دراسة وبحث قانوني قيم عن الاعفاء من المهام في التشريع المغربي

مقدمة

يمكن اسناد مهمة أو مسؤولية إلى احد الموظفين أو رجال القضاء أو رجال التعليم بمختلف اصنافهم ودرجاتهم، وذلك خارج الاطار الاصلي الذي ينتمون إليه، كإسناد مهمة مدير إدارة مركزية أو رئيس قسم إلى احد الموظفين السامين أو مهمة رئيس محكمة إلى احد القضاة أو مهمة قيدوم أو مدير ثانوية أو مدرسة ابتدائية إلى احد رجال التعليم، كما يمكن اعفاؤه منها في اية لحظة وإعادته إلى اطاره أو سلكه الاصلي.
والادارة تمتع مبدئيا بسلطة تقديرية في هذا المجال، سواء بالنسبة لاسناد المهمة أو التكليف بالمسؤولية، أو بالنسبة للاعفاء منهما، لكن هذه السلطة التقديرية ترد عليها استثناءات خاصة إذا ما أصدرت الادارة مذكرة تنظيمية ( لا توجيهية) تحدد فيها شروط ومعايير للحصول على المنصب الجديد في إطار المهمة أو المسؤولية المزمع إسنادها لمن يتوفر فعلا على هذه الشروط والمعايير، بحيث تصبح سلطة الإدارة مقيدة بتلك الشروط والمعايير سلبا وإيجابا.
وعليه سنتطرق في هذا الموضوع إلى السلطة التقديرية للادارة في هذا المجال، والسلطة المقيدة بواسطة مذكرة أو مذكرات تنظيمية صادرة عن الادارة نفسها، كما سنتطرق إلى موقف القضاء الاداري منهما على مستوى الغرفة الادارية بالمجلس الأعلى والمحاكم الادارية بالمغرب.

أولا : السلطة التقديرية للادارة في اسناد المهمة والاعفاء منها وموقف القضاء الاداري منها 

