التاريخ تنتقل مخاطر المبيع إلى المشتري ، لذا فإن العيب الناشئ بعد انتقال الملكية و المخاطر يستخلص منه أن المبيع كان سليما و لا يضمنه البائع . لكن بإمكان الأطراف تعديل هذا الشرط و إيراد بند في العقد يتعلق بتأجيل نقل المخاطر بعد الملكية .

كما أكد الفقه و القضاء الفرنسيان على ارتباط القدم بانتقال المخاطر رغم غياب التنصيص التشريعي[219].

لذا فإن هلك المبيع أو تعيب بعد إبرام العقد و قبل التسليم يكون المشتري مطالبا بدفع الثمن و بتحمل التبعة عملا بالفصل 585 م إ ع الذي جعل المبيع في ضمانه من وقت تمام البيع و لو قبل تسلمه إياه . لكنها تبقى قاعدة خاضعة لمجموعة من الإستثناءات ، لعل أبرزها ما أورده الفصل 650 م إ ع المتعلق بالمثليات التي يرتبط ضمانها بوقت التسليم الذي تتحدد فيه ذاتية المبيع عن طريق الفرز[220].كما ألحق المشرع في الفصل 650 المبيع الذي بيع بالوصف بأحكام ضمان المثليات في ارتباطها بالتسليم ، إذ قد يكون المبيع غير موجود لدى البائع وقت إبرام العقد بحيث لا يتمكن المشتري من فحصه و يكتفي بمعرفة أوصافه . و لا يمكننا التغاظي عن مجموع الإستثناءات الأخرى لتأجيل انتقال المخاطر إلى التسليم و التي يمكن أن تنطبق على أحكام الفصل 650 م إ ع رغم أنه لم يشر لها صراحة، لكنها تبقى مرتبطة به.[221]

كما تطالعنا حاشية الفصل 757 م م م ت ت نظير الفصل 650 م إ ع بمجموعة من المراجع الفقهية التي جمعت مصنفات المالكية و الأحناف[222] ،و لا نعرف المغزى من الإحالة إلى ذينك الفقهين ، مما قد يوحي باتفاقهما مع مقتضى الفصل 650 و الحال أنه ينحصر بين المقتضى التشريعي التونسي و نظيره المالكي فحسب دون الحنفي . فتوجهات الفقهين مختلفة بالنسبة لوقت اعتبار العيب قديما فيهما ، إذ أن المالكية يعتدون بوقت البيع لأن : “شرط العيب الموجب للحكم به فهو أن يكون حادثا قبل أمد التبايع باتفاق.”[223] فهم لا يعتبرون العيب الحادث بين البيع و التسليم موجبا للخيار[224]. أما الأحناف فيعتبرون العيب قديما إذا كان موجودا في المبيع و هو عند البائع[225] حسب الفصل 339 م أ ع ع الذي أشار له المشروع،[226] فقد اعتد الأحناف بالعيب الحادث بين انتقال الملكية و التسليم و لم يقصوه من نطاق الخيار.

إذ لا خلاف بين الفقهين حول عدم ثبوت الخيار للمشتري بالنسبة لكل عيب حادث بعد قبضه للمبيع إذا لم يستند إلى سبب يرجع إلى البائع[227] ، كما لا خلاف بينهما حول ضرورة أن يكون العيب القديم باقيا بعد التسليم و مستمرا حتى الرد ، فلو زال قبل ذلك فلا خيار للمشتري[228] ، لكن الإختلاف بينهما انحصر في العيب الحادث بين البيع و التسليم ، حيث تم ربطه بانتقال المخاطر . فضمان المبيع لدى المالكية يكون بالعقد لا بالقبض ، فبمجرد انعقاده تنتقل تبعة المخاطر إلى المشتري ما عدى في بعض الإستثناءات التي يتواصل من خلالها الضمان إلى التسليم[229]. لكن الأحناف يرون أن الضمان بالقبض لا بالعقد[230] ، و بالتالي فإن الخيار يبقى ثابتا للمشتري حتى بالنسبة للعيوب الحادثة بين البيع و التسليم . فرغم اعترافهم بانتقال الملكية بمجرد التعاقد ، إلا أنهم يجعلون البائع متحملا لتبعة الهلاك مادام المبيع تحت حوزته . فضابط الأحناف في انتقال تبعة المخاطر بالنسبة لكل المبيعات مرتبط بالقبض.[231]

حيث لا تفرقة عند الأحناف بين القيميات و المثليات ، و لا مكان لمجموع الإستثناءات التي أوردها المالكية ، إذ أن ربط ضمان المخاطر بوقت التسليم يعفيهم من إيرادها . كما أن العيب ليس ذاك المقتصر على وقت البيع في القيميات كما أشار لذلك الفصل 650 م إ ع ، لذا لا نفهم لماذا أورد سانتيلانا مراجع الأحناف و تحديدا فصول م أ ع ع و مرشد الحيران في حاشية الفصل 757 سابق الذكر و الحال أن السياق و مناط الحكم مختلفين ، لأن الفقه الحنفي يعترف بالعيب الحادث ما بين وقت البيع و التسليم خلافا لمقتضى الفصل التونسي .

و رجوعا لقانوننا التونسي ، فالمحك الفعلي للنصوص قد يكشف بعض التناقض ، إذ كيف يمكننا التوفيق بين مقتضيات الفصل 650 م إ ع الذي ربط ضمان عيب القيميات بوقت البيع مع مقتضيات الفصل 652 الذي أوجب على المشتري إعلام البائع بالعيب في المنقولات عند و صوله له ؟ إذ فضلا على أن عبارة المنقول يمكن أن تشمل المثليات و القيميات دون تمييز،فإن العيب قد يكون موجودا وقت البيع أو بعده و قبل التسليم،و لا يمكن حصره في ذاك الذي وجد قبل إبرام العقد . كما أن الفصل 653 م إ ع يؤكد هذا الموقف عندما ألزم المشتري

Gérard Jérôme Nana بإثبات وجود العيب في المبيع عند وصوله له.إذ يرى الأستاذ

بعد أن ذكر بوقت اعتبار العيب قديما في القيميات و المثليات و فسره بارتباطه بنظرية المخاطر التي تنتقل للمشتري بمجرد العقد ، أن وقتي التثبت من شرط القدم أي وقت البيع و وقت التسليم لا يختلفان في حقيقة الأمر و يعتبران وقتا واحدا.

إذ أن الصبغة الثنائية الظاهرة في الوقتين تخفي وحدة كبيرة بينهما ، لأنه يكفي أن يكون العيب ناشئا قبل التسليم الفعلي للمبيع الذي تم قبوله صراحة أو ضمنا حتى يثبت ضمانه . كما يضيف أن القاعدة الخاصة بالقيميات ليست مطلقة ، إذ لا يمكن التثبت من شرط القدم يوم إبرام العقد بشأنها إلا إذا كان التسليم الفعلي مزامنا لذلك التاريخ[232]. لذا فالأصوب هو القول باشتراط وجود العيب قبل انتقال حيازة المبيع الفعلية للمشتري التي لا تكون إلا بالتسليم ،فهي التي يمكن أن تزامن العقد كما يمكن أن تتلوه في الزمن.فإذا كانت الملكية تنتقل بمجرد التعاقد إلا أنها لا تخلص للمشتري إلا بتمام تحوزه بالمبيع[233]. لكن عدم الإعتراف التونسي بالعيب الحادث بين البيع و التسليم و تحميله تبعته باعتباره مالكا و متحملا لمخاطره ترجع للترابط الوثيق بين عيوب المبيع و انتقال المخاطر و هو ما يساهم في تضييق نطاق ضمان العيب التونسي ، فهذا الإنتقال يكون شفيعا للبائع لتفصيه من ضمان العيب الحادث في ذلك الوقت.

فهما حلان متقابلان يرجح أحدهما حماية المشتري و يرجح الآخر استقرار معاملات البائع ، لكننا لا حظنا أن المحك الحقيقي لشرط القدم يرجع إلى ما قبل وقت الحيازة التي تمكن المشتري من المعاينة الفعلية للمبيع القيمي لا وقت البيع الوارد بالفصل 650 م إ ع . أما الأحكام الفقهية فقد تبنت قاعدتي ضمان مخاطر المبيع بالعقد في الفقه المالكي و بالقبض في نظيره الحنفي ، لكن قاعدة الضمان بالقبض لا بالعقد أكثر واقعية نظرا لكثرة الإستثناءات المالكية لقاعدتهم و بحثها عن الحيازة الفعلية للمشتري التي لا تتحقق إلا بالقبض . بل و أورد الدسوقي المالكي أن : “العيب يعني القديم و هو الكائن حين البيع أو بعده.”[234] كما ورد في موضع آخر : “و حيث شهدت البينة بعدمه أن شهدت بأنه ( أي العيب ) كان بها و هي عند البائع.”[235] لكن العيب الحادث يمكن أن يعتد به حتى بعد التسليم الفعلي للمبيع إذا كان متولدا عن سبب يرجع إلى البائع و ذلك حسب درجة تقبله في النظام القانوني .

ب– العيب الحادث بسبب البائع بين التجاهل القضائي و التكريس الفقهي

لا خلاف بين النظامين حول شرط القدم و عدم العمل به بعد تسليم المبيع ، فسواء كان انتقال المخاطر مرتبطا بالعقد أو بالقبض فإن البائع غير ملزم بضمان العيب الحادث بعد التسليم إذا كان سبب نشأته راجعا إلى المشتري ، فهو الذي يتحمل تبعة المخاطر بعد تسلم المبيع و تحوزه به . هذا المبدأ العام المتفق عليه ، لكن الإشكال يثور بالنسبة للعيب الحادث الذي تسبب فيه البائع،فإذا اشترى شخص قطيعا و كانت به شاة مريضة إلا أن العدوى انتقلت منها إلى كل القطيع ليصير معيبا بعد التسليم ، فهل يتحمل المشتري تبعة العيب أم يبقى البائع ملتزما نظرا لتسببه فيه ؟ تبدو الصياغة الحرفية للفصل 650 واضحة في اشتراطها للوجود الفعلي للعيب و قت البيع أو التسليم ، لكنه يبقى نصا قانونيا قابلا للإجتهاد القضائي الذي لم يقبل بسبب العيب،في حين أن أغلب الفقهاء اعترفوا به لثبوت الضمان مع بعض الإختلافات.

فموقف المشرع التونسي واضح من خلال صياغة الفصل 650 عندما استعملت هذا التركيب : “…فإن البائع لا يضمن إلا العيوب الموجودة فيه وقت البيع… فإن البائع لا يضمن إلا العيوب الموجودة فيه وقت التسليم.” فهي تشترط وجود العيب ذاته لا مجرد سببه و تستعمل أداة القصر و الحصر “إلا”للدلالة على وقتي البيع و التسليم . و هو حال أغلب التشريعات العربية ، ما عدى المشرع الأردني في المادة 513 من قانونه المدني التي ورد فيها أنه : “يعتبر العيب الحادث عند المشتري بحكم القديم إذا كان مستندا إلى سبب قديم موجود في المبيع عند البائع.”لكن روح الفصل التونسي لا تمنع من الإعتداد بهذا النوع من العيوب ، فالهدف من هذا الشرط هو استقرار المعاملات الذي لا يستقيم إذا وجدت آفة العيب و سببه لدى البائع ثم تولى بيعه للمشتري ليظهر عنده . لذا يجب أن يكون للمحاكم سلطة تقدير الحدود و الظروف التي انتشر فيها العيب لدى المشتري بفعل الأحداث اللاحقة.

و لئن لم تتح الفرصة كثيرا أمام القضاء التونسي لتناول هذا الجانب من العيب الحادث إلا أن الفرص القليلة التي أتيحت له كرست عدم اعترافه به . و يظهر ذلك في الحكم المدني الإبتدائي الصادر عن محكمة سوق الأربعاء (جندوبة) الإبتدائية بتاريخ 27 / 12 / 1960[236] ، و الحكم المدني الإستئنافي الصادر عن محكمة الإستئناف بتونس بتاريخ 13/12/1961[237] اللذان تعلقا بنفس القضية التي تفيد وقائعها قيام فلاح ببيع محصوله من الغلال العالقة بأشجارها قبل أن تنضج إلى تاجر تولى التحوز بها ، لكن اتضح بالإختبار أنها قد أصيبت بمرض البكتري بين يوم بيعها و نضجها الأمر الذي أنقص في قيمتها نقصا محسوسا و جعلها غير صالحة للأكل و العرض . فقام المشتري طالبا الفسخ و إرجاع التسبقة و الغرم بناءا على الفصول 590 و 647 و 652 و 655 م إ ع ، فقضت له المحكمة الإبتدائية ، لكنها بينت أن أحكام الفصل 647 و ما بعده لا علاقة لها بهذا السياق[238].

لذا رأت أن الفصل الواجب التطبيق هو الفصل 590 م إ ع الذي بين أن ضمان البائع للثمار على رؤوس أشجارها يستمر إلى انتهاء نضجها ، و قد أيدت محكمة الإستئناف هذا الحكم رغم أنها استخلصت من الإختبار المجرى على الثمار التي ثبتت إصابتها بالبكترى أثناء الفترة المتراوحة بين البيع و النضج : “أن البائع لم يستعمل الدواء الواقي من المرض المشار إليه في إبانه و إنما استعمل أدوية أخرى واقية من أمراض غير هذا المرض.”[239] فرغم ثبوت عدم صلوحية المبيع و النقص المحسوس في قيمته ، و رغم ثبوت ظهور العيب بعد التسليم ، لكن هذا النوع من البكتري لا يمكن التسليم بنشأته الأصلية بعد العقد لأن البائع تسبب فيه عندما كان بحوزته نتيجة تغافله عن استعمال الدواء الواقي .

إلا أن المحكمة الإبتدائية و محكمة الإستئناف أقصتا الفصل 647 م إ ع و ما بعده واجبي التطبيق في قضية الحال و اعتمدتا على الفصل 590 م إ ع لإقرار حق المشتري في فسخ العقد بدعوى عدم توفر العيب القديم بل سببه فحسب ، و الحال أن هذا الشرط لا يهم العيب في حد ذاته بل سببه[240]. حيث أجمع الفقه و القضاء الفرنسيان أنه يكفي وجود نواة العيب أو جرثومته قبل إبرام العقد حتى و إن لم تستفحل نتائجه و تبرز إلا بعد البيع[241]. لكن إذا ثبت أنه بالرغم من ظهوره بعد البيع ما كان ليتفاقم لو بذل المشتري الجهد المعقول للمحافظة على المبيع فإن الضمان لا يثبت.[242]

أما الفقه فقد اختلف تناول سبب العيب بين مختلف مذاهبه و أحيانا بين أنصار المذهب ذاته، لكن مقتضى تقصير البائع الذي انجر عن نشأة العيب كان محل حظوة لدى الفقهاء . فقد أورد ابن عابدين أنه : ” أطلقه فشمل ما إذا كان به عند البيع عيب أو حدث بعده في يد البائع بخلاف ما إذا كان قبله( أي البيع )و زال ثم عاد عند المشتري ، لما في البزازية لو كان به عرج فبرأ بمعالجة البائع ثم عاد عند المشتري لا يرده و قيل يرده إن عاد بالسبب الأول.”[243] و قد بين الكاساني أن : “اختلاف الحال دليل اختلاف سبب العيب…و اختلاف سبب العيب يوجب اختلاف العيب.”[244] مما يشير إلى تشتت آراء الأحناف ، أما المالكية فقد أقاموا بحكم العهدة في بيوع الرقيق قرينة قاطعة على أن العيب الذي يظهر في هذه البيوع في مدة معينة بعد التسليم إنما يستند إلى سبب قديم ، و من ثم فيجب أن يضمنه البائع لأن العبرة لديهم بثبوت سبب العيب لا بوقت ظهوره[245] ، لكن قدم العيب لا بد من إثباته أيضا.

الفرع الثاني :

إشكال إثبات القدم و مبادرات تخفيفه

إن الأصل في المبيع سلامته من العيوب ، لذا فإنه يتطلب وضع عبئ إثبات القدم على عاتق المشتري ، و بما أن العيب واقعة مادية لذا يجوز إثباتها بكافة الوسائل . حيث أن التثبت منه يرجع للسلطة التقديرية لقضاة الأصل الذين عليهم استخلاص الظروف التي يستدل بها عليه ، كما أن أحكامهم تبقى خاضعة إلى رقابة محكمة التعقيب التي عليها التثبت إن كانت تلك الظروف تمكن من حسم مسألة أسبقية العيب لوقت البيع أو التسليم[246]. إلا أن إثبات القدم قد يبقى صعبا في بعض الحالات كإصابة العيب لقطعة من قطع غيار الآلة المباعة[247] ، أو في حالة تداول المبيع على المشترين[248]. كما يمكن أن ترجع أسباب صعوبة الإثبات إلى المشتري ذاته ، فقد يتراخى في رفع الدعوى[249] ، أو قد تتسبب ظروف خزنه للمبيع أو التحولات التي تطرأ عليه في نشأة العيب فيه[250] ، بالإضافة إلى سوء الإستعمال . بهذا يتبين أن الإشكال الأساسي بالنسبة لشرط قدم العيب هو إثباته من قبل المشتري[251] .

و هو ما برر التدخل التونسي للتخفيف من عبئ هذا الإثبات عن طريق إلزام المشتري بتحقيق حالة العيب على الفور بواسطة خبير حسب الفصل 653 م إ ع الذي ورد فيه أنه : “إذا ظهر عيب في المبيع فعلى المشتري أن يطلب حالا تحقيق حالته بواسطة القاضي أو بواسطة أهل الخبرة المأذونين من المحكمة و ذلك بحضور البائع أو نائبه إن كان بالمكان.” و قد بين نفس الفصل جزاء تقصير المشتري فإذا : ” لم يفعل ذلك كان عليه أن يثبت وجود العيب عند وصوله له.”و قد استثنى نفس الفصل البيع الواقع على برنامج من هذا التحقيق . لذا يتبين أن المراد من هذا المقتضى هو التخفيف من عبئ إثبات قدم العيب و الإسراع في اتخاذ الإجراءات اللازمة لتحقيقه و هو ما بينته محكمة التعقيب[252].

و دور الخبير رئيسي هنا ، فهو يعتني ببيان و قت نشوء العيب و يلزم أن يورد تقريره تحديدا قاطعا له[253]. و أوجب الفصل 651 م إ ع إقامة اليمين على البائع إذا حصل ريب في زمن حدوث العيب و لم يتوصل المشتري إلى إثبات أسبقيته على البيع أو التسليم[254]. كما اعتنى الفقه بتخفيف عبئ إثبات القدم، إذ أكد المالكية أن البينة هي أقوى أدلة ثبوته ففي غيابها يتم ترجيح قول البائع بلا يمين . لكن تبقى الإمكانية مفتوحة للقاضي للإستعانة بأهل الخبرة حيث يمكن أن تقوم منهم البينة على أن العيب حادث لدى المشتري قطعا ، كما يمكن أن تقوم للبائع فتشهد بما يفيد الظن في حدوث العيب عند المشتري ليكون القول للبائع بيمينه ، كما يمكن أن تشهد بأن العيب قديم قطعا و هنا يكون القول للمشتري بلا يمين و له رد المبيع[255].

و لعل المثال الأبرز الذي ساقه المالكية لتخفيف عبئ إثبات القدم يتمثل في حكم العهدة في بيوع الرقيق : و مفاده قيام قرينة قاطعة على أن سبب العيب في العبد يرجع إلى البائع حتى إن ثبت وجوده لدى المشتري بعد التسليم ، و بالتالي يثبت الخيار له حتى في العيب الحادث لديه[256] .لكنهم قيدوا هذه القرينة بخضوعها للعرف و الشرط[257] ، كما أنها تبقى استثناءا يخص عيوب الرقيق فحسب. أما في خصوص قبول مبدأ القرائن التي تقلب عبئ إثبات القدم على البائع يرى جانب من الفقه الفرنسي أن ذلك يبقى حلا قابلا للتطبيق[258] وهو ما حققه المالكية.

المبحث الثاني :

مظاهر الموازنة المتفاوتة في شروط علاقة المشتري بالعيب

المقصود بهذه الشروط تلك المرتبطة بالمشتري ، و هما شرطا خفاء العيب و عدم العلم به. حيث أن النزعة الحمائية للعلاقة التعاقدية تبقى غالبة على شرطي الخفاء التونسي و عدم العلم الفقهي ، لكن صياغته التشريعية في الفصل 668 م إ ع تبقى محلا للريبة حول المعيار الذي يجب تحديده لتقدير الخفاء الذي يقصي العيب الظاهر . و هو ما برر عدم تقييد العيب بشرط الخفاء من قبل الفقهاء المسلمين و إطلاقهم له و تدعيم شرط الجهل بالعيب في المقابل.

كما أن للعيب شرطا رئيسيا يتمثل في عدم علم المشتري به ، و هو شرط تبقى مقتضياته مرتبطة ارتباطا شديدا بالخفاء التونسي،لكنه يبقى أساسيا في الفقه الذي لم يعتني فقط بتوضيح مقتضياته بل و جعل من واجب إعلام المشتري بالعيب التزاما رئيسيا في العقد . و هي نيقاط سنتناولها ببيان : خفاء العيب بين وجوبية الشرط و صبغته الضمنية ( الفقرة الأولى ) ، و شرط الجهل بالعيب بين التبعية للخفاء و الضرورة الفقهية ( الفقرة الثانية ) .

الفقرة الأولى :

خفاء العيب بين وجوبية الشرط و صبغته الضمنية

تبقى النزعة الحمائية للخفاء عاملا أساسيا لهذا الشرط لكنها ليست مطلقة ، حيث يبقى مجالها مرتبطا بتحقيق الحماية الكافية للبائع للإبقاء على علاقته التعاقدية ، و هي حماية قد تجد لها حدودا في بعض الحالات . في المقابل يطالعنا الفقه بتكريس واضح لتلك النزعة رغم عدم اشتراطه الصريح لشرط الخفاء لكنها مستشفة من شرط عدم العلم بالعيب ، مما يتطلب البحث عن : إعتراف النظامين بالنزعة الحمائية لخفاء العيب ( الفرع الأول ) ، و مآخذ شرط الخفاء و الحكمة الفقهية في إطلاقه ( الفرع الثاني ).

الفرع الأول :

إعتراف النظامين بالنزعة الحمائية لخفاء العيب

تبقى النزعة الحمائية للخفاء أحد المعايير الرئيسية لقيام نظرية ضمان عيوب المبيع التي ارتبطت بها منذ نشأتها ، حيث اقترنت صفة الخفاء بضمان العيب منذ أمد بعيد . و المقصود بهذه النزعة تلك التي تحمي العلاقة التعاقدية و استقرار المعاملات فلا تعترف بكل عيب ظاهر لكي يثبت هذا الضمان ، بل أساسا بالعيب الخفي الذي لم يتمكن المشتري من التعرف عليه. و هو ما بينته محكمة التعقيب في قرار 4 أوت1994 سالف الذكر عندما بينت بأن العيوب الخفية هي : “التي تخفى على الإنسان العادي و لا يمكن معرفتها و إدراكها إلا بواسطة أهل الخبرة.”[259] إذ لا يجب على المشتري الشراء بعيون مغلقة ، بل عليه إبداء قدر من الحرص يعبر به عن حسن إدارة شؤونه و ذلك بتقليب المبيع و التحقق من حالته و اكتشاف الظاهر من عيوبه دون الخفي منها[260]. إذ يجب أن يكون العيب خفيا ، لا أن يكون المشتري عديم التبصر و الإنتباه[261] ، ففي إقرار هذا الشرط حماية للبائع و للعقد الذي أبرمه.

و قد كرس المشرع هذه النزعة ، فالقراءة العكسية لأحكام الفصل 668 م إ ع تبقى الدليل عليها حيث ورد فيه أنه : “لا يضمن البائع العيوب الظاهرة و لا التي علمها المشتري أو كان يمكن أن يعلمها بسهولة.” ففي اعتماد صيغة النفي و تركيزها على البائع إقرار بهذه النزعة التي تجعله ملتزما بضمان العيب الذي لم يعلمه المشتري و ما كان باستطاعته أن يعلمه. و لعل أفضل تعريف للخفاء هو الذي يعرف العيب الظاهر بأنه : ما يمكن إدراكه بالحواس دون اللجوء إلى أهل الخبرة[262] ، كما أنه يظهر للمشتري بمجرد أن يبذل المراقبة اللازمة عند فحصه للمبيع[263]. لذا فالعيب الخفي هو الذي لا يعرف بمشاهدة ظاهر المبيع ، و لا يتبينه الشخص العادي و لا يكشفه إلا خبير و لا يظهر إلا بالتجربة[264] . كما أن تحديد الصبغة الخفية يتطلب تكييفا قانونيا سليما من قبل محاكم الأصل يبقى خاضعا إلى رقابة محكمة التعقيب من خلال رقابتها على التسبيب ، إذ يمكن لها نقض القرارات التي لا تبرز الصبغة الخفية للعيب.

و هو ما قامت به هذه المحكمة في قرار 5 مارس1991[265] و قرار 5 ماي 1991[266] و العديد من القرارات الأخرى . إلا أن هذه النزعة الحمائية ليست مطلقة و تبقى خاضعة للإستثناءات التي تخول ثبوت الضمان في حالة وجود العيب الظاهر ، حيث تطالعنا الفقرة الأولى من الفصل 16 من قانون 26 فيفري 1990 المتعلق بتحوير التشريع الخاص بالبعث العقاري التي أوردت أنه : “يجب على المشتري أن يعلم الباعث العقاري بالعيوب الظاهرة للبناء و ذلك في أجل ثلاثة أشهر بداية من تاريخ التسليم.”[267] ففي هذا الفصل تأثر بمقتضى الفصل 1642/1م م ف الذي تمت إضافته إلى المجلة بمقتضى قانون 3–1–1967[268]. حيث أن هذه الحالة تخص البيع على مثال الذي يقوم المشتري من خلاله باقتناء العقار من الباعث العقاري انطلاقا من مجرد تصميم على ورق دون أن يكون مكتملا أمامه ، لذا فإنه لا يستطيع حينها التعرف على ظاهر العيوب من خفيها لأن المشروع العقاري لم يكتمل بعد[269].

