مقال عن المسؤولية الدولية للمحامي ابراهيم العناني

تعريف المسؤولية الدولية :

• تعريف الفقيه الفرنسي ” Basdevant”

يعرف الفقيه الفرنسي ” Basdevant” : المسؤولية بأنها ” نظام قانوني بمقتضاه تقوم الدولة التي صدر فيها مل غير مشروع وفقا لأحكام القانون الدولي العام بإصلاح الضرر الذي لحق بالدولة التي صدر في مواجهتها العمل غير المشروع “.
من خلال هذا التعريف يتبين لنا أن المسؤولية الدولية هي علاقة قانونية ( بين علاقة قانونية ) بين الدولي فقط و هذا هو مضمون التعريف التقليدي للمسؤولية الدولية و يترتب على هذا التعريف النتائج التالية :
1. لا تقع المسؤولية الدولية إلا على عاتق الدولة .
2. لا تقوم المسؤولية الدولية إلا لمصلحة الدولة ، فالدولة هي وحدها التي لها أن تشكو الضرر استنادا إلى حقها في مراقبة حين تطبيق قواعد القانون الدولي العام ، و هكذا فإن المسؤولية تفترض بأن إدعاء دولة بأن ضرر قد لحقها و تطلب تعويض هذا الضرر الذي قد يرجع إلى عدم احترام دولة أخرى لحقوقها و لا فرق أن يكون الضرر قد أصاب الدولة مباشرة في حقوقها أو قد أصابها عن طريق الاعتداء على حقوق رعاياها الموجودين على إقليم دولة أخرى .

3. لا تثير المسؤولية الدولية إلا الدولة المعنية و هذه نتيجة مترتبة عن النتيجة السابقة بمعنى أن الدولة وحدها هي التي تشكو الضرر الذي أصاب رعاياها في الخارج ، لأن الأضرار التي تصيب الأفراد لا تنشأ عنها مسؤولية دولية مباشرة بين هؤلاء الأفراد و الدولة التي يقيمون على إقليمها بل تكون المسؤولية بين الدولة التي يقيم عليها هؤلاء أو يدخلون في علاقات دولية معها فالفرد لا يستطيع أن يكون طرفا في دعوى المسؤولية الدولية المدنية إلا في حالة واحدة تتعلق بالحماية الدولية لحقوق الإنسان على نحو ما تضمنه الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان بعد الحرب العالمية الثانية (2) حصل تطور قانوني عام على صعيد القانون الدولي من خلال الرأي الاستشاري الذي أصدرته محكمة العذاب الدولية بتاريخ 11 أفريل 1949 المتعلق بحق الأمم المتحدة في تقديم طلب تعويض عن الأضرار التي تصيب موظفيها عند أدائهم لمهامهم في مختلف الدول فقد جاء في ذلك الرأي مايلي “رغم أن الأمم المتحدة ليست دولة أو حكومة فوق الدول إلا ّ أنها بالشخصية الدولية، ولها بهذه الصفة الأهلية اللازمة لحفظ حقوقها عن طريق رفع الدعاوى الدولية على الدول الأعضاء و غير الأعضاء في تلك المنظمة وذلك للحصول على تعويض عن الأضرار التي لحقت بها أو موظفيها، و الأمم المتحدة حين ترفع هذه الدعاوى لا تستطيع القيام بذلك إلا إذا كان أساس دعواها المساس بحق ثابت لها ”
– ما يمكن استخلاصه من الرأي الاستشاري السابق أن الأمم المتحدة و غيرها من المنظمات الدولية الأهلية القانونية التي يمكنها من مزاولة نشاطها و لها بالتالي أن تقاضي الدول لمطالبتها بحقوقها أي أنه يجوز لها رفع دعوى المسؤولية الدولية للمطالبة بحقوقها أن بحقوق موظفيها و بالمقابل تتحمل المنظمات الدولية المسؤولية الدولية إذا أخلت بحقوق الدول أو المنظمات الدولية الأخرى .
و هكذا و تبعا لما سبق فإنه تم هجر المبدأ الذي كان معمول به من قبل و المتمثل في أن المسؤولية الدولية لا تقوم إلا بين الدول فقط .
فالمسؤولية الدولية هي إذا علاقة بين أشخاص القانون الدولي و يترتب على ذلك أنها لا تنطبق على علاقات الدول بالأفراد و كذلك على علاقاتها مع الأشخاص المعنوية الأخرى كالشركات ، فمثل ذلك العلاقات يحكمها القانون الداخلي و لا يمكن الأفراد أن يطالبوا بقواعد المسؤولية الدولية و يجب على الأفراد أو المؤسسات الذين أصابتهم أضرار نتيجة التصرفات غير مشروعة قامت دولة من الدول التجاء للوسائل الداخلية كالقضاء مثلا للحصول على تعويض عن الأضرار التي أصابتهم إلا إذا عجزوا عن الحصول على تعويض من سلطات الدولة المسؤولة فإنه يجوز لدولة المتضررين التدخل لحماية رعاياها عن طريق الحماية الدبلوماسية ـ كما سوف نرى في موضع لاحق ـ.
– و في هذه الحالة تتحول طبيعة النزاع من نزاع داخلي بين الدول و الأفراد إلى نزاع دولي بين الدول.
و قد انتقد بعض الفقهاء حرمان الأفراد من مقاضاة الدول أمام المحاكم الدولية فرغم التسليم بأن الدول تعمل جاهدة من أجل صيانة حقوق رعاياها و لا تترد في رفع دعوى المسؤولية الدولية إذ حصل اعتداء في حق رعاياها نتيجة مخالفة دولة أخرى لأحكام القانون الدولي ، غير أن دولة الشخص المضرور قد تردد في رفع الدعوى نيابة عنه على الدولة المسؤولة على الضرر لاعتبارات سياسية أو أعمال للمجاملة و الحرص على العلاقات الدولية الودية بينهما ، وزيادة على ذلك في حالة قبول الدولة رفع الدعوى نيابة عن رعاياها فإن الاتصالات الدبلوماسية و إجراءات رفع الدعوى تستغرق وقتا طويلا ، لذلك يقترح بعض الفقهاء السماح للأفراد باللجوء إلى محكمة دولية تقام لهذا الغرض .

