الدولة المعاصرة لم تعد تلك الدولة الاستبدادية التي يختلط فيها القانون بإرادة الحاكم ومشيئته ، وانما الدولة المعاصرة هي في الأساس دولة قانونية يسودها الشرعية وسيادة القانون(1) حيث ان من المسلمات في العصر الحديث ان الدولة القانونية لا بد ان تخضع للقانون ، ويعد هذا الخضوع للقانون بما يؤدي إليه من حماية لحقوق الأفراد وحرياتهم ، مظهراً من مظاهر المدنية الحديثة(2) . ويبقى وصف الدولة كذلك . أي دولة قانونية ما دامت تخضع للقانون بغض النظر عن شكلها الدستوري وتبقى كذلك الى ان يُهدر مبدا الشرعية لتتحول الى دولة بوليسية التي لا ضمان لبقائها الا البطش واستمرار استسلام الشعب المحكوم . لذا قيل بأن الدولة القانونية هي التي تخضع للقانون بجميع نشاطاتها التشريعية والتنفيذية والقضائية فهي كما وصفها الفقيه الفرنسي ( جيركه ) تلك التي تخضع نفسها للقانون وليست تلك التي تضع نفسها فوق القانون(3) . والقانون هنا يقصد به المفهوم الواسع والذي يضم كافة القواعد القانونية والتي تتدرج في القوة بحيث تكون القواعد الدستورية في قمة ذلك التدرج هذا ولا بد من الإشارة الى ان الفقه الدستوري يكاد يكون مجمعاً على وجوب قيام مجموعة من العناصر اللازمة لظهور الدولة القانونية ونهوضها ، واهم هذه العناصر :

وجود دستور .
مبدأ الفصل بين السلطات .
الرقابة على سلطات الدولة .
الحقوق والحريات الفردية .

وسنتناولها بالبحث حسب هذا الترتيب في أربعة فروع :

الفرع الأول : وجود دستور

 

 

 

للحصول على استشارة مجانية

تفضل الى رقم مكافحة الابتزاز

 

 

ان الدولة المعاصرة …أنها دولة قانونية هي اولاً وقبل كل شيء دولة دستورية تقوم على وجود قانون أعلى تصدره السلطة التأسيسية لتنظم به الهيئات العامة وطريقة إسناد سلطات الدولة واختصاصات كل منها كما يرسي الضمانات الأساسية لحماية المحكومين(4). لذلك كان الدستور هو حجر الأساس في الدولة القانونية(5). هذا وان صفة الديمومة للدستور في الدولة يعتبر احد الضمانات الهامة لترسيخ دولة القانون وبعكسه او في حالة وجود دستور مؤقت للدولة . فهذا يعني وجود ظروف استثنائية وحالة من عدم الاستقرار السياسي . فالدستور الدائم لأي دولة يضع حدوداً لاختصاص السلطات العامة في الدولة ويشكل في الوقت نفسه قيوداً لكل سلطة من السلطات لا تستطيع تجاوزها وبخلافه تكون هذه السلطات قد خالفت الدستور وفقدت شرعيتها فالدستور الدائم والحالة هذه يكون قيداً على سلطات الدولة .

كما ان الدستور في النظام القانوني للدولة القانونية يكون أعلى واسمى مرتبة من القواعد التشريعية العادية والصادرة من السلطة التشريعية وهذه بدورها أعلى مرتبة من القواعد القانونية العامة ( اللوائح ) التي تصدرها الإدارة . ويستمر التدرج التنازلي حتى تصل الى القرار الإداري الفردي الصادر من سلطة إدارية دنيا . وهذا هو المقصود من مبدأ تدرج القاعدة القانونية ويترتب على هذا التدرج وجوب خضوع القاعدة الأدنى للقاعدة الأسمى والأعلى ، وان تكون متفقة معها في المضمون(6) .

الفرع الثاني : مبدأ الفصل بين السلطات

بعد التطور الحاصل في وظيفة الدولة وانتقالها من دور الدولة الحارسة الى دور الدولة المتدخلة وبعد الاتساع في هذه الوظيفة ، زادت مسؤولية الحاكم بحيث أصبحت هنالك حاجة ماسة الى توزيع الاختصاصات المختلفة في الدولة على أجهزة وهيئات مختلفة ومتعددة لتتولى كل من هذه الأجهزة ممارسة إحدى الوظائف الأساسية في الدولة ، فظهرت السلطة التشريعية لتتولى مهمة التشريع ووضع القوانين والسلطة التنفيذية ومهمتها تنفيذ تلك القوانين والسلطة القضائية ومهمتها تطبيق تلك القوانين والحقيقة ان مبدأ الفصل بين السلطات يعود في جذوره التاريخية الى الفيلسوف اليوناني ( ارسطو ) الا ان تطبيقه يعود الى فلسفة القرن الثامن عشر حيث نجد النص عليه في كتاب روح القوانين للفيلسوف السياسي الفرنسي ( مونتسكيو ) فقد اعتبره كسلاح من أسلحة الكفاح ضد الحكومات المطلقة ووسيلة من وسائل الخلاص من السلطة المطلقة للملوك والتي تقوم على تركيز السلطات(7) ولقد انقسم الفقه الدستوري الى قسمين بين معارض لهذا المبدأ ومؤيد له فمن ذهب الى معارضته ، حيث يرى استحالة تطبيقه من ناحية ، وانه وهمي وغير حقيقي من ناحية ثانية ويتنافى مع مبدأ وحدة الدولة من ناحية ثالثة(8) .