كما أسلف القول يمكن للادارة ان تسند مهمة إلى موظف خارج اطاره أو سلكه الاصلي، بناء على حيثيات موضوعية، منها الكفاءة والنزاهة والاستقامة والرصانة الخ … وذلك في نطاق سلطتها التقديرية دون رقابة عليها من القضاء، لان مثل هذا التكليف لا يتعلق بالدرجات والرتب والاقدمية بقدر ما يتعلق بالثقة والطمأنينة، على حسن سير المرفق موضوع التكليف، لذا فلا يحق لموظف أعلى درجة أو في درجة الموظف المكلف بالمهمة ان يحتج على الادارة أو يقاضيها أمام المحاكم بدعوى انه الاكفأ والأجدر والأولى بالمهمة المسندة إلى زميله، وذلك لسبب بسيط وهو ان الإدارة لم تقم بتغيير الوضعية النظامية للموظف المكلف بالمهمة والتي يتمتع بها في اطاره الاصلي، كما ان الموظف المسندة إليه مهام ادارية لا يحق له هو الاخر ان يحتج على الادارة أو يقاضيها أمام المحاكم إذا ما وقع اعفاؤه من تلك المهام بدعوى ان له حقا مكتسبا مسه الاعفاء ـ ما عدا ـ في حالة السلطة المقيدة للادارة، كما سنرى ذلك لاحقا، وذلك للاسباب الاتية :
1. ان اسناد المهمة أو التكليف بالمسؤولية لا علاقة له بتحسين الوضعية النظامية والادارية، وبالتالي فان اعفاء المكلف من المهمة لا يمس هو الاخر تلك الوضعية سلبا،
2. ان هذا التكليف لا علاقة له أيضا بالاطار الاصلي الذي ينتمي إليه الموظف المكلف، اذ لم يحصل على منصب نظامي داخل هذا الاطار، وبالتالي لم يحصل على حق مكتسب بالمفهومين القانوني والاداري،
3. ان حق اختيار موظف لمهمة أو مسؤولية ما، يخضع مبدئيا للسلطة التقديرية للادارة التي لها كامل الصلاحية في اسناد مهمة أو مسؤولية إلى هذا الموظف دون ذاك، نظرا لعامل الثقة، ومناسبة المهمة لمن اسندت إليه بقطع النظر عن الاقدمية والسلالم الخ …
4. ان هذا الاعفاء لا يعتبر بأي حال من الاحوال عقربة تأديبية تفتح المجال للطعن بالالغاء للشطط في استعمال السلطة، كما انه لا يعد درجة من درجات القهقرة في الدرجة أو الرتبة أو غيرهما.
وهكذا استقر القضاء الاداري المغربي، ممثلا بالغرفة الادارية بالمجلس الأعلى والمحاكم الادارية، على هذا الراي ـ باستثناء الاعفاء من المهمة ـ الذي يكون مصدره السلطة المقيدة، كما اسلف القول والذي سنتعرض له بتفصيل في القسم الثاني من هذا الموضوع.
فقد صدر للغرفة الادارية بالمجلس الأعلى قرار حديث بتاريخ 3 نونبر1994 تحت عدد 441 في الملف الاداري عدد 16641/93 في قضية السيد موادي محمد ضد قرار السيد وزير التربية الوطنية المؤرخ في 10/7/1993 القاضي بإعفائه من مهامه الادارية، جاء فيه:
” حيث انه من الثابت من وثائق الملف ان الطاعن كلف بمهمة مدير مدارس الزرقطوني بالصويرة، وان هذا التكليف كان خارج اطار الطاعن، وليس ناتجا عن قرار صادر عن السيد وزير التربية الوطنية بإسناد منصب يعين في نطاق اطاره الوظيفي حتى يمكن القول بانه حصل على حق مكتسب في إدارة تعليمية، وان اعفاءه من هذه المسؤولية بمقتضى القرار المطعون فيه، لا يعد عقوبة تأديبية تستدعي عرض قضيته على المجلس التأديبي، ذلك ان الاعفاء من المسؤولية تم في اطار السلطة التقديرية المخولة للادارة بانهاء مهام موظفيها التي كلفتهم بها خارج اطارهم، كما هو الوضع في النازلة، بدليل انه لم يقع المس بتاتا بوضعيته النظامية، اذ عين من جديد في الاطار الذي ينتسب إليه للتدريس بنفس النيابة، مما يكون معه القرار المطعون فيه غير متسم بأي شطط في استعمال السلطة.
وهكذا رفضت الغرفة الادارية طلب الطعن.

