الاعتراف في دور التحقيق

القاضي محمد ملحان الدليمي
إعادة نشر بواسطة محاماة نت

الاعتراف او الاقرار هو احد ادلة الاثبات في الدعوى الجزائية والاعتراف او الاقرار هو اخبار المتهم لسلطة التحقيق او المحكمة بقيامه بارتكاب جريمة او المساهمة فيها او في بعض الافعال المكونة لها . وقد ذكر هذا الدليل في بعض مواد قانون اصول المحاكمات الجزائية بإسم (الاعتراف) وجاء في مواد اخرى بإسم (الاقرار) وكذلك الحال في قرارات محكمة التمييز الاتحادية ويرى البعض ان الاقرار هو دليل الاثبات في الدعوى المدني اما الاعتراف فهو دليل الاثبات في الدعوى الجزائية ولا يترتب على الاختلاف في تسمية هذا الدليل اي اثار ولكن سنمضي بتسمية هذا الدليل بالاعتراف ما دام الكلام حول الاثبات في الدعوى الجزائية .

واذا كان هناك قانون يعني بأدلة الاثبات في الدعوى المدنية فان ادلة الاثبات في الدعوى الجزائية لم تنضم بقانون مستقل وارى وجوب العمل على اصدار قانون ينضم احكام ادلة الاثبات في الدعوى الجزائية ويعتمد الاثبات في الدعوى الجزائية على الاحكام الواردة في قانون اصول المحاكمات الجزائية فيما يخص ادلة الاثبات واهمها الشهادة والاعتراف .

 

 

 

للحصول على استشارة مجانية

تفضل الى رقم مكافحة الابتزاز

 

 

وكما تقدم بالقول ان الاعتراف هو (اخبار) وهو بهذا المعنى من الناحية المنطقية يحتمل ان يكون صحيحا او غير صحيح شأنه في ذلك شأن الشهادة فهي اخبار وقد تكون صحيحة او غير صحيحة . وتفترق الشهادة عن الاعتراف في كون الشهادة يؤديها الشاهد بعد ان يقسم على ان يقول الحق والصدق اما الاعتراف فيدلي به المتهم بدون قسم والشهادة هي اخبار عن قيام الغير بفعل معين يشكل جريمة او احد الافعال المكونة لها او المساهمة فيها اما الاعتراف فهو اخبار المتهم عن قيامهم بنفسه في ارتكاب جريمة او المساهمة فيها . وسيقتصر الكلام على الاعتراف الذي يدلي به المتهم امام سلطة التحقيق وامام قاضي التحقيق ورجوع المتهم عنه امام محكمة الموضوع وقد كان الاعتراف في السابق سيد الادلة (كما يقال) الا ان الواقع اثبت ان هناك من المتهمين ما يعترف بارتكاب جريمة دون ان يكون قد ارتكبها فعلا وذلك لأسباب مختلفة منها تعذيب والاكراه الذي يتعرض له في دور التحقيق ومنها رغبة المتهم في تخليص شخص اخر من العقاب او للتهرب من عقاب جريمة اشد من الجريمة التي اعترف بها .لذلك عدل الفقه والقضاء عن اعتبار الاعتراف سيد الادلة واصبح الاعتراف احد الادلة التي تخضع لتقدير محكمة الموضوع .

ويشترط لصحة الاعتراف :

1- ان يكون صادرا عن ارادة حرة وبدون اكراه او ضغط او وعد او وعيد .

2- ان يكون الاعتراف واضحا ومقبولا عقلا ولا يقبل التأويل والتفسير .

3- ان لا يتعارض الاعتراف مع حقائق ووقائع ثابتة في الدعوة .

4- ان يدون الاعتراف من قبل قاضي التحقيق .

وقد ذهبت محكمة التمييز الاتحادية في العديد من القرارات الى ان الاعتراف المجرد ورجوع المتهم عنه امام محكمة التمييز لا يكفي للإدانة مالم يتعزز بأدلة وقرائن اخرى قفد جاء في قرار محكمة التمييز الاتحادية 161/هـ ع/2007 في 25/2/2008 (اما بالنسبة للجريمتين الاخريين التي تم ادانة المتهم عنها فأن اعتراف المتهم حولها جاء مجرد ولم يتعزز بأي دليل او قرينة لذا فان هذا الاعتراف المجرد لا يمكن الركون اليه في اصدار حكم بالإدانة) .

كما جاء في قرار محكمة التمييز الاتحادية 4602/هـ ع/2008 (…ان اعتراف المتهم في دور التحقيق بانه عضو في دولة العراق الاسلامية ويحتفظ بجهاز توقيت العبوات الناسفة في داره او وجد داخل غرفة نوم المتهم …وتراجع المتهم عن هذا الاعتراف امام محكمة الجنايات ولم يتعزز هذا الاعتراف بدليل او قرينة …) .