و بالتالي فهي وضعية يستحيل من خلالها تطبيق الفصل 668 م إ ع إلا في صورة ظهور العيوب بعد مضي ثلاثة أشهر على تسليم العقار ، خلافا للوضعية العادية التي يقتني من خلالها المشتري العقار المكتمل الإنجاز الذي لا يضمن البائع عيوبه الظاهرة بل يجب أن تكون خفية .

كما أن هذه الصبغة الحمائية تفقد قيمتها ليصير البائع غير جدير بها في صورة تصريحه للمشتري بخلو المبيع من العيوب حيث أورد الفصل 669 م إ ع أنه : “إذا صرح البائع بسلامة المبيع كان عليه ضمان العيوب حتى التي لا تخفى على المشتري.” ففي هذا الفصل أشار المشرع إلى تصريح البائع بسلامة المبيع بالكلية ، أي أنه تصريح يشمل السلامة من جميع العيوب دون تخصيص لعيب بالذات ، فهو يعفي بطبيعته المشتري من أن يقوم بمعاينة المبيع لأنه اطمأن لهذا التصريح فحل هذا الاطمئنان محل ضرورة الفحص ، لكن يجب أن يكون هذا التصريح جديا و مؤكدا بعبارات صريحة و قاطعة لكل شك[270].

لكن المشرع التونسي التزم الصمت عن حالة تعمد البائع إخفاء العيب التي اعتبرتها أغلب التشريعات العربية موجبة لثبوت الضمان و لو كان باستطاعة المشتري تبينه ببذل عناية الرجل العادي ، إذ يكون البائع قد ارتكب خطأ يستغرق خطأ المشتري في عدم فحص المبيع بالعناية المعتادة[271]. حيث : “لا يجوز أن يستفيد البائع من غشه حتى و لو أهمل المشتري في فحص المبيع فمصلحة المشتري هنا أجدر بالرعاية إذا قورنت بمصلحة البائع الذي صدر عنه غش في إخفاء العيب.”[272]

لكن روح الفصل 673 م إ ع تبقى متناغمة مع هذا التأصيل لتجعله قابلا للتطبيق في نموذج قانوننا التونسي .[273]

أما إذا انتقلنا إلى النموذج الفقهي المثير للجدل في علاقته بشرط الخفاء ، و ما يغذيه هو تواتر ذكر مجموعة من العيوب الظاهرة في مصنفات الفقهاء المسلمين كالعمى و العور و الإصبع الزائدة كعيوب للرقيق ، فهل أن هذا يعني أنه لا مجال للحديث عن النزعة الحمائية لخفاء العيب في الأحكام الفقهية ؟

في هذا السياق تطالعنا الموسوعة الفقهية بكونه : “من المقرر أن خيار العيب إنما هو للعيوب الخفية التي لا تدرك بالنظر ، أما لو كان العيب ظاهرا لا يخفى عند الرؤية غالبا فيعتبر المتعاقد عالما به .

و مثله ما لو كان يحتاج إلى مزيد تأمل فدل البائع المشتري على موضع العيب أو صفته فإن ذلك يحول دون ثبوت الخيار للمتعاقد الآخر الذي تعامى عن إبصار العيب الواضح ، كما لا يقبل قوله لم أره.”[274]

فشرط العلم بالعيب يقتضي الإلمام بذاته و أثره معا ، و هذا الإلمام يسقط الحق في الخيار إذا كان العيب بينا لا يخفى على الناس أو إذا بينه البائع للمشتري قبل البيع[275].

فلا يمكن تصور أن المقتضى العام للعلم بالعيب الفقهي يتوقف على مجرد معلومة يقدمها البائع بشأن وجوده ، بل يتعداه إلى ضرورة التبصر و التأمل في ذات المبيع لإدراك عيوبه التي يعتبر المشتري عالما بها إذا رآها و أدرك تأثيرها.

و ما جاءت أمثلة العيب الظاهر التي استفاضت فيها الكتب إلا في إطار متعلق بالإثبات ، كما أنها تستمد مشروعيتها من ظروف معينة ، حيث نقرأ لدى المالكية أنه : “إذا كان المبيع حاضرا و المشتري مبصرا فلا رد له ( أي المشتري ) بالعمى و لا بالعور حيث كان ظاهرا لحمله على الرضا به حال العقد ، فإن كان خفيا لا يظهر إلا بتأمل كان له الرد به.”[276]

كما أورد الأحناف : ” لو علم المشتري إلا أنه لم يعلم أنه عيب ثم علم ينظر إن كان عيبا بينا لا يخفى على الناس كالغدة و نحوها لم يكن له الرد و إن كان خفيا فله الرد.”[277] فإطار العيب الظاهر المذكور يتعلق بحالة عدم إبصار المشتري و بالمبيع الغائب عن مجلس العقد الذي لم يتمكن المشتري من رؤيته إلا بعد التسليم،كما أن صورة اختلاف المتبايعين على رؤية المبيع التي استشهد بها المالكية تبقى دليلا دامغا على اعترافهم بالنزعة الحمائية للخفاء[278].

لكنها تبقى مدمجة في شرط عدم العلم ،حيث أطلق الفقهاء العيب و لم يقيدوه بشرط الخفاء لحكمة معينة.

الفرع الثاني :

مآخذ شرط الخفاء و الحكمة الفقهية في إطلاقه :

إن المحك الحقيقي لشرط الخفاء يتمثل في الحد الفاصل لتمييز العيب الخفي عن الظاهر، إذ لا يتمثل الإشكال في ذاك العيب الذي يسهل ملاحظته بالعين المجردة ليكون سهل الإدراك، لكن الإشكال يرتبط بالعيب الذي يمكن تبينه عند الفحص بما ينبغي من العناية[279] و في تحديد مقدارها و متطلباتها . فالفصل 668 بين أن البائع لا يضمن العيوب الظاهرة و خاصة التي:“كان يمكن أن يعلمها بسهولة“فما هو المعيار الذي يمكن من خلاله تقدير هذه السهولة ؟ إذ أن المعضلة الأبرز التي ارتبطت بالمعيار الموضوعي و لازمت التمييز بين المشتري العرضي و المحترف هي المتعلقة بضرورة استئناسه بأهل الخبرة عند التقليب

من أول المنادين بهذا الرأي . فهو لا يعتبر العيب خفيا بمجرد أنه لم Hamel و يعتبر الفقيه

يظهر لمشتر قليل الخبرة حيث أنه يبقى قابلا للظهور بالنسبة لشخص أكثر خبرة منه ، لذا فعليه أن يبحث عن من ينقذه من المختصين و يكون مخطئا إذا اقتصر على إمكانياته[280].

فهل يمكن لهذا المبدأ أن ينطبق على الفصل 668 خصوصا مع إطلاقه لإمكان معرفة المشتري و عدم ضبطها بكلمة بنفسه التي على بساطتها تلعب دورا كبيرا في قياس درجة الخفاء و هل أنها تتم انطلاقا من ذات المشتري أو بعوامل خارجة عنه.إذ بين الفصل 1642 م م ف أن البائع لا يضمن العيوب الظاهرة و التي أمكن للمشتري الإقتناع بها بنفسه[281] ،لكن هناك من اعتبر أن عبارة بنفسه من قبيل التزيد لأن ظروف كشف العيب قد لا تحتم أن يقوم المشتري بالفحص بنفسه في كل الحالات.[282]

على أن اللعبة الحقيقية هي لعبة كلمات، إذ يمكن أن نقول أنه على المشتري فحص المبيع بعناية الرجل العادي ، أو أنه عليه أن يقوم بالفحص العادي للمبيع و يكون مقصرا إذا لم يقم به.فرغم أن أغلب الفقهاء الوضعيين لا يقيمون الفرق بين العبارتين فتراهم تارة يستعملون هذه العبارة و طورا يستعملون تلك،لكن إيجاد الفرق بين العبارتين يعتبر محرارا رئيسا يمكن من خلاله أن نقيس سياق كلمة بنفسه و نبين مداها .

فإذا قلنا أنه يجب على المشتري فحص المبيع بعناية الرجل العادي فإن هذا يعني وجوب توفر هذا القدر من العناية لديه حتى لو كان قليل الخبرة ، و بهذا فعليه أن يقوم بالفحص بنفسه ،أما إذا لم يتبين له العيب يكون من واجبه الإستعانة بأهل الخبرة لكي يرتقي إلى معيار الشخص العادي و يكون مقصرا إذا لم يفعل[283].

فإذا كان العيب لا يظهر بصفة مباشرة بالنسبة لهؤلاء فإنه يمكن أن يعتبر من قبيل العيوب الخفية[284] ،فالعيب الخفي ليس ذلك الذي استعصى على المشتري معرفته بل على الخبير. لأن الواجب يملي على المشتري العرضي اللجوء إلى طلب مساعدة الخبراء إذا لم يكتشفه،ليتم تحديد صفة الخفاء انطلاقا من اعتبارات خارجة عن شخصه بدعوى عدم جعل صفة الخفاء خاضعة لاعتباراته الذاتية[285].

ولا يعتبر العيب خفيا إلا إذا استعصى على الخبير اكتشافه بأن كان يحتاج إلى تدقيق باللجوء إلى التحاليل الكيميائية ، أو إذا لم يتم اكتشافه إلا بعد استعمال المبيع مدة طويلة مثل العيوب في الآلات الميكانيكية[286].

لكن إذا قلنا أنه على المشتري أن يفحص المبيع فحصا عاديا فإن الأمر يختلف ، لأن الفرق واضح بين العيب الذي لا يعلمه المشتري و الذي لا يمكنه أن يحتج شرعا بجهله[287]. فلا يمكن له أن يحتج بعدم القيام بفحوصات أولية[288] لا يعفى منها حتى إن كان مشتر عرضيا ، فليس عليه أن يشتري بعيون مغلقة ، بل يجب أن يكون متمتعا بقدر من الحرص لذا يجب أن يقوم بتقليب المبيع[289].

لكن ليس عليه أن يصطحب معه المختصين عند قيامه بذلك ، حيث يرى العديد من الفقهاء الوضعيين أن اعتبارات الخفاء يجب أن تضبط انطلاقا من قدرات المشتري الشخصية التي أقنعته بقبول المبيع ، لذا لا يجب أن يتم ربطها بضرورة اللجوء إلى الخبراء و لا أن نلزم المشتري العرضي بذلك[290]. إذ يجب أن يتم الإعتداد بإمكانياته الفنية ، لا أن يتم افتراض درجة فنية فيه ، بل يجب أن ينظر لكل حالة على حدى لتحديد السلوك اللازم لكشف العيب ، فتقدير مدى التزام البائع بضمان العيب يتوقف على مدى قدرة المشتري على كشفه.

و من الطبيعي أن هذه القدرة تتحدد وفقا لما يتوفر لديه هو من إمكانيات فنية[291] ،بل و ذهب جانب من الفقه أن نشأة الحاجة للجوء لرأي المختص لتبيان العيب تؤكد صبغته الخفية[292]. إذ لا يمكن الإلتجاء للرأي المسبق للخبير في كل البيوعات،فهذا الإشكال يجب النظر له انطلاقا

Jacques Ghestin من الأعراف التجارية الخاصة بكل نوع من البيوع . إذ يرى الأستاذ

أن الأعراف الخاصة ببيوع السيارات لا توجب إلزام المشتري بضرورة اللجوء للخبير،حيث درج الأمر على أن يقوم بالفحص بنفسه[293].لذا لا يمكن اعتبار لفظة بنفسه من قبيل التزيد،لأن المشتري يجب أن يكون نقطة الإنطلاق في تحديد الحرص المطلوب.

و رجوعا إلى الفصل 668 الذي عندما أكد عدم ضمان العيب سهل الكشف يبقى قابلا لأكثر من تأويل : إذ يمكن أن نقول أن استغناءه عن إيراد كلمة بنفسه يفيد اعتداده بالفحص بعناية الرجل العادي باللجوء إلى الخبراء ، كما يمكن القول أن صفة السهولة يتم تحديدها انطلاقا من ذات المشتري.

لكنها تبقى تأويلات لا يضبط إيقاعها سوى موقف فقه القضاء التونسي ، و لعل عيوب البناء كانت من أكثر العيوب التي خولت لمحكمة التعقيب الجزم حول مسألة ضرورة الإستعانة بالخبراء من عدمها و تحديد وجهة تطبيق الفصل 668 م إ ع ، حيث تبين أن المحكمة لا تشترط هذا اللجوء للخبراء بل تكتفي بضرورة فحص المبيع بما ينبغي من العناية. فقد بينت مثلا في قرار 22 نوفمبر 1993 أن من شروط العيب هو أن : ” يكون خفيا و معنى ذلك أن المشتري لا يكون عالما به ، أما إذا كان يعرف العيوب وقت البيع و كان العيب من الظهور بحيث يستطيع أن يتنبهه بنفسه لو أنه فحص المبيع بما ينبغي من العناية فإن العيب لا يكون خفيا و لا يضمنه البائع.”[294]

إذ يحسب لهذا القرار تأكيده على ذات المشتري بالنسبة لكشف العيب و عدم حصره للفحص في معيار الرجل العادي ، بل أكد على أن يتم ذلك بما ينبغي من العناية التي يجب أن يلجأ لها المشتري الفطن و الحذر لا المهمل .

ففي أغلب الأحيان يكون تثبت المحكمة من شرط الخفاء لصالح المشتري حيث أنها تارة تحسم النزاع لفائدته انطلاقا من تأكيدها على عدم تمتعه بالقدرات الفنية التي تمكنه من كشف العيب بسهولة[295] ، و طورا تحكم لصالحه انطلاقا من رصد أسباب العيوب و درجة أهميتها التي تستخلص منها صبغتها الخفية مثل الأرضية الطينية للمبنى المباع[296] ،أو الإخلال بقواعد الفن و الصناعة في ميدان البناء[297].

بل إن القضاة قد يحكمون بثبوت الضمان في حالة صعوبة التفريق بين العيب الخفي و الظاهر ، حيث أن التمييز بين أسباب بعض العيوب و نتائجها قد ينتج عنه أن البعض منها ظاهر و البعض خفي ، إذ يمكن أن تكون نتائج بعضها ظاهرة لكن أسبابها تبقى خفية فتعتبرها المحكمة موجبة لثبوت الضمان[298].

كذلك الأمر بالنسبة للعيوب الظاهرة وقت التسليم التي لم تظهر جسامتها إلا بعد مدة لاقتناع القضاة أن العيوب الظاهرة و المعلومة من طرف المشتري لها علاقة مباشرة مع العيوب الخفية التي تم اكتشافها لاحقا[299].

و من أمثلتها التشققات الظاهرة بالمبنى وقت التسليم التي يرجع سببها إلى خلل في الأشغال المتعلقة بأساساته[300] أو إلى توظيف يد عاملة لم تحترم قواعد البناء الأساسية[301]. أما فقه القضاء الفرنسي فظل متأرجحا بين ضرورة اللجوء للخبراء[302] و بين الإحجام عنها و الإكتفاء بقدرات المشتري العرضي الذاتية في كشف العيب[303].

أما المراجع الفقهية فلم تشر لعدم ضمان العيوب الظاهرة ، بل تم التركيز من خلالها على شرط عدم العلم و على قسمي العيب الظاهر اللذان لا يعتد بأحدهما و يعتد بالآخر.إذ نقرأ مثلا في شرح التسولي أنه: “..مع أن العيب الظاهر قسمان:قسم منه لا يخفى على كل من قلب المبيع كان ذا بصيرة أم لا كالإقعاد و قطع اليدين أو الرجلين،و قسم يخفى عند التقليب على من لم يتأمل و لا يخفى غالبا على من تأمل كالحول و الفتل و نحوهما مما تقدم.

و العيب الظاهر يطلق عندهم على القسمين معا ، فالقسم الأول لا رد به للجاهل فضلا عن العارف و القسم الثاني يثبت الرد به…”[304]

كما تم توضيح تداعيات هذا التقسيم[305] ، فإقصاء العيب الظاهر لم يعمل به على عواهنه لأنه تم تقسيمه إلى عيوب لا تخول الرد فتقليب المبيع يكشفها ، في حين توجد عيوب أخرى قد تخفى عند التقليب على من لم يتأمل ، و الواضح أنه لا يمكن إدراكها إلا بالإمعان و التأمل الذي قد لا يكون متاحا أثناء التقليب المبدئي أثناء إبرام العقد أو التسليم .

و لعل نفس هذه العبارة المتعلقة بالعيوب التي تخفى عند التقليب على من يتأمل استعملها الفصل 652 م إ ع ، إذ قد يكون احتياج زماننا لها أكثر من الوقت الذي ظهرت فيه نظرا لتطور المبيعات و تسارع تقنياتها و التعقيدات اللامتناهية في صنعها ليكون من السهل أن تخفى بعض العيوب على المشتري الذي برغم اختباره المبيع تقليبا لكنه لا يكتشفها بسهولة لقلة خبرته .

لكن قد تكون نفس تلك العيوب من قبيل العيوب الظاهرة بالنسبة لمشتر أكثر خبرة و دراية بالمبيع و هو ما بينه الحكم الفقهي عندما أكد أن نفس تلك العيوب لا تخفى غالبا على من تأمل.

فالمعيار الأساسي لظهور العيب أو خفائه يتم تحديده انطلاقا من ذات المشتري لا من عوامل خارجة عنه بإجباره على اصطحاب الخبراء ، و لا يسعه في حالة العيوب التي تخفى عليه عند التقليب على من لم يتأمل سوى أن يعتد بعدم العلم بها ليكون هذا الشرط المحرك الأساسي لخيار العيب لا شرط الخفاء ، حيث أطلق الفقهاء العيب و لم يقيدوه بشرط الخفاء مع حفاظهم على نزعته الحمائية التي سبق بيانها .

فشرط الجهل بالعيب لا يحمي البائع الذي يمكن أن يستفيد من غفلة المشتري في عدم استعانته بالخبراء ، بل تم تحميله التزاما ببيان عيوب سلعته إن كان يعلمها . لذا فالعلاقة بين البائع و المشتري يجب أن تكون علاقة تعاون صادقة لا علاقة حيلة و خداع و تمثيل لمصالح الطبقات المستغلة[306]. كما أن لشرط عدم العلم بالعيب مقتضيات مضبوطة في الفقه الإسلامي ، في حين أنه يبقى شرطا تابعا للخفاء في القانون التونسي .

الفقرة الثانية :

شرط الجهل بالعيب بين التبعية للخفاء و الضرورة الفقهية :

إن هذا الشرط يبقى أساسيا في الفقه في حين أنه يبقى مدمجا في شرط الخفاء في القانون التونسي بصفة كبيرة . و هو ما سيتم بيانه تباعا عبر عرض : مقتضيات عدم العلم بالعيب في النظامين القانونيين ( الفرع الأول) ، و وجوب إعلام المشتري بالعيب الفقهي مقارنة بالقانون التونسي ، (الفرع الثاني) .

الفرع الأول :

مقتضيات عدم العلم بالعيب في النظامين القانونيين

لا يكفي أن يكون العيب خفيا بل يجب أن يكون غير معلوم للمشتري ، فإذا ثبت علمه به انتفت الحاجة من حمايته . هذا ما برر إدراج المشرع لهذا الشرط مع الخفاء صلب الفصل 668 م إ ع حيث بين أن البائع لا يضمن العيوب المعلومة . مما يبرز عدم استقلالية شرط الجهل عن الخفاء ، فالعيب الخفي الذي علم به المشتري يعتبر ظاهرا ، كما أن منع المشرع الرجوع بالضمان بسبب العيب الظاهر يتحقق معه افتراض علم المشتري به[307]. في المقابل فقد ركز الفقه على شرط الجهل بالعيب لا على خفائه الذي يعتبر مقتضاه مدمجا في شرط عدم العلم اندماجا تاما . كما أن هذا الشرط لا يجب أن يتوقف على العلم بالعيب بل بتأثيره على منافع المبيع الإقتصادية ، فإذا ثبت جهل المشتري بتأثير العيب عليها بقي حقه في الضمان قائما و إن كان العيب ظاهرا . وذلك لأن الحكمة من الضمان ليست في ظهور العيب ماديا بل في تأثيره على منافع المبيع و صلوحيته لأداء غرضه[308].

لذا اعتبر فقه القضاء التونسي أن العيوب الظاهرة التي لا يمكن إدراك انعكاساتها على الصلوحية تعد عيوبا خفية لكنه اعتراف اقتصر على العيوب في عقود المقاولة[309]. كما أن الفقه يعتبر الإلمام بذات العيب و بأثره معا من النتائج الطبيعية لشرط الجهل به الذي يتطلب علم المشتري بكونه مما يعتد به شرعا ، فلا يكفي أن يراه حتى نجزم بكونه قد علم به[310] ، بل يجب أن يعلم أنه ينقص الثمن في عادة التجار ، أو أنه ينقص من عين المبيع و نفعه ، أو يفوت به غرض صحيح[311]. كما وقع التأكيد قانونا[312] و فقها[313] على ضرورة أن يكون العلم يقينيا ، فلا يكفي لانتفاء الجهل أن يكون المشتري قد ظن أو شك في وجوده ، و من نتائج ذلك عدم جواز أن يكون العلم بالعيب افتراضيا.

و هو ما قد يثير إشكالات يمكن ربطها بتمييز فقه القضاء الفرنسي بين المشتري العرضي و المحترف،فلئن كان الأول يمكن أن يعذر بجهله للعيب نظرا لقلة خبرته،فإن الثاني لا يمكنه الإدعاء بوجود عيب كان من الممكن على من هو في خبرته أن يعلمه . لذا فقد تشدد القضاء الفرنسي مع المشتري المحترف و أرسى قرينة علمه بالعيب[314] ، لكنها تبقى بسيطة و لا يمكن أن ترتقي لقرينة علم البائع المحترف التي تبقى قاطعة ،لأن ظروف البيع و التسليم قد لا تسمح للمشتري أحيانا باكتشاف العيب[315]. و قد كان لمحكمة التعقيب التونسية أن تنظر في نزاع تعلق موضوعه بتحديد الخفاء إذا تسلم المشتري المحترف تجهيزات في الإختصاص الذي يتعاطاه خاصة إذا كان صاحب مؤسسة لبيع الآلات المكتبية ، إلا أنها رفضت الأخذ بهذا المطعن و اكتفت بالتذكير بأن البائع المحترف محمول على العلم بالعيب[316].

في المقابل فقد اختلفت آراء المالكية حول أحقية المشتري المحترف في الرد خاصة في بيوع الرقيق إذا كان نخاسا[317]. كما يطرح إشكال العيب المتوقع بالنسبة للمبيعات المستعملة ، فالعيب الخفي هو ذاك الذي تجاوز حدود ما هو متوقع في الشيء المستعمل و الذي لا يجوز أن يتواجد فيه عادة ، إذ ليس للمشتري أن يتوقع أن يوفر له نفس الفعالية التي يمكن أن يوفرها له مثيله الجديد . و الواقع أنه يمكن أن تتداخل عدة عناصر في التوقع منها الثمن الزهيد و الوضع الخارجي[318] ، لكن لا يجب أن يصل الأمر إلى القول بعدم ضمان عيوب الأشياء المستعملة نظرا لضرورة توقع المشتري لها و العلم المسبق به ، فلا يصح الخلط بين الإستهلاك نتيجة الإستعمال و العيب ، حيث بينت محكمة التعقيب أن الفصل 647 م إ ع لا يفرق بين المبيعات المستعملة و المبيعات حديثة الصنع .[319]

كما لم تأت مصنفات الفقهاء على النظر المتعلق بعيوب المبيعات المستعملة ، لكنها اعتنت بوقت العلم الذي يعتد به . فمن شروط هذا الخيار جهل المشتري بوجود العيب عند العقد و القبض فإن كان عالما به عند أحدهما فلا خيار له[320]. في حين التزم مشرعنا التونسي الصمت بخصوص وقت العلم ، فالفصل 668 م إ ع اكتفى بإقصاء العيب المعلوم من طرف المشتري أو الذي كان يمكن أن يعلمه بسهولة دون بيان وقته ، كذلك الشأن بالنسبة لفقه القضاء . فهل يمكن قياس هذا الوقت على أحكام الفصل 652 م إ ع و اعتبار أن المشتري يجب أن يكون جاهلا بالعيب وقت البيع بالنسبة للقيميات و وقت التسليم بالنسبة للمثليات ؟ إن الجزم بهذا الحل يفتح الأبواب أمام المشتري للمطالبة بالضمان بالنسبة للعيب الذي علمه بعد البيع و قبل التسليم بحجة جهله له وقت البيع ، و الحال أن المنطق القانوني السليم يتنافى مع ذلك ، لأنه إذا ثبت العلم بالعيب وقت التسليم يسقط الضمان حتى و إن كان المشتري يجهله وقت البيع ، لذا نرى أن الوقت الأنسب لهذا الجهل هو وقت التسليم .

الفرع الثاني :

وجوب إعلام المشتري بالعيب الفقهي مقارنة بالقانون التونسي

لم يعر المشرع واجب إعلام المشتري بالعيب من طرف البائع في صورة علمه به نفس الإهتمام الذي أولاه لواجب الإخطار في بيوع المنقول الوارد بالفصل 652 م إ ع و الذي تم تحميله للمشتري . حيث لم يتم التنصيص على ذلك رغم أنه يبقى منسجما مع مقتضيات الفصل 243 م إ ع الذي أوجب الوفاء بالإلتزامات مع تمام الأمانة التي تقتضي أن يبين البائع العيوب للمشتري إن كان يعلمها . كما يقول بعض الفقه الفرنسي بعدم وجود مثل هذا الإلتزام لعدم النص عليه صراحة ، إلا أن أصحاب هذا الرأي يسلمون بأن القضاء يقر بوجوده .على أن التكريس التشريعي الفرنسي الوحيد لهذا الواجب جاء به القانون المتعلق ببيع الحيونات الداجنة الذي ألزم من خلاله البائع ببيان عيوب الحيوان المباع[321].

كما لا يمكن اعتبار واجب الإعلام المنوط بكاهل المزود الوارد بقانون حماية المستهلك متعلقا بالعيوب حيث بين فصله 16أنه : “يتعين على المزود إعلام الستهلك بواسطة نشريات تتعلق بالخاصيات و التركيبة و طريقة الإستعمال و المخاطر المحتملة و مدة الإستعمال المتوقعة ، أو عند الإقتضاء التاريخ الأقصى لاستعمال المنتوج.”[322] إذ فضلا عن أن البيانات المتعلقة بالإعلام قد وردت على سبيل الحصر ، فإن المخاطر المحتملة لا يمكن أن تتعلق بالعيوب الموجودة وقت العقد بل بالعيوب المستقبلية التي يمكن أن تحدث في المنتوج بعد مدة ،لا الموجودة فيه بالفعل ، أي أن هذا الواجب لا يتعلق بما هو كائن في المبيع من عيوب بل بما يمكن أن يكون فيه كنتيجة للمخاطر المحتملة و لمدة الإستعمال المتوقعة للمنتوج .