ثانيا : السلطة المقيدة للادارة

تكون سلطة الادارة مقيدة وليست تقديرية إذا ما رسم لها القانون أو النص التنظيمي تدابير أو إجراءات محددة لا يمكنها الخروج عنها بأي حال من الاحوال، ونفس الشيء بالنسبة للقرارات والمذكرات والمناشير التنظيمية ( لا التوجيهية) التي تصدرها الادارة نفسها والتي تلزمها قبل غيرها.
ولنأخذ على سبيل المثال بعض المذكرات التنظيمية الصادرة عن وزير التربية الوطنية ( التعليم الثانوي والابتدائي)، والتي تنظم بعضها الحركة الانتقالية لمناصب الادارة والتربية، وبعضها الحركة الانتقالية للوظائف الادارية في مؤسسات التعليم الثانوي، وقبل ان نتطرق إلى مضمون بعض هذه المذكرات، نستعرض ارقام وتواريخ بعضها كنموذج للمقارنة :
– المذكرة الوزارية رقم 44 الصادرة بتاريخ 6 مارس1979،
– المذكرة الوزارية رقم 134 الصادرة بتاريخ 29 يونيو1978،
– المذكرة الوزارية رقم 11 الصادرة بتاريخ 28 مارس1997،
– المذكرة الوزارية رقم 148 الصادرة بتاريخ 20 نونبر1997،
– المذكرة الوزارية رقم 27 الصادرة بتاريخ 26 مارس1978،
– المذكرة الوزارية رقم 7 الصادرة بتاريخ 7 فبراير1998.
وهكذا تنص المذكرة الوزارية التنظيمية الصادرة في 28 مارس 1997 تحت عدد 11 والمتعلقة بالحركة الانتقالية للوظائف الادارية، على ان شروط المشاركة في الحركة الانتقالية لرجال الادارة التربوية حددت كالتالي :
يتولى مهام مدير بمؤسسات التعليم الثانوي :
1. المديرون الذين قضوا سنتين على الاقل بمؤسسة اخرى بهذه الصفة،
2. مديرو مؤسسات السلك الثاني من التعليم الاساسي الذين قضوا سنتين على الاقل من الخدمة بهذه الصفة، والمنتمون لاطار أساتذة السلك الثاني،
3. مراقبو الدروس أو مديرو الدروس الذين قضوا سنتين على الاقل من الخدمة بهذه الصفة بمؤسسات التعليم الثانوي أو بمؤسسات لتكوين الاطر واستكمال الخبرة.
يتولى مهام مراقب الدروس بمؤسسات التعليم الثانوي:
1. رؤساء الاشغال والحراس العامون الذين قضوا ثلاث سنوات على الاقل من الخدمة بهذه الصفة بمؤسسات التعليم الثانوي أو بمؤسسات لتكوين الاطر واستكمال الخبرة،
2. الحراس العامون الذين قضوا ثلاث سنوات على الاقل من الخدمة بهذه الصفة بمؤسسات السلك الثاني من التعليم الاساسي والمنتمون لاطار أساتذة السلك الثاني، يتولى مهام حارس عام بمؤسسات التعليم الثانوي أساتذة السلك الثانوي من التعليم الثانوي المتوفرون على ست سنوات على الاقل من الخدمة، منها ثلاث سنوات على الاقل في التدريس.

يتولى مهام رئيس الاشغال بمؤسسات التعليم الثانوي التي تضم اقساما للتعليم التقني أساتذة السلك الثاني للتعليم الثانوي المتوفرون على ست سنوات من الخدمة على الاقل منها ثلاث سنوات على الاقل في التدريس.
وبالاضافة إلى هذه الشروط، تنص المذكرة ايضا على ان العبرة لقبول المرشح لواحدة من هذه المهام، تكون بحيازته اكبر عدد من النقط التي تمنح حسب معايير ومقاييس محددة ودقيقة، ومن ضمنها مثلا : الاقديمة، الاهلية، السلوك، المواظبة، الهندام، القدرة على التنظيم، الاشعاع في المحيط المدرسي.
كما ان المرشحين المقبولين طبقا لتلك الشروط والمعايير، لا يتم إقرارهم بصفة نهائية في مهامهم الجديدة الا بناء على نتائج تفتيش تربوي وإداري يخضعون له بعد سنة من تسلمهم لتلك المهام، وذلك فقط بالنسبة للذين اسندت إليهم هذه المهام لاول مرة.
كما تنص المذكرة الوزارية التنظيمية المؤرخة في 26 مارس1998 تحت عدد 27 والمتعلقة بالحركة الانتقالية لمناصب الادارة والتربية، على ان شروط المشاركة في الحركة الانتقالية لاطر الادارة التربوية بمؤسسات السلك الثاني من التعليم الاساسي، حددت كما يلي :
يسمح بالمشاركة في هذه الحركة :
1. للسادة المديرين والنظار الذي قضوا سنتين على الاقل بهذه الصفة في منصبهم الحالي،
2. للحراس العامين ورؤساء الاشغال الذين قضوا ثلاث سنوات على الاقل من الخدمة بهذه الصفة بمؤسسات السلك الثاني من التعليم الاساسي أو بمؤسسات التعليم الثانوي أو بمؤسسات لتكوين الاطر واستكمال الخبرة،
3. للأساتذة الذين كلفوا بمهمة الحراسة العامة بصفة مؤقتة خلال السنة الدراسية الحالية،
4. للذين سبق لهم ان زاولوا مهام الادارة التربية وتخلوا عن هذه المهام والمتوفرين على الشروط أعلاه.
لا يسمح بالمشاركة في هذه الحركة :
1. للذين سبق إعفاؤهم من هذه المهام الا بعد مرور خمس سنوات متتالية على هذا الاعفاء، وموافقة الادارة على ترشيحهم،
2. للذين صدرت في حقهم عقوبة تأديبية، الا إذا استفادوا من مقتضيات المادة 75 من الظهير الشريف بشان النظام الاساسي العام للوظيفة العمومية.