و تجدر الإشارة في هذا الخصوص إلى ما هو معمول به في نطاق الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان لسنة 1950 خاصة في مجال الضمانات المتعلقة بالحماية الدولية لحقوق الإنسان ،فقد جاء في المادة (295 من الاتفاقية مايلي ” إن اللجنة الأوروبية لحقوق الإنسان يمكن أن يرفع إليها الطعن من جانب كل شخص طبيعي وكل منظمة غير حكومية أو مجموعة من الأفراد ، يدعي انه ضحية لإخلال وقع من جانب أي طرف من أطراف الاتفاقية بالحقوق المعترف بهذا في هذا الاتفاق “.
إضافة لما تقدم ونتيجة للجرائم المروعة التي ارتكبت في الحربين العالميتين وخاصة الثانية (2) فيها ،أصبحت قواعد القانون الدولي تفرض إلتزمات علي الفرد وأصبحت بعض النصوص القانونية تخاطبه وتجعل منه محلا للمسؤولية الدولية لاسيما في مجال الجرائم الدولية وهذا ما نصت عليه لجنة القانون الدولي المكلفة بصياغة المبادئ التي اعترفت بها محكمة “Nuremberg” حيث جاء في حكم المحكمة مايلي :” إن الذين يقترفون الجرائم الدولية هم الأفراد وليست الوحدات المعنوية ولا يمكن كفالة تنفيذ واحترام نصوص القانون إلا بعقاب الأفراد الطبيعيين المرتكبين لهذه الجرائم “.
فعلى أساس مبادئ محكمة “Nuremberg” بالإضافة إلى الجرائم التي نص عليها القانون الدولي كجريمة العدوان و جريمة الحرب والجرائم ضد الإنسانية نشأت المسؤولية الدولية الجنائية .
مما تقدم يتضح أن أطراف المسؤولية الدولية لم يعد مقتصرا على الدول فقط بل المنظمات الدولية وكذلك الأشخاص الطبيعيين في بعض الأحيان كذلك أطراف في المسؤولية الدولية فالدول والمنظمات الدولية تكون أطرافا في المسؤولية الدولية المدنية أما الأفراد فمسؤوليتهم الدولية ذات طبيعة جنائية .
وضمن هذا التطور يعرف الفقه الحديث المسؤولية الدولية على أنها ” الجزء القانوني الذي يرتبه القانون الدولي على عدم احترام احد أشخاص هذا القانون لالتزامات الدولية “.
هذا التعريف يرتب المسؤولية الدولية على كل أشخاص القانون الدولي على نحو ما تقدم ، كما أنه لا يتكلم عن التعويض لأن الحديث عن ذلك يعني أن المسؤولية ذات طبيعة مدنية فقط بل انه تكلم عن الجزء القانوني و هذا المفهوم أشمل حيث يتضمن التعويض و العقوبات الجزائية .