لكن إذا انتقلنا إلى الفقه للاحظنا أنه لم يكتفي بإلزام البائع ببيان خصائص السلعة التي يمكن أن يكون حديث رسول الله ۖ سندا له و الذي ورد فيه : “لا يحل لأحد أن يبيع شيئا إلا بين ما فيه و لا يحل لأحد يعلم ذلك إلا بينه.”[323] بل تجاوز ذلك إلى إلزام البائع بوجوب بيان عيوب سلعته للمشتري إن كان يعلمها حيث ورد قوله ۖ : “المسلم أخو المسلم و لا يحل لمسلم باع من أخيه بيعا و فيه عيب إلا بينه له.”[324] و هو ما تم التأكيد عليه في حديث آخر.[325] بل و ألزمت الأحكام الفقهية غير المتعاقدين بهذا الواجب[326] ، و يتأكد الوجوب حيث ينفرد الأجنبي بالعلم دون البائع نفسه. و وقت هذا الإعلام للمشتري يكون قبل البيع ليكف عن الشراء[327] ، كما تم التأكيد على وجوب إراءة العيب و تفصيله حيث لا يجوز إجماله لأن المجمل يعتبر مدلسا[328].

و بهذا تتبين معالم هذه الموازنة المتفاوتة بين استقرار المعاملات و حماية المشتري من خلال شروط العيب ، فوتيرتها التونسية لم تكن مظاهية لنظيرتها الفقهية . حيث أن المحاولة التشريعية التونسية قد رجحت في بعض الأحيان كفة استقرار المعاملات ، مما أدى إلى التضحية بحماية المشتري . ليبرز دور فقه القضاء الذي حاول أن يكون همزة الوصل بين المطلبين عن طريق محاولته التوفيقية بين المبدأين ، سواء بإضفاء المرونة على المتطلبات التشريعية لشرط الجسامة أو بتعديل أوتار شرط الخفاء و إضفاء الصبغة الحيوية على شرط الجهل بالعيب . في المقابل كان الفقه أكثر واقعية من نظيره التونسي حيث حاول إلى حد ما عدم الشطط في مقتضى شروط العيب آخذا بعين الإعتبار مصلحة المشتري مع عدم تغليبها على ضرورة استقرار المعاملات . لكنها تبقى محاولة اجتهادية لها ثغراتها و نواقصها التي تظهر خاصة في تشتت الآراء الفقهية داخل المذهب الفقهي الواحد و حول المسألة الواحدة .

و بهذا رأينا إلى حد الآن مظاهر التفاوت في تحقيق التوازن التعاقدي في مرحلة ثبوت العيب ، حيث تبينا الأثر الواضح لاختلاف إطار الضمان التونسي عن إطار الخيار الفقهي اللذان نظما عيوب المبيع و كيف اختلفت أسس مشروعية العيب التونسية و الفقهية . و هي أسس حكمها تفرد القانون التونسي بنزعته التوفيقية بين المبادئ الفقهية العامة و متطلبات العصر المتسارعة مقابل ثبات النموذج الفقهي على مصادره النقلية و المبادئ المنبثقة عنها. و بينا كيف انعكس ذلك على الموازنة بين استقرار المعاملات و حماية المشتري الخاصة بشروط العيب و التي حكمها منطق التفاوت بين النظامين ، حيث رأينا كيف كانت الصناعة الفقهية متميزة على نظيرتها التونسية في صياغة تلك الشروط و كيفية صيانتها للتوازن التعاقدي بين الطرفين مع بعض نواقصها و ثغراتها.ليكون منطق التفاوت طاغيا على مرحلة ثبوت العيب بين النظامين كما أنه يبقى كذلك بالنسبة للقيام على أساس العيب و انحلاله.

الباب الثاني :

التوازن التعاقدي المتفاوت في مرحلة القيام بالعيب و انحلاله

المقصود بمرحلة القيام على أساس العيب و انحلاله أي الآثار التي تترتب على ثبوت وجوده ، فالغاية من التأكد من توفر شروطه هو ثبوت مجموعة من الحقوق للمشتري . كما توجد فرضيات تزول من خلالها إمكانية التمتع بهذه الحقوق ، إما بمحض الإرادة عن طريق التنازل الصريح أو الضمني ، أو بفعل ظروف أخرى. فقيام المشتري على أساس العيب يبقى امتيازا له ، و ذلك بعد أن يثبت وجود العيب و تأثيره و صبغته الخفية ، بالإضافة إلى قدمه .

و قيام المشتري على أساس العيب في القانون التونسي لا يكون إلا عبر التقاضي ، حيث تبقى إمكانيات عدم اللجوء إلى القضاء مفتوحة لكنها ضئيلة مقارنة بالفقه الذي لا يجعلها متاحة إلا في حالة استنفاد التراضي بخصوص المطالبة بالرد و الفسخ . هذا ما انعكس على الطابع الإجرائي الصارم الذي رسمه المشرع لإجراءات التقاضي المرتبطة بتفحص المبيع و تحقيق حالته و إعلام البائع بالعيب . في المقابل فقد أدمج الفقه موجبات هذه الإجراءات مع حق الرد و لم يميزها بنفس الخصوصية . كما أن منطق التفاوت يبقى جليا بين النظامين بخصوص النتائج المترتبة على ثبوت الحق في الضمان ، فواجبات المشتري الناجمة عن الرد الفقهية يتجاوز الإحكام في صياغتها نظيرتها التونسية ، كذلك الشأن بالنسبة لطريقة احتساب النقص في الثمن . أما منطلقات التعويض عن الضرر الناشئ عن العيب التونسي فتبقى مختلفة في الفقه الذي لا يعترف بها إلا في إطار الرجوع بنقص الثمن .

كما أن المقصود من انحلال القيام بمقتضى العيب ، هو انعدام الحق في المطالبة بالإمتيازات التي تمنح للمشتري المتضرر . و العلامة الفارقة بالنسبة لهذا الإنحلال هو السيطرة على استقرار المعاملات ، فالهاجس الأساسي الذي يرافق سقوط الحق في القيام أو إسقاطه من طرف المشتري هو حماية استقرار المعاملات حتى لا يكون العقد الذي أبرمه البائع عرضة للفسخ . لكن هذا المبدأ لا يجب أن يأخذ على عواهنه و ألا يتجاوز حقوق المشتري المتضرر، لذا فإن السيطرة التونسية و الفقهية على هذا المبدأ هي السبيل الأقوم لتحقيق التوازن التعاقدي التي حكمها منطق التفاوت بين النظامين القانونيين .

فالسيطرة التونسية و الفقهية على عامل الزمن و تأثيره على القيام بالعيب تبقى متفاوتة ، على أن ذلك لا يخفي تأثر قانوننا التونسي الواضح بحكم العيب الباطني و بحكم البيع على يد السلطان في الفقه الإسلامي . كما أن الإختلافات الفقهية الكبيرة حول البراءة من العيب وجدت لها صدى غير مباشر في تطور القانون التونسي بشأن الإعفاء من ضمان العيب و توجهه الزمني نحو حماية المستهلك . لذا فإن معالم التفاوت تتلخص في : مظاهر تفاوت التوازن التعاقدي في ما يترتب عن القيام بالعيب ( الفصل الأول )، و تفاوت السيطرة على استقرار المعاملات بالنسبة لانحلال القيام بالعيب ( الفصل الثاني ) .

الفصل الأول :

مظاهر تفاوت التوازن التعاقدي في ما يترتب عن القيام بالعيب

يبقى معترك الدعاوى القضائية أمرا أساسيا لعيب المبيع التونسي ، فما سنت مجموع معاييره و شروطه إلا لكي يتم التثبت منها من قبل القضاء ، و لكي تمكن المشتري من الحقوق التي يمكن أن تنشأ له عند ثبوت العيب . و لهذه الدعوى طرفان هما البائع و المشتري ، أما البائع فقد اختلف التعاطي التشريعي التونسي و الفقهي مع الإعتبارات المتعلقة بتدليسه و بتحديد مجال سوء نيته ، فلكل منهما تصوره لها بالنظر إلى الحقبة الزمنية التي تحكمه. أما بالنسبة للمشتري فقد مثلت ضرورة لجوئه للقضاء للفسخ نقطة اختلاف بين النظامين كان لها انعكاسها العميق على صور الفسخ المتاحة له فيهما و على الإجراءات الممهدة و المدعمة للإدعاء ، سواء تلك المتعلقة بتفحص المبيع و تقرير حالته أو أجل إعلام البائع بالعيب . في حين أن الفقه لم يعرف نسقا موازيا في ما يخص تلك الإجراءات بل كانت مدمجة في حق الرد اندماجا كاملا . كما أن طبيعة إثبات العيب مختلفة في النظامين .

لكن ذلك لا يحجب التوافق حول حقوق المشتري الناجمة عن القيام ، فالخيار بين الرد و الإمساك دون المطالبة بتنقيص الثمن يبقى ثابتا بين النظامين القانونيين . كما إن الآثار المترتبة عن القيام تكرس التفاوت ، فقد أبرزت الإستردادات الخاصة بالمشتري التكريس التونسي الضيّق لتضرر البائع من الرد الجزئي مقارنة بالفقه و تأثره المحدود بنظرية الزيادة في المبيع . كما أن وحدة سياق الرجوع بنقص الثمن في النظامين لا تخفي التباين بشأن طريقة احتسابه التونسية و الفقهية . و رغم أن الفقه لم يعرف صورة التعويض بصبغته التونسية إلا أن أثره يبقى واضحا في بعض الحالات الخاصة بالتدرج في حدوده عند توارد العيوب مقارنة بالقانون التونسي . و هو ما سيتم توضيحه تباعا عبر بيان : الإختلاف بشأن وسائل و طبيعة القيام بالعيب ( المبحث الأول ) ، و آثار القيام بالعيب و نتائج التفاوت في توازنها التعاقدي ( المبحث الثاني ) .

المبحث الأول :

الإختلاف بشأن وسائل و طبيعة القيام بالعيب

إن القيام على أساس العيب يحكمه مدع و مدعى عليه ، فبالنسبة لهذا الأخير أي البائع فقد حكمته اعتبارات تتعلق بتدليسه و سوء نيته اختلف التعاطي بشأنها تونسيا و فقهيا . أما حقوق المشتري الناجمة عن القيام بالعيب فتبقى ثابتة في النظامين القانونيين ، لكن طريق التقاضي الموصل لها و صور الفسخ المتاحة للمشتري تختلف بينهما . و هو ما انعكس على الإجراءات الممهدة و المدعمة للإدعاء التي تعتبر صرامتها في القانون التونسي علامة فارقة بالمقارنة مع الأحكام الفقهية . و هو ما سيتم توضيحه تباعا عبر بيان : الإختلاف في التعاطي مع الإعتبارات المتعلقة بطرفي العقد ( الفقرة الأولى ) ، و تأثير الإختلاف حول وجوبية التقاضي على إجراءات الإدعاء ( الفقرة الثانية ) .

الفقرة الأولى :

الإختلاف في التعاطي مع الإعتبارات المتعلقة بطرفي العقد

تشكل طريقة تناول النظامين للإعتبارات الخاصة بالبائع و المرتبطة بتدليسه و سوء نيته محرارا لهذا الإختلاف بينهما ، كما أن وسيلة ظفر المشتري بحقوقه الناجمة عن العيب و صور الفسخ المتاحة له تشهد في الآن ذاته التقارب و التباعد بينهما . و هو ما سنتناوله عبر دراسة : تباين مقاربة النظامين بشأن تدليس البائع و سوء نيته ( الفرع الأول ) ، و حقوق المشتري الناجمة عن القيام بالعيب بين التقارب و التباعد (الفرع الثاني ) .

الفرع الأول :

تباين مقاربة النظامين بشِأن تدليس البائع و سوء نيته

سيكون كتمان البائع للعيب مدار دراستنا لتقدير النظامين القانونيين لتدليسه و سوء نيته ، اللذين يعتبران محرارين أساسيين لقياس حالات التعويض الواردة بالفصل 655 م إ ع ، و لثبوت الإحتجاج بسقوط الأجل في رفع الدعوى الوارد بالفصل 672 من عدمه ، و لسريان أجل إعلام البائع بالعيب الوارد بالفصل 652 م إ ع في إطار القانون التونسي الذي اختلف تعاطيه بشأن تقدير تدليس البائع مع نظيره الفقهي .

حيث يشير الفصل 673 م إ ع إلى أن : “البائع المدلس من تحيل على المشتري في إخفاء العيوب عليه أو كان سببا فيها.” لتتضح إشارته لفعل التدليس الإيجابي المتمثل في التحيل في الإخفاء أو التسبب في العيب ، و بالتالي للمفهوم الضيق للتدليس الذي يتطلب ثبوت المخاتلات و الكنايات، و هو ما يسمح بكتمان البائع للعيب[329]. فحتى يثبت التدليس على معنى الفصل 673 م إ ع يجب أن يقوم البائع بتصرفات ملموسة تتسبب أو تخفي العيب ، مثل طلاء السيارة لإخفاء عيبها أو تصريح البائع بخلو المبيع من العيوب مع علمه بوجودها[330].

و الملفت للنظر أن مشرع 1906 قد تجاوز مقتضيات الفصل 786 م م م ت ت الذي اعترف بالمفهوم الواسع للتدليس و أقحم كتمان البائع للعيب مع علمه به في إطاره[331]. فمشرع 1906استبعد فكرة التدليس بالكتمان ربما لاستبقاء التفرقة بين التغرير الذي يهم مرحلة تكوين العقد و بين التدليس المرتبط بتنفيذه[332] ، فالتغرير يكون بالمخاتلات و الكنايات عملا بالفصل 56[333] ، في حين أن التدليس لا يكون إلا بالمخاتلات أي الأفعال الإيجابية . لكن حتى الكنايات المشار لها لا تعني ضرورة التزام الصمت عن أمر يهم الطرف المقابل معرفته بقدر ما هو التغرير بقول ملبس لا تراد به الحقيقة فهو تغرير قولي لا يقترن بالصمت[334].

الذي استعمل في صياغة الفصل فهو ذو وجهين،إذ Réticences وحتى المصطلح الفرنسي

أنه يفيد الكتمان بالإضافة للتردد أو التحفظ[335] ، و هذا الأخير يتلاءم مع الصياغة العربية.

و لعل هذا المصطلح الفرنسي الملبس يمكن أن يكون مستندا لإقرار التغرير بالكتمان الذي يطال مرحلة تنفيذ العقد أو لنفي ذلك . هذا الموقف الأخير تبنته محكمة التعقيب في قرار 6/ 2/1979[336] الذي اعتبرت فيه أن سكوت البائع حول عدم إمكان الحصول على رخصة البناء لا يبطل العقد عملا بالفصل 56 إذا لم يدرج الترخيص ضمن بنوده[337]. و رجوعا إلى الفصل 673 م إ ع الذي كرس المفهوم الضيق للتدليس الذي من شأنه الإبقاء على العقد و تقليص إمكان فسخه ،لكنه يشجع النزعة الفردية و لا يتلاءم مع مبادئ الإنصاف[338].على هذا الأساس اعتبر الأستاذ نذير بن عمو الفصل 673 مكرسا للتدليس بالكتمان ، فالتحيل في إخفاء العيب يمكن أن يتمثل في السكوت عنه[339] ، استنادا إلى الحكم الإستئنافي عدد 19687الصادرعن محكمة الإستئناف بتونس الذي اعتبر أن التدليس يمكن أن يقع من الكتمان[340].

و لعل القرار الأبرز الذي كرست فيه محكمة التعقيب التدليس بالكتمان هو قرار 16/ 1/1991الذي بينت فيه أن : “البائع الذي يكون عالما بعيوب المبيع الخفية و يتعمد مع ذلك بيعه للمشتري الذي كان يعتقد سلامته ، هو بائع مدلس على معنى الفصل 673 م إ ع لأن صنيعه الذي دل على سوء نية واضحة تتكون منه جنحة مدنية . و يعتبر على هذا الأساس من قبيل التحيل على المشتري في إخفاء العيوب عليه.”[341] و بغظ النظر عن الوسائل التي اعتمدتها المحكمة للوصول لهذه النتيجة ، فإن ما يحسب لهذا القرار هو اعتداده بالتدليس بكتمان البائع لعيب المبيع.

أما الفقه فقد اعترف بالتدليس بالكتمان بوضوح ،حيث نقرأ مثلا أنه: “لا يجوز في البيوع التدليس و لا الغش و لا الخلابة و لا الخديعة و لا كتمان العيوب و لا خلط دنيء بجيد”[342] و هو تكريس عام لا تنفرد به بيوع المرابحة فحسب مثلما ذهب إلى ذلك أحدهم[343]. فالمشتري يحدد فيها قدر الربح محتكما إلى ضمير البائع ، لأنه نوع من بيوع الأمانة التي تقتضي عدم الكذب في بيان الثمن و عدم الكتمان في ما يلابس السلعة مما يوجب بيان عيوبها[344].

لكن في غير بيوع الأمانة و تحديدا في نقيضها أي بيوع المماكسة و المساومة[345] يعد الكتمان تدليسا أيضا : “و أظهر ما يكون ذلك إذا عمد البائع إلى إخفاء العيب في المبيع بأن كتمه على المشتري و لم يبينه ، فالحنفية يعدون هذا الكتمان حراما و المالكية يصرحون بأنه تدليس و الشافعية و الحنابلة يعتبرونه غشا كالتصرية.”[346] إذ أن مجموع أدلة واجب الإعلام التي سبق إيرادها[347] لم تميز بين بيوع المرابحة و المماكسة ، بل أجملتها و أوجبت على البائع و غيره بيان عيوب سلعته ، و لا يتصور هذا الواجب مفرغا بل تم إكساؤه بالإلزامية التي تمثلت في اعتبار البائع الذي علم بالعيب و كتمه على المشتري بائعا مدلسا[348].

و لئن بدا تكريس الإعتبارات المتعلقة بسكوت البائع سهلا لكن الوصول له يبقى الأمر الأصعب ، فالوسائل المتاحة لإثبات علمه و كتمانه تبقى عسيرة ، إذ أنه أمر يتعلق بنوازع داخلية يعسر إثباتها . لذا فهو إشكال يبقى مطروحا تونسيا و فقهيا تباينت بشأنه الحلول : فقد تفطن مشرعنا مبكرا إلى هذا الإشكال منذ صدور م إ ع سنة 1906 حيث رتب على البائع المحترف قرينة علم بالعيب سواء كان صانعا أو تاجر ا لكنها قرينة لا تثبت التدليس بالكتمان بل تجعل من سكوت البائع عموما و البائع المحترف خصوصا عن العيب موجبا للتعويض دون إمكان فسخ العقد في صورة اختيار المشتري التمسك بالمبيع ، حيث بين الفصل 655 م إع الذي رتب على البائع بصفة عامة التزاما بالتعويض في صورة علمه بالعيب معتبرا أن : ” البائع محمول على العلم بالعيب إذا كان تاجرا أو صانعا و باع شيئا من متعلقات تجارته أو صناعته.”فهي أساسا قرينة سوء نية.

لا شك أن لهذه القرينة فوائد جمة على المشتري ، حيث أن لها أثرا مباشرا لا في تخفيف عبئ الإثبات عليه فحسب ، بل و في إعفائه منه خاصة مع تنامي مارد التقنية و تطور وسائل الإنتاج و التسويق مما يجعل حماية المشتري الأعزل أمرا ضروريا . فهو يتمتع بهذه القرينة التي تمكنه من التعويض الآلي و تثبت له علم البائع بالعيب و كتمانه عنه ، لا تدليسه . و يعتبر القانون التونسي سباقا في صياغة هذه القرينة مقارنة بنظرائه العرب الذين كان لهم نموذجه نبراسا اهتدوا به في تشريعاتهم ، على غرار المشرع اللبناني و المغربي إلخ…[349]

بل و تجاوز مشرعنا مصدره التقليدي الفرنسي الذي اقتصر فيه تكريس القرينة على الصبغة القضائية دون التشريعية ، حيث كان فقه القضاء الفرنسي هو المبتكر الأول[350] لها و الملهم الرئيسي لمحرري م إ ع في نقلها إلى التشريع التونسي .على أن الإشكال لا يثور حول القرينة في حد ذاتها ، بل حول طبيعتها ، فعبارة “البائع محمول على العلم” تبقى حمالة للأوجه خاصة إذا تمت مقارنتها بنظيرتها الفرنسية التي تؤكد الصبغة القاطعة للقرينة[351] التي تفيد أن البائع محمول دائما على العلم بالعيب[352]. في حين أن الحمل على العلم قد لا يكون متيسرا في كل الأحوال ، مما يفسح المجال أمام البائع لإثبات العكس .

و من المعلوم أنه في مثل هذه الصور من تعارض الصيغتين فإنه لا يؤخذ إلا بالنص العربي[353]. لكن فقه القضاء التونسي تمسك بالصبغة القاطعة لهذه القرينة لتكون قرينة “بالغة حد اليقين”حيث اعتبرت محكمة التعقيب في قرار 16/ 4/1996أنها : “قرينة قانونية لا تدحض إلا بإثبات علم المشتري بوجود العيب الخفي عند التعاقد و رضائه بالمبيع رغم علمه بالعيب.”[354]

كما أن الفصل 655 م إ ع لم يميز بين البائع التاجر و الصانع ، بل وضعهما على قدم المساواة بالنسبة للقرينة و صبغتها القاطعة التي أكد عليها فقه القضاء . و بهذا فإن البائع المحترف لا يمكنه إدعاء الجهل بالعيب حتى و إن كان من النوع الذي يصعب كشفه و الذي أثبت بشأنه كل الحرص عبر استخدام وسائل المراقبة الأكثر تطورا لكي يتفصى من هذه القرينة ، فإن ذلك لن يفيده في إثبات جهله المشروع بالعيب[355] ، مهما كانت طبيعته ، حتى إن كان البائع مجرد موزع أو وسيط بين الصانع و المشتري[356].

لهذا اقترح العديد من الفقهاء الفرنسيين التمييز بخصوص طبيعة هذه القرينة بين البائع الصانع الذي يمكن أن تكون بشأنه قاطعة حيث لا يمكنه الإحتجاج بجهل خصائص و تركيبة ما يصنع ، خلافا للبائع التاجر الذي يمكن أن تكون القرينة بشأنه بسيطة و قابلة لإثبات العكس[357].

لكن فقه القضاء الفرنسي واصل الإعتداد بالصبغة القاطعة للقرينة دون تمييز بين أصناف الباعة ، و هو ما تم تأييده من قبل محكمة المجموعة الأوروبية التي تظلم لديها التجار الفرنسيون[358]. و لهذا الإقرار بالصبغة القاطعة للقرينة تداعيات جسمها فقه القضاء التونسي ، حيث تم صياغة تنظير يقرن البائع المحترف بالمدلس على أساس التطبيق المتزامن للفصلين 655 و 673 م إ ع الذي شمل في مرحلة أولى البائع الصانع في قرار 22/ 2 / 1973[359] ، و في مرحلة ثانية البائع التاجر عبر قرار 16 / 1 / 1991 سابق الذكر.

فهو قرار اعتبر مجرد اختصاص البائع في بيع المجرورات كافيا لتقدير علمه بالعيب و تدليسه بإقحام أحكام الفصل 655 و قرينة العلم على الفصل 673 لتكون المعبر المعتمد لإقرار التدليس بالكتمان[360].فكأن صفة احتراف البائع صارت آلية للتسليم بتدليسه[361] و حرمانه من الإحتجاج بسقوط آجال الفصل 672م إع، فالقرار المذكور انتقل من المعرفة الحقيقية إلى المفترضة[362]على أساس قرينة سوء النية الواردة بالفصل 655 م إ ع التي تعتبر استثناء للمبدأ العام المتعلق بحسن النية الوارد بالفصل 558 منها .

و هو استثناء لا يتلاءم إلا مع تكريس الصبغة البسيطة للقرينة بالنسبة للبائع التاجر ، إذ يوجد فرق بين التدليس و الإحتراف: “و إن كان من الممكن لكلا الأمرين أن يجتمعا في ذات الشخص كأن يكون البائع عالما بالعيوب و يعمد بذلك إلى إخفائها،فإنه قد يكون حسن النية بعدم سعيه إلى إخفائها عن نظر المشتري.”[363]

و هو تمش تراجعت عنه المحكمة في قرار 25/1/1999الذي تجاوزت فيه صفة الإحتراف للإقرار بتوفر التدليس الوارد بالفصل 673 م إ ع[364]. و لعل اللجوء الأسلم للفصل 655 الذي يمكن أن يكون مرتكزا على الفصل 673 هو الذي يثبت الصبغة البسيطة لقرينة علم البائع التاجر التي في صورة عدم معارضتها من قبله و عدم إثبات عكسها تكون أساسا سليما لتكريس تدليسه الفعلي بالكتمان ، لا تدليسه المفترض الذي قد يكون في غير محله .

على أن التجربة التونسية في تخفيف عبئ إثبات علم البائع بالعيب رغم بعض سلبياتها القابلة للتدارك ، لكنها تبقى متفوقة على نظيرتها الفقهية . فالتجربة الفقهية رغم أنها لم تعترف بسياق التعويض التونسي حيث اعتبرت كتمان العيب تدليسا من البائع لكنها جعلت من مبدأ حسن النية مقدسا و غير قابل للإستثناء ، إذ لم يرسي الفقهاء قرينة لعلم البائع المحترف بالعيب سواء كانت بسيطة أو قاطعة ، بل لم يعرفوا حكما خاصا بالإحتراف.

فهم لا يميزون بين الباعة وفق صفة الإحتراف فيهم[365] ، بقدر ارتكاز تمييزهم على صفة التدليس من عدمها . حيث بقيت وسائل إثبات العلم و الكتمان تقليدية و متمثلة في ثبوت إقرار البائع أو البينة عليه ، و هو أمر صعب الحدوث مبدئيا ، كما يمكن للمشتري في صورة غياب البينة استحلاف البائع و إرغامه على اليمين على علمه و كتمانه ، فإن نكل يثبت تدليسه بالكتمان[366].