وهنا تجدر الاشارة الى ان الاعتراف المتهم في دور التحقيق اذا تعزز بأدلة او قرائن اخرى فانه يصبح كافياً للإدانة او التجريم فاذا تعزز اعتراف المتهم بجريمة سرقة مثلا بضبط المواد المسروقة بحوزته او قيامه بالدلالة على مكان اخفائها فان هذا الاعتراف يصبح كافيا للإدانة وان تراجع المتهم عنه امام محكمة الموضوع كما ان الاعتراف بجريمة قتل وتعزز هذا الاعتراف بقيام المتهم بالدلالة على مكان دفن الجثة او مكان اخفائها ملابس او اشياء تعود للمجني علية هذا الاعتراف يكفي للإدانة وان رجع المتهم عن هذا الاعتراف اما محكمة الموضوع .

الا ان هناك قرارات اخرى لمحكمة التمييز الاتحادية ذهبت الى الاخذ بالاعتراف المجرد في دور التحقيق وقد اسست محكمة التمييز ذلك على الاسباب التالية :

1- كون الاعتراف كان مفصلا .

2- كون الاعتراف حصل امام قاضي التحقيق وبحضور عضو الادعاء العام والمحامي المنتدب .

3- كون الاعتراف تعزز بكشف الدلالة .

4- تدوين اقوال المتهم المعترف بصفة شاهد على متهمين اخرين .

وقد ثبت لدينا من خلال وقائع معروضة ان هناك اعترافات مفصلة وامام قاضي التحقيق وبحضور ممثل الادعاء العام والمحامي المنتدب ومعزز بكشف الادلة اضافة الى تدوين اقوال المتهم (المعترف) بصفة شاهد ضد متهمين اخرين .

ومع كل هذا فقد ثبت على وجه اليقين كذب ذلك الاعتراف من خلال :

1- كون المتهم بتاريخ الحادث كان معتقلا لدى القوات الامريكية او السلطات العراقية .

2- كون المجني عليه متوفى وفاة طبيعية قبل مدة طويلة.

3- وجود المجني عليه حياً يرزق .

…… وغيرها من الحالات

ان تكرار مثل هذه الحالات ادى الى عدم الاطمئنان الى الاعتراف في دور التحقيق اذا بقيت هذه الاعترافات مجردة عن ادلة او قرائن تعززها ولو ان الاجراءات التحقيقية بما فيها الاعتراف تؤخذ دائما على انها الحقيقة . لما كانت هناك الحاجة الى محاكمة علنية في محكمة مختصة تقوم بتقدير الادلة .

ونصت المادة 213/ج الاصولية على (للمحكمة ان تأخذ بالاقرار وحده اذا ما اطمئنت اليه) ويعني ان محكمة الموضوع اذا لم تطمئن للاقرار فلا تأخذ به

ونصت المادة 217/أ الاصولية على (للمحكمة سلطة مطلقة في تقدير اقرار المتهم والاخذ به) . ان محاكم الجنايات تتعامل مع الادلة بالدعوى الجزائية من مسافة اقرب وتراها بشكا اوضح من محكمة التمييز الاتحادية حيت ترى محكمة التمييز الادلة من خلال اوراق الدعوى بينما تجمع محكمة الجنايات اطراف الدعوى وجها لوجه في محاكمة علنية مما يجعل محكمة الجنايات هي الاقدر على تقدير الاعتراف والاخذ بيه او هدره ….

ولا اريد ان ابقى في اطار معلومات نظرية بل انتقل الى وقائع عملية واختار لذلك دعوى عرضت على الهيئة الاولى في محكمة جنايات الانبار واخرى عرضت على الهيئة الثانية في المحكمة المذكورة .

القضية الاولى /

في الدعوى362/ج1/2010 احيل المتهمون كل من ب ، ع ، م ، ي موقوفين لأجراء محاكمتهم بدعوى غير موجزة وفق المادة الرابعة /1 ارهاب وتمثلت الادلة المتوفرة ضد المتهمين الاربعة في اعترافاتهم في دور التحقيق المعززة بكشف الدلالة وكان الاعتراف بحضور عضو الادعاء العام وفي التحقيق القضائي والمحاكمة تبين للمحكمة على وجه اليقين ان المتهم (ب) كان بتاريخ الحادث في محافظة اخرى ومستمرا بالدوام الرسمي في احدى دوائر الدولة كما تبين ان المتهم (ي) كان بتاريخ الحادث معتقلا لدى القوات الامريكية وبذلك تم دحض اعترافات المتهمين (ب ،ي) ولرجوع المتهمين الاربعة عن اعترافاتهم المأخوذة في دور التحقيق اثناء المحاكمة فقد وجدت محكمة الجنايات ان اعترافات المتهمين الاربعة لا يمكن الاطمئنان اليها لان اعترافاتهم جاءت على انهم جميعا (المتهمين الاربعة) شركاء في الجريمة وقررت المحكمة الافراج عنهم و أعيدت اضبارة الدعوى من محكمة التمييز الاتحادية مصدقة بالنسبة لقرار الغاء التهمة والافراج عن المتهمين (ب ،ي) ونقض قرار الغاء التهمة والافراج عن المتهمين (ع ، م) وذلك بقرار محكمة التمييز الاتحادية 136/هـ ج/2011 في 23/5/2011 وهنا نقول ان اعترافات المتهمين الاربعة في دور التحقيق تضمنت اشتراكهم جميعا في الجريمة موضوع الدعوى وان لكل واحد من المتهمين الاربعة دور . فعندما تتوفر ادلة نفي تدحض اعتراف اثنين من المتهمين فكيف لمحكمة الجنايات ان تطمئن الى اعترافات المتهمين الاخرين .