كما نصت المذكرة أيضا على وجوب توفر المرشح لمهنة من هذه المهام على معايير ومقاييس محددة ودقيقة شبيهة بتلك التي اشرنا إليها في المذكرة السالفة، فضلا عن خضوعه هو الاخر لتفتيش تربوي واداري بعد سنة من تسلمه المهام الجديدة قبل إقراره نهائيا في المسؤولية، وذلك بالنسبة لمن اسندت إليه المهمة لاول مرة في حياته الادارية.

يستنتج من قراءة هذه المذكرات قراءة متأنية ان الادارة لا تستطيع ان تستبعد أي مرشح من اسناد المسؤولية أو المهمة إليه مادام يتوفر على جميع الشروط والمقاييس والمعايير التي حددتها هي بنفسها، لان سلطتها هنا ليست سلطة تقديرية، كما لاحظنا في القسم الأول من هذا البحث، بل هي سلطة مقيدة، كما انها بالمقابل لا تملك اعفاء أي موظف مكلف بهمة أو مسؤولية بجرة قلم تحت أي ذريعة كيفما كان سببها باستثناء ما إذا ثبت عليه ارتكاب مخالفات ادارية أو مهنية أو ارتكاب جرائم يعاقب عليها القانون الجنائي، أو ثبت عجزه عن القيام بمهامه أو ثبت عليه سوء التسيير والتدبير، وذلك بواسطة تفتيش موضوعي ينجز لهذا الغرض، وإلا يكون القرار القاضي بالاعفاء من المهام أو المسؤولية متسما بالشطط في استعمال السلطة، على خلاف القرارات الصادرة في اطار السلطة التقديرية التي اشرنا إليها في القسم الأول والتي لا تلزم الإدارة بتعليلها، باعتبار ان الاعفاء من المهام لا يترتب عنه أي حق مكتسب للمعني بالامر في ظلها، بالنسبة فقط لتلك الأنواع من القرارات.

وهكذا كرس الاجتهاد القضائي الإداري على مستوى المحاكم الإدارية هذا الاتجاه، ففي حكم حديث للمحكمة الإدارية بالرباط صادر بتاريخ 4/6/1998 تحت عدد 571 في الملف الإداري عدد 540/97 غ تقول فيه :
” انه يتضح من خلال الاطلاع على القرار المطعون فيه انه صدر بتاريخ 14/4/1997 وقد بني على نتائج التفتيش العام الجاري يوم 27/2/1997، في حين يتضح من خلال استقراء تقرير التفتيش العام المؤرخ فيى 24/3/1997 ان السيد المفتش العام يوضح فيه بصريح العبارة بأنه فوجئ بإعفاء مدير المدرسة ” الطاعن” بناء على رسالة وزارية عدد 1080/9 بتاريخ 14/2/1997 وتكليف السيد محمد القاضي بتسيير المدرسة المذكورة بصورة مؤقتة، فيتساءل السيد المفتش العام في نفس التقرير عن جدوى القيام بالتفتيش العام بعد ان اتخذ الإجراء المذكور ” أي بعد الاعفاء”.
وحيث ان هذا يؤكد بصفة جلية ان اعفاء الطاعن من مهامه كمدير، كان من قبل انجاز البحث الجاري يوم 27/2/1997، بمعنى ان الاعفاء كان في واقع الامر بتاريخ 14/2/1997 حسب الرسالة الوزارية المشار اليها في تقرير المفتش العام وليس ابتداء من تاريخ 7/4/1997، كما ورد في القرار المطعون فيه.

وحيث ان اعفاء الطاعن من مهامه قبل انجاز البحث بخصوص الافعال المنسوبة اليه، يجعل القرار المطعون فيه مبنيا على وقائع غير صحيحة، وبالتالي يكون مشوبا بتجاوز السلطة لعيب انعدام السبب”.