اما مؤيدوه فقد ذهبوا الى انه توزيع للسلطة اكثر من كونه فصلاً بينها وذلك من خلال النتائج التي يحققها والتي تتمثل بضمان مبدأ المشروعية والذي يقضي بخضوع الحاكم والمحكوم للقانون لذلك فالسلطة تخضع للقانون وان تصرفاتها تعد باطلة اذا ما خالفته او خرجت عن قواعده فهي – أي السلطة – وطبقاً لهذا المفهوم تخضع للرقابة اياً كان نوعها سياسية او قضائية او شعبية(9) . كما ان من نتائج الفصل بين السلطات منع الاستبداد وصون الحريات ، حيث ان من طبيعة البشر الميل للاستبداد اذا استأثر بالسلطة وهنا يقول ( مونتسكيو ) : ( لقد أثبتت التجارب الأبدية ان كل إنسان يمنح سلطة يسيء استعمالها اذا تمادى في الاستعمال حتى يجد حدوداً توقفه ، ان ( الفضيلة ) نفسها بحاجة الى حدود وللوصول الى عدم إساءة استعمال السلطة يجب ان يكون النظام قائماً على أساس ان السلطة تحد السلطة ) (10) . كما ان أنصار ومؤيدي مبدأ الفصل بين السلطات ذكروا بأن من نتائج هذا الفصل انه يؤدي الى تقسيم العمل والى إتقان هذه السلطات لعملها وهو ما يتفق ومبدأ التخصص ويحقق الإجادة والإتقان . هذا وقد ذهب الفقه الدستوري أيضا الى التمييز بين أنواع الأنظمة السياسية المعاصرة في ضوء مبدأ الفصل بين السلطات فحيث يكون هذا الفصل في المرتبة التي تسمح بالتعاون المتبادل بين السلطات نكون أمام نظام برلماني وحيث يكون الفصل جامداً ومغالى فيه نكون أمام نظام رئاسي اما حين يتم التنكر لهذا المبدأ فنكون أمام النظام المجلسي حيث يتم دمج السلطات وتركيزها بيد الهيئة التشريعية .

الفرع الثالث : الرقابة على سلطات الدولة

يستلزم تثبيت هيبة الدولة ، احترام سلطاتها ومؤسساتها كافة للقانون انطلاقاً من مبدأ سيادته وضمان شرعيته وطبيعي ان يتم ذلك بواسطة تنظيم الطرق والوسائل التي تضمن تحقيق ذلك والمتمثلة بالأخذ بالرقابة على سلطات الدولة . ان الرقابة على سلطات الدولة يمكن ان تتخذ شكل الرقابة السياسية والتي تباشر من قبل السلطة التشريعية ( البرلمان ) او شكل الرقابة الإدارية والتي تباشر من قبل جهة إدارية او شكل الرقابة القضائية والتي تمارسها السلطة القضائية المختصة . وبالنظر لما تتمتع به السلطة القضائية من حياد واستقلالية ، لذا فأن الإجماع يكاد يكون منعقداً بين فقهاء القانون الدستوري على ان الرقابة القضائية هي اكثر فاعلية من الأشكال الأخرى للرقابة (11) . ويوضح هذه الحقيقة بعض فقهاء القانون العام فيقول ( ان الحماية التي تحققها كل من الرقابة البرلمانية والرقابة الإدارية غير كافية لان الأولى سياسية يتحكم فيها حزب الأغلبية وتخضع لاهوائه والثانية تجعل الأفراد تحت رحمة الإدارة اذ تقيم من الإدارة خصماً وحكماً في آن واحد ) (12) . فالرقابة القضائية أذن هي السلاح الحقيقي الذي يمتلكه الأفراد تجاه السلطات العامة اذ يمكن بمقتضاه للأفراد مقاضاة السلطات العامة وانتزاع حقوقهم وحرياتهم المقررة في القانون وصيانتها(13) . هذا ومن الملاحظ بأن الرقابة القضائية تمتد الى سلطات الدولة الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية بحد سواء فالرقابة على السلطة التشريعية تتمثل في مراقبة دستورية القوانين والتأكد من مطابقتها للدستور ، كما ان سريان الرقابة القضائية على السلطة التنفيذية فأنه يتمثل أيضا بقضاءي الإلغاء والتعويض حيث يملك القضاء إلغاء القرارات الإدارية المخالفة للقانون او التعويض عن الآثار الضارة للقرارات الإدارية المعيبة واما سريان الرقابة القضائية على أعمال السلطة القضائية ذاتها تتمثل في مراقبة القضاء لنفسه عن طريق الطعن في الإحكام(14) .

