قيمة الاعتراف الدستوري بحقوق الإنسان

المؤلف : مها بهجت يونس
الكتاب أو المصدر : مجلة الكوفة للعلوم القانونية والسياسية / العدد الاول / حقوق الانسان وحرياته…
إعادة نشر بواسطة محاماة نت

ان أهمية تقرير حقوق الإنسان وضمانها في ازدياد ملموس على الصعيد الدولي، ولكن معطيات هذه المسيرة لن تعطي أكلها تماماً إلا بضمان تقريرها وضمانها في التشريعات الوطنية وصياغتها في قواعد قانونية داخلية، وخاصة في القواعد القانونية الدستورية، فذلك أكبر ضمانة وأقصر طريق لحماية حقوق الإنسان الطبيعية منها والاجتماعية والاقتصادية. وان التأكيد على ضرورة الاهتمام بحقوق الإنسان على المستوى الداخلي وتقرير الوسائل الكفيلة بضمان تنفيذها لا يعني إهمال الجهود الدولية المبذولة في هذا المجال، بل هو دعوة الى تنسيق الجهود الوطنية والدولية من أجل الوصول الى أكثر النتائج إيجابية لدفع مسيرة الإنسانية الى الامام، فهي ليست مسيرة فرد أو مجتمع بذاته أو أمة معينة بقدر ما هي مسيرة انسان وقضية أمم وهدف منشود كافحت من أجله الشعوب(1).

ان النص على حقوق الإنسان وحرياته الأساسية في صلب الوثيقة الدستورية والتي تحتل قمة التسلسل الهرمي في النظام القانوني للدولة، يعني اعطاء هذه الحقوق قدسية خاصة. كما تعتبر في ذات الوقت وسيلة فعالة لضمان حماية هذه الحقوق. وذلك يرجع الى أن دستور الدولة يبين عادة نظام الحكم فيها، وعلاقة السلطات الثلاث فيما بينها وحقوق الأفراد وواجباتهم. والدولة اذ توضح في دستورها علاقة السلطات العامة ببعضها من ناحية، وعلاقة السلطة بالفرد من ناحية اخرى، انما تحدد في ذات الوقت طبيعة ومدى حرية الافراد وكيفية تقريرها وضمان تنفيذها. وهي نصوص تعتبر في مجملها مرتكزات أساسية تضمن حماية حقوق الإنسان(2) ولقد كان من الطبيعي في ظل الظروف والمستجدات الدولية المتعلقة بموضوعات وقضايا حقوق الإنسان المعاصرة لتوقيت اعداد دستور جمهورية العراق لسنة ٢٠٠٥ ، أن يضع القائمون على إعداد هذا الدستور نصب أعينهم، كافة المبادئ المتعلقة بحقوق الإنسان وحرياته الأساسية وخصوصاً الواردة منها في الإعلانات والمواثيق والإتفاقيات الدولية، وأن يحرصوا على أن تتناولها أحكام الدستور من منظور الرؤية الوطنية العراقية والثوابت التي يؤمن بها الشعب العراقي، وفي إطار من الادراك الكامل بدور العراق على الساحة الدولية وتأكيد احترامه لالتزاماته الدولية والإقليمية.

ويترتب على ٳدراج حقوق الإنسان وحرياته في الدستور العراقي، تمتع هذه الحقوق والحريات وفقا للنظام القانوني العراقي بالميزات والآثار القانونية الآتية :-
ان حقوق الإنسان وحرياته الأساسية المنصوص عليها بالدستور ستتمتع بالثبات والاستقرار الذي تتمتع به عادة النصوص الدستورية والمتمثل في عدم المساس بها الا طبقاً للإجراءات اللازمة دستورياً لتعديل الدستور. وهي إجراءات مطولة تشكل ضمانة في ذاتها وتنتهي بحتمية الرجوع الى الشعب لاستفتائه على التعديل (م ١٢٦ ثانياً) من الدستور، ويكفل ذلك بطبيعة الحال أن المساس بأي من النصوص الدستورية المعنية بحقوق الإنسان وحرياته الأساسية لا يتم الا بموجب استفتاء شعبي وهو ما يجعل سلطة المساس بهذه النصوص بيد الشعب الذي له السيادة وحده والذي هو مصدر جميع السلطات في الدولة.