وهكذا ألغت المحكمة قرار مدير التعليم الاولي والسلك الاول من التعليم الاساسي للعلل المذكورة.
من خلال هذا الحكم يتجلى الفرق في استعمال السلطة التقديرية والسلطة المقيدة، فالادارة في هذه النازلة استعملت السلطة التقديرية في الوقت الذي كانت فيه سلطتها مقيدة بحسب المذكرات التنظيمية التي أصدرتها هي بنفسها، وقد كان على الإدارة في هذه النازلة ان تتريث وتنتظر حتى يتم التفتيش وتنشر نتائجه إيجابا أو سلبا ثم تصدر قرارها بعد ذلك.
وفي نازلة مشابهة لها اصدرت نفس المحكمة حكما بتاريخ 22/4/1997 تحت عدد 369 في الملف الاداري عدد 651/96 غ قالت فيه :
” ان تقرير التفتيش المنجز بتاريخ 25 ابريل1996 تحت عدد 96/050 والذي اعتمد عليه قرار السيد وزير التربية الوطنية المؤرخ في 15/10/1996 لاعفاء الطاعن من مهامه كمدير لثانوية ابن سينا بالرباط، هذا التقرير لم يبلغ إلى الطاعن من جهة، ولم تدل الادارة المطعون في قرارها بنسخة منه او على الاقل ببيان المعطيات المضمنة به حتى يمكن للمحكمة مناقشتها والحكم على ضوء ذلك.
وحيث انه من المتفق عليه فقها وقضاء ان أي قرار إداري يجب ان يقوم على سبب، وان هذا السبب هو تلك الوقائع المادية التي تبر صدوره وعلى الادارة إثبات ذلك، والا اعتبر تصرفها تجاوزا في استعمال السلطة يبرر الغاء القرار”.
وهكذا ألغت المحكمة الادارية بالرباط القرار المذكور مستندة على الاسباب الاتية :
1. ان قرار التفتيش لم يبلغ للطاعن حتى يتمكن من مناقشته،
2. ان قرار السيد وزير التربية الوطنية لم يبلغ للطاعن هو الاخر، بل بلغت إليه رسالة إخبارية بصدور القرار الاداري المذكور،
3. ان الإدارة لم تجب على مقال الطاعن ولم تدل للمحكمة بالقرار المطعون فيه أو على الاقل ببيان حول دواعي واسباب الاعفاء،
4. ان عدم جواب الادارة عن مقال الطاعن أو المدعي حسب مقتضيات الفصل 366 من قانون المسطرة المدنية، يعتبر بمثابة تسليم بكل ما جاء في المقال وموافقة ضمنية على محتوياته، وبالتالي يكون المقرر الاداري قائما على غير سبب يبرر صدوره.
وفي جميع هذه الاحوال، سواء كانت سلطة الادارة مقيدة ام تقديرية، فان الاعفاء من المهام أو المسؤولية يخضع لتوازي الشكليات والمساطر، فلا يمكن اعفاء مكلف بمهمة الا بنفس الشكليات التي أسندت إليه، فالمسندة إليه بناء على ظهير يعفى منها بواسطة ظهير، والمسندة إليه بمرسوم يعفى منها بمرسوم، والمسندة إليه بقرار وزيري يعفى منها بقرار وزيري… وهكذا، اذ لا يتصور مثلا اعفاء موظف سامي بمرسوم أو بقرار والحال انه سبق تكليفه بالمهمة أو المسؤولية بواسطة ظهير شريف، والغرفة الادارية بالمجلس الأعلى كرست هذا الاتجاه عبر اجتهاداتها في هذا المضمار، ففي قرار لها بتاريخ 30/5/1985 تحت عدد 94 في قضية السيد احمد الفركلي ضد قرار وزير التخطيط وتكوين الاطر والتكوين المهني، قررت ما يلي:
طبقا لمبدأ توازي الشكليات لا يمكن وضع حد لمهام مدير مكتب اداري ( مكتب تنمية التعاون) ثم تعيينه بظهير الا بمقتضى ظهير اخر يتخذ لهذا الغرض.