الفرع الرابع : الحقوق والحريات الفردية

ان دساتير الدولة وبغض النظر عن شكلها الدستوري تكاد لا تخلو جميعها من النص على حقوق الأفراد وحرياتهم ولو من الناحية الشكلية ، اما من الناحية العملية فان الدول تختلف في مدى التزامها او تطبيقها لمبدأ الحقوق والحريات الفردية . ففي الدولة القانونية نجد ان الاعتراف والأخذ بالحقوق والحريات الفردية هو أحد المقومات المهمة لهذه الدولة لان نظام الدولة القانونية يهدف الى حماية الأفراد من تعسف السلطات العامة واعتدائها على حقوقهم فهو يفترض وجود حقوق للأفراد في مواجهة الدولة لان هذا المبدأ ما وجد إلا لضمان تمتع الأفراد بحرياتهم العامة وحقوقهم الفردية(15) . ومتى اختفت الحقوق والحريات الفردية او انعدمت في النظام القائم كنا أمام دولة بوليسية ومتى وجدت ولكن كان من حق الحاكم ان يعسف بها ويستبد بأمور الأفراد كنا أمام دولة استبدادية وفي الحالتين لا وجود للدولة القانونية(16) ، ومع هذا المفهوم للاعتراف بالحقوق والحريات الفردية كأحد خصائص الدولة القانونية يتعذر ايضاً وجود الدولة القانونية بدون الاعتراف بهذه الحقوق والحريات اذ يتعذر العثور على دولة قانونية ليس للافراد فيها حقوق ولا حريات ومن هذا كان الاعتراف بتلك الحقوق والحريات احد مقومات الدولة القانونية وخصائصها حيث لا قيام لها الا به .

_______________________

1- الدكتور طعمه الجرف – نظرية الدولة . دار النهضة العربية – سنة 1978 – ص149 وما بعدها .

الدكتور أمين عاطف صليب – دور القضاء الدستوري في ارساء دولة القانون – المؤسسة الحديثة للكتاب – لبنان 2002 – ص55 .

2- الدكتور منير البياتي – الدولة القانونية والنظام السياسي الاسلامي– الدار العربية – بغداد 1987 – ص21 وما بعدها .. الدكتور عبد الغني بسيوني عبد الله – القانون الدستوري – القاهرة 1997 – ص83 .

3- الدكتور نعمان احمد الخطيب – القانون الدستوري – جامعة مؤته – عمان 1999 – ص173 .

4-طعيمه الجرف – المرجع السابق ص5 .

5- الدكتور حكمت حكيم – الدساتير العراقية المؤقتة – بيروت سنة 2000 – ص16 .

6- الدكتور حكمت حكيم – الدساتير العراقية المؤقتة – مرجع سابق – ص16 .

7- الدكتور سليمان الطماوي – السلطات الثلاث ص ( 468 – 469 ) – دار الفكر العربي – 1979 القاهرة.

8- د . نعمان الخطيب – القانون الدستوري – مرجع سابق ص 183 .

9- د . نعمان الخطيب – نفس المرجع – ص ص 183 – 184 .

10- الدكتور نعمان الخطيب – نفس المرجع – ص ص 185 – 186 .

11- الدكتور حكمت حكيم – الدساتير العراقية المؤقتة – مرجع سابق ص 19 – 20 .

12- الدكتور ثروت بدوي – النظم السياسية سنة 1974 – دار النهضة العربية – القاهرة ص179 .

13- الدكتور منير البياتي – الدولة القانونية – مرجع سابق ص271 .

14- الدكتور محمد كامل ليله – الرقابة على أعمال الإدارة ( الرقابة القضائية ) ص160 وما بعدها – سنة 1970- القاهرة .

15- الدكتور منير البياتي – الدولة القانونية – مرجع سابق ص105 .

16- يرى الدكتور ثروت بدوي – ضرورة التمييز بين الدولة البوليسية والدولة الاستبدادية ففي الدولة البوليسية ليس للافراد حقوق قبل الدولة ، اما في الدولة الاستبدادية تعسف الإدارة بالأفراد حسب هوى الحاكم او الامير وتستبد بأمورهم – النظم السياسية للدكتور ثروت بدوي – مرجع سابق – ص169 – 170 .

المؤلف : حسن ضياء حسن الخلخالي
الكتاب أو المصدر : نظرية الضرورة كاستثناء على مبدا سمو الدستور

اعادة نشر بواسطة محاماة نت .

لمزيد من المعلومات تفضل للتواصل مع محامي متواجد الان

تكلم هذا المقال عن : مقال يشرح عناصر الدولة القانونية