الصلاحيات القانونية لاجراءات التحقيق النيابية

دستورية اجراءات “التحقيق النيابية”.. بقلم وزير العدل السابق د.إبراهيم العموش

يتصدى مجلس النواب من خلال لجان التحقيق النيابية التي يشكلها لعدد من الملفات التي يشتبه بوجود مخالفات قانونية فيها، وذلك استناداً إلى أحكام المادة (51) من النظام الداخلي لمجلس النواب، والتي نصها “للمجلس أن يشكل لجاناً مؤقتة يرى أن الحاجة ماسة لتشكيلها، ويحدد المجلس وظائفها ومهامها وعدد أعضائها وتنتهي مدة أي منها بانتهاء المهمة الموكولة إليها”. ونتساءل هنا عما إذا كان لمجلس النواب – من خلال لجان التحقيق النيابية- أن يحقق في ملفات تتضمن شبهة مخالفة القوانين من قبل وزير او وزراء دون غيرها، ام أن له بالإضافة إلى ذلك صلاحية التحقيق في ملفات لا تتضمن شبهة مخالفة من قبل وزير او وزراء، وإنما من قبل موظفي الإدارة العامة، أم أن مجلس النواب لا صلاحية له في ممارسة التحقيق في أيٍ من هذه الملفات؟.

تقتضي الإجابة على هذه التساؤلات البحث المعمق في التعديلات الدستورية التي دخلت حيز النفاذ في الأول من تشرين الأول من عام ألفين وأحد عشر ميلادية، وذلك بالمقارنة مع الأحكام الدستورية التي تم إلغاؤها والقرارات التفسيرية المرتبطة بها.

 

 

 

للحصول على استشارة مجانية

تفضل الى رقم مكافحة الابتزاز

 

 

تنص المادة 55 (معدلة) من الدستور على ما يلي: “يحاكم الوزراء على ما ينسب إليهم من جرائم ناتجة عن تأدية وظائفهم امام المحاكم النظامية المختصة في العاصمة وفقاً لأحكام القانون”. وتنص المادة 56 (معدلة) من الدستور على ما يلي: “لمجلس النواب حق إحالة الوزراء إلى النيابة العامة مع إبداء الأسباب المبررة لذلك ولا يصدر قرار الإحالة إلا بأغلبية الأعضاء الذين يتألف منهم مجلس النواب”. وبهذا ألغيت المادة 55 (الأصلية) من الدستور والتي نصها: “يحاكم الوزراء أمام مجلس عالٍ على ما ينسب إليهم من جرائم ناتجة عن تأدية وظائفهم”. كما ألغيت المادة 56 (الأصلية) والتي نصها: “لمجلس النواب حق اتهام الوزراء ولا يصدر قرار الإتهام إلا باكثرية ثلثي أصوات الأعضاء الذين يتألف منهم مجلس النواب وعلى المجلس ان يعين من أعضائه من يتولى تقديم الإتهام وتأييده امام المجلس العالي”.

وتنص المادة 57 (معدلة) من الدستور على ما يلي: “يوقف عن العمل الوزير الذي تتهمه النيابة العامة إثر صدور قرار الإحالة من مجلس النواب ولا تمنع استقالته من إقامة الدعوى عليه او الإستمرار في محاكمته”. وقد ألغيت المادة 58 (الأصلية) من الدستور والتي نصها: “يطبق المجلس العالي قانون العقوبات المعمول به في الجرائم المنصوص عيلها فيه وتعين بقانون خاص الجرائم التي تترتب عليها مسؤولة الوزراء في الأحوال التي لا يتناولها قانون العقوبات”. كما ألغيت المادة 61 (الأصلية) والتي نصها: “الوزير الذي يتهمه مجلس النواب يوقف عن العمل إلى أن يفصل المجلس العالي في قضيته ولا تمنع استقالته من إقامة الدعوى عليها أو الإستمرار في محاكمته”. وبهذا تكون التعديلات الدستورية قد ألغت صلاحية المجلس العالي في محاكمة الوزراء اعتباراص من تاريخ نفاذها وأصبح اختصاص المجلس العالي بموجب المادة 122 (معدلة) من الدستور محصوراً بتفسير أحكام الدستور إذا طُلب إليه ذلك بقرار من مجلس الوزراء أو بقرار من أحد مجلسيْ الأمة، وبحيث تلغى هذه المادة حال وضع قانون المحكمة الدستورية موضع التنفيذ.

تاريخ 1/4/2008 قرر مجلس الوزراء أن يطلب تفسيراً من المجلس العالي لتفسير الدستور حول أحقية مجلس النواب في أن يحيل إلى النائب العام مباشرة، إذا وجد في التقرير السنوي الذي يقدمه رئيس ديوان المحاسبة، مخالفات مرتكبة مما إشارت إليه المادة (22) من قانون ديوان المحاسبة، أم أن مجلس النواب يخاطب رئيس الوزراء بهذا الشأن. وفي 23/4/2008 أصدر المجلس العالي لتفسير الدستور القرار التفسيري رقم (2/2008). وقد عرض هذا القرار بإسهاب للأحكام الدستورية ذات العلاقة موضحاً صلاحية مجلس النواب في هذا الخصوص. حيث جاء فيه: “للإجابة عن السؤال الذي تضمنه طلب التفسير، يجد المجلس العالي أنه لا بد من استقصاء النصوص الدستورية التي حددت اختصاصات وصلاحيات مجلس النواب، وعلاقته مع السلطة التنفيذية، آخذين بالإعتبار أنه من القواعد الدستورية الجوهرية المتفق عليها فقهاً وتشريعاً وقضاءً، ان الدستور هو المرجع الوحيد الذي يحدد اختصاصات السلطات وأسلوب ممارستها لها، وأنه لا يجوز إضافة أي اختصاصات جديدة لأي سلطة دستورية غير الإختصاصات التي نص الدستور عليها، كما أنه لا يجوز التعدي على الصلاحيات الدستورية لأي سلطة أو الإنتقاص منها أو المشاركة فيها من قبل أي جهة أخرى. فعندما ينيط الدستور بسلطة من السلطات اختصاصات محددة أو صلاحية معينة، امتنع على السلطات الأخرى ممارسة هذا الإختصاص أو هذه الصلاحية، إذ أنه لا يؤخذ في القواعد والأحكام الدستورية بالقاعدة المأخوذ بها في الأحكام والقواعد المدنية القائلة (أن الأصل في الأمور الإباحة ما لم يرد دليل التحريم نصاً أو دلالة)”.

ونجد هنا بأن المجلس العالي، والذي لقراراته التفسيرية قوة الدستور، قد قرر بوضوح ودون مواربة وبما لا يدع مجالاً للإجتهاد أو التأويل أن لكل سلطة من السلطات التي نص عليها الدستور (وهي السلطة التشريعية والسلطة القضائية والسلطة التنفيذية) صلاحيات رسمها الدستور بوضوح وبحيث لا يجوز إضافة أي اختصاصات جديدة لأي سلطة دستورية غير الإختصاصات التي نص الدستور عليها وأنه لا يجوز لسلطة دستورية ان تتعدى على لاصلاحيات الدستورية لأي سلطة أخرى او أن تنتقص منها او أن تشارك فيها، وبالتالي إذا أناط الدستور بسلطة عينة اختصاصات أو صلاحيات معينة امتنع على السلطات الأخرى ممارسة هذا الإختصاص او تلك الصلاحية. وتأسيساً على ذلك، لا صلاحية لسلطة دستورية في ممارسة اختصاص معين ما لم يناط بها هذا الإختصاص بموجب احكام الدستور.

ويستكمل القرار التفسيري المشار إليه الإجابة على السؤال المطروح على المجلس العالي بالقول: “ومن استعراض النصوص الدستورية نجد أنها أناطت بمجلس النواب الإختصاصات والصلاحيات التالية:

أولاً: الإختصاص التشريعي: وهذا الإختصاص يتمثل في:
أ‌- حق مجلس النواب في قبول مشروعات القوانين التي يعرضها عليه رئيس الوزراء أو تعديلها أو رفضها (المواد 25، 91، 93 من الدستور).
ب‌- حق مجلس النواب بإقرار أو تعديل القوانين المؤقتة (المادة 94 من الدستور).
ج‌- حق مجلس النواب باقتراح القوانين على الحكومة والطلب إليها صياغة مشروعات القوانين المقترحة وتقديمها له حسبما جاء في المادة (95) من الدستور.
د- صلاحية المجلس في وضع أنظمة داخلية لضبط وتنظيم إجراءاته على أن تعرض هذه الأنظمة على جلالة الملك للتصديق عليها (المادة 83 من الدستور).

ثانياً: أناط الدستور في المواد (51، 53، 54، 96) بمجلس النواب صلاحية الرقابة على الحكومة ومساءلتها مسؤولية مشتركة عن السياسة العامة للدولة، أو مساءلة كل وزير عن أعمال وزارته، وخول كل نائب بأن يوجه إلى الوزراء أسئلة واستجوابات حول أي أمر من الأمور العامة وفقاً لما هو منصوص عليه في النظام الداخلي للمجلس. وللمجلس بموجب هذه المواد الدستورية الحق بطرح الثقة بالحكومة أو باحد وزرائها، وله أن يقرر عدم الثقة بها أو بوزير أو أكثر منها بالأكثرية المطلقة من مجموع عدد أعضائه.

ثالثاً: خولت المادة (56) من الدستور مجلس النواب حق اتهام الوزراء حول ما ينسب إليهم من جرائم ناتجة عن تأدية وظائفهم، بما في ذلك جمع الأدلة، والإحالة إلى المحاكمة أمام المجلس العالي، وأن يعين من أعضائه من يتولى تقديم الإتهام وتأييده أمام المجلس العالي.وبما أن الدستور لم يخول مجلس النواب أية صلاحية أو اي اختصاص لملاحقة مرتكبي الجرائم من غير الوزراء وإحالتهم إلى النيابة صاحبة الإختصاص بملاحقة مرتكبي الجرائم والتحقيق معهم وجمع الأدلة بمجرد علمها بوقوع أي جريمة دون حاجة إلى طلب الملاحقة من مجلس النواب أو أي جهة أخرى، فإننا نقرر جواباً على السؤال الوارد في طلب التفسير ما يلي:

أولاً: إذا كانت المخالفات التي تضمنها التقرير الذي يقدمه رئيس ديوان المحاسبة منسوبة إلى وزير وتشكل جريمة من الجرائم المنصوص عليها في قانون محاكمة الوزراء رقم (35 لسنة 1952) فمجلس النواب هو صاحب الصلاحية بملاحقة الوزير والتحقيق معه وجمع الأدلة واتهامه بما أسند إليه وعلى المجلس أن يعين من أعضائه من يتولى تقديم الإتهام وتأييده وإحالة الوزير ليحاكم أمام المجلس العالي.

ثانياً: أما إذا كانت المخالفات والجرائم التي تضمنها تقرير ديوان المحاسبة منسوبة إلى غير الوزراء فيجوز لمجلس النواب إحالتها على رئيس الوزراء لاتخاذ الإجراءات التي تستوجبها التشريعات النافذة وإعلام مجلس النواب، وذلك لأن مجلس الوزراء هو الذي يتولى بموجب المادة (45 من الدستور) إدارة جميع شؤون الدولة الداخلية والخارجية، باستثناء ما قد عهد أو يعهد به من تلك الشؤون بموجب الدستور أو أي تشريع آخر إلى شخص أو هيئة أخرى، ولا يجوز لمجلس النواب أن يطلب من النيابة العامة مباشرة التحقيق في تلك الجرائم لأن الدستور لم يخوله هذه الصلاحية”.

وتأسيساً على ذلك، نستخلص بأن صلاحية مجلس النواب في التحقيق، استناداً لمنطوق القرار التفسيري المشار إليه تنحصر، وفقاً للنص الأصلي (الملغى) للمادة 56 من الدستور، في الملفات التي تتضمن مخالفات او جرائم منسوبة إلى الوزراء دون غيرهم.أما المخالفات والجرائم المنسوبة إلى غير الوزراء، فإن مجلس النواب لا يملك صلاحية التحقيق فيها، على أنه يجوز لمجلس النواب أن يحيل هذه الملفات على رئيس الوزراء لاتخاذ الإجراءات التي تستوجبها التشريعات النافذة (باعتبار ان مجلس الوزراء هو صاحب الولاية العامة في إدارة شؤون الدولة الداخلية والخارجية بموجب المادة 45 من الدستور ووفقاً لمنطوقها)، وعلى رئيس الوزراء أن يعلم مجلس النواب بالإجراءات التي اتخذت بخصوص هذه الملفات. وبالنتيجة، فإن مجلس النواب لا يملك صلاحية الطلب من النيابة العامة مباشرة التحقيق في مثل هذه المخالفات والجرائم لأن الدستور لم يخوله هذه الصلاحية. وغني عن القول ان الدستور لم يخول مجلس النواب صلاحية إحالة هذه المخالفات والجرائم مباشرة إلى هيئة مكافحة الفساد، وإنما، مرة أخرى، له ان يحيلها على رئيس الوزراء الذي له أن يحيلها إلى هيئة مكافحة الفساد او إلى النيابة العامة وفقاً لما يراه مناسباً.

اما وقد ألغيت المادة 56 (الأصلية) من الدستور واستعيض عنها بنص جديد مفاده “لمجلس النواب حق إحالة الوزراء إلى النيابة العامة مع إبداء الأسباب المبررة لذلك ولا يصدر قرار الإحالة إلا باغلبية الأعضاء الذين يتألف منهم مجلس النواب”، فإن لنا ان نتساءل عما إذا كان قرار الإحالة وفقاً لمنطوق المادة 56 (معدلة) من الدستور يتضمن أو يمكن أن يفسر بانه يتضمن جمع الأدلة والتحقيق، أم لا. بمعنىً آخر، هل إلغاء صلاحية مجلس النواب في اتهام الوزراء يستتبع ضمناً إلغاء صلاحيته في جمع الأدلة (بما في ذلك البينات الخطية والبينات الشخصية المتمثلة بسماع الشهود) والتحقيق (المتضمن جمع الأدلة وسماع إفادة المشتكى عليه) وبحيث تكون صلاحية المجلس في هذا الخصوص قاصرة على التدقيق في أوراق الملف المعروض عليه ومن ثم إصدار قرار الإحالة إلى النيابة العامة دون ان يتجاوز ذلك؟.

إن مجلس النواب بموجب المادة 56 (الملغاة) من الدستور، كان يقوم بدور النيابة العامة ويمارس صلاحياتها كاستثناء على الأصل الذي اناط صلاحية التحقيق والإتهام بالنيابة العامة التي هي جزء لا يتجزأ من السلطة القضائية التي تمارس بموجب المادة (102) من الدستور من خلال المحاكم النظامية “حق القضاء على جميع الأشخاص في المواد المدنية والجزائية بما في ذلك الدعاوى التي تقيمها الحكومة أو تقام عليها باستثناء المواد التي قد يفوض فيها حق القضاء إلى محاكم دينية أو محاكم خاصة بموجب احكام هذا الدستور او أي تشريع آخر نافذ المفعول”.
وحيث الغيت المادة 56 (الأصلية) من الدستور واستعيض عنها بنص المادة 56 (معدلة) ولم يعد لمجلس النواب صلاحية اتهام الوزراء وتأييد هذا الإتهام وإحالتهم إلى المجلس العالي (الذي هو بدوره لم يعد مختصاً بمحاكمة الوزراء) بل وأكثر من ذلك فإن قانون محاكمة الوزراء رقم 35 لسنة 1952 قد فقد سنده الدستوري نتيجة إلغاء المادة (58) من الدستور؛ وحيث ان النيابة العامة غير ملزمة باعتماد التحقيقات التي تجريها اللجان النيابية في المخالفات والجرائم المنسوبة إلى الوزراء، بل أنه لا يجوز للنيابة العامة ان تعتمد هذه التحقيقات لإصدار قرار الإتهام، وإنما عليها أن تجري تحقيقاتها وفقاً للأصول القانونية المرعية؛ وحيث ان أعضاء لجان التحقيق النيابية لا يتمتعون بصفة الضابطة العدلية وان المجلس لا يملك صلاحية الطلب من النيابة العامة إيقاع الحجز على أموال أي مشتبه به او منعه من السفر او توقيفه، فإن ما يجري في لجان التحقيق النيابية بالشكل الذي نشاهده ونسمعه يستحق وقفة فاحصة للتأكد من دستوريته وذلك حفظاً لوقت مجلس النواب الذي ينوء بعبء الواجبات التشريعية وحرصاً على سلامة الإجراءات المتبعة حماية للمصلحة العامة وتحقيقاً للنفع العام. إن لنا في هذا الأمر رأي، غير ان الرأي الفاصل هو للمجلس العالي لتفسير الدستور.

لمزيد من المعلومات تفضل للتواصل مع محامي متواجد الان

تكلم هذا المقال عن : مقال قيم عن الصلاحيات القانونية لاجراءات التحقيق النيابية