وارى ان اعترافات المتهمين الاربعة في هذه الحالة لا تبعث على الاطمئنان وان اتجاه محكمة الجنايات للأفراج عن المتهمين الاربعة صحيح ومقنع .

القضية الثانية /

في الدعوى 815/ج2/2011 احيل المتهم (ر) موقوفا لإجراء محاكمته بدعوى غير موجزة وفق المادة الرابعة/1 ارهاب عن ثلاث جرائم وكانت الادلة المتوفرة ضد المتهم في الدعوى هي اعترافات مفصلة امام قاضي التحقيق وبحضور عضو الادعاء العام والمحامي المنتدب وتعزز الاعتراف بكشف الدلالة مما جلب القناعة الكاملة لدى المدعي العام امام المحكمة بالمطالبة بالتجريم وقد توصلت المحكمة من خلال التوسع بتحقيقاتها الى ان المتهم (ر) كان بتاريخ ارتكاب اثنين من الجرائم موضوع الدعوى موقوفا في محافظة صلاح الدين عن قضية اخرى وفي تاريخ وقوع الجريمة الثالثة كان معتقلا في مدينة الفلوجة ومع ان اعترافات المتهم في دور التحقيق جاءت مفصلة وامام قاضي التحقيق وحضور عضو الادعاء العام والمحامي المنتدب وكشف الدلالة الا ان تلك الادلة قد تبددت وقررت المحكمة الغاء التهم الثلاثة الموجهة اليه والافراج عنه وقد صادقت محكمة التمييز الاتحادية على قرار محكمة الجنايات المتضمن الغاء التهم الثلاثة الموجهة للمتهم والافراج عنه بقرارها 13658/هيئة جزائية ثانية/2011 في 31/10/2011 وان تكرار الوقائع امام القضاء والتي ثبت فيها عن وجه اليقين ان اعترافات المتهمين في دور التحقيق وان كانت مفصلة وامام قاضي وبحضور الادعاء العام ودفاع المتهم وان تعززت بكشف الدلالة وتدوين اقوال المتهم (المعترف) بصفة شاهد ضد متهمين اخرين هي غير صحيحة يدعو الى عدم الاطمئنان الى الاعترافات التي يدلي بها المتهمون في دور التحقيق مالم تعزز بادله او قرائن تؤكد صحتها .

ولا يكفي للاطمئنان عليها كونها مدونة من قبل قاضي وبحضور الادعاء العام ودفاع المتهم واجراء كشف الدلالة او تدوين اقوال المتهم بصفة شاهد ضد متهمين اخرين لان ما يكره المتهم على الاعتراف قد يكرهه ايضا لإجراء كشف الدلالة والادلاء بشهادة غير صحيحة كما لا يمكن للمحكمة الوقوف على حقيقة حضور الادعاء العام والمحامي المنتدب اثناء تدوين الاعتراف فقد تذيل اوقال المتهم بعد تدوينها من قبل عضو الادعاء العام والمحامي المنتدب ودون حضورهما وقد تدون اقوال المتهم ثم تعرض على قاضي التحقيق للتوقيع عليها .

فاذا كان من حسن حظ المتهم الذي اعتراف مكرها على قتل انسان فتبين انه حي يرزق او ان يكون ذلك المتهم معتقلا او موقوفا لدى جهة اجنبية او وطنية في تاريخ الحادث الذي اعترف عليه مكرها وبالتالي يتوفر للمحكمة ما تدحض به ذلك الاعتراف فكيف بمن شاءت الاقدار ان يكون اعترافه على قتل انسان تعرض فعلا للقتل من قبل مجهول او لم يكن ذلك المتهم المكره على الاعتراف بتاريخ وقوع الجريمة معتقلا او موقوفا بذلك لا يتوفر للمحكمة ما تدحض به ذلك الاعتراف .

ان محاكم الجنايات تبرأ الى الله من وزر الاحكام التي تصدرها بحق المتهمين بناء على اعترافات في دور التحقيق المنتزعة بالإكراه خلافا للحقيقة عندما لا تجد المحكمة في اوراق الدعوى ومن خلال المحاكمة ما تدحض به تلك الاعترافات وتتحمل محاكم التحقيق وزر تلك الاحكام .

لمزيد من المعلومات تفضل للتواصل مع محامي متواجد الان

تكلم هذا المقال عن : مقال مفصل حول الاعتراف في دور التحقيق و تطبيقاته