مقال قانوني مميز بعنوان المحاماة و أفاق القانون في المستقبل

 

 

المحاماة وافاق القانون في المستقبل

المحاماة مهنة الدفاع عن الحق ووجودها ضرورة عدلية في ظل هذا العصر التقاني المتعولم حيث الحاجة أصبحت ملحة إلى من يقدم العون القانوني للمحكمة بما يمكّن القاضي من استبيان الحقيقة ومن ثمّ إصدار حكم غير مشوبٍ بعيب. كما أن المحامي يقدم المشورة والنصح القانوني ويقوم بصياغة العقود والاتفاقات وتوثيقها والمشاركة عند إعداد مقترحات القوانين واللوائح التنظيمية ويتقدم بالطعون في الأحكام المعيبة.

الأصل أن المحامي لا يقبل الدفاع إلا عن الحق, وهنا تستبين سمات الخُلق الكريم حيث تقوى حياة الضمير قبل مسألة العلم والفقه والمعرفة .

ظلت الحياة منذ عقود مضت تعج بالنشاطات التجارية والصناعية والزراعية والاجتماعية وغيرها من أحوال الحياة المختلفة بالنسبة إلى الأشخاص الطبيعية والمعنوية, ومع تطور أساليب هذه المناشط المتعددة تتطور الأنظمة والقوانين وفقاً للتطور التكنولوجي والتقنية العالية في كل أوجه الحياة المعاصرة, وتبع هذا التطور الهائل كثير من التعقيدات في علاقات العمل والتعامل, ما حتّم وجود نظام يساعد على التغلب على تلك التعقيدات ومعاونة الأجهزة العدلية الأخرى المنوط بها تطبيق النظام وأحكامه بما يُحقق العدل، ومن هنا تبرز أهمية المحاماة كمهنة رفيعة تتطلب قدراً كبيراً من المسؤولية لكونها مهنة الدفاع عن الحق. بحسبان أنّ كل خصومة تنطوي على حق أو باطل أو بعض من أيهما متى ما أثير النزاع أمام القضاء, حيث تكون مهمة المحكمة الاستماع إلى بينات وأدلة طرفي النزاع فتقضي بينهما وفقاً لما يقدمه كل منهما من أدلة،

ولما كان الأمر يتطلب الدقة من حيث تصنيف المستندات والأدلة والبراهين وتقديم الشهود, وحيث إن وضع القاضي يحتم عليه الحياد فليس له أن يقوم بهذا الدور(جلب البينات) حتى لا يفقد حيدته حفاظاً على أهم ركن من أركان توليه القضاء (الحياد), وحيث إن المعاملات والعلاقات تعقدت بتطور وسائل وأساليب الحياة, تعقدت أيضاً تبعاً لذلك النزاعات وبرزت حاجة الأفراد والمؤسسات إلى الاستعانة بمن لهم الدراية والمعرفة بوسائل الدفاع عن الحق، وهذه مسألة لم تعد تنحصر في شهادة الشهود التي لم تعد كما بالأمس مطمئنة حتى يؤخذ بها مستقلة عن البينات الظرفية غير المباشرة التي تحيط بالنزاع، وأن تحديد البينات المطلوبة وعرض المستندات أمام المحكمة لم يعد بالأمر السهل إذ لا يمكن للمتخاصمين العاديين القيام به على الوجه المطلوب دون الاستعانة بمتخصص حاذق لهذا المجال، ومن هنا تبرز أهمية وجود المحامي حتى يتسنى تقديم القضية أمام المحكمة بصورة متكاملة وواضحة جلية تمكّن القاضي من الإحاطة بالحقائق فيقضي في الدعوى التي أمامه مطمئنا دون أن يساوره شك .

إنّ تداخل المصالح وتنوع النزاعات أفرزا تعقيدات صعبة نشأت بسبب التطور الهائل في وسائل العلم والمعرفة فتطورت تبعاً لذلك أيضاً وسائل وأساليب التعدي على الحقوق حيث أصبح من اليسير سرقة أو إتلاف حق الآخرين دون أن يبرح الجاني مكانه كفعل السرقة أو الإتلاف الإلكتروني الذي يصل حد التدمير الكامل لمواقع الإنترنِت عبر الفضاء الذي اتسع مزدحماً بالكثير المثير، فضلاً عن ذلك فإنّ الأنظمة والقوانين واللوائح والاتفاقيات الدولية في عصرنا هذا على كثرتها أصبحت في تطور وتغيّر مستمر لا تتوافر أسباب الإحاطة به إلا لخبير متخصص متفرغٌ للمتابعة والمدارسة المستمرة لهذا المجال الرحب, ومن هنا تبرز أهمية وجود أشخاص قانونيين ذوي علمٍ وثقافة وحس قانوني رفيع متولد من وجدان سليم يمكنهم من فهم النظام ومعرفة تطبيقاته بما يمكن من تقديم النصح والمشورة انتصاراً للحق وترسيخاً لمفاهيم العدالة السامية. إنّ مهنة المحاماة من أعرق المهن الراقية في كثير من الدول والمجتمعات التي تمكنت من تطوير أجهزتها العدلية حيث لم يعد المحامي هو ذلك الشخص الذي يدافع عن الحقوق الذاتية للأفراد والأشخاص مقابل مصلحته الذاتية فحسب، بل أصبح له دور الدفاع عن الحقوق العامة ومراقبة تطبيق الأحكام .

لا يزال البعض يظن بمهنة المحاماة كثيرا من الظنون حيث انتشر كثير من الأفكار التي شاعت عن خطأ الفهم بما يتداوله العامة دون دراية بالحقيقة, ومبعث ذلك بعض الثقافات التي ترسخت على خطأ الفهم والجهل بطبيعة الأشياء وأسباب نشأتها، ومهنة المحاماة شأنها شأن المهن الأخرى حيث يسيء البعض التصرف ويخالف أصول مهنته ولا ينبغي أن ينسحب أثر مثل هذا التصرف الفردي على المهنة في ذاتها وأصلها وطبيعتها أو على الملتزمين بأخلاقياتها, وحيث إن كل مهنة تحتاج إلى تنظيم كذلك الحال بالنسبة إلى مهنة المحاماة والمهن العدلية الأخرى كافة حتى يستقر الأمر على نهج قويم وفهم صحيح .

لقد ذهب بعض الذين يتوجسون من مهنة المحاماة إلى دمغها بصفة الشفعة, وهذا فهمٌ خاطئ ومغلوط, ذلك أن صحيح الفهم – المحاماة هي مهنة العون القانوني ومُعينة القضاء على استبيان الحقيقة – وهي تأخذ صفة القضاء الواقف من أجل تثبيت الحق وهي من ضمانات العدالة في الدول الراقية، وليس هناك أرقى من دولة الإسلام وشرعها الحنيف مصدر العدل ومنبع الرحمة حيث الأحكام الدقيقة المنضبطة. وقد سبق الشرع الإسلامي في ذلك جميع النظريات في إرساء دعائم ومبادئ العدالة والأخذ بأسباب الحيطة والحذر حيث لا يُصدر حكمٌ إلا بعد التأكد من توافر الأدلة بشروط دقيقة, وحيث إنّ تلك الشروط محددة فإنها تحتاج إلى عقل محيط بمواد النظام والمبادئ العامة فقهاً وقانوناً بما يمكن من تطبيق صحيح فهم القانون وفقاً للحكمة التي ينشدها المشرع تحقيقاً للعدالة التي يرومها المجتمع فتستقر حياة البشر وتصفو النفوس. وما كان مبدأ الحديث الشريف ( ادرأوا الحدود بالشبهات) إلا سبقا ساميا للمبدأ القائل ( يفسر الشك لمصلحة المتهم ) وإن كثيراً من المبادئ والقواعد الراسخة كمبدأ (الأصل في الأشياء الإباحة) و (الأصل في الأفعال البراءة ما لم يثبت عكس ذلك) – إلا أنها سبقٌ للمبدأ القائل (المتهم بريء حتى تثبُت إدانته) .

إن مهنة المحاماة كغيرها من المهن العدلية الأخرى يتطلب وضعها ضمانات استثنايئة لحمايتها حتى يتسنى للمحامي القيام بمهمته على الوجه الصحيح دون خشية إملاقٍ أو خوف من أن يحيق به ضرر من أحد، وحيث تندرج الحصانة القانونية ضمن المسائل الجوهرية التي لا تقبل الغموض أو التسويف, حيث لا يتوافر للمحامي من دونها الجو المناسب للقيام بدوره كما ينبغي له أن يكون، ذلك قد يعرض المحامي للكيد من قبل خصوم موكليه أو من أي جهة متضررة من قيامه بالدور المنوط به! وغنيٌ عن القول فإنّ الحصانة توفر للمحامي المقدرة على المبادرة أمام المحكمة بما يتسع لإمكانية اختلاف الرأي من أجل استبيان الحقيقة لإحقاق الحق وتدارك الأمر قبل فوات الأوان فتكون مبادرة المحامي خير عونٍ قبل أن تقع المحكمة في الخطأ عند صدور الحكم. ذلك كون الحصانة القانونية تجعل من المحامي والقاضي صنوان هدفهما تحقيق الحق بالدليل والبرهان, إرساء لدعائم العدل الذي ينشده الجميع, وإن الدولة الحريصة على بناء أجهزه عدلية قوية تضمن للعاملين فيها الاطمئنان بتوفير الحصانة الكافية لتحقيق هذا الضمان .يظل نظام المحاماة كغيره من النظم في حاجة إلى التطوير المستمر في هذا العصر المتسارع الخطى كثير التعقيد المليء بالمفارقات المستغرب منها والمستعجب من المسائل العلمية التكنولوجية وما تبع ذلك من إمكانات حاسوبية ذات تقنية عالية ومدهشة بدأت تشكل تعقيداً في المعاملات والعلاقات.

فضلاً عن ذلك التطور الكثيف الحادث في مجال الهندسة الوراثية, حيث تخطى الأمر حاجز المحظور للتلاعب بجينات البشر بما لا يتناسب خُلقاً وأخلاقاً مع آدمية الإنسان وما تبع ذلك من عمليات في التخليق داخل المختبرات العلمية, وهذه مسألةٌ من شأنها خلق نزاعات قد يدخل محل الدعوى فيها حيز الأرحام ويكون موضوعها خلط الأنساب, ومثل هذا الوضع المعقد يحتاج إلى من هو قادر على المواجهة بسلاح العلم والمعارف المختلفة محيط بعلم الحقوق والقانون ذو دراية بشيء من مبادئ علوم الطب والهندسة والتجارة والزراعة والصناعة وسائر علوم المجتمع من علوم إنسانية وإن لم يكن على علمٍ بدقائقها فلا بد له من أن يكون على شيء من الفهم يمكنه من تحديد من هو الشاهد الخبير في المسألة المطروحة أمام المحكمة حتى تصادف شهادة الشاهد الظرف الملائم لتوضيح الحقيقة أمام المحكمة, وبهذا يصادف أيضاً المحامي الظرف الملائم لتقديم الأدلة والبراهين أمام المحكمة حتى يحقق الهدف المرجو (تحقيق العدالة) ، ذلك أن المصالح المرسلة للأفراد والمجتمع والدولة تتجدد الحاجة إلى كفالتها بصورة مستمرة, وحيث إن العلاقات والمعاملات تتطور أيضاً فإن النظم والقوانين تتطور وتتعدد تلبيةً لحاجات المجتمع والأفراد في آنٍ واحد بما يحقق العدالة المنشودة .

ما إن توافرت العدالة إلا وتحققت الرغبات السامية وامتلك العباد ناصية الفرح والسرور لهم وللآخرين, وهذا ما وعد به الرحمن عباده الصالحين ومن صلح عمله وحاله وتفتحت له أبواب الرحمة واتسعت له آفاق المستقبل ذلك أن الأعمال الصالحة لا تتحقق إلا بمكارم الأخلاق صدقاً وأمانة.

اعادة نشر بواسطة محاماة نت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.