وعليه فان قيام وزير الوصاية باستبداله بمدير جديد دون ان يصدر ظهير اخر ليضع حدا لمهامه يتسم بالشطط في استعمال السلطة ويعرض القرار للالغاء.
ومن جهة اخرى، يصدر النواب الاقليميون قرارات ادارية دون تفويض من السيد الوزير، كتلك التي تتعلق بنقل الموظفين من جهة لاخرى، ويكون مآلها الالغاء لوجود عيب عدم الاختصاص.
وهكذا صدرت قرارات بهذا الخصوص عن عدة محاكم ادارية بالمغرب، من بينها المحكمة الادارية بالرباط، ومما جاء في حكمها الصادر بتاريخ 11/6/1998 تحت عدد 582 في الملف الاداري عدد 1345/97 غ ما يلي:
” ان قرارات نقل الاطر التعليمية ( معلمين وأساتذة) مؤسسة تعليمية إلى مؤسسة تعليمية اخرى من اختصاص السيد وزير التربية الوطنية، وليس من اختصاص السيد النائب الاقليمي الذي يبقى دوره محصورا في تنفيذ قرارات السيد الوزير ما دام قرار السلطة الحكومية المحدد لاختصاص النائب الاقليمي ـ حسب ما نصت عليه المراسيم المتعاقبة بشان اختصاصات وتنظيم وزارة التعليم الابتدائي والثانوي ـ لم يصدر بعد ـ وبالتالي فان قرار السيد النائب الاقليمي القاضي بنقل الطاعن يكون مشوبا بتجاوز السلطة لعيب عدم الاختصاص.
ومن جهة ثالثة، يلاحظ ان الإدارة لا زالت تتمادى في تجاهل الاحكام القضائية والامتناع عن تنفيذها تحت ذرائع واهية وغير مقبولة بالرغم من التوجيهات الملكية السامية المتواترة في هذا المجال، وبالرغم من المناشير والمذكرات الصادرة بهذا الشان عن السادة الوزراء الاولين السابقين والسيد الوزير الأول الحالي وكذا بعض الوزراء، نذكر منهم على سبيل المثال وزير الوظيفة العمومية والشؤون الادارية ووزير التربية الوطنية، ومما جاء في اخر مذكرة صادرة عن هذا الأخير بتاريخ 15 ابريل1998 تحت عدد 98/269 موجهة إلى السادة :
ـ مديري المصالح المركزية ـ مديري الأكاديميات،
ـ المفتشون العامون ـ نواب وزارة التربية الوطنية في العملات والاقاليم ـ رؤساء مؤسسات التكوين والتعليم ما يلي :
” الموضوع : تنفيذ الاحكام القضائية والتربية على احترام حقوق الانسان
سلام تام بوجود مولانا الامام المؤيد بالله
وبعد
لقد بلغ إلى علمي ان بعض الاحكام التي تصدرها المحاكم حين تقضي في بعض القضايا التي تكون الوزارة طرفا فيها ربما لا تنفذ.
ولا يخفى عليكم ان في عدم تنفيذ قرارات القضاء انتهاكا لمصداقية العدالة لحرمة القانون ولحقوق المواطنين الذين يلجأون إلى المحاكم طمعا في انصافها لهم وإيمانا منهم بنفاذ الاحكام القضائية.
وينبغي الا تكتفي الادارة بتنفيذ الاحكام القضائية، بل يجب عليها ان تحجم عن القرارات التي من شانها ان تدفع المواطنين إلى مقاضاتها الخ.”.
هذه بعض الفقرات من المذكرات وهي غنية عن كل تعليق، ويأمل كل غيور على حرمة القانون وعلى هيبة الدولة وكرامة المواطن الا يكون مصير هذه المذكرة وأمثالها التجاهل والاهمال والنسيان كسابقاتها ويصبح من يحررها كمن يصيح في واد مترامي الأطراف.

تكلم هذا المقال عن : بحث قانوني حول الإعفاء من المهام في التشريع المغربي