كما ينضاف إلى تواضع وسائل الإثبات التقليدية المتبعة ، ركود محاولات الإجتهاد الفقهية المعاصرة و اقتصار قرارات مجمع الفقه الاسلامي على بعض الأمور المستجدة مثل الشركات المساهمة و البورصة إلخ … دون تطوير ما هو موجود ، و دون مسايرة نسق التطور في ميدان المبيعات.

و لعل ما يمكن أن يساهم أيضا في تخفيف عبئ إثبات علم البائع بالعيب و كتمانه هي بعض العوامل المساعدة ، منها إلزام غير المتعاقدين ممن يعلم بالعيب بإعلام المشتري به لتكون شهادته فاعلة في وسائل الإثبات . كما أن بعض الظروف و الملابسات قد تحكم بعلم البائع بالعيب : ” فلو بحث عنه و استكشفه لعلمه ، فإهماله لذلك و تركه الإستكشاف تفريط منه لا يمنع تعرضه للإثم بسببه”[367]. في ما عدى ذلك فقد تم الإكتفاء بالعلم الحقيقي دون الإفتراضي مما جعل التفرد الفقهي في إقرار التدليس بكتمان العيب قاصرا أمام وسائل إثباته، مع أن حقوق المشتري الناجمة عن القيام قد شهدت تقاربا و تباعدا بين النظامين .

الفرع الثاني :

حقوق المشتري الناجمة عن القيام بالعيب : بين التقارب و التباعد

منح المشرع التونسي للمشتري صلب الفصل 655 م إ ع حق الخيار بين أمرين لا ثالث لهما ، و هما إما فسخ البيع و رد المبيع أو الإبقاء عليه دون الحق في تنقيص الثمن في حالة التمسك به التي لا تخول سوى طلب التعويض في حالات معينة[368]. ليكون التمسك بالمبيع مع طلب تنقيص الثمن حلا احتياطيا يتم اللجوء إليه كلما تعذر الرد .

على أن مشروعا م إ ع سواء منه التمهيدي في فصله 642[369] أو م م م ت ت في فصله 766[370] قد اعترفا للمشتري بحق الخيار بين دعويي الفسخ أو تنقيص الثمن في صورة احتفاظه بالمبيع ، لكن مشرع 1906 قد تراجع عن هذا التوجه الذي خالف به نظيره الفرنسي الذي اعترف للمشتري بحق الخيار بين الدعويين صلب الفصل 1644 م م ف[371] ، بل و تجاوز به حق الخيرة بين الدعويين الذي اعترف به هو ذاته في الإلتزام بالتسليم صلب الفصل 629 م إ ع و في ضمان الإستحقاق صلب الفصل 640 و حتى بالنسبة لعيوب المكري الخفية صلب الفصل 751.

و بغض النظر عن الإنتقادات التي يمكن أن توجه لمنع هذا الحق[372] فإنه يبقى حلا فقهيا له أسبابه و مبرراته : إذ رغم إشارة كل من مشروعي م إ ع الإعتباطية إلى مراجع الفقهين المالكي و الحنفي في تقرير حق الخيرة بين الدعويين صلب حاشيتي الفصلين سابقي الذكر[373] ، إلا أن مشرع 1906 قد أرجع الأمور إلى نصابها الفقهية السليمة .

حيث أن هاذين الفقهين يثبتان الحق للمشتري في الخيار بين الرد و الفسخ أو التمسك بالمبيع دون الحق في المطالبة بنقص الثمن ، لأنها مطالبة لا تكون متيسرة إلا في حالة تعذر الرد على المشتري الذي : ” ليس له أن يمسك المبيع معيبا و يرجع على البائع بنقصان الثمن ، لأن الأوصاف لا يقابلها شيء من الثمن في مجرد العقد ، و لأن البائع لم يرض بزوال المبيع عن ملكه بأقل من الثمن المسمى فيتضرر بنقصان هذا الثمن و دفع الضرر عن المشتري ممكن برده للمبيع.”[374]

فلئن كان مبدأ الخيرة في القانون الوضعي مراعيا لمصلحة المشتري ، فإن منع هذا التخيير الفقهي حاول التوفيق بين مصلحتي الطرفين . و هو مبدأ حافظ عليه الأحناف بالتوازي مع المالكية لا كما تصور البعض[375] من كون فقهاء هذا المذهب يجيزون الخيرة بين الرد أو الإنقاص من الثمن بالنسبة للعيب اليسير المنقص من الثمن ، فهذا العيب يخول للمشتري تنقيص الثمن كحل أوحد.[376]

في المقابل فإن الحنابلة يعترفون للمشتري بحقه في الخيار بين رد المبيع أو إمساكه مع المطالبة بتنقيص الثمن[377].

كما أن محكمة التعقيب خالفت التوجه التشريعي للفصل 655 م إ ع حينما اعتبرت أن للمتقاضين الذين اقتنوا مساكن جاهزة من الشركة القومية العقارية للبلاد التونسية الحق في طلب الحط من ثمن عقار اكتشفوا وجود عيوب خفية فيه[378].

على أن المبدأ الوارد في الفصل 655 ليس مطلقا ، إذ يقابله الإستثناء الوارد بالفصل 666 م إ ع في حالة توارد العيوب[379].

و لئن برز إلى حد الآن التقارب التونسي و الفقهي بخصوص حقوق المشتري الناجمة عن القيام بالعيب ، إلا أن مناط الإختلاف خاصة في الوسائل التي تخول له هذا القيام لا يمكن التغاظي عنها ، فوجوبية التقاضي بخصوص الرد بالعيب و خاصة حول إمكان الفسخ بإرادة المشتري المنفردة تبقى العلامة الفارقة بينهما. حيث يقر الفصل 655 م إ ع للمشتري بإمكان طلب فسخ البيع دون أن يشير إلى قدرته على فسخه لحكمة معلومة ، فلئن كان الحكم بالفسخ موقوفا على طلب المشتري إلا أنه لا يتم بموجب إرادته المنفردة ، إنما يحصل إما قضاء أو بموجب الرضا بين الطرفين[380].

حيث يمكن للطرفين استخلاص التنفيذ المعيب للإلتزامات الناشئة عن العقد و الإتفاق بينهما على فسخه مع قيامهما بالإستردادات ، كما يمكن إيراد الشرط الفاسخ في العقد مع بيان حالات تدخله التي تنتج آثارها بينهما . لكن التراضي على الفسخ ليس سوى استثناءا لأحكام م إ ع و تحديدا الفصل 273 الذي أكد أن فسخ العقد لا يكون إلا بحكم[381].

في ما عدى ذلك فإن الفسخ القضائي هو الذي يحسم النزاع بين الطرفين ، و هو يبقى حقا أساسيا لا يمكن تجاوزه إلا بنص خاص[382]. إلا أن الفسخ في دعوى ضمان العيوب يختلف عن الفسخ لعدم التنفيذ،حيث لا يعود للمحكمة حرية الإختيار في إجابة الطلب من عدمه،إنما عليها التثبت من توفر شروطه و الإستجابة له حال توفرها : “فالحكم بالرد هنا هو إعلانيا و ليس إنشائيا.”[383]

كما أن الفسخ في دعوى الضمان يرتكز على التنفيذ المعيب لالتزام البائع لا على عدم التنفيذ الكلي ، وهو إمكانية تفتح للمشتري فحسب عملا بالفصل 655 م إ ع على خلاف الفسخ لعدم التنفيذ الذي يمكن للطرفين المطالبة به[384]. و لا يخفى أن المستهلك عادة ما لا يعرف بوجود هذا الإلتزام و حتى إن علم به : “فإنه يضطر إلى اللجوء إلى القضاء بما يستتبعه هذا من تكلفة ووقت يحجبانه عادة عن ذلك.”[385] لعل هذا ما دفع بالمشرع إلى تعديل أوتار هذا المبدأ العام عبر القانون عدد 83 لسنة 2000 المؤرخ في 9 أوت 2000 المتعلق بالمبادلات و التجارة الإلكترونية الذي أرسى الفصل 30 منه حقا للعدول عن الشراء بالنسبة للمستهلك حدد بأجل 10 أيام تحتسب بالنسبة للبضائع بداية من تاريخ تسلمها من قبله[386].

إذ فضلا عن الصبغة الحمائية الثورية التي أرساها هذا الفصل للمستهلك في إقرار هذا الحق الذي يبقى متمتعا به لا فقط إلى تاريخ تسلمه للبضاعة كما فعل ذلك الفقه ، بل 10 أيام بعده،فقد تم التأكيد عبر الفصل32من نفس القانون على عدم قابلية هذا المبدأ للإستثناء بالنسبة لضمان العيب[387]. و هو امتياز يحسب للمشرع تكريسه لكنه يبقى خاصا بمجال المبادلات و التجارة الإلكترونية .

أما الفقه فقد اعترف بإمكانية الفسخ بإرادة المشتري المنفردة لكنه لم يجعلها الإمكانية الوحيدة المتاحة له،إذ ينضاف لها ضرورة اللجوء إلى التراضي أو التقاضي التي تبقى مقيدة بتمام الصفقة و القبض . فحكم عدم اللزوم من جانب المشتري قبل القبض الذي سبقت الإستفاضة فيه[388] يبقى المحرار الأساسي لتمييز الحالتين و وقت اللجوء إليهما.

إذ يورد الكاساني أن : “كيفية الرد و الفسخ بالعيب بعد ثبوته ، فالبيع لا يخلو إما أن يكون في يد البائع أو في يد المشتري ، فإن كان في يد البائع ينفسخ بقول المشتري رددت ، و لا يحتاج إلى قضاء القاضي و لا إلى التراضي بإجماع .

و إن كان في يد المشتري لا ينفسخ إلا بقضاء القاضي أو بالتراضي.”[389] فحال أن المشتري لم يقبض المبيع و اكتشف به عيبا تكون له السلطة المطلقة في الفسخ دون اللجوء إلى القاضي أو البحث عن رضا البائع أصلا[390]. لكن هذا الفسخ يتطلب علم البائع به ، فلو فسخ بغير علمه لا يعتبر و كان له الرجوع عنه[391]. أما إذا قبض المشتري المبيع فإن الأمر يختلف ، فلا يمكنه أن ينفرد بالفسخ بل لا بد له من التراضي مع معاقده ، و في صورة عدم توفيقهما في ذلك يتم اللجوء إلى القضاء .

فالعقد لا ينفسخ إلا على النحو الذي انعقد به ، و هو لا ينعقد بأحد العاقدين إذن لا يفسخ به منفردا[392].

و يحدد الأحناف آثار الفسخ بكونه : إذا تم بتراضي الطرفين فهو فسخ في حقهما بيع في حق غيرهما ، أما إذا تم بالتقاضي فهو فسخ في حقهما و في حق غيرهما[393]. كما يعرف القانون التونسي صورة من حقوق المشتري لم يعرفها الفقه و هي التنفيذ العيني حيث أورد الفصل 656 م إ ع أنه : “إذا كان المبيع عدة أشياء معين جنسها فقط و ظهر بعضها معيبا كان للمشتري أن يعمل بما قرر في الفصل 655 إن كان المبيع قيميا ، فإن كان مثليا فليس للمشتري إلا إلزام البائع بأن يأتيه بمثله سالما و يعوض له خسارته عند الإقتضاء .”فلئن شمل هذا الصنف المثليات دون القيميات ، إلا أن ذلك لا يمنع خاصة بالنسبة للعقارات من إقراره بالنسبة للعناصر التجهيزية للمبنى المباع[394] ،و هو ما تبنته محكمة التعقيب و أقرته[395].

لكن الفقه لم يعرف هذا النوع من الحقوق ، حيث حافظ على حلوله التقليدية المتمثلة في الرد و نقص الثمن و لم يلزم البائع بالتنفيذ العيني ، بل اشترط في العيب ألا يمكن إزالته دون مشقة من طرف المشتري كالنجاسة في الثوب إلخ…أما إذا كان العيب صعب الإزالة فإن الخيار يثبت له[396]. إلا أنه قد يكون من مصلحته في بعض الأحيان تعويض المبيع المعيب بآخر سليم أكثر من الفسخ أو طلب التنقيص على أن يتم تحميل البائع ذلك لا المشتري مثلما فعل الفقه الإسلامي ، و لعل هذا الإختلاف أثر على الإجراءات الممهدة و المدعمة للإدعاء .

الفقرة الثانية :

تأثير الإختلاف حول وجوبية التقاضي على إجراءات الإدعاء

لعل الإختلاف حول وجوبية التقاضي بين النظامين كان مناطا للإختلاف حول موقع الإجراءات الممهدة للإدعاء بينهما سواء منها تقليب المبيع من طرف المشتري أو إعلام البائع بالعيب ، و حول منطلقات الإجراءات المدعمة له أي الإثبات . و هو ما سيتم توضيحه تباعا عبر بيان : واجبي التقليب و الإخطار بين التأكيد التشريعي و التداخل مع حق الرد ( الفرع الأول ) ، واختلاف منطلقات إثبات العيب في النظامين القانونيين ( الفرع الثاني ).

الفرع الأول :

واجبي التقليب و الإخطار بين التأكيد التشريعي و التداخل مع حق الرد

أوجب الفصل 652 م إ ع على المشتري تقليب المبيع و تفحصه حيث أورد أنه : ” إذ بيع شيء من المنقولات ما عدى الحيوانات فعلى المشتري أن يقلبه عند وصوله له…” فالمقصود بالوصول هو التسلم ، حيث يجب أن يكون ذاك التقليب فور التسلم . على أنه ليس من الضروري على البائع نقل المبيع إلى محل المشتري[397] .

كما أن هذا الفصل لا يفرض تفحص المبيع إلا عندما يكون منقولا من غير الحيوانات ، مما يثير التساؤل حول مبررات إقصاء واجب التفحص بالنسبة للعقارات و المنقولات من الحيوانات ؟ حيث ترى الأستاذة سكينة بوراوي أن هذا الواجب يجب تعميمه على كل المبيعات ، فالفصل 668 م إ ع حينما أكد على عدم ضمان العيوب الظاهرة أوجب على المشتري قدرا من الحزم في التقليب لا يمكن حصره في المنقولات من غير الحيوانات فحسب[398]. مع الملاحظ أن التراخي أو عدم القيام بالتفحص العادي للمبيع يؤدي إلى سقوط الحق في الضمان[399].

لكن في المقابل يعفى المشتري من هذا الواجب إذا صرح له البائع بسلامة المبيع عملا بالفصل 669 م إ ع لأن ذلك التصريح يؤدي إلى افتراض خفاء العيب[400]. كما أن واجب التفحص ليس غريبا عن الفقه لكن لم يجعل منه إجراءا شكليا سابقا لرفع دعوى الضمان مثل نظيره التونسي ، بل إن وجوبيته كانت ضمنية في أحكامه. حيث لا يمكن للمشتري التعامي عن إبصار العيب السهل الكشف إلا إذا مر بظرف خارج عن إرادته ، و هو ما يتطلب منه ضرورة التقليب الذي يمكن أن يكون حجة عليه خاصة إذا أشهد على نفسه بقيامه بذلك التقليب و بمعاينته للمبيع التي تبقى إمكانية متاحة له ، لكنها ليست إجبارية عليه[401].

كما يحسب للمشرع التونسي اعتداده بالظروف التي تحول بين المشتري و التقليب صلب الفصل 652 م إ ع الذي استثنى من الجزاء المترتب عن عدم إعلام المشتري بالعيب ألا و هو إقرار سكوته و قبوله بالمبيع كما هو ، حالة ما إذا : “حصل للمشتري مانع عاقه عن التقليب.”

حيث أن بعض الملابسات قد تحول بين المشتري و التقليب ككونه كفيفا أو قد سافر إلخ… و قد اعترفت محكمة التعقيب بهذه الظروف عندما لم يستطع مشتري العقار تفحص حالته قبل تسلمه له و قبل إمضائه لعقد البيع و الرهن[402]. و هو حل مقتبس من الأحكام الفقهية التي لم تعترف بالخيار بالنسبة للعيوب التي لا تخفى عند التقليب على من تأمل إلا في صورة المبيع الغائب و المشتري الكفيف[403].

أما في ما يخص واجب إخطار[404] البائع بالعيب ، فهو إجراء أولي ضروري لقبول الدعوى ، في حين أنه متداخل مع حق الرد فقهيا . حيث يوجب ذات الفصل على المشتري : “إعلام البائع بذلك حالا و إن لم يعلمه في السبعة أيام الموالية ليوم وصول المبيع له اعتبر سكوته قبولا…”أما بالنسبة للعيوب التي تخفى عند التقليب على من لم يتأمل فإن أجل الإعلام يكون بمجرد الإطلاع عليها ، حيث يقتصر هذا الواجب أيضا على المنقولات ما عدى الحيوانات دون العقارات.

لكنها ليست قاعدة مطلقة ، إذ يوجب الفصل 16من قانون البعث العقاري على المشتري إعلام بائعه بالعيوب الظاهرة للبناء في أجل 3 أشهر من التسليم[405] ، لكنه يبقى نصا خاصا له مجاله المحدود . و لا شك أن للإخطار فوائد جمة بالنسبة للبائع الذي يمكنه من تجنب الحيرة حول مصير العقد ، أو المشتري من خلال تحريره من مسؤولية العيب و إظهار رغبته في عدم قبوله[406].

كما لا يشترط شكل خاص لهذا الإعلام الذي يمكن أن يكون عن طريق رسالة مضمونة الوصول أو عدل تنفيذ إلخ…[407] و لعل الغاية من هذا الأجل القصير هو حماية مبدأ استقرار المعاملات[408] الذي أكدت عليه محكمة التعقيب التي لم تتردد من حرمان المشتري من المطالبة بحقه في الضمان و من اعتباره راضيا بالعيب كلما تأخر في الإعلام به[409].

في المقابل يطالعنا الفصل 762 م م م ت ت نظير الفصل 662 م إ ع بمجموعة من مراجع المالكية و الأحناف[410] لكن الفقهاء لم يرسوا التزاما على كاهل المشتري بإعلام البائع بالعيب حسب صياغة الفصل 662.

و حتى المراجع التي أشار لها سانتيلانا في حاشية الفصل المذكور قد أشارت إلى الفورية في الرد على أساس الإختلاف بين المالكية و الأحناف[411].

حيث أن الفقه أدمج إعلام البائع بالعيب في حق الرد به إدماجا كاملا و لم يجعل منه إجراءا سابقا لقبول الدعوى من قبل القاضي مثلما فعل نظيره التونسي.فالفسخ قبل القبض

لا يتطلب إعلام البائع بالعيب بل بالفسخ ، أما بعد القبض فإن التراضي بين الطرفين عليه يتم فيه الإعلام ضمنيا.

كما أن المشتري لا يلجأ إلى القضاء إلا بعد إخفاقه في التراضي مع البائع مما يتطلب علم هذا الأخير بالعيب آليا . و لا يمكن اعتبار تقنية الإعذار المالكية دليلا على اعتماده لصيغة الإعلام الواردة بالفصل 652 بل لنظيرتها المعتمدة في الفصل 653 التي أشارت إلى حضور البائع عند تحقيق حالة العيب ، ففي صورة استعانة المشتري بأهل الخبرة لتحديد العيب اختياريا أو قضائيا فإن المالكية يلزمونه بإعلام خصمه بهذا الإجراء[412]. و هو إجراء ينخرط في أدلة إثبات العيب التي اختلفت منطلقاتها في النظامين القانونيين .

الفرع الثاني :

إختلاف منطلقات إثبات العيب في النظامين القانونيين

تشمل عناصر إثبات المشتري عدة أوجه ، فعليه أن يثبت وجود العيب و قدمه و خفاءه و سوء نية البائع غير المحترف للحصول على التعويض ، بالإضافة إلى التدليس الوارد بالفصل 673 م إ ع .

كما يلزم البائع بإثبات ظهور العيب و حداثته ورضى المشتري به إلخ…[413] و لئن كان العيب واقعة مادية يجوز إثباتها بجميع الوسائل[414] ، إلا أنه قد يعسر على المشتري ، هذا ما أوجب تدخل المشرع عبر الفصل 653 م إ ع لتخفيف عبئ هذا الإثبات عليه .

إذ أوجب على المشتري تحقيق حالة العيب بواسطة خبير بإذن من القضاء[415] ، لكن المشرع لم يجعل هذه الوسيلة حصرية بل تبقى الوسائل الأخرى متاحة[416]. كما يعتبر المالكية من أكثر المذاهب اعتدادا بأهل الخبرة في إثبات العيوب التي تخفى عند التقليب على من لم يتأمل ، و هي العيوب الصعبة التي لا تدرك بمجرد النظر[417]. حيث يسمى أهل الخبرة بأرباب البصر و يمكن للقاضي و للمشتري تعيينهم لبيان العيب و تحديده .

و هو ما ينتج عنه اختلاف في الشروط الخاصة بهم حسب الطرف الذي طلب مشورتهم سواء في اشتراط إسلامهم و عدالتهم[418] ،أو في عددهم[419]. لكن سواء تم تعيينهم من قبل القاضي أو المشتري فإنه يجب الإعذار فيهم للبائع ، كما يجب أن يصفوا الشيء وصفا دقيقا دون البت في أصل الحق[420]. أما الأحناف فإنهم يقسمون العيب أربعة أقسام : أما الأول فهو العيب الظاهر المشاهد الذي تعذر تقليبه وقت البيع ، فهو يثبت بنظر القاضي دون الحاجة إلى بينة أخرى[421].

و الثاني هو العيب الباطن الذي لا يعرفه إلا المختصون ، و هو يثبت بشهادة رجلين مسلمين منهم أو رجل مسلم عدل[422]. و الثالث فهو العيب الذي لا يطلع عليه إلا النساء ، حيث لا يشترط العدد فيهن فتكفي شهادة الواحدة[423] . أما الرابع فهو العيب الذي لا يعرف إلا بالتجربة ، فلا يثبت إلا بشهادة رجلين أو رجل و امرأتين[424]. بهذا يظهر الإختلاف في منطلقات إثبات العيب الذي يحيلنا إلى النتائج المترتبة عن القيام بمقتضى العيب.

المبحث الثاني :

آثار القيام بالعيب و نتائج التفاوت في توازنها التعاقدي

إن الهدف من مجموع الإجراءات السابقة لدعوى الضمان هو ثبوت الحق فيه ، و هو ما يترتب عنه نتائج هامة : فالنتيجة الأبرز هي حكم القاضي بالفسخ و ما يترتب عنه ذلك من استردادات متبادلة .

و لئن اختلفت درجة مراعاة التوازن التعاقدي في تنسيق استردادات المشتري ، لكن منطلقات تنظيم واجبات البائع تبقى واحدة في النظامين مع التميز التونسي في بعض تفاصيلها . كما أن حكم القاضي بتنقيص الثمن كحل احتياطي في النظامين لا يتم اللجوء له إلا في صورة تعذر الرد وفقا لحالات متقاربة ، لكن طريقة احتسابه اختلفت بين النظامين القانونيين .

هذا مع بقاء الحق في طلب التعويض في حالة إمساك المبيع قائما في القانون التونسي الذي يختلف سياق فصله 655 م إ ع عن الفقه ، بالإضافة إلى تفاوت حكم التعويض في بعض الحالات الخاصة . و هو ما يتطلب توضيح : حكم تنسيق الإستردادات المتبادلة في النظامين ( الفقرة الأولى ) ، و الرجوع بنقص الثمن بين وحدة السياق و التباين بشأن طريقة الإحتساب ( الفقرة الثانية )،و اختلاف إطار التعويض و حكمه على بعض الحالات الخاصة ( الفقرة الثالثة ) .

الفقرة الأولى :

حكم تنسيق الإستردادات المتبادلة في النظامين

لعل الحكم بالفسخ و رد متعلقات الطرفين هو الأبرز في دعوى الضمان ، فالمصطلح الفرنسي الذي يصف هذه الدعوى أكثر تعبيرا من نظيره العربي[425]. كما أن الفقه يولي الرد عناية كبيرة و يجعله النتيجة الطبيعية لثبوت مجموع الشروط التي صاغها في سياقه . و الحكم بالرد يهم تباعا طرفي العقد اللذان اختلف التعاطي بشأن واجباتهما و هو ما يتطلب توضيح : تفاوت الإحكام في تنظيم استردادات المشتري ( الفرع الأول )، و مدى الإلتقاء حول استردادات البائع ( الفرع الثاني) .

الفرع الأول :

تفاوت الإحكام في تنظيم استردادات المشتري

نظم الفصل 660 م إ ع واجبات المشتري الناجمة عن الرد مشيرا إلى أنه يتعين عليه إرجاع : “المبيع المعيب على الحالة التي كان عليها عند تسلمه.”فحتى يتسنى للمشتري الرد يجب أن يكون المبيع متوفرا لديه كما هو دون تغيير يمكن أن ينتج عنه تعيب جديد من قبله أو تدن في قيمته التي لا تخول له سوى المطالبة بنقص الثمن حسب الفصل 663 م إ ع . كما يجب ألا يتعذر عليه الرد حسب الفصل 661 ، و هو ما أكد عليه الفقهاء عندما اشترطوا: “أن يكون المردود على الوصف الذي كان مقبوضا.”[426] كما أن رد المبيع على حالته يستوجب عدم إقامة المشتري حقوقا عينية عليه ، ففي صورة إقامتها بعد العلم بالعيب فإن ذلك يعتبر من قبيل التنازل عن الضمان . أما إذا تمت إقامتها قبل العلم كان على المشتري تخليصه من تلك الحقوق حتى يتمكن من رد المبيع كما استلمه ، فإن لم يستطع لا يكون أمامه سوى المطالبة بتنقيص الثمن[427].