كما أضفى الدستور العراقي ضمانة اخرى عليها بان منع تعديلها والمساس بها الا بعد دورتين انتخابيتين متعاقبتين (م ١٢٦ ثانياً)، وهو نوع من الحظر الزمني على تعديل الدستور أراد به المشرع الدستوري العراقي أن يضفي قدسية على حقوق الإنسان وحرياته.

ان حقوق الإنسان وحرياته الأساسية لكونها نصوص دستورية، فان ذلك يضعها على قمة الهرم التشريعي وتسمو بذلك في مرتبتها على النصوص التشريعية الأخرى التي تصدر عن السلطة التشريعية أو أي سلطة مختصة أخرى، وهذا هو جوهر السمو الموضوعي للدستور الذي أكدته (م ١٣ ) من الدستور، وبالتالي يتعين على كافة السلطات حينما تقوم بمهامها التشريعية المختصة بها أو مباشرة اختصاصاتها الأخرى أن تلتزم بتلك النصوص الدستورية وتعمل على مقتضاها بما يضمن عدم المساس بتلك النصوص أو مخالفتها بما يؤثر على جوهر الحق أو الحرية من خلال النصوص التشريعية الأدنى مرتبة منها، وهذا ما أكدته (م ٤٦ ) من الدستور حيث نصت ( لا يكون تقييد ممارسة أي من الحقوق والحريات الواردة في هذا الدستور أو تحديدها الا بقانون أو بناء عليه، على أن لا يمس ذلك التحديد والتقييد جوهر الحق أو الحرية).

سيتوفر لحقوق الإنسان وحرياته الأساسية المنصوص عليها بالدستور الحماية القضائية الدستورية من خلال المحكمة الاتحادية العليا التي انشأها الدستور بموجب (م ٩٢ ) والتي تختص بالفصل في دستورية القوانين (م ٩٣ أولاً) بقضاء ملزم لكافة السلطات (م ٩٤ ) وتختص بمقتضى ذلك بالقضاء بعدم دستورية التشريعات المخالفة للنصوص الدستورية المتعلقة بالحقوق والحريات على وجه الخصوص لكونها مشوبة بعيب عدم الدستورية وما يترتب على هذا الحكم من إلغاء التشريع المقضي بعدم دستوريته. انه من خلال التطبيق العملي للأحكام الصادرة عن المحكمة الاتحادية العليا سيتحقق بشكل تدريجي ومنهجي وفعال وبمقتضى أحكام قضائية ملزمة رسوخ واستقرار للبنيان الدستوري وللنظام القانوني بالنسبة لمبادئ حقوق الإنسان وحرياته الأساسية نتيجة تنقية التشريعات القانونية المختلفة والمتعددة في كافة المجالات من كل ما قد تحتويه نصوصها من مخالفة أو مساس أو انتقاص من حقوق الافراد أو حرياتهم، وهو ما يوفر ضمانة قضائية مستقلة وسريعة لكل ذي مصلحة في تعقب النصوص التشريعية المتناثرة التي قد يكون بها مساس بهذه الحقوق وتلك الحريات وحسم مدى دستوريتها بقضاء ملزم لكافة السلطات في الدولة.

انه من خلال تصدي المحكمة الاتحادية العليا للفصل في دستورية القوانين المطعون عليها والمتعلقة بمبادئ حقوق الإنسان ستتمكن في حدود اختصاصها من تفسير الحقوق والحريات المنصوص عليها بالدستور واستخلاص مجالها ومداها وما يتصل بها من حقوق اخرى قد يكون غير منصوص عليها ولكن تحتويها تلك الحقوق والحريات في حدود مضامينها المستقرة دولياً، وذلك بطبيعة الحال من خلال الرؤية الشاملة والمتكاملة للنصوص الدستورية والتي ينبغي فهم مقاصدها في ضوء مراعاة اتساقها مع ايقاع العصر وحقائق التطور، وليس في صورة جامدة تقصرها في مجال زمني محدد(3 ).

ان اختصاص المحكمة الاتحادية العليا بتفسير النصوص الدستورية بموجب (م ٩٣ ثانياً) بقرارات ملزمة (م ٩٤ )، سيضمن أن يتم تفسير النصوص التشريعية المتعلقة بحقوق الانسان وحرياته على هدى من النصوص الدستورية المنظمة لها وذلك وفقاً للاجراءات والقواعد المقررة في هذا الشأن، الأمر الذي يتحقق من خلاله استقرار التطبيقات القضائية لتلك الحقوق والفصل في المنازعات الدائرة حولها من خلال القرارات التفسيرية للنصوص الدستورية التي تصدرها المحكمة الاتحادية العليا وتلزم بتطبيقها الجهات والهيئات القضائية عند ممارستها لاختصاصها.ان حقوق الإنسان وحرياته التي تضمنها الدستور ستحظى بالضمانة الخاصة التي نص عليها الدستور في المادة ( ٢ / أولاً / ب و ج) والتي نصت على انه ” ب- لا يجوز سن قانون يتعارض مع مبادئ الديمقراطية”، ” ج – لا يجوز سن قانون يتعارض مع الحقوق والحريات الاساسية الواردة في هذا الدستور “.