و سوف نتناول تباعا :
– المسؤولية الدولية المدنية .
– المسؤولية الدولية الجنائية .
I. المسؤولية الدولية للدولة :

1. المسؤولية الدولية المباشرة و المسؤولية الدولية غير المباشرة :

تكون المسؤولية الدولية مباشرة إذا كان هنالك تقصير مباشر من الدولة في أداء التزاماتها الدولية ، و المسؤولية المباشرة هي الصورة المادية للمسؤولية الدولية .
و تكون المسؤولية الدولية غير مباشرة عندما تتحمل دولة ما مسؤولية حذف قاعدة من قواعد القانون الدولي من قبل دول أخرى ، هذه الصورة من المسؤولية الدولية تفترض قيام علاقة قانونية بين الدولة التي ارتكبت الفعل غير المشروع و بين الدولة التي تتحمل المسؤولية الدولية عنه و يكون في الحالات التالية :

‌أ) الدولة الفيدرالية:
تثور المسؤولية الدولية غير المباشرة في هذه الحالة عندما ترتكب دولة عضو في الإتحاد الفيدرالي عمل غير مشروع دوليا بسبب ضرر للغير ، و القاعدة المقبولة في الوقت الحاضر هي أن تتحمل الدولة الفيدرالية مسؤولية العمل غير المشروع الذي قامت به الدولة العضو نظرا لأن الدولة الاتحادية هي المعترف بها دوليا كصاحبة الأهلية في الدخول في علاقات دولية مع دول أخرى و ذلك فيما يتعلق بشؤون الدولة التي ارتكبت الفعل ، وعليه فلا يمكن قبول إدعاء الدولة المسؤولة الذي يقضي بأن الفعل الذي ارتكبته الدولة العضو يدخل ضمن اختصاصاتها الخالصة ، كذلك فإن توزيع الاختصاص الداخلي بين الدولة الفيدرالية و الدولة مرتكبة الفعل لا ينفي قيام المسؤولية بطريقة غير مباشرة على الدولة الفيدرالية و هذا ما أعلنته بريطانيا في مؤتمر لاهاي في سنة 1930 الخاص بتدوين قواعد القانون الدولي و هذا تطبيقا لمبدأ سمو القانون الدولي عن القانون الداخلي ، و من الأمثلة التي وقعت في العمل الدولي أشير إلى قضية الأطفال اليابانيين .
و نلخص وقائع هذه القضية أن أطفالا يابانيين طردوا من ” San Francisco” تنفيذا للقرار الذي أصدره مجلس التعليم في ولاية كاليفورنيا في 11 أكتوبر 1906 و الذي فرض على الطلبة الذين هم من أصل آسيوي أن يتعلموا في مدراس خاصة و قد اعتبر ذلك انتهاكا للمادة الأولى من معاهدة التجارة المبرمة بين الدولتين في 22 نوفمبر 1894 المسماة ” Gresham Krino” و قد أثار هذا الإجراء خلافا حادا بين البلديين ، فأكدت الحكومة الاتحادية الأمريكية بأنها لن تسمح بأي تفرقة في المعاملة فاعترضت ولاية كاليفورنيا على تدخل الحكومة الاتحادية في سلطتها الخاصة .
و قد قابلت الحكومة الاتحادية هذا الموقف بضغط شديد بلغ حد التهديد بالتدخل العسكري، الأمر الذي انتهي في الأخير بتسوية المسألة على أساس تغليب أحكام القانون الدولي على أحكام القانون الداخلي.

ب) الدولة الحامية :
تثور مسؤولية الدولة الحامية « L’état protecteur » في كامل الأمور التي تجري داخل إقليم الدولة المحمية و التي لها انعكاسات على صعيد العلاقات الدولية ذلك لأن الاختصاصات الدولية في نظام الحماية الدولي تقوم به الدولة الحامية .

ج) الدولة المنتدبة:
تسأل الدولة المنتدبة مسؤولية غير مباشرة عن الأضرار التي تحصل للدول الغير بالنسبة لكافة الأعمال غير المشروعة التي تحصل على إقليم الدولة الخاضعة للانتداب ، وقد قررت اللجنة الدائمة للانتداب في عصبة الأمم ـ في دورتها 17ـ أن سلطة الانتداب هي وحدها المسؤولة قبل عصمة الأمم عن الإقليم الذي تديره باسمها ، أن أبرز قضية طرحت على القضاء الدولي هي قضية « Mauro matis » التي فصلت فيها المحكمة الدائمة للعدل الدولي بتاريخ 30 أوت 1924 و تتلخص وقائع هذه القضية في أن السيد « Mauro matis » اليوناني الأصل كان قد تحصل على عقد امتياز لإنجاز الشغال العامة في فلسطين ( القدس ويافا ) من طرف الدولة العثمانية أثناء حكمها لفلسطين ، و بعد خضوع فلسطين للانتداب البريطاني قامت بريطانيا بسحب تلك الامتيازات رفعت اليونان قضية ضد بريطانيا على أساس الحماية الدبلوماسية طالبة من المحكمة تقرير إرجاع تلك الامتيازات