كما يتعين عليه رد المبيع كله إذا كان شيئا واحدا غير قابل للإنقسام أو أشياء متعددة لا يمكن التفريق بينها دون ضرر[428] ، أما في الصورة المعاكسة التي يكون فيها العيب واردا على بعض تلك الأشياء فإن الرد يكون قاصرا على الجزء المتعيب عملا بالفصل 657 م إ ع [429]. و اللافت هو استعمال هذا الفصل للمصطلح الفقهي المتعلق ببيع الصفقة و تقدير المشرع لإمكان تضرر البائع من الرد الجزئي مراعاة منه لمصلحته ، مما يبرز حرصه على تحقيق التوازن التعاقدي ، و هو حل فقهي اتفقت عليه المذاهب . فالمبيع يمكن أن يتكون من شيئين مزدوجين لا يستغنى بأحدهما عن الآخر كالنعلين و المصراعين إلخ… فإذا وجد أحدها معيبا فليس للمشتري رده و التمسك بالآخر ، و العلة في ذلك هو الضرر الناشئ للبائع من تبعيض الصفقة عليه[430]. إلا أن المالكية كانوا أكثر تقديرا لتضرر البائع من المثال التونسي .

إذ أنهم يميزون حتى بالنسبة للمبيعات التي يمكن تفريقها ، بين ما إذا كان الجزء المعيب هو وجه الصفقة و المقصود من الشراء أم لا ، فإن كان وجه الصفقة وجب على المشتري أن يرد كل المبيع أو يتمسك بالكل و لا يجوز له رد البعض منه ، و إن لم يكن المعيب وجه الصفقة يجوز للمشتري رده بقيمته[431]. على أن الوجه المقصود يقاس بالنظر إلى ثمن المبيع ، فإن كان العيب يعادل نصف الثمن أو أقل أمكن للمشتري رد البعض و الحصول على حصته من الثمن . أما إذا كان الجزء المعيب يفوق نصف الثمن فيعتبر حينها وجها للصفقة و لا يخول الرد الجزئي[432]. لكن الأحناف يبقون الحق للمشتري في الرد الجزئي بالنسبة للأشياء التي يمكن التفريق بينها و لا يقرون الرد الكلي إلا عند التراضي بين الطرفين بعد القبض ، أما قبل القبض فإن للمشتري أن يتمسك بكل المبيع أو أن يرد الكل[433].

و يبدو أن مشرعنا كان أميل إلى رأي الأحناف ، لكن موقف المالكية يبدو أكثر حرفية في تقديرهم لتضرر البائع من الرد الجزئي .كما أوجب الفصل 660 م إ ع على المشتري أن يرد مع المبيع: “متعلقاته التابعة له في البيع و ما صار منه بعد العقد.”فتوابع المبيع تعتبر عنصرا أساسيا له . كما أوضح الفصل 658 م إ ع أنه : “إذا فسخ البيع لعيب في الأصل سرى حكم الفسخ للتوابع و لو كان لكل منها ثمن معين ،أما ثبوت العيب في التوابع فلا يترتب عليه فسخ البيع في الأصل.”على أن التزام المشتري برد متعلقات المبيع لا ينحصر في تلك التي كانت موجودة معه عند تسليمه ، بل يشمل أيضا التوابع التي لحقت به بعد العقد و مثالها الزيادات الناجمة عن الإلتصاق الذي تم في الفترة بين البيع و الرد و أصبحت جزءا من المبيع[434].

كما يلتزم المشتري عملا بالفصل 660 برد : “غلة المبيع من وقت التراضي على الفسخ أو الحكم به و كذا قبل ذلك.”على أن اللافت ليس الإعتراف التونسي برد الغلة منذ الفسخ لأنه أمر طبيعي ، بل بحق المشتري في الإحتفاظ بها: “إذا كانت الغلة ثمرة لم تؤبر[435] عند الشراء و جذها المشتري و لو قبل بدو صلاحها ، فإنه حينئذ يفوز بها كما يفوز بها إذا بدا صلاحها و إن لم يجذها.”

و هو حل مستنبط من المالكية. و قد برر سانتيلانا هذا الحكم في حاشية الفصل 773م م م ت ت أن الفقه يمكن المشتري من الفوز بالثمار التي جذها طبقا لمبدأ حسن نيته و لمخاطر المبيع التي يتحملها منذ البيع[436]. لذا بإمكان المشتري رد المبيع إذا أكل ثمرته سواء كان نخلا أو غيره ثم وجد به عيبا دون أن يغرم ما أكله للبائع “لأن الغلة بضمان”[437].

إلا أن الأخذ بالأحكام الفقهية في الفصل 660 م إ ع و مشروعيها لم يتجاوز هذا الحد إلى تبني نظرية الزيادة في المبيع المتعلقة برد الثمار التي بلغت حدا من الإحكام لا يمكن تجاوزه.

و هو تجاهل لا يمكن تبريره بمحاولة مشرعنا تفادي التعقيد المصاحب لهذه النظرية بحثا عن أبسط الحلول كما ذهب إلى ذلك أحدهم[438] ، بل إن سببه الأساسي هو الصمت التشريعي و القضائي الفرنسي عن هذه الزيادات و عن هذا النظر الذي لم تعرف القوانين الأوروبية جمعاء نظيرا له .

حيث يفرق الفقهاء بين نوعين من الزيادة التي تطرأ على المبيع و هما الزيادة المنفصلة و الزيادة المتصلة : فأما الأولى فتنقسم بدورها إلى قسمين : و هما الزيادة المتصلة المتولدة من أصل المبيع كنمو الدابة و سمنها و حملها و الزيادة المتصلة الغير متولدة من الأصل كالصبغ في الثوب و البناء و الغرس على الأرض المباعة .

أما الزيادة المنفصلة فتنقسم إلى قسمين و هما الزيادة المنفصلة المتولدة من أصل المبيع كالولد و الثمرة و اللبن و الزيادة المنفصلة غير المتولدة من الأصل كالكسب و الأجرة[439].

فقد أجمع الفقهاء أن الزيادة المتصلة المتولدة من أصل المبيع كالنماء و السمن لا تمنع رده ، و وجب على المشتري رده بنمائه لأنها لا تنفرد عن الأصل في التملك فلا ترد إلا معه[440] ، و هو ما لا يتنافى مع أحكام الفصل 660 م إ ع . لكن الزيادة المتصلة غير المتولدة كالصبغ و البناء على المبيع لم يتعرض لها المشرع التونسي ، حيث لا يمكن تطبيق الفصل 660 عليها لأن المشتري لا يمكنه رد المبيع على الحالة التي كان عليها ، و لا المطالبة بنقص الثمن حسب الحالات التي أوردها الفصل 663 م إ ع ، فلا يبقى أمامه سوى سقوط حقه في الضمان نظرا إلى تغيير هيأة المبيع عملا بالفصل 661 م إ ع .

في حين أن المالكية يثبتون الخيار للمشتري بين إمساك المبيع و الرجوع بنقص الثمن على البائع أو الرد على أن يكون شريكا بما زاد مما أحدثه من البناء أو الصبغ[441] في هذه الحالة . لكن الأحناف يقرون أن هذه الزيادة تمنع الرد و لا يكون أمام المشتري سوى الرجوع بنقصان العيب[442].

أما إذا كانت الزيادة منفصلة و متولدة من الأصل ، فإن المالكية يفرقون بين الثمرة و الولد . فمن اشترى أرضا و عليها ثمرة مؤبرة وقت البيع فإنه إذا رد الأصل بسبب العيب وجب عليه أن يرد الثمرة معها لأن لها حصة من الثمن و ليست بغلة ، و يرجع في مقابل ذلك بقيمة السقي و العلاج ، أما الثمار غير المؤبرة وقت البيع فإنها لا ترد و يحتفظ بها المشتري[443].

و هو الوجه الوحيد لنظرية الزيادة في المبيع الذي اعترف به القانون التونسي صلب الفصل 660 م إ ع ، غير أنه قصره على صورة الثمرة غير المؤبرة التي وردت على سبيل الحصر لا الذكر و لم يتم تعميمها على الولد من الحيوان ، إذ قرر المالكية أنه ليس بغلة و من ثم يجب رده مع الأصل[444]. لكن تأكيد نفس الفصل على ضرورة إرجاع توابع المبيع يمكن أن تكون منفذا لهذا الإعتبار إذا قدرنا أن الولد من الحيوان من متعلقاته.

أما الأحناف فيفرقون بالنسبة لهذه الزيادة بين وقت حصولها ، فإن كانت قبل القبض فإنها لا تمنع الرد ، أما إن كانت بعده فإنها تمنعه و لا تخول للمشتري سوى الرجوع بنقص الثمن[445].

أما الزيادة المنفصلة الغير متولدة من أصل المبيع كالكسب و الأجرة فقد اتفق بشأنها الفقهاء على أنها تكون للمشتري و لا يلتزم بردها ، لأن هذه الزيادة تكون في مقابل ضمان المشتري للمبيع ، فلو هلك لكان من ماله تطبيقا لقاعدة الخراج بضمان[446]. و هو ما يمكن التماسه في أحكام الفصل 554 م إ ع الذي اقتضى أن : “الخراج بالضمان أي من له النما فعليه التوا.” و بهذا يتبين تفاوت الإحكام التونسي و الفقهي في تنظيم واجبات المشتري الناجمة عن الرد لكنه لا يخفي الإلتقاء بين النظامين القانونيين حول واجبات البائع و حدوده .

الفرع الثاني :

مدى الإلتقاء حول استردادات البائع

يوجب الفصل 660 م إ ع على البائع أن يرد: “الثمن الذي قبضه من المشتري”و هو الثمن المدفوع فعلا ، و يقع بين حدين لا يتعداهما و هما : ألا يتجاوز المقدار الذي قبضه البائع و لا المقدار الذي دفعه المشتري : “بصرف النظر عما إذا كانت قيمة المبيع قد زادت بعد البيع أو نقصت ، و بصرف النظر عما إذا كان نقصان القيمة حصل بسبب طارئ أم بفعل المشتري.”[447] و هو ما أكد عليه الفقهاء حينما ألزموا البائع برد جميع الثمن ، لأن الرد بالعيب هو من قبيل الفسخ الذي يترتب عنه رد كل من العوضين إلى صاحبه[448].

على أن القانون التونسي ، و خلافا للفقه الفرنسي[449] و المشرع المصري[450] ، لم يعترف للمشتري بالفوائد القانونية للثمن الذي كان بحوزة البائع ، و بهذا يكون قد ابتعد عن مصدره الفرنسي المتأثر بدوره بالقانون الروماني الذي اعترف للمشتري بهذه الفوائد . و هو ما جعل سانتيلانا في حاشية الفصل 773 م م م ت ت يشير إلى نيقاط الإختلاف بين القانون الروماني و الفقه الإسلامي بخصوص موجبات الرد بين الطرفين[451] .

حيث يبدو المشرع التونسي مقتربا من الأحكام الفقهية بمختلف مذاهبها التي تعتبر رد فوائد الثمن من قبيل الربا[452]. كما يلتزم البائع حسب الفصل 660 م إ ع برد : “مصاريف إتمام العقد”التي يمكن أن تتعلق بتحرير العقد و رسوم التسجيل و سمسرة الوسطاء و مصاريف نقل المبيع من مكان وجوده إلى المشتري[453] ، و هو ما أوجبه الفقهاء .

و لعل المثال الأبرز الذي ساقوه لهذه المصاريف هو جعل السمسار إذا تم اشتراطه على المشتري ، لأن الأصل أنه يكون على البائع ، فإذا دفعه المشتري بحكم العرف أو الشرط كان جزءا من الثمن و أخذ حكمه[454]. كما يلزم المالكية البائع المدلس بمصاريف نقل المبيع إلى المحل الذي قبضه فيه المشتري و نقله عنه إلى مكان آخر[455].

لكن المشرع أضاف نوعا من مصاريف العقد لم يعرفه الفقه ، حيث أوجب الفصل 653 م إ ع على المشتري : “إذا كان المبيع مجلوبا من محل آخر و لم يكن للبائع نائب في محل وروده ، أن يتخذ الوسائط اللازمة لحفظه وقتيا فإن كان مما يتغير بسرعة فله الحق أن يبيعه بواسطة الحاكم في محل الورود…” حيث أن المشتري بإمكانه القيام بمصاريف ضرورية للحفاظ على المبيع من الهلاك كأن يكون في العين المبيعة جدار يريد أن ينقض فيقيمه إلخ[456].

بيد أنه لا يمكن أن تدخل مصاريف المبيع النافعة في إطار مصاريف حفظه لأنها غير لازمة للمحافظة عليه من الهلاك ، لكن يترتب على إنفاقها زيادة في قيمته ، كما لا يمكن أن تشمل المصاريف الكمالية التي تنفق بقصد الزخرفة و الزينة[457]. و لم يعرف الفقه هذا الصنف من المصاريف المتعلقة بالحفظ ، مما يبرز الصبغة الخلاقة لمقتضيات الفصل 653 م إ ع .

حيث لا يعترف المالكية بمصاريف الصيانة بقدر اعترافهم بالنفقات على الثمار في إطار الزيادة في المبيع[458]. و هو ما أقره المشرع صلب نفس الفصل 660 م إ ع حينما اعترف للمشتري باسترداد : “ما أنفقه على الغلة التي ردها إليه.”فمن اشترى النخلة و فيها ثمرة مؤبرة ثم وجد بها عيبا فإنه يكون مخيرا بين أن يردها و ثمرها و يرجع على البائع بمصاريف السقي و العلاج ، أو يمسك و لا شيء له[459].

كما ألزم نفس الفصل المشتري باسترجاع : “الخسائر التي تسبب فيها البائع إن كان مدلسا”مع ضرورة توفر شروط التدليس الواردة بالفصل 673[460] وهو ما لم تقر به الأحكام الفقهية .

الفقرة الثانية :

الرجوع بنقص الثمن بين وحدة السياق و التباين بشأن طريقة الإحتساب

يتعلق موضوع دعوى الرجوع بقيمة العيب بتنقيص الثمن ، حيث يطلب المشتري استرجاع جزء منه ليكون موافقا للنقص الذي تسبب فيه العيب[461].

و بما أن دعوى الضمان هي دعوى فسخ أساسا ، فإن دور دعوى النقص يتمثل في التخفيف من آثار الفسخ عبر استرجاع الجزء من الثمن الذي يعيد التوازن للعقد[462]. لذا لا يمكن اعتبار هذه الدعوى من قبيل الفسخ الجزئي مقابل عدم التنفيذ الجزئي الناجم عن العيب ، أو تعويضا أو إحدى وجوه نظرية المخاطر : “لكن الرأي الراجح و الذي نأخذ به يعتبر أن الحق بطلب التخفيض هو من نوع خاص لا تحكمه قواعد القانون العادية التي ترعى نشأة العقد و إلغائه و تعديله.”[463]

بيد أنه يبقى حلا احتياطيا لا أصليا[464] ، إذ لا يتيح الفصل 655 م إ ع للمشتري المطالبة بهذا النقص في صورة تمسكه بالمبيع . كما يفرض الفصل 660 عليه إرجاع المبيع على الحالة التي كان عليها عند تسلمه ، مما يحتم عليه عدم تعييب المبيع و عدم تحويله و المحافظة عليه كما هو ، و هو شرط ينجر عن مخالفته ثبوت تمسك المشتري به و المطالبة بنقص الثمن.[465]

و هو نفس المبدأ الذي أكد عليه الفقهاء ما عدى الحنابلة ، حيث أن الرجوع بنقص الثمن يبقى بديلا عن الحل الأصلي المتمثل في الرد أو الإمساك يتم اللجوء إليه كلما طرأ على المبيع زيادة أو نقصان أو تصرف يمنع رده ، لذا : “أمكن تسميته الموجب الخلفي و كما هو مقرر لا يجتمع الخلف و الأصل بل يتعاقبان فإذا تعذر الأصل يصار إلى ما هو خلف له.”[466]

و قد عرفه الفقهاء مع اختلاف مجاله : فموجب العيب المتوسط لدى المالكية هو أن يحط من الثمن على المشتري بقدر نقص العيب ، إذ يعتبر نقصان الثمن موجبه الأصلي . كما أن الحنابلة يثبتون الخيار للمشتري بين الإمساك مع نقصان الثمن أو الرد وإن لم يتعذر ، فهو الموجب الأصلي عندهم[467].

و قد عبر الفقهاء عن قيمة الرجوع بالنقصان بمصطلح الأرش[468] ، و هم لا يقرون بالتعويض حسب سياقه التونسي الخاص بالعيوب ، لذا تراهم يقرون الأرش أو نقص الثمن حتى في الحالات التي تبنى فيها مشرعنا التونسي خيار التعويض .

كما لم يقصروا حالات الرجوع بالنقص على تلك التي وردت بالفصل 663 م إ ع فحسب بل اعتبروا أيضا حالات الزيادة في المبيع سابقة الذكر و حالات نقصانه و هلاكه موجبة لهذا الرجوع . و قد بين المشرع في الفصل 663 الحالتين اللتين لا تخولان للمشتري الحق في طلب الفسخ ليقتصر حقه على طلب تنقيص الثمن منها :“أولا:إذا تعيب المبيع بتقصير منه أو ممن هو مسؤول عنه.”

حيث ميز المشرع بين التعيب الذي كان المشتري سببا فيه و أدرجه ضمن أحكام الفصل 663،و بين التعيب الذي ينتج عنه: “عيب جديد لا ينسب للمشتري”عملا بالفصل 664 م إ ع . على أن كلتى الحالتين تتعلقان بتوارد العيوب و ببروز عيب جديد لدى المشتري الذي اقتنى المبيع بعيب قديم أصلا ،فسواء تم التعيب بأمر طارئ أو بخطأ المشتري فإن هذا لا يمنع أنه دفع في المبيع أكثر من ثمنه الحقيقي ، مما يخول له المطالبة بتنقيصه[469].

و قد عالج المالكية حالة التعيب بسبب المشتري تحت مسمى النقص و ميزوا بين البائع المدلس و غيره ، فإن اقتنى المشتري ثوبا و أحدث به صبغا منقصا من قيمته أو قطعه ثم اكتشف به عيبا ، فإن كان البائع مدلسا كان المشتري بالخيار إن شاء حبسه و رجع بالنقص على أساس العيب القديم ، و إن شاء رده لبائعه دون أن يدفع له أرش النقص المتسبب فيه .

و إن كان غير مدلس فإنه يخير بين التمسك بالثوب و طلب تنقيص الثمن أو رده مع دفع أرش نقص الثوب الذي تسبب فيه للبائع.[470] كما تناول المشرع في الفصل 663 م إ ع حالة ثانية لا تخول للمشتري التمسك بالرد و تمكنه من طلب تنقيص الثمن و هي : “إذا استعمل المبيع استعمالا يحط من قيمته بقدر معتبر إذا كان الإستعمال قبل الإطلاع على العيب ، أما بعده فحكمه ما يأتي في الفصل 671 .”و قد تعلق الفصل 671 م إ ع بحالة الإستعمال بعد العلم التي تسقط الحق في الضمان و تعتبر من قبيل التنازل عنه.

على أن الإستعمال المقصود في الفصل 663 م إ ع ليس ذلك العادي و الطبيعي بل الذي يحط من القيمة بقدر معتبر . و من المعلوم أن الإستعمال الذي يحط من القيمة بهذا القدر من الجسامة هو من قبيل الإستهلاك الذي لا يعتبر إتلافا للمبيع بقدر ما هو إنقاص من قيمته .

لذا كان الأجدر استخدام مصصطلح “استهلك”الذي يغني عن الوصف المعتمد بخصوص الإستعمال ، و هو حكم موافق للفقه الذي جعل من الإستهلاك مسقطا لحق الرد و مثبتا لحق الرجوع بنقص الثمن خاصة عند المالكية . فإذا كان المبيع طعاما فأكله المشتري أو ثوبا فخرقه سقط حقه في الرد و لكنه يرجع بالنقصان على البائع ، فهذه التصرفات هي استعمال للشيء فيما وضع له و هي انتفاع لا إتلاف[471].

في حين يرى الأحناف أن استهلاك المشتري للمبيع يسقط حقه في الأرش و الرد معا[472].

و لعل الإختلاف الرئيسي بين النظامين يرجع إلى طريقة احتساب النقص في الثمن ، حيث أورد الفصل 659 م إ ع أن : “حط الثمن يكون بتقدير قيمة المبيع سالما وقت البيع ، و قيمته معيبا و إذا شمل البيع عدة أشياء فتقدير القيمة يكون في جميعها على الوجه المذكور.

”إذ اعتمد المشرع طريقة الفرق بين قيمة المبيع سالما و قيمته معيبا ، فيتم اعتماد رقم إجمالي لإجراء الحساب .

فلو كانت قيمة المبيع سالما 60 دينارا و قيمته معيبا 40 دينارا لكان مقدار النقص الذي يرجع به المشتري على البائع 20 دينارا. أما نظيره الفرنسي فلم يحسم أمر الطريقة التي يتم بها احتساب نقص الثمن تاركا ذلك إلى اجتهاد الخبراء صلب الفصل 1644 م م ف[473].

كما أن الفصل 659 م إ ع لم يحدد من يتولى تقدير قيمة المبيع هل هو الخبير أم القاضي ؟ لكنه حدد أن التقدير في حالة المبيع السليمة يتم وقت البيع و لم يحدد إن كانت هذه القيمة هي الحقيقية أم الثمن المسمى في العقد[474].

على أن التخفيض وفق الطريقة التونسية لا يأخذ بعين الإعتبار العناصر التي تكون قد أفادت أحد الطرفين ، و بذلك : “تشوه طبيعة إنقاص الثمن.”[475]

كما أن تقدير القيمة التجارية للمبيع المعيب مسألة صعبة ، لأن الأمر يختلف باختلاف الصفات و الميزات[476]. في المقابل تطالعنا حاشية الفصل 772 م م م ت ت نظير الفصل 659 م إ ع بمجموعة من مراجع المالكية[477] لكنهم و بقية الفقهاء لم يعتمدوا طريقة احتساب النقص في الثمن التونسية[478] ، بل جعلوا النقص منسوبا إلى الثمن المسمى .

حيث أورد الفصل 346 م أ ع أن : ” نقصان الثمن يصير معلوما بإخبار أهل الخبرة الخالين عن الغرض ، و ذلك بأن يقوم ذلك الثوب سالما ثم يقوم معيبا فما كان بين القيمتين من التفاوت ينسب إلى الثمن المسمى ، و على مقتضى تلك النسبة يرجع المشتري على البائع بالنقصان .

مثلا لو اشترى ثوب قماش ب60 قرشا ، و بعد أن قطعه و فصله اطلع على عيب قديم فيه فقوم أهل الخبرة ذلك الثوب سالما ب60 قرشا أيضا ، و معيبا بالعيب القديم ب45 قرشا كان نقصان الثمن بهذه الصورة 15 قرشا فيرجع بها المشتري على البائع .”[479]

لأن الفارق بين ال60 قرشا و ال45 قرشا و هو 15 قرشا يقدر بربع ال60 قرشا باعتباره الثمن المسمى ، هذا المقتضى العام لطريقة احتساب النقص بنسبته إلى الثمن المسمى في الفقه .

و قد تولى الفقهاء المسلمون تحديد من يتولى تقدير النقص على خلاف القانون التونسي و هم أهل الخبرة الخالين عن الغرض و يشترط التعدد في الخبراء فلا يجوز أن يقل عددهم عن اثنين[480]. و قد تم اعتبار هذه الطريقة الأكثر منطقية و عدالة و حافظة لسيما العقد و هي الأكثر انضباطا من بقية الطرق ، و هي المتبعة في القانون الألماني الذي ، و خلافا لأغلب التشريعات الوضعية ، قد اعترف بهذه الطريقة لما توفره من عدالة تعاقدية[481]. على أن حل التعويض ينضاف لحل التنقيص من الثمن .

الفقرة الثالثة:

إختلاف إطار التعويض و حكمه على بعض الحالات الخاصة

يعتبر التعويض أحد أهم الحلول التي يمكن أن يتمتع بها المشتري ، إذ قد يرافق الإلتزامات الناجمة عن الفسخ ، و قد يكون حلا أصليا للمشتري في صورة اختياره الإحتفاظ بالمبيع ، وهو ما لم يعترف به الفقه . كما يمكن أن يشمل التعويض بعض الحالات التي أتى بها الفصلان 664 و 662 م إ ع لذا سنتطرق:لعدم الإعتراف الفقهي بسياق التعويض (الفرع الأول)، و معالم التدرج المتفاوتة في بعض حالات التعويض أو الأرش ( الفرع الثاني ) .

الفرع الأول :

عدم الإعتراف الفقهي بسياق التعويض

ينص الفصل 278 م إ ع على أن : “الخسارة عبارة عما نقص من مال الدائن حقيقة و عما فاته من الربح من جراء عدم الوفاء بالعقد.” فحق المشتري في الفسخ أو تنقيص الثمن لا يمنع تضرره من العيب في الفترة اللازمة للقيام بإصلاحه ، إذ يمكن أن يصيبه ضرر في جسمه و أمواله منه[482]. هذا ما برر إشارة الفصل 660 م إ ع في جملة الإستردادات إلى : “الخسائر التي تسبب فيها البائع إن كان مدلسا.”

و هو ما يميز التعويض عن الخسارة في صورة الفسخ بموجب الضمان عن التعويض الناجم عن الفسخ لعدم التنفيذ . حيث أن اشتراط سوء النية في التعويض المصاحب لدعوى الضمان يختلف عن وجوب القيام بالخسارة و لو لم يتعمد المدين ذلك بالنسبة للمسؤولية التعاقدية[483].

فالتعويض في دعوى الضمان لا ينشأ من مجرد عدم التنفيذ،بل أشارت م إ ع إلى الحالات التي يمكن للمشتري من خلالها المطالبة به[484]. إذ بالإضافة إلى حالة البائع المدلس التي أشار لها الفصل 660 م إ ع، يمكن أن نشير إلى الحالات الواردة في الفصل 655 و إلى حالة التنفيذ العيني الواردة بالفصل 656م إ ع[485].

أما الفقه فلم يتبنى التعويض بصيغته التونسية ضمن الحقوق التي يمكن أن تنشأ للمشتري في صورة ثبوت الخيار له ، بل اكتفى بالحلول المتمثلة في رد المبيع و التنقيص من الثمن في صورة تعذره و عالج بعض الحالات التي تناولها إطار التعويض التونسي تحت غطاء الرجوع بالأرش أي بنقص الثمن . حيث لم يتدخل مفهوم الخسارة بنطاقه التونسي الوارد في الفصل 278 م إ ع ضمن أحكام هذا الخيار ، فمن المتفق عليه أنه خيار يثبت للضرر الذي أصاب المشتري من جراء وجود العيب[486] ، لكنه ضرر لا تتدخل أحكام ضمان العقد لرفعه بل أحكام الفسخ و تنقيص الثمن .

و في ما يلي توضيح لمختلف الحالات التونسية للتعويض و طريقة تناولها الفقهي : فبالنسبة لأداء الخسائر في صورة التدليس الذي أشار له الفصل 660 م إ ع ، فإن الفقه لم ينظم هذا الأداء في صورة الحكم برد الثمن و المصاريف بالنسبة للبائع في حالة الحكم بالفسخ أو الإتفاق عليه .

أما صورة التنفيذ العيني الواردة بالفصل 656 م إ ع، فقد سبق أن رأينا أن الأحكام الفقهية تلزم المشتري بإزالة العيب إن كان دون مشقة أو تمكنه من المطالبة بالخيار في الصورة المعاكسة .

و لعل الصور الأبرز لتدخل دعوى التعويض بسبب العيب بصفة أصلية هي التي أتى بها الفصل 655 م إ ع الذي لم يقر للمشتري بالتنقيص في الثمن في صورة احتفاظه بالمبيع ، لكن مكنه من طلب التعويض في حالات تولى تحديدها .أما المالكية، و إن لم يخولوا للمشتري المطالبة بالأرش في صورة تمسكه بالمبيع ، لكنهم مكنوه من هذا الحق في حالة نقصان المبيع بسبب المشتري في حالة البائع المدلس سالفة الذكر و حالة توارد العيوب التي ستناولها بالدرس لاحقا ، لكن لا يمكن اعتبار هذا الأرش تعويضا مرادفا للفصل 655 م إ ع.

وقد تناولت الحالة الأولى للفصل المذكور التعويض في صورة علم البائع بالعيب و عدم اشتراط البراءة منه ، و قد سبق أن رأينا عندما تناولنا الإعتبارات المتعلقة بتدليس البائع و سوء نيته[487] أن الفقهاء جعلوا من علم البائع بالعيب و كتمانه دليلا على تدليسه ، و من ثم ثبوت الخيار للمشتري بين الرد أو الإمساك لا التعويض .

أما بالنسبة للحالة الثانية التي تعرض لها نفس الفصل هي التصريح بعدم وجود العيب إلا إذا كان لم يظهر إلا بعد البيع أو كان البائع معتقدا سلامته ، مع أن هذا الأخير يلزم بالتعويض حتى و إن كان تصريحه بسيطا في صورة احترافه . لكن البائع العرضي لا يلزم بذلك إلا إذا كان تصريحه قاطعا[488] ، إلا أن الفقه يعتبر نظير هذا التصريح تدليسا قوليا يثبت خيار التدليس للمشتري ، لا التعويض[489].

في حين تتعلق الحالة الثاثة بفوات الوصف الذي أدمج المشرع أحكامه ضمن أحكام العيب، إلا أن الحل عند ثبوته هو المطالبة بالتعويض فحسب ، أما أحكام خيار الوصف الفقهية فتبقي نفس الخيار للمشتري بين الرد أو الإمساك[490].

كما أن التعويض في القانون التونسي بالنسبة للبائع المحترف لا يتطلب إثبات الخطأ التعاقدي ، فمجرد تسليم المبيع معيبا يشكل هذا الخطأ بغض النظر عن حسن أو سوء نيته[491] ، لكنه يتطلب إثبات الضرر الناجم عن العقد مثل التأخير في إنتاج صناعة المشتري المحترف أو خسارته لسوق تجارية يروج فيها بضاعته ، و هو ما يسمى بالضرر التجاري[492].

كما أن هناك أضرارا ناجمة عن المبيع ، على أنها لم تأخذ مداها الواسع إلا مع التطور الصناعي و التعقيدات التقنية في الصناعة[493] ، لكن النجاح الحقيقي لدعوى التعويض يتطلب إثبات علاقة السببية بين العيب المدعى به و الضرر الناشئ عنه[494]. كما أن التعويض شمل مواضع أخرى في م إ ع اختلف سياقها الفقهي .

الفرع الثاني :

معالم التدرج المتفاوتة في بعض حالات التعويض أو الأرش

لم تقتصر حالات التعويض الناجم عن العيب على الحالات السابقة بل امتدت إلى حالتين أخريين تتعلقان بهلاك المبيع بسبب العيب و بتوارد العيوب ، و قد وردتا تباعا بالفصلين 662 و 664 م إ ع و قابلاهما الحكم بالأرش أو بنقص الثمن الفقهي نظرا لعدم اعتداده بالتعويض التونسي .

حيث أورد الفصل 662 أنه : “إذا هلك المبيع بعيب فيه أو بأمر طارئ نشأ عن العيب المذكور فهلاكه على البائع و عليه أن يرجع الثمن للمشتري مع أداء الخسائر إن كان مدلسا .” و توضح صياغته الفرنسية[495] نظيرتها العربية حيث يقع تحميل البائع بقطع النظر عن حسن نيته من سوئها تبعة هلاك المبيع بسبب العيب رغم أن المشتري يتحملها عادة .

كما تشدد الفصل في جزاء البائع المدلس بفرض أدائه التعويضات كالتزام إضافي ، لكن إرغامه على إرجاع الثمن كله كاف كجزاء له على تدليسه ، ليثور التساؤل عن مبررات هذا التشدد و عن جدوى إقحام التعويض في هذا الفصل ؟

كما أن إرغام البائع حسن النية على إرجاع الثمن كاملا يشكل حيفا في حقه و إخلالا كبيرا بالتوازن التعاقدي لصالح المشتري ، حيث كان بالإمكان مطالبة البائع حسن النية بنقص الثمن فحسب نتيجة العيب الذي تسبب في هلاك المبيع مع تحميل المشتري تبعة الهلاك التي تنتقل له منذ تمام البيع و لو قبل تسلمه عملا بالفصل 585 م إ ع .ليكون الفصل 662 متناغما مع الفصل 661 .

و اللافت هو إشارة حاشية الفصل 775 م م م ت ت نظير الفصل 662 إلى مراجع المالكية[496] ، مع أنها تختلف عن الفصل التونسي،مما يدل على سوء توظيف سانتيلانا للموروث الفقهي.فالمالكية عبروا عن حالة الهلاك بالعيب بمصطلح الفوت،و فرقوا بين البائع المدلس و غيره : فإن كان مدلسا فإنه يتحمل التبعة و يكون للمشتري الرجوع بجميع الثمن ، أما إذا كان غير مدلس فإن المشتري هو الذي يتحمل التبعة و لا يكون له سوى الرجوع بالأرش فقط[497] ، أما الأحناف فيثبتون الحق للمشتري في المطالبة بالأرش دون تمييز.[498]

كما تم التطرق إلى التعويض في الفصل 664 م إ ع الذي أورد أنه : “إذا كان في المبيع عيب رد و حدث بعد تسلمه عيب جديد لا ينسب للمشتري ، فله الخيار بين إمساكه مع الرجوع بالعيب القديم على البائع ، أو رده مع تحمل نقص في الثمن مناسب للعيب الحادث بعد البيع . لكن يجوز للبائع أن يطلب رد المبيع على الحالة التي هو عليها على أن يعرض عن طلب تعويض مقابل العيب الحادث. و حينئذ يصير للمشتري الخيار بين إمساك المبيع على ما هو عليه و يسقط القيام بالعيب ، أو يرجعه بغير أداء تعويض.”

فبعد أن أشار الفصل إلى تحمل المشتري نقصا في الثمن مناسبا للعيب الحادث عنده في صورة رده للمبيع ، يعود ليصف هذا النقص بالتعويض عندما مكن البائع من طلب رد المبيع على الحالة التي هو عليها . مع العلم أن مصطلح التعويض قد عوض مصطلح الأرش الذي كان معمولا به قبل تنقيح 9 – 8 – 2005 سابق الذكر[499] الذي هذب عديد المصطلحات صلب م إ ع .

على أن سياق الفصل هو تحمل المشتري للنقص الذي أحدثه العيب الحادث في المبيع المعيب حين رده ، أي أن البائع لا يرجع له كامل الثمن بل منقوصا منه ما يناسب العيب الحادث.[500] لذا يجوز التساؤل عن دواعي تهذيب مصطلح الأرش الدال على نقص الثمن بمصطلح التعويض الذي تبقى حالاته معلومة ضمن أحكام الضمان .

فالفرق شاسع بين التعويض و بين تنقيص الثمن ، حيث أن دعوى نقص الثمن ليست دعوى مسؤولية تعاقدية ، كما أنه تنقيص يبقى متناسبا مع نقص قيمة المبيع و يجد حده الأقصى في الثمن الذي دفعه المشتري للبائع ، في حين أن التعويضات تتعلق بالخسائر التكميلية[501]. و سياق الفصل 664 م إ ع لا يتجاوز الثمن المتفق عليه بين الطرفين . لذا كان الأجدى تهذيب مصطلح الأرش بمصطلح النقص في الثمن صلب الفصل المذكور ، نظرا لاتساع سياق استحقاق الأرش الفقهي مقارنة باستحقاق النقص في الثمن التونسي ، لا بمصطلح التعويض .

أما حاشية الفصل 777 م م م ت ت نظير الفصل 664 م إ ع فقد أشار سانتيلانا فيها إلى تعدد حلول المالكية بسبب تفريقهم بين درجة جسامة العيب الحادث[502] ، و قد برر بذلك عدم الأخذ بتدرج هذه الحلول بخصوص توارد العيوب و اكتفائه بالعيب المتوسط .

فقد تعلقت معالم التدرج المالكية بجسامة العيب الحادث ، إذ ميز المالكية بين حالة العيب اليسير و المتوسط و الفاحش :

أما بالنسبة للعيب اليسير فإنه ليس بفوت و يخير المشتري بين أن يمسك المبيع و لا شيء له أو يرده و لا شيء عليه[503]. أما العيب المتوسط فإن الحكم المتعلق به هو نفسه الوارد بالفصل 664 مع الإختلاف بشأن اختيار المشتري إمساك المبيع ، حيث يمكنه الفقهاء من الرجوع بنقص الثمن[504] ، في حين أن الفصل يخول له الرجوع على أساس العيب القديم بما يحيلنا للفصل 655 م إ ع[505]. أما في صورة العيب المخرج عن المقصود فإنه لا يسمح للمشتري سوى بالرجوع بقيمة العيب[506] قياسا على حالة الهلاك .

بهذا يتبين لنا مما سبق كيف تفاوت تحقيق التوازن التعاقدي بين النظامين القانونيين في ما يترتب عن القيام بمقتضى العيب ، فقد كان لصالح القانون التونسي أحيانا ، و لصالح الفقه الإسلامي أحيانا أخرى . حيث كان مشرعنا التونسي أكثر واقعية من نظيره الفقهي حول إثبات علم البائع المحترف بالعيب و كتمانه على المشتري عبر قرينة الفصل 655 م إ ع ، مقابل الحلول التقليدية الفقهية .

كذلك الشأن بالنسبة لتنظيمه للتعويض العيني و تأطيره لحالة حفظ البائع للمبيع وقتيا التي لم تعرفها الأحكام الفقهية . كما أن الفقه الإسلامي كان أكثر حرفية من نظيره التونسي في تنظيم الإستردادات المتبادلة بين طرفي العقد ، و في طريقة احتساب النقص في الثمن ، و في معالم التدرج التي رسمها لتدخل الأرش أو النقص في الثمن التي قابلها إطار التعويض في القانون التونسي . لكن معالم التفاوت لا تتوقف عند هذا الحد ، بل تشمل أيضا سقوط القيام بالعيب و إسقاطه .

الفصل الثاني :

تفاوت السيطرة على استقرار المعاملات بالنسبة لانحلال القيام بالعيب

المقصود بانحلال القيام على أساس العيب أي تلاشي حق المشتري في الضمان رغم ثبوت وجود العيب بمختلف شروطه السابقة . إذ ليس من الضروري أن يؤدي توفر هذه الشروط إلى ثبوت حق التقاضي أو الفسخ ، حيث يمكن أن يسقط هذا الحق تبعا لظروف معينة كما يمكن للمشتري اسقاطه طوعا .

و هنا يظهر التفاوت في تحقيق التوازن التعاقدي بين النظامين عن طريق تفاوت إحكام سيطرتهما على مبدأ استقرار المعاملات . فمختلف الملابسات التي تحكم سقوط الحق في العيب أو إسقاطه تهدف إلى استقرار العلاقة التعاقدية حتى لا يبقى البائع مهددا مدة طويلة بثبوت الضمان عليه . لكن هذا المبدأ يجب ألا يأخذ على عواهنه ، إذ يجب المحافظة على رهان حماية المشتري المتضرر من وجود العيب و ذلك عن طريق السيطرة على مبدأ استقرار المعاملات و إصباغه بألوان من الحماية للمشتري .

و هو ما لم يكن على نفس الوتيرة في القانون التونسي و الفقه الإسلامي .

إذ يبرز التفاوت بالنسبة لسقوط الحق في القيام في حالة تعذر الرد على المشتري و حالاته الثلاث الواردة بالفصل 662 م إ ع ، لكن طبيعة البيوعات القضائية و العيب الباطني شهدت تقاربا بين النظامين .

كما يبرز في إحكام السيطرة على عامل الزمن و تأثيره على القيام بالعيب ، و خاصة حول طبيعة الأجل الوارد بالفصل 672 م إ ع و وقتي انطلاقه في النظامين القانونيين . لكن إسقاط القيام يظهر هذا التقارب في الرضا الصريح بالعيب دون الرضا الضمني به ، خاصة بالنسبة لتصرف المشتري في المبيع و استعماله بعد العلم بالعيب.

أما مبدأ الإعفاء من الضمان فقد شهد إقرارا تشريعيا واضحا قابلته اختلافات فقهية انعكست على المراوحة التونسية بين تضييق و توسيع استثناءات الإعفاء و آثارها الفقهية . و هو ما يتضح في : مظاهر السيطرة المتفاوتة على سقوط القيام بالعيب ( المبحث الأول ) ، و مظاهر السيطرة المتفاوتة على إسقاط القيام بالعيب ( المبحث الثاني ) .

المبحث الأول :

مظاهر السيطرة المتفاوتة على سقوط القيام بالعيب

يبقى سقوط القيام أمرا خارجا عن إرادة المشتري في الحالات التي يتعذر عليه فيها الرد و التي لا تخول له طلب إنقاص الثمن . و قد اختلف التعاطي بشأن الحالات الواردة بالفصل 661 م إ ع بين قانوننا التونسي و الفقه الإسلامي الذي اعترف بشأنها بنقص الثمن . لكن ذلك لا يخفي تأثر القانون التونسي بمصدره المادي في حكمي العيب الباطني و البيوعات القضائية .

كما شهد عامل الزمن و تأثيره على القيام بالعيب اختلافا بين النظامين حول طبيعة الأجل الذي يسقط فيه القيام و هل هو أجل تقادم أم سقوط ، وحول الوقت الذي ينطلق فيه هل هو وقت العلم بالعيب أم وقت التسليم . و هو ما يتضح من خلال : مدى إحكام السيطرة على السقوط المرتبط بالمشتري و الخارج عن نطاقه (الفقرة الأولى) ، و مدى إحكام السيطرة على تأثير الزمن على القيام بالعيب ( الفقرة الثانية) .

الفقرة الأولى :

مدى إحكام السيطرة على السقوط المرتبط بالمشتري و الخارج عن نطاقه

قد يرتبط سقوط القيام بمقتضى العيب بحالات يتعذر بموجبها الرد قد أوردها الفصل 661 م إ ع ، في حين أنه يمكن للمشتري طلب إنقاص الثمن في الفقه الإسلامي من خلالها .

لكن التقارب بين النظامين القانونيين كان أكبر بالنسبة لسقوط الضمان الخارج عن نطاق المشتري و المرتبط بالعيب الباطني و البيوع القضائية . و هو ما سيتم التوسع فيه عبر تناول: عدم تطابق سقوط الضمان لتعذر الرد مع الحكم الفقهي ( الفرع الأول ) ، و الإلتقاء حول سقوط القيام المتعلق بطبيعة المبيع و البيع ( الفرع الثاني ) .

الفرع الأول :

عدم تطابق سقوط الضمان لتعذر الرد مع الحكم الفقهي

يعالج الفصل 661 م إ ع حالات التعذر الكلي للرد خلافا لصورتي الفصل 663 اللتان تخولان الإنقاص من الثمن ،حيث أن حالات التعذر الكلي الثلاث تتعلقان بهلاك المبيع و عدم صلوحيته التامة للإستعمال ،لا التعيب و الإستعمال الذي يحط من القيمة الذي أشار له الفصل 663م إ ع[507].إذ أشار الفصل 661 إلى سقوط حق المشتري في استرجاع كل الثمن أو بعضه : “إذا هلك المبيع بأمر طارئ أو بتقصير المشتري أو من هو مسؤول عن أفعاله.”

و في ذلك تطبيق للقواعد العامة التي تجعل المشتري متحملا لمخاطر المبيع منذ البيع[508] ،و خلافا لحالة هلاك المبيع بالعيب الذي يتحمله البائع في الفصل 662 م إ ع . و قد تأثر القانون التونسي في هذا الحكم بالفصل 1647 م م ف[509] ، حيث تم اعتبار أن المبيع قد هلك بصرف النظر عن وجود العيب فيه أو عدمه، و هنا يتم العمل بالقواعد العامة التي تحمل تبعة الهلاك للمشتري. كما أن هلاك المبيع يجعل إثبات وجود العيب و تاريخ نشوئه صعبا ، إن لم نقل مستحيلا[510].

لذلك تمت التضحية بمصلحة المشتري لصالح البائع . لكن هذا الخلط بين تحمل مخاطر المبيع و ضمان عيوبه تبقى له مآخذ أشار لها الفقهاء الوضعيون ، فهو يخالف قواعد الضمان العامة و مبادئ الإنصاف و العدالة التي تستوجب أن يرجع المشتري على البائع بقيمة ما أنقصه العيب من مقدار الثمن الذي دفعه لقاء المبيع سليما . فالحل المعتمد من قبل القانون التونسي و الفرنسي يكون منطقيا إذا تعلق الهلاك بمبيع سليم غير مشوب بأي عيب[511].

لذا يجب ألا يبرئ الهلاك سواء بقوة قاهرة أو بخطأ المشتري ساحة البائع : “فلا يكون وسيلة لتخليصه مما يتحمل به من التزامات ناشئة عن عيب المبيع و لإثرائه على حساب المشتري الذي يدفع ثمن المبيع خاليا من العيوب.”[512] كما يجب ألا يعفي الهلاك بتقصير المشتري من رجوعه بالنقصان نظرا لأسبقية العيب على تقصيره[513]. فمتطلبات التوازن التعاقدي تقتضي تحميل البائع مسؤولية العيب الموجود في المبيع أصلا قبل هلاكه بسبب القوة القاهرة و الأمر الطارئ ، أو بسبب المشتري نفسه.

هذا في صورة وقوع الهلاك قبل الإدعاء بالضمان ، أما إذا حصل أثناء سير الدعوى أو بعد إقامتها فإنه يحق للمشتري الإستمرار في دعواه[514]. كما تطالعنا حاشية الفصل 774 م م م ت تنظير الفصل 661 م إ ع بمراجع المالكية[515] ، مما يوحي أن فقهاء هذا المذهب يقرون الحل التونسي من سقوط الحق في الضمان في صورة هلاك المبيع .

و لعل تمييز سانتيلانا للحل الحنفي و إقراره بحق المشتري بالرجوع بنقص الثمن في نفس تلك الحالات الذي أشار له في حاشية نفس الفصل[516] يؤيد إقراره بتطابق الحكم المالكي مع الفصل التونسي ، لكن المالكية يقرون للمشتري حق الرجوع بقيمة العيب إذا هلك بسبب حادث فجائي أو آفة سماوية.[517] و هو ما يتفق مع ما ذهب إليه الأحناف بهذا الشأن[518] ، ففقهاء المالكية لا يجعلون من مبدأ ضمان المشتري للمبيع بمجرد العقد مسقطا لحقه في الرجوع بقيمة ما أحدثه العيب من نقصان في المبيع و لم يخلطوا ضمان المخاطر التي تقع عليه بضمان عيوبه .

أما إذا هلك المبيع بسبب المشتري فقد اعترف المالكية له بالحق في تنقيص الثمن إذا كان ذلك قبل علمه بالعيب،لأن البائع لم يوفه بما أوجبه له العقد و لم يوجد منه ما يدل على الرضا بالمبيع ناقصا ، فكان له الرجوع على البائع بالنقصان ليتدارك ظلامته[519]. أما إذا كان الهلاك : “بفعله و اختياره مثل أن يكون عبدا فيقتله عمدا أو يهبه أو يتصدق به… فروى زياد عن مالك رحمه الله تعالى أن ذلك فوت و لا رجوع له بقيمة العيب.”[520] أما الأحناف فيعتبرون هلاك المبيع بسبب المشتري مسقطا لحقه في الرجوع بالنقصان ، لأنه يصير حابسا للمبيع بفعله ممسكا عن الرد و هذا يوجب بطلان الحق أصلا و رأسا[521].

كما أشار الفصل661م إ ع إلى حالة سرقة المبيع من المشتري و ضياعه التي تسقط الحق في الضمان لشمول نظرية المخاطر لها نظرا لاستحالة التحقق مما يدعيه هذا المشتري من عيب ، و هنا أيضا يثور نفس الإنتقاد بخصوص إمكانية جواز التخفيض من الثمن[522] الذي اعترف به النموذج الفقهي في هذه الحالة أيضا خلافا للتقارب بين النظامين في الحالات الأخرى لسقوط القيام .

الفرع الثاني :

الإلتقاء حول سقوط القيام المتعلق بطبيعة المبيع و البيع

قد يسقط القيام بالعيب لأسباب لا تتعلق بالمشتري ،بل بطبيعة العيب وعقد البيع.وهي نيقاط تقارب من خلالها النظامان كثيرا ، حيث لا يكفي أن يكون العيب سابقا للعقد،بل لابد أن يبقى مستمرا إلى رفع الدعوى ، و هو ما نص عليه الفصل 667 م إ ع أنه :“لا رجوع على البائع إذا زال العيب قبل نشر الدعوى أو في أثنائها و كان العيب وقتيا ليس من شأنه أن يعود و هذا الحكم لا يجري إن كان من شأن العيب أن يتجدد.”

فمن الطبيعي إذا زال العيب فسيتواصل العقد لزوال الموجب لقيام الدعوى نظرا لفوات سببها[523] ، لكن إذا كان من شأن العيب العودة من جديد فإن الدعوى تبقى قائمة . و هو حكم مستنبط من الفقه الذي أكد على سقوط الخيار إذا زال العيب قبل الرد ، لأن الشريطة الأولى للخيار قد تخلفت : “و يستوي في ذلك أن يزول بنفسه أو بإزالة البائع على أن يتم ذلك في زمن يسير و من غير إضرار بالمشتري.”[524]

فلا يكتفى بثبوت قدمه عند البائع و ظهوره قبل العقد فقط ، كما لا يكتفى بظهوره بعد العقد ثم خفائه بعد التسليم ، بل لابد من أن يعود للظهور ثانية لدى المشتري بعد التسليم و يستمر باقيا إلى الرد[525].

كما يظهر التأثر التونسي بالأحكام الفقهية في حكم العيب الباطني حيث ينص الفصل 648 م إ ع أنه : “إذا كان المبيع مما لا يمكن الإطلاع على حقيقة حاله إلا بتغيير في ذاته كالثمار في قشرتها فإن البائع لا يضمن العيب الخفي إلا إذا التزم بذلك في العقد أو كان ضمانه واجبا بمقتضى عرف المحل.

”و هو حكم مستنبط من المالكية،فهم يفرقون بين حالتين مرتبطتين بالمبيع الذي بالإمكان معرفة عيبه الباطني بإحداث تغيير في ذاته أو لا : فالحالة الأولى موافقة لحكم م إ ع حيث أن العيب لا يكشف إلا بإحداث تغيير يؤثر في المبيع كالبطيخ و الجوز و ما يمكن أن يحدث فيه من شق أو كسر، فإنه ليس للمشتري أن يرده بعد أن يحدث به التغيير إلا إذا اشترط رده بذلك أو جرى العرف على رده ، لأن العرف كالشرط في هذا.

و كما أن المشتري ليس له الحق في الرد فليس له الحق في المطالبة بالتعويض عما نقص بسبب العيب ، فهي حالة مسقطة للحق أصلا ، خلافا للعيب الباطني الذي يمكن معرفته دون إحداث تغيير في ذاته بعلامات خاصة و التي تخول للمشتري الرجوع بنقص الثمن[526]. أما الأحناف فإنهم يعتبرون المبيع إذا وجد كله فاسدا و كان مما لا ينتفع به أصلا بعد كسره رجع المشتري على البائع بكل الثمن ، فإذا كان يمكن الإنتفاع به من بعض الوجوه فليس للمشتري رده إنما المطالبة بنقص الثمن[527].

كما يمكن أن يتعلق سقوط القيام بالعيب بطبيعة البيع و ظروف العقد ، حيث ينص الفصل 674 م إ ع أنه : “لا قيام بالعيب فيما بيع على يد القضاء.”و هو نفس ما نص عليه الفصل 1648 م م ف[528] ، و من قبيل البيوع القضائية التي لا يطالها الضمان بيع أموال المدين بالمزاد العلني لاستيفاء حقوق الدائنين .

و يكمن السبب في إقصائها في أن البيع قد تم بالإعلان عنه ضمن إجراءات معينة خلال مدة مناسبة تمكن المزايدين من تفحص المبيع بنفسهم أو بواسطة غيرهم قبل دخولهم في المزايدة ، و هو دخول يعتبر تنازلا صريحا منهم عن العيب .

كما أن الفسخ يؤدي إلى إعادة الإجراءات الطويلة التي تمت بالمزاد و نفقات يتحمل عبئها المدين دون مبرر مما يثقل كاهله[529]. لكن الفصل التونسي و الفرنسي قد قصرا هذه البيوع على التي تمت بالقضاء ، فهل يعني هذا استبعاد البيوع الإدارية من هذا الإطار و إمكان القيام بالعيب في مواجهة الإدارة ؟ إذ يمكن أن تنشأ بيوع عن طريق المزاد تكون الإدارة طرفا فيها كالبيع الذي تجريه السلطات الإدارية لاستخلاص الضرائب ، كما يمكن أن يتم المزاد بطريقة غير علنية عن طريق مظاريف مغلقة[530]. حيث تنص المادة 454 من القانون المدني المصري أنه : “لا ضمان للعيب في البيوع القضائية و لا في البيوع الإدارية إذا كانت بالمزاد.”

و هو تساؤل يبقى مطروحا في قانوننا التونسي الذي حصر الأمر في البيوع التي تتم على يد القضاء بصنفيها أي سواء كان اللجوء له جبريا كبيع أموال المدين لسداد ديونه ، أو اختياريا في البيوع التي لا يستلزم المشرع قيامها بواسطة القضاء إلا أنها تقع بمعيته بصدد حل نزاع معروض عليه كبيع العين الشائعة لعدم إمكان قسمتها بين الشركاء[531].

أما الفقهاء فقد اعتبروا أن من بيوع البراءة التي لا يثبت فيها الخيار : “بيع السلطان في المغنم و الميراث و التفليس.”[532] ففضلا عن مصطلح السلطان الذي يمكن أن يشمل الإدارة بالإضافة إلى القضاء ، فإن الإشارة إلى بيع السلطان في المغنم يمكن أن تشمل البيوع التي تتم لاستيفاء الخراج و الضرائب داخل الدولة و علة ذلك أن : “بيع السلطان لا يخفى غالبا لكونه لا يكون إلا في جمع.”[533] و ذلك خلافا لتدخل عامل الزمن.

الفقرة الثانية:

مدى إحكام السيطرة على تأثير الزمن على القيام بالعيب

يبقى عامل الزمن أساسيا لثبوت الحق في القيام بالعيب أو لانقضائه ، فهو الذي يمكن من إعادة النصاب للعلاقة التعاقدية في صورة تقاعس المشتري في رفع دعواه . لكن لا يمكن اعتبار هذا العامل تنازلا صريحا أو ضمنيا عن الضمان إلا في أضيق الأحوال ، إذ غالبا ما يجهل المدعي هذا الأجل أو لا يعرف طبيعته . لذلك أدرجنا هذا النوع ضمن مقتضيات سقوط العيب لا إسقاطه ، حيث اختلف التعاطي مع حدود هذه المدة و انطلاقها و طبيعتها . و هو ما يتضح في : إختلاف مدتي و ووقتي انطلاق أجل القيام بالعيب ( الفرع الأول ) ، و التضارب حول طبيعة أجل الفصل 672 م إ ع مقارنة بالفقه ( الفرع الثاني ) .

الفرع الأول :

إختلاف مدتي و وقتي إنطلاق أجل القيام بالعيب

ينص الفصل 672 م إ ع أن : “القيام بالعيب أو بفوات الوصف المرغوب يكون في الآجال الآتي ذكرها و إلا سقط الحق فيها ، فإن كان المبيع عقارا كان القيام بالدعوى في ظرف ثلاثمائة و خمسة و ستين يوما من وقت التسليم و إن كان من المنقولات و الحيوان فالأجل ثلاثون يوما من تاريخ التسليم بشرط إعلام البائع على مقتضى ما بالفصل 652 .”

و لعل قصر هذه الآجال بالنسبة للمنقول أو العقار ، أكد عليه المشرع الفرنسي صلب الفصل 1648 م م ف من ضرورة رفع الدعوى في أقصر الآجال ، لكنه ربطها بطبيعة العيوب و بعرف المكان[534]. و قصر الآجال يغذي النزاع بين الطرفين و لا يسمح لهما بالتراضي[535]. و قد يبرر قصر الآجال محاولة هجر القواعد الخاصة بالضمان و اللجوء إلى القواعد العامة التي تتيح إبطال العقد لأجل الغلط أو التغرير أو في إطار الجبر على تسليم شيء مطابق[536].

لكن قصر هذه الآجال يمكن أن يجد تبريره في محاولة المحافظة على استقرار التعامل حتى لا يكون البائع عرضة للضمان مدة طويلة قد يتعذر من خلالها معرفة منشأ العيب و هل هو قديم أم حادث ، و هو ما أكدت عليه محكمة التعقيب[537].

على أن هذا القصر لا يمكن للمشتري التفصي منه إلا إذا أثبت تدليس البائع حسب صياغة الفصل 673 م إ ع الذي بين أنه: ” ليس للبائع المدلس أن يحتج على المشتري بمضي الآجال المبينة في الفصل السابق أو بشيء آخر اشترطه في التبرؤ من العهدة ، و البائع المدلس من تحيل على المشتري في إخفاء العيوب عليه أو كان سببا فيها.”

فلئن كان المشرع قد تحدث عن العهدة في سياق عدم الإحتجاج بقصر الأجل رغم أنه مصطلح مالكي له سياقه الخاص الذي لا يمكن أن ينسجم مع الفصل المذكور، إلا أنه قد مكن المشتري الذي أثبت تدليس بائعه من تمديد أجل الدعوى .

ففي هذه الحالة تتم العودة إلى أجل المسؤولية الوارد بالقواعد العامة و تحديدا بالفصل 402 م إ ع و هو 15عاما ، و هو ما أكدت عليه محكمة التعقيب في قرار31 / 10 / 1989 حين رفضت إدراج استثناءات الفصل 403 م إ ع في معاملات التجار[538]. و قد استقر فقه القضاء على اعتماد قرينة سوء نية البائع المحترف كلما حاول هذا الأخير التنصل من التزامه بالضمان متمسكا بتقادم الدعوى على أساس الفصل 672 م إ ع ، حيث ما فتئت محكمة التعقيب على تنظير البائع المحترف بالمدلس لحرمانه من الإحتجاج بمرور الزمن عملا بالفصل 673[539].

و في البيوعات العقارية تم التأكيد على أن الأجل المعتمد في صورة ثبوت البائع المدلس على معنى الفصل 673هو أجل 15عاما لا أجل المسؤولية العشرية الذي يقتصر دوره على ثبوت متانة المنشأة و استمرارها في الزمن ، كما أنه يفيد أنه في صورة مرور أجل السنوات العشر فإن الضرر الناشئ لا يمكن أن يكون ناتجا عن منجزيها[540].

و قد تحدث الفصل 672 م إ ع عن القيام بالعيب أو بفوات الوصف ، مما يدل أن المشرع لم يحصر الآجال الواردة فيه على دعوى الفسخ فحسب ، بل إنها تشمل كل الدعاوى التي يكون سببها العيب خاصة دعوى التخفيض من الثمن و دعوى التعويض عن الضرر الناشئ من العيب[541]. و لعل قصر الآجال التونسية لرفع الدعوى يمكن أن يجد سبيلا له لدى المالكية الذين يوجبون على المشتري رد المبيع لبائعه على الفور لكي لا يلحقه ضرر من التأخير . فضلا عن أن تأخير الرد بلا عذر يعتبر رضا بالعيب دلالة : “و يقدر الفور عندهم بمدة يومين و ما زاد عليها يكون تراخيا يسقط حق الخيار في الرد بالعيب ، إلا إذا كان معذورا بعذر يمنعه من الرد بعد العلم…ثم إن له الرد في أقل من يوم بدون أن يطالب بيمين . أما اليوم و اليومان فإن له الرد فيهما مع الحلف بأنه لم يرض بالعيب و أنه رد المبيع.”[542] و يلاحظ القصر الكبير في الآجال المالكية في صورة العلم بالعيب .

و يبرر ذلك بوجوبية دعوى الضمان التونسية و في القوانين الوضعية عموما[543] و ما يستوجبه ذلك من إجراءات أولية تسبق رفعها كالإخطار و تحقيق حالة العيب و حفظ المبيع. و هو ما يستوجب وقتا أكبر من ذلك اللازم في الفقه حيث سبق أن رأينا عدم وجوبية الدعوى و إمكان رد المشتري المبيع بإرادته المنفردة و هو أساس مبدأ الخيار.

بالإضافة إلى أن لجوء الطرفين للتقاضي في صورة عدم اتفاقهما على الفسخ لا يتطلب القيام بالإجراءات الأولية التونسية التي يمكن أن يطالب بها القاضي أثناء مجريات القضية .

لذلك كانت مدة الرد عند العلم قصيرة جدا لدى المالكية ، على عكس الأحناف الذين لم يشترطوا الفور في الرد طالما أن المشتري لم يفعل ما يدل على الرضا ، و قد رتبوا على ذلك أنه إذا أعلم المشتري البائع بالعيب و خاصمه في الرد ، ثم ترك الدعوى و رجع لها بعد مدة فإن له ذلك .

و حجتهم في هذا الرأي أن الأصل في الحقوق ألا تسقط بعد ثبوتها إلا بإسقاطها أو بانتهاء الوقت المحدد لها ، و ليس لهذا الحق وقت ، حيث لا دليل عليه فيبقى حتى يوجد ما يدل على الرضا صراحة أو دلالة[544]. و لا شك أن موقف الأحناف يتجافى مع الفصل 672 م إ ع الذي حرص على استقرار التعامل أكثر من الحماية المطلقة لمصلحة المشتري .

و لعل موقف المالكية أقرب إلى روح الفصل التونسي رغم اختلاف منطلقات النظامين حول وجوبية الدعوى . أما عن الوقت الذي يبدأ فيه احتساب الأجل فقد أشار الفصل 672 م إ ع إلى تاريخ التسليم خلافا للمشرع الفرنسي الذي لم يحدد صلب الفصل 1648 م م ف هذا التاريخ ، مما ساهم في انقسام الفقه الفرنسي إلى اتجاهات ثلاثة : يرى الأول بدء سريان المدة من يوم اكتشاف العيب في حين رجح الثاني وقت العقد لبدئها ، وقد اعتمد الثالث وقت التسليم[545].

و مرد ذلك هو الإختلاف حول طبيعة ضمان العيب الذي ، و إن كان من نوع خاص ، إلا أن الإتجاه الأول يعتبره شبيها بدعوى الغلط ، في حين أن الإتجاه الثاني يعتبره شبيها بدعوى الفسخ لعدم التنفيذ ، أما الإتجاه الثالث فيقارب دعوى الضمان بالتسليم[546]. على أن هناك رأيا اقترح ترك مسألة بدأ سريان المدة لتقدير قاضي الموضوع في فرنسا .

لكن محكمة التعقيب الفرنسية ، و رغم تأكيدها في البداية لخضوع وقت انطلاق الأجل للسلطة التقديرية لقضاة الأصل ، إلا أنها اعتمدت في أغلب الحالات تاريخ اكتشاف العيب كنقطة انطلاق لاحتساب هذا الأجل ، مما جعلها تنقض الأحكام التي تعتمد تاريخ التسليم خصوصا[547].

على أن تاريخ التسليم التونسي في الفصل 672 م إ ع ليس واضحا هل هو التسليم الحقيقي للمبيع الذي يمكن المشتري من حيازته و الإنتفاع به دون حائل أو هو التسليم الحكمي الذي يتم بمجرد رضا المتعاقدين دون حوز المبيع فعليا[548].

فلئن كان التسليم الفعلي وحده الذي يمكن المشتري من الفحص و من ثم يبرر احتساب الأجل ، لكن إقرار التسليم الحكمي يمكن من تفادي حالة عدم تسلم المشتري للمبيع بالرغم من وضعه تحت تصرفه ، حيث يكون مقصرا في حق نفسه و لا يحق له الإستفادة من تأجيل تلك المدة حتى يقوم بالتسليم الفعلي[549].

كما أن الإشارة إلى وقت التسليم في الفصل 672 م إ ع قد تكشف نوعا من التناقض بينه و بين الفصل 652 م إ ع الذي جعل من أجل الإعلام بالنسبة للعيوب التي تخفى عند التقليب على من لم يتأمل أو عند حصول مانع عاق المشتري عن التقليب يمتد إلى وقت العلم بها.

هذا ما جعل الأستاذة سكينة بوراوي تطالب بأن يكون تاريخ العلم هو المعتمد في الفصل 672 م إ ع حتى يكون متناغما مع نظيره المتعلق بأجل الإعلام بالعيب .

كما أن هذا الحل يساهم في تدعيم فعالية منظومة الضمان خاصة بالنسبة للعيوب صعبة الكشف[550]. لكن فقه القضاء لم يجعل من ضرورة اللجوء للخبير لكشف العيب مسوغا لتغيير قواعد التقادم الواردة بالفصل 672[551] ،بحيث تم إفراغ شرط إعلام البائع الوارد به من أي مدلول يمكن أن يوحد الحكم بين الفصلين[552] و يعترف بوقت العلم بالعيب لانطلاق الأجل . إذ لا يمكن حرمان المشتري من حقه في الإدعاء قبل أن يكون بمقدوره القيام به[553].

أما الفقه فقد ارتكز على العلم بالعيب كعامل أساسي لانطلاق الأجل ، فسواء بالنسبة للمالكية الذين اشترطوا الفورية في القيام أو الأحناف الذين اكتفوا بالتراخي فيه ، فإن احتساب الأجل ينطلق من العلم بالعيب[554].

أما إشارة حاشية الفصل 785م م م ت ت نظير الفصل 672 إلى مراجع المالكية[555] فهي لا تتعلق بحالة العلم بالعيب ، بل بحالة عدم العلم به . حيث أورد التسولي أن من علم بالعيب و سكت يومين فأكثر فلا رد ، أما في صورة عدم علم المشتري بالعيب فإن : “العمل جرى بعدم الرد في الرقيق بعد ستة أشهر ، و بعدم الرد في الربع و العقار بعد سنة ، كما لا ترد الدواب بعد شهر.”[556] فالحل التونسي الوارد بالفصل 672 م إ ع الذي ارتبط بالتسليم قابلته حالة عدم العلم بالعيب في فقه المالكية خلافا لحالة العلم التي يكون فيها الأجل القصير جدا.

الفرع الثاني :

التضارب حول طبيعة أجل الفصل 672 م إ ع مقارنة بالفقه

بين الفصل 672 م إ ع بصفة جلية مبدئيا طبيعة الأجل الذي يسقط بموجبه حق القيام بالعيب حينما أوضح أن هذا القيام يخضع للآجال التي أوردها : “و إلا سقط الحق فيها.”مما يؤكد أن الأجل الوارد بالفصل هو أجل سقوط لا تقادم و ما يدعم ذلك هو صياغته الفرنسية

بالإضافة إلى عدم إحالته للفصول 391 و ما بعدها المرتبطة à peine de déchéance

بالقطع و التعليق التي يمكن أن تتعلق بنقص أهلية الدائن أو غيبته إلخ… و اكتفائه بالإشارة للفصول من 384 إلى 390 م إ ع[557]. و من المعلوم أن آجال السقوط لا تقبل القطع و لا التعليق لأي سبب من الأسباب ، كما أنها تهم النظام العام و يجب على القاضي إثارتها من تلقاء نفسه ، و بالتالي لا يمكن للطرف المستفيد منها التنازل عنها[558].

لكن نفس الفصول التي أحال لها الفصل 672 م إ ع تضمنت إحالة للفصل 385 من نفس المجلة الذي نص على أن : “حق مرور الزمن لا يقوم بنفسه في سقوط المطالبة به ، بل يقوم به من له مصلحة فيه. و ليس للحاكم أن يستند إليه من عند نفسه حتى يقوم به الخصم .”كما أن نفس الفصل 672 أشار أن : ” للفريقين أن يتفقا على الزيادة و النقصان في الآجال المذكورة.”

مما يدل أيضا أن هذا الأجل لا يهم النظام العام و بالتالي فهو أجل تقادم ، فهل أن الأجل الوارد بهذا الفصل هو أجل سقوط أم أجل تقادم ؟ يبدو أن الفقه التونسي يؤيد اعتباره أجل تقادم لتناسب هذا الأخير مع مصلحة المشتري ، حيث أن هذا الإعتبار يساهم في تخفيف الصرامة التي تضفيها طريقة احتساب الآجال التونسية التي قد تمنعه من رفع الدعوى رغم أنه لم يكتشف العيب في بعض الأحوال[559]. و هو نفس الموقف الذي اتخذه فقه القضاء تجاه الفصل 672 م إ ع حيث تم اعتبار أن هذا الأجل لا يهم النظام العام[560].

و قد اعتبرت محكمة التعقيب أن هذه الآجال يعلقها كل عمل قاطع يقوم به المشتري كاستصداره لإذن على عريضة من قبل رئيس المحكمة التي بدائرتها العقار قصد القيام بإجراء اختبار للتثبت من وجود العيب[561].

لكن الإتفاق على الزيادة أو التنقيص في الآجال قد تحكم وجهته الواقعية خاصة في العقود بين الباعة المحترفين و المشترين ، على خضوع هؤلاء لوطأة الباعة الذين غالبا ما يستفيدون من إجبار المشترين على اتفاقات التنقيص من الأجل بصفتهم الطرف الضعيف في العقد . فنادرا ما يستفيد المشترون من ترفيع هذه الآجال[562] ، و حتى إن انتفعوا بها فلا يجوز أن تتجاوز هذه المدة 15 عاما.

أما الأحكام الفقهية فقد كانت واضحة بالنسبة لأجل القيام بمقتضى العيب من كونه أجل تقادم يكون قابلا للقطع و التعليق ، فالفورية المالكية في القيام مرتبطة بعدم وجود عذر منع المشتري منه ، فإن وجد فلا سقوط لهذا الحق . حيث يجب ليثبت هذا القطع أن يكون المشتري : “معذورا بعذر يمنعه من الرد بعد العلم كمرض أو سجن أو خوف من ظالم أو نحو ذلك.”[563] و من هذه الأعذار القاصرية التي : “لا تدخل في حساب مرور الزمن سواء بلغت حد مرور الزمن أو لم تبلغ.”[564] بالإضافة إلى الغائب الذي لا يجري ضده التقادم لأنه يجهل و الجاهل ليس خاطئا حين لم يقم[565].

على أن الغيبة كما أنها تشمل المشتري فإنها تنطبق على البائع ، حيث يستحب له إن كان غائبا أن يشهد على عدم الرضا ، فإن كانت غيبته قريبة فإنه يرده لوكيله إن كان له وكيل ، و إن لم يكن له فإن شاء المشتري أن ينتظر حضوره أو يرفع الأمر للقاضي الذي يمكن أن يحكم على البائع و هو غائب . أما إن كانت هذه الغيبة بعيدة فإن المشتري يرفع الأمر للقاضي[566] ، بالإضافة إلى الخوف من ذي السطوة أو ممن يستند إلى ذي السطوة الذي يعتبر عذرا[567]. و قد حكم تفاوت السيطرة على عامل استقرار المعاملات مقتضيات إسقاط العيب .

المبحث الثاني :

مظاهر تفاوت السيطرة على إسقاط القيام بالعيب

من الثابت أنه لا مجال لادعاء المشتري بالضمان أو الخيار بسبب وجود عيب قد أعلمه به البائع ، بما يمكن أن يدخل في اعتبارات الثمن[568]. كما لا يمكن للمشتري الإعتداد بالعيب في صورة الرضا الصريح أو الضمني بعد العلم ، هذا الرضا الذي تفاوت الإقرار باستتباعاته و نتائجه في النظامين . كما يمكن للمشتري أن يعفي البائع من الضمان أو الخيار عبر الإتفاق و هو ما كان محل اختلاف فقهي و تطور تشريعي تونسي عن طريق : مدى ملائمة مقتضيات الفصل 671 م إ ع للأحكام الفقهية ( الفقرة الأولى ) ، والإعفاء من العيب بين توارد القوانين التونسية و الإختلافات الفقهية ( الفقرة الثانية ) .

الفقرة الأولى :

مدى ملائمة مقتضيات الفصل 671 م إ ع للأحكام الفقهية

تناول الفصل 671 م إ ع ثلاثة حالات يعتبر رضا المشتري بالعيب القاسم المشترك بينها ، كما أن الحل بشأنها واحد و هو منع المشتري من القيام بالعيب ، لكن الحالات الواردة به لا تسيرها نفس الوتيرة . حيث ارتبطت أولاها بالرضا الصريح بالعيب في حين تناولت الحالتان المتبقيتان الرضا الضمني به . و هو ما يتجلى عبر : تفاوت اعتبارات الرضا الصريح بالعيب ( الفرع الأول ) ، و حدود التوافق حول مقتضيات الرضا الضمني بالعيب ( الفرع الثاني ).

الفرع الأول :

تفاوت إعتبارات الرضا الصريح بالعيب

أقصى الفصل 671 م إ ع حق المشتري في القيام بالعيب: “إذا اطلع عليه و رضي به.” فهو رضا لا يكون إلا بعد العلم ، ليكون المشتري قد تنازل بصورة جلية عن أمر يعلم أن له الحق فيه[569]. و يستوي في ذلك أن يكون علمه بالعيب بعد اطلاعه عليه بنفسه أو بواسطة غيره كالوكيل و المستأجر[570] ، كما أن هذا الرضا يتم استخلاصه من كل تصرف إيجابي للمشتري يدل على إرادته دون التباس[571].

بالإضافة إلى أنه تصرف بإرادة منفردة لا يحتاج من خلاله المشتري إلى موافقة البائع ، فيكفي صدوره حتى يتم الإعتداد به . و هو قاطع و لا يمكن للمشتري الرجوع فيه[572] ، و هو ما يؤكد أن هذا التنازل يهم مصلحته فحسب و هو حق ممنوح له و لا يهم النظام العام[573]. لكن إذا شمل هذا التنازل عيبا معينا فلا يجوز أن يمتد ليشمل عيبا آخر لم يعلم به المشتري ، فالنزول عن الدعوى بسبب عيب لا يمنع من مباشرتها بسبب عيب آخر ، كما قد يقتصر التنازل على دعوى الفسخ دون دعوى التعويض.

لذا يجب تفسير التنازل ضمن حدود إرادة المشتري دون التوسع في نطاقه[574] حسب الفصل 522 م إع[575]. كما اعترف الفقه بتنازل المشتري الصريح عن القيام بالعيب ، فالرضا به قد يكون صريحا و : “يتحقق بتعبير المشتري عن إرادته صراحة في النزول عن حقه في التمسك بضمان العيب الخفي . كأن يقول رضيت بالعيب أو أجزت هذا البيع أو أوجبته ، و ما يجري هذا المجرى .”[576] كما يمتد التنازل الصريح إلى : “إسقاط الخيار صراحة أو في معنى الصريح مثل أن يقول المشتري : أسقطت الخيار أو أبطلته ، أو ألزمت البيع أو أوجبته و ما يجري مجراه.”[577]

و أوضح الفصل 343 م أ ع ع مقتضى هذا الإسقاط بصورة جلية[578]. و في شرحه تم التمييز بين حالته و حالة الفصل 342 المتعلق بالبراءة من العيب[579].

على أن الفرق بين الإسقاط و الرضا بعد العلم بالعيب أن ذلك الإسقاط لا يكون إلا قبل علم المشتري بالعيب ، أما التنازل عنه فلا يكون إلا بعد العلم به. و الرضا بعد العلم قد يكون صريحا و قد يكون ضمنيا كما سنرى ، لكن الإسقاط لا يكون إلا صريحا[580]. و لم يتعرض الفصل 671 م إ ع لهذه الصورة ،بل اكتفى بالإشارة إلى إعفاء البائع من الضمان في صورة اشتراطه لذلك لا المشتري ، خلافا للأحكام الفقهية التي اعترفت بالإبراء و الإسقاط معا.

الفرع الثاني :

حدود التوافق حول مقتضيات الرضا الضمني بالعيب

قد يكون الرضا بالعيب ضمنيا إذا لم يستعمل المشتري حقه في القيام بمقتضاه خلال المدة التي حددها المشرع ، كما يمكن أن تصاحب هذا الرضا تصرفات و استعمالات للمبيع تعكسه، إذ لا يمكن اعتبار محاولات المشتري إزالة العيب و إعادة المبيع إلى حال الصلوحية ، نزولا منه عن الضمان[581]. و قد أورد الفصل 671 م إ ع حالتان ترتبطان بهذا الرضا ، تتعلق أولاهما بحالة العيب : “الذي اطلع عليه ( أي المشتري ) ، ثم باع المبيع أو تصرف فيه تصرف المالك.

”حيث أن تصرف المالك يمكن أن يشمل عدة أوجه : فبالإضافة إلى البيع الذي أشار له الفصل المذكور ،يمكن أن تتمثل هذه التصرفات في الرهن و الإيجار و الهبة[582] ، بل و تم اعتبار المفاوضات التي أجريت لإنجاز البيع بعد العلم بالعيب شكلا من أشكال التنازل عن الضمان[583]. فالمشتري إذا أراد التمسك بالضمان يجب أن يكون قادرا على رد المبيع المعيب و تصرفه فيه على هذا النحو يمنعه من رده.

أما إذا أعيد المعقود عليه له كأن يكون رهنا فيرفعه أو هبة فيرجع فيها عاد له من جديد حقه في الضمان[584]. كما يجب التمييز حسب الفصل 671 م إ ع بين حالة تصرف المشتري بالمبيع بعد العلم ، و بين تصرفه فيه قبل العلم بعيبه . إذ يستفاد من القراءة العكسية لأحكام الفصل المذكور عدم فقدان المشتري حقه في القيام بمقتضى العيب في صورة تصرفه في المبيع و هو جاهل لعيبه ، إلا أن رجوعه على البائع بالضمان ينحصر في إمكانية المطالبة بالتعويض المتمثل في إنقاص الثمن بما يتناسب مع ذلك العيب[585].

في المقابل فقد أجمع الفقهاء المسلمون على تحقق رضا المشتري ضمنا بالعيب في صورة التصرف فيه بعد العلم بعيبه و إسقاطه لحقه في الخيار كأن يكون ثوبا فقطعه أو صبغه أو أرضا فبنى عليها ، و خاصة إذا أخرجه عن ملكه ببيع و رهن و نحوه[586] ، و ذلك لحكمة معلومة[587].

لكن الفقهاء اختلفوا حول حالة تصرف المشتري في المبيع قبل العلم بالعيب ، حيث نفى الأحناف حق الرجوع بالنقصان على المشتري الذي باع المعقود عليه أو وهبه قبل علمه بالعيب[588] ،

أما المالكية ففرقوا بين تصرف المشتري في المبيع قبل العلم بعوض أو دون عوض : ففي صورة حصوله على عوض من تصرفه كبيعه للمبيع المعيب أو هبته بعوض إلخ… فقد اعتبروا ذلك فوتا و لا يرجع المشتري على البائع بشيء بسبب العيب ، لأن تصرف المشتري في المبيع إذا كان قبل العلم فإنه قد حصل على عوض المبيع ، و لم ينقص منه شيء بسبب العيب . أما إذا كان التصرف بغير عوض كالصدقة و العتق و الهبة دون عوض فإن ذلك يعتبر فوتا و للمشتري حينها الرجوع بقيمة العيب[589].

كما أشار الفصل 671 م إ ع إلى حالة ثانية تعتبر من قبيل رضا المشتري الضمني بالعيب و هي : “إذا استعمل المبيع لنفسه و انتفع به بعد اطلاعه على العيب،لكن هذا الحكم لا يجري على الدور و نحوها من العقارات إذ يجوز الإنتفاع بها بالسكنى مدة طلب الفسخ.”

و مثاله مواصلة استعمال أدوية نمو الحيوانات بعد اكتشاف العيب من قبل الطبيب البيطري[590].على أنه استعمال يجب أن يكون واضحا بشكل يدل دلالة قاطعة على نية المشتري بالتنازل على حقه في الضمان[591] ، لكن تقديره يبقى مسألة واقع خاضع تقديرها لقضاة الأصل اللذين اعتبروا أن المشتري الذي اكتشف في الجرار عيبا و استغله لأكثر من 3000 ساعة منها أربعة تنقلات للعاصمة لإصلاحه لم يتنازل عن حقه في الضمان[592]. أما في صورة الإستعمال قبل العلم فإن أحكام الفصل 663في فقرته الثانية التي تخول طلب تنقيص الثمن هي المنطبقة.

على أن اللافت هو إشارة الفصل 671 م إ ع إلى استثناء يتعلق باستعمال الدور التي يجوز الإنتفاع بها بالرغم من الإطلاع على عيبها ، لكنه قصره على العقارات و لم يشر إلى المبررات التي قد تسمح بالإستعمال في صورة العلم ، و هي حالة الضرورة و عدم التأثير على قيمة المبيع .

إذ رغم إشارة سانتيلانا إلى حالة الضرورة الفقهية خاصة في استعمال الحيوان صلب حاشية الفصل 784 م م م ت ت[593] نظير الفصل 671 م إ ع ، إلا أن مشرع 1906 قصر هذا الإستثناء على العقارات . ففقهاء المالكية يفرقون بين استعمال المشتري للمبيع استعمالا منقصا كلبس الثوب و ركوب الدابة اختيارا و غيرها من الإستعمالات التي تدل على الرضا مطلقا و تعتبر تنازلا عن القيام بالعيب[594] ، و بين الإستعمال الذي يكون زمن الخصومة و لا يدل على الرضا مطلقا مثل سكنى الدار و إسكانها غيره . لأن السكنى لا تنقص قيمة العقار و كذا كل ما لا ينقص القيمة[595].

بالإضافة إلى حالات الضرورة مثل ركوب الدابة لمواصلة السفر و نحوه[596] ، كما أن إفادة المشتري من الثمار و اللبن و الصوف لا تمنع الرد و لو في غير زمن الخصام[597]. فيما عدى ذلك فإن الإستعمال المنقص من القيمة في غير حالات الضرورة و في غير زمن الخصام يعتبر رضا ضمنيا بالعيب عند المالكية و لا يخول الرد أو الرجوع بنقص الثمن . كما أن البراءة من العيب شهدت اختلافا في المنطلقات في النظامين القانونيين .

الفقرة الثانية : الإعفاء من العيب بين توارد القوانين التونسية و الإختلافات الفقهية

يبقى الإعفاء من العيب أو الإبراء منه النقطة الأبرز لإسقاط المشتري لحقه في الضمان أو الخيار . و قد أقصينا أحكام الزيادة في الضمان كما سبق بيانه نظرا إلى ندرة العمل بها في العلاقات المباشرة بين المشتري و البائع واقعيا في القانون التونسي ، و نظرا إلى عدم اعتداد الفقهاء بتشديد أحكام الخيار . لذا قصرنا الحديث على أحكام الإعفاء الذي قد يكون كليا أو جزئيا .

حيث اختلفت درجة إقرار هذا المبدأ و نطاق استثناءاته فيهما و هو ما سنبرزه عبر : مبدأ الإعفاء بين التنصيص التشريعي و اختلافات الفقهاء ( الفرع الأول ) ، و المراوحة بين تضييق و توسيع إستثناءات الإعفاء و آثارها الفقهية ( الفرع الثاني ) .

الفرع الأول :مبدأ الإعفاء بين التنصيص التشريعي و اختلافات الفقهاء

لا تهم أحكام م إ ع المتعلقة بالضمان النظام العام[598] ، فهي تبقى قواعد مكملة و ليست آمرة يجوز للأطراف مخالفتها بصريح الإتفاق بينهما حسب الفصل 670 م إ ع الذي بين أنه : “لا شيء على البائع من عيوب المبيع و من عدم وجود الأوصاف المطلوبة فيه إذا صرح بذلك أو اشترط عدم الضمان .”كذلك الفصل 655 الذي أسقط حق المشتري في التعويض في صورة تمسكه بالمبيع: “إذا كان البائع عالما بعيوب المبيع أو بعدم وجود الوصف الموعود به و لم يشترط البراءة منه.

”كما فتح الفصل 672 م إ ع إمكانية الإعفاء الجزئي بالنسبة للآجال حينما بين أن : ” للطرفين أن يتفقا على الزيادة و النقصان في الآجال المذكورة. “فالضمان حق من حقوق المشتري لكنه يبقى امتيازا يمكنه التنازل عنه . و في ذلك تكريس لمبدأ الحرية التعاقدية في عقد البيع التي يمكن أن تجد في أحكام الفصل 242 م إ ع مرتكزا لها[599].

فانطلاقا من مبدأ سلطان الإرادة يرى المشرع أن طرفا العقد متساويان و بإمكانهما التفاوض حول بنوده و تقدير درجة خسائرهما المادية[600]. كما أن من شأن هذا الإتفاق تقليص النزاعات بعد البيع بين الطرفين[601]. فضلا عن فائدته المشتركة بالنسبة لهما ، فهو يمكن البائع من التخلص كليا أو جزئيا من التزام صارم وضعه المشرع على عاتقه[602] ، كما يمكن المشتري من اقتناء المبيع بسعر منخفض[603]. لكنه لا يفترض بل يجب أن يثبت اتجاه إرادة الطرفين إليه[604] ، إذ يجب أن يكون اتفاقا صريحا و ألا يقوم شك حول انصراف قصد الطرفين إليه[605].

فبيع الأشياء المستعملة أو البيع بشرط التجربة و المذاق لا يحتوي على اتفاق ضمني بعدم الضمان[606] ، و من البنود التعاقدية التي تثير إشكالا ما ينص أن:“المشتري قبل المبيع على الحالة التي عليها”الذي يكاد أن يكون موجودا في كل عقود بيع السيارات المستعملة و عقود البيع النموذجية التي تعتمدها الشركة القومية العقارية للبلاد التونسية[607] .

ففي إطار الشروط العامة للبيع تعتمد هذه المؤسسات مثل هذه البنود التي قد لا تثبت علم المشتري و قبوله بها[608].و قد كان موقف محكمة التعقيب بشأنها متأرجحا ، حيث أنها اعتبرت في قرار 16 / 11 / 2004 أن البند الذي يصرح فيه المشتري بمعرفته للعقار لا يعني أنه أبرأ البائع من العيوب التي تظهر فيما بعد[609] ، لكنها اعتبرت في قرار 5 / 3 / 1991 أن بند قبول المبيع على حالة حسنة يفيد تنازل المشتري عن حقه في الضمان[610]. كما اختلفت درجة قبول الأحكام الفقهية لمبدأ البراءة من العيب خاصة بين الأحناف و المالكية .

حيث اعتبر أبو حنيفة أن البراءة تصح فيما يظهر من العيوب سواء كان الشرط عاما أو خاصا : “و سواء شرط براءة نفسه ، أي شرط كونه غير مسؤول عن العيوب التي تظهر في المبيع أو شرط براءة المبيع أي سلامته من العيوب.”[611]

و حجتهم في ذلك أن القيام بالعيب حق من حقوق المشتري قبل البائع ، فإذا أسقطه سقط شأنه في ذلك شأن سائر الحقوق الواجبة.[612]

في المقابل فقد اضطربت و تشتت أقوال مالك و أصحابه كثيرا في هذا الشأن ، مما أبعد عنها الإحكام أو إمكان الحسم حول هذه المسألة . و قد بين ابن رشد هذا الإضطراب الكبير في أقوال مالك حيث أنها تنقسم إلى ثلاثة : أحدها قوله أن البراءة لا تصح إلا في بيوع الحيوان ، و منها قوله أن شرط البراءة لا يصح إلا في بيوع الرقيق مما لم يعلمه البائع و لا يبرأ مما علمه و كتمه على المشتري ، أما قوله الثالث فهو أن بيع البراءة لا يجوز إلا في بيع السلطان للمغنم أو على المفلس و العيب في الرقيق و بيوع المواريث.[613]

كما يعترف القانون التونسي بالإعفاء الجزئي من الضمان الذي يجد سنده التشريعي في منطوق الفصل 672 الذي اعترف للطرفين بالحق في الإتفاق على الإنقاص من الآجال ، و في مبدأ سلطان الإرادة .

و يعد هذا الإتفاق الأكثر شيوعا في الحياة العملية ، إذ يلجأ له الباعة المحترفون[614] ، و قد اعترف الأحناف بإمكان الإتفاق على البراءة الجزئية من بعض العيوب دون الأخرى ، و قسموها إلى ثلاث صور : ففي حالة تقييد البراءة بعيب قائم وقت العقد فإنها لا تنصرف إلى العيب الحادث بعد البيع و قبل القبض ، وقد اختلف الأحناف بشأن حالة إطلاق البراءة من كل عيب أو من عيب كذا دون تخصيص العيب القائم وقت العقد أو بعده : إذ يرى أبو يوسف أن البراءة تنصرف للعيب القائم وقت العقد و الحادث بعده ، و عند محمد و زفر لا تنصرف البراءة إلا للعيب القائم وقت العقد دون الحادث بعده . أما الصورة الثالثة هي التي تتم فيها إضافة البراءة إلى عيب يحدث في المستقبل.[615]

الفرع الثاني :المراوحة بين تضييق و توسيع إستثناءات الإعفاء و آثارها الفقهية

لئن كان حق الإعفاء من العيب ثابتا للبائع لكنه ليس أبديا ، فهو يبقى مبدآ قابلا للإستثناء خاصة إذا كان بائعا سيء النية بحيث لا يجوز له حينها الإستفادة مما هو ناتج عن خطئه الفاحش أو تعمده حسب الفصل 244 م إ ع . إذ لم يحصر الفصل 673 جزاء البائع المدلس في عدم احتجاجه بمضي آجال رفع الدعوى ، بل و قع حرمانه من كل اتفاق : ” اشترطه للتبرؤ من العهدة.”و اللافت هو حديث المشرع عن العهدة رغم أنه مصطلح مالكي له سياقه الخاص الذي لا يمكن أن ينسجم مع الفصل[616] ، لذا كان الأجدى منع كل اتفاق للبائع المدلس من شأنه أن يمكنه من التبرؤ من العيب لا من العهدة ، خصوصا أن الصياغة الفرنسية لنفس الفصل تدعم هذا الإتجاه[617]. لكن تطبيق الفصل 673 م إ ع يستوجب إثبات تحيل المشتري في إخفاء العيوب أو التسبب فيها ، مما يعني تمكين البائع الكاتم للعيب من الإستفادة من الإعفاء و من كتمانه ، مما يضيق حدود استثناءات المبدأ العام المتعلق بالإعفاء في القانون التونسي .

و قد تم تبرير ذلك بأن البائع قد نبه المشتري باشتراطه عدم الضمان إلى احتمال وجود العيب و لم يغشه بتعمد إخفائه عنه : “فقبل المشتري تحمل هذه المخاطرة ، و لا بد أن يكون قد روعي ذلك في تقدير ثمن المبيع . و يقرب من هذا أن يكون العيب ظاهرا أو في حكم الظاهر أو معلوما من المشتري فقد قدمنا أن البائع لا يضمنه.”[618] على أن الفصل 783 م م م ت ت نظير الفصل 673 م إ ع أقر بعدم ثبوت حق البائع الذي علم بالعيب و كتمه في الإستفادة من الإعفاء من الضمان[619] .

و قد أشارت حاشيته للفصل 1643 م م ف التي تقر هذا الحكم أيضا[620]. لكن هذا التضييق في استثناءات الإعفاء لم يمنع محكمة التعقيب من أن تستخدم جسر الفصل 655 م إ ع لا فقط في آجال رفع الدعوى بل و في منع احتجاج البائع بالإعفاء . و هو ما يظهر في قرار 16 / 2 / 2004 ، حيث احتجت البائعة بأن العقد تضمن بندا شهد فيه المشتري على نفسه بتسلم المبيع بعد الرؤية و التقليب و الرضا به على حالته.

كما تعهد بعدم المطالبة بأي إصلاح ، لكن القرار اعتبر ذلك التمسك غير مقبول معتمدا على الفصل 673 م إ ع[621]. على أن هذا التضييق في استثناءات الإعفاء الذي خالف مقتضى الفصل 783من المشروع يجد له أثرا لدى الأحناف دون المالكية الذين يتفقون مع الفصل الفرنسي .

فمشرعنا التونسي على غرار نظيره المصري اعتمد القاعدة الواردة بمذهب أبي حنيفة[622] التي تخول للبائع التبرؤ من جميع العيوب بما في ذلك التي كان يعلمها و كتمها على المشتري[623].

لكن المالكية ، و رغم شدة تشتتهم في الإقرار بمبدأ البراءة من العيب ، فإنهم قد جعلوها منحصرة فيما لم يعلم البائع من العيوب دونما علمه و كتمه على المشتري فمن : ” اشترى على شرط البراءة فلا قيام له حينئذ بما يظهر من عيب قديم إلا أن يثبت علم البائع به حين العقد ، فللمشتري القيام لأن البائع مدلس حينئذ..”[624] و حجة المالكية في عدم الإعتداد بالبراءة من العيوب المعلومة هو عمل أهل المدينة و حديث عبد الله ابن عمر الشهير.[625]

لكن و ببروز العقود النموذجية التي يمكن اعتبارها عقود إذعان فإن مبدأ التفاوض بين الطرفين قلما يجد له سبيلا ، فالمشتري عندما يتعاقد مع المزود يكون غالبا في وضع أضعف من البائع مما يصعب معه مناقشة بنود العقد ، كما أن الحماية التي توفرها له فصول م إ ع غير كافية[626] ، مما أوجب تدخل قواعد النظام العام التعاقدي لتقليص نطاق البنود المعفية من الضمان و توسيع استثناءاتها[627].

و هو ما برر التدخل التشريعي بقانون 7 / 12 /1992ليلغي فصله 17 في فقرته الثانية اتفاقات عدم الضمان[628] بعد أن اعترفت فقرته الأولى[629] بهذا الحق للمستهلك الذي كان تعريفه واسعا حسب الفصل 2– د من نفس القانون[630]. إذ يمكن أن يشمل المشتري العرضي و خاصة المزود إذا أبرم عقد البيع خارج اختصاصه و لحاجاته الخاصة[631].

و بهذا يكون المشرع قد وفر حماية مباشرة و فعالة للمستهلك ، فلا يمكن للمزود حرمان هذه الفئة من المشترين من حقها في الضمان الذي تدعمه قواعد النظام العام[632].

و قد حدد الفصل2– د مفهوم المزود ليشمل حتى مصدر المنتوج و مورده[633] ،إلا أن الجزاء الوارد به الفصل : “غير معهود في نطاق الجزاءات المدنية التي تكون إما باطلة أو قابلة للفسخ أو غير قابلة للإحتجاج بها.”[634] لا لاغية.هذا ما جعل الفقه التونسي يقترح أن يكون هذا الإلغاء بطلانا نسبيا لا مطلقا حماية لمصلحة المشتري .

فالبطلان المطلق ممكن إذا ثبت أن بند عدم الضمان كان الباعث الدافع على التعاقد ، لكنه حل لا يتماشى و مصلحة المشتري بما أنه لا يمكنه سوى من استرجاع الثمن[635]. لهذا فإن النظام العام الحمائي يفرض طلب البطلان النسبي الذي يكون أنسب للمستهلك[636]. كما أن للفصل 17 في فقرته الثانية فوائد جمة : إذ من شأنه أن يثبت بطلان اتفاقات عدم الضمان دون التوقف على تدليس البائع و شروطه الواردة بالفصل 673 م إ ع التي تبقى اتفاقات باطلة و لو كان البائع حسن النية حال أنه مزود . كما من شأنه أن يعفي فقه القضاء التونسي من تنظير البائع المحترف بالبائع المدلس[637] .

فالفصل 17 في فقرته الثانية من قانون حماية المستهلك يعفي فقه قضائنا خاصة من استعمال جسر الفصل 655 م إ ع فيما يخص هذه الإتفاقات ، حيث يقتصر بطلانها عملا به على تلك التي تعفي من الضمان كليا دون التي تنقص من مقتضياته في إطار الإعفاء الجزئي، مما يفقده جدواه واقعيا[638].

و يبدو أن النموذج التونسي لتوسيع استثناءات الضمان كان قريبا لنموذج المالكية الذين لم يتوسعوا في شرط البراءة من العيب و حصروه في بيوع معينة قصد حماية المشتري ، لكن دون أن تكون لديهم صورة مباشرة لحماية المستهلك التونسية المعاصرة و التي لم يكن بوسع النظر الفقهي القديم أن يأتيها إلا بصفة ضمنية .

حيث أن مطلق الحماية التي سنها المالكية للمشتري تتمثل في عدم نفاذ البراءة من العيب الذي يعلمه البائع لما في ذلك من مخاطرة غير محمودة من طرفه تجعل عقده أقرب إلى عقود بيع الغرر و المجهول ، حيث أن البيع بالبراءة يقتضي الجهل بعاقبة المبيع[639] .

الخاتمة العامة

رأينا عبر تداعيات هذه الدراسة المقارنة كيف تفاوت تحقيق التوازن التعاقدي بين قانوننا التونسي و الفقه الإسلامي شكلا و مضمونا . أما مضمون التفاوت فلم يكن لأحد النظامين القانونيين على سبيل الإطلاق ، بل كان لصالح المشرع التونسي أحيانا ، و لصالح الفقه الإسلامي أحيانا أخرى : حيث كانت النزعة التوفيقية التونسية بين بعض التوجهات الفقهية العامة و العديد من متطلبات العصر المتسارعة مثل حماية المستهلك ، و رهان البعث العقاري ، و التجارة الإلكترونية ، نقطة تحسب للقانون التونسي مقارنة بمصدره المادي . حيث تمثل قصوره في سبات الفقهاء المعاصرين و عدم تحديثهم لمؤسسة خيار العيب التي بلغ الإحكام في صناعتها من أصحاب القلم السالفين حدا معتبرا لم يسايره المستحدثون.

و هو ما ساهم في بروز القانون التونسي و تميزه على مصدره المادي سواء عبر قرينة علم البائع المحترف بالعيب ، في مقابل عدم ورود حكم فقهي خاص باحتراف البائع بل بتدليسه فحسب .

أو عن طريق التنظيم التونسي للتعويض العيني الذي لم يعرفه الفقه ، بل اكتفى بإلزام المشتري بعدم الإحتجاج بعيب تسهل إزالته دون مشقة . أو في التدعيم التشريعي لالتزامات البائع بحفظ المبيع وقتيا و رجوعه على المشتري بنفقاته ، مقابل اكتفاء الفقه بمصاريف صيانة الثمار دون المتعلقة بالمبيع ذاته .

أو في التنظيم التونسي الواضح لمبدأ الإعفاء من ضمان العيب و استثناءاته المضبوطة ، مقابل التشتت الكبير في آراء المالكية حول البراءة من العيب و تضييق نطاق الإعتراف بها و إطلاق الأحناف للبراءة التي لم يتم استثناءها إلا في العيب المستقبل ، إلخ …

لكن الفقه الإسلامي أظهر في المقابل قدرا من التوازن التعاقدي في بعض الجوانب الأخرى لم يواكب وتيرته القانون التونسي : إذ لم تنحصر إضافة الفقهاء الخلاقة في تعريفهم للعيب و بيان معاييره مقابل السكوت التونسي عن التعريف و اكتفائه بضبط تلك المعايير ، بل تجاوز النموذج الفقهي ذلك إلى حماية التوازن بين استقرار معاملات البائع و حماية المشتري من خلال شروط العيب .

و لعل النزعة الحمائية لخفاء العيب المدمجة في شرط عدم العلم به و عدم التقيد بشرط الخفاء المجرد الوارد في القوانين الوضعية تبقى الشاهد الفقهي الأبرز على هذا الإستدلال .

بالإضافة إلى إلزام الفقه الإسلامي البائع ببيان عيوب سلعته لمعاقده ، و هو وجوب لا يجد له أثرا في القانون التونسي إلا في بعض المبادئ العامة دون النصوص الخاصة ، حيث اعتنى مشرعنا بواجب إخطار البائع بالعيب في إطار الإجراءات الأولية التي تسبق رفع دعوى الضمان فحسب.

و قد حاول فقه القضاء التونسي تكريس حماية المشتري في بعض شروط العيب دون الأخرى[640] ، و دون أن يتغافل عن صيانة الإستقرار التعاقدي .

هذا الإحكام الفقهي في ثبوت العيب انعكس على إضافات الفقهاء الواضحة على مقتضيات القيام على أساس العيب و انحلاله ، فتنظيمهم للتدليس بالكتمان يبقى نقطة مضيئة للمنظومة الفقهية رغم قصوره أمام وسائل إثباته .

و قد قابله عدم الإعتراف التشريعي التونسي بالتدليس بالكتمان و حصره لجزاء علم البائع بالعيب و كتمانه عن معاقده في التعويض فحسب في صورة تمسك هذا الأخير بالمبيع عملا بأحكام الفصل 655 م إ ع .

كما أن الإحكام الفقهي في تنظيم استردادات المشتري كان واضحا مقارنة بالقانون التونسي الذي كان تأثره محدودا بنظرية الزيادة في المبيع الفقهية المتعلقة بالتزام المشتري برد الثمار و بالتقدير الفقهي لتضرر البائع من الرد الجزئي .

و يظهر أيضا هذا التفاوت لصالح الفقه الإسلامي في محاولته السيطرة على مبدأ استقرار المعاملات ، و ذلك خاصة في تمكينه المشتري من الرجوع بنقص الثمن في بعض الحالات التي رتب عليها القانون التونسي سقوط الحق في الضمان أو إسقاطه أصلا و رأسا ، إلخ …

أما شكل التفاوت فقد كان نتيجة محاولتنا تدارس فصول م إ ع و م م م ت ت المتعلقة بضمان العيوب الخفية للمبيع لتقصي إقرار الأستاذ سانتيلانا الذي أوضح فيه أن المجلة سعت ألا تخاطب العرب إلا بلغة فقهائهم نفسها أو عن طريق فقهائهم . فلغة الفقهاء التونسية في مجال ضمان العيب لم تتجاوز بعض المبادئ و التوجهات الفقهية العامة التي تم أخذها بعين الإعتبار ، كمنع الخيار بين دعوى الفسخ و دعوى التنقيص من الثمن ، أو عدم شمول الإستردادات المتبادلة لفوائد الثمن و فوائد المبيع احتراما للأحكام الفقهية التي تحرم الربا .

كذلك الشأن في ما يخص بعض المقتضيات الفقهية التي كان اقتباسها واضحا في بعض المواضع ، مثل تلك المتعلقة بالعيب الباطني ، أو البيع على يد القضاء ، أو في الرجوع للعرف و تقدير القيمة الإقتصادية للمبيع في السوق كضوابط للعيب.

في ما عدى ذلك ، فقد كان الرجوع لمقتضى الأحكام الفقهية مبتورا في بعض المواضع ، مثل حالة الضرورة و عدم إنقاص القيمة التي تخول للمشتري رد المبيع رغم استعماله بعد العلم بالعيب التي اعترف بها الفقه ، لكن المشرع التونسي قصرها على مثال السكنى في العقار الوارد حصرا .

كما كان الرجوع للأحكام الفقهية مغلوطا في بعض المواضع الأخرى و لا يدل على حقيقة مقاصد الفقهاء ، و من أمثلته الإحالة إلى مراجع الأحناف في فصل يتحدث فيه م م م ت ت عن عدم ضمان البائع للعيب الحادث بعد البيع في القيميات ، رغم اعتراف هذا الفقه بالعيب الحادث بعد البيع و قبل التسليم .

كما وقع التخلي عن بعض الأحكام الفقهية التي جسدتها بعض فصول المشروع التمهيدي و م م م ت ت في صياغة م إ ع النهائية مثل تلك المتعلقة بالتدليس بالكتمان و بعدم إعفاء البائع من ضمان العيب الذي يعلمه.

لذا فإن ما يمكن التسليم به هو أن النفس الطاغي على نظرية ضمان العيوب التونسية هو الغربي الأوروبي الحديث ، لا الفقهي ، لأن عيب المبيع التونسي نظمه إطار الضمان الغربي المعمول به في أغلب القوانين الوضعية لا إطار الخيار الفقهي .

و من نتائج هذا الإختلاف ، التمييز تونسي لضمان العيب عن بعض المفاهيم المشابهة التي انصهرت في منظومة خيار العيب انصهارا تاما . و هو ما انعكس على وجوبية دعوى الضمان التونسية و إجراءاتها الدقيقة التي تجد لها أثرا ضيقا في مبدأ الفسخ بالإرادة المنفردة الذي يقوم عليه الخيار الفقهي ، مما يجعل هذه الإجراءات التونسية مدمجة في حق الرد الفقهي إدماجا تاما .

لذا لم تكن لغة المشرع التونسي الخاصة بعيب المبيع لغة فقهاء إلا في أضيق الحدود بل كانت أساسا لغة عصر بلسان غربي أوروبي حديث. لكنه يبقى موقفا مقتصرا على نظرية ضمان عيب المبيع و لا يجوز تعميمه إلا بإتمام الدراسة الجامعة لم إ ع عبر عرضها على الأحكام الفقهية.

لمزيد من المعلومات تفضل للتواصل مع محامي متواجد الان

تكلم هذا المقال عن : دراسة مقارنة: العيوب الخفية للمبيع الفقه الإسلامي و القانون