الديمقراطية في أي معنى من معانيها تتطلب الوجود والممارسة الحرة لحقوق الفرد والجماعة التي لا توجد بدونها الديمقراطية حتى لو كانت لها مظاهر خارجية ندركها. وهذه الحقوق الأساسية هي : الحياة والحرية والملكية والتمتع بحماية القانون والمساواة، وعدم التمييز وحرية التعبير والتجمع والوصول الى القضاء والمراجعة القضائية. وكل حق من هذه الحقوق الأساسية ينشئ بدوره حقوقاً جوهرية اخرى. ولكن جميع الحقوق الجوهرية تعتمد في التنفيذ العادل والفعال لها على الحقوق الاجرائية وهذه الحقوق يشتمل عليها الاعلان العالمي لحقوق الانسان، والعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، والعهد الدولي للحقوق والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، والإتفاقيات الدولية والإقليمية التي تتضمن آليات التنفيذ(4) فبموجب الفقرة (ب) لا يجوز سن قانون يتعارض مع مبادئ الديمقراطية، والديمقراطية باعتبارها الوسيلة الفعالة والضامنة لحماية حقوق الانسان وحرياته في دولة القانون.

ثم ورد النص صريحاً ومباشراً في الفقرة (ج) في عدم جواز سن قانون يتعارض مع الحقوق والحريات الأساسية الواردة في هذا الدستور. فلم يكتف المشرع الدستوري العراقي بايراد هذه الحقوق والحريات في صلب الوثيقة الدستورية باعتبارها تحتل قمة الهرم القانوني في الدولة، بل أكد قدسيتها وعلوها وسموها على بقية القوانين في النظام القانوني للدولة وذلك بموجب المادة ( ٢ / أولاً / ب و ج) من الدستور.
_______________
1- انظر د. نعمان الخطیب، النصوص الدستوریة أھم ضمانات حقوق الإنسان، دراسات تطبیقیة عن العالم العربي، المجلد الثالث، دار العلم للملایین، ١٩٨٩ ،ص ١٨٢
2- انظر د. أحمد عبد الوھاب السید، الحمایة الدستوریة لحق الإنسان في قضاء طبیعي، ط ١، مؤسسة بیتر للطباعة، القاھرة، ٢٠٠٣، ص ١٥٨
3- سار المجلس الدستوري في فرنسا بادئ الأمر في الاتجاه الذي یرفض التسلیم بدستوریة حقوق الإنسان ما لم ترد صراحة في نصوص الدستور. الا ان ھذا الاتجاه في التفسیر الضیق لنصوص الدستور لم یدم طویلا، فقد أتجه القضاء الدستوري في كثیر من البلاد ( الولایات المتحدة الأمریكیة، المانیا، اسبانیا، مصر ) الى التوسع في التفسیر بالنسبة الى تحدید الحقوق والحریات. وقد ذھبت بعض الدساتیر الى تقنین ھذا التفسیر الواسع عفي تحدید الحقوق والحریات، فنص دستور كل من أسبانیا والبرتغال على مبدأ أن النصوص المتعلقة بالحقوق الأساسیة یجب تفسیرھا وفقا للاعلان العالمي لحقوق الإنسان ، وأضاف الیھا الدستور الأسباني المعاھدات والاتفاقیات الدولیة المتعلقة بحقوق الإنسان.
– انظر د. أحمد فتحي سرور، الحمایة الدستوریة للحقوق والحریات، ط ٢، دار الشروق، القاھرة، ٢٠٠٠ ، ص ص ٦٠-
٦١
4- انظر د. محمود شریف بسیوني، المبادئ الأساسیة للدیمقراطیة، الدیمقراطیة والحریات العامة، المعھد الدولي لحقوق الإنسان ، كلیة الحقوق بجامعة دي بول، ط 5، ٢٠٠٥ ،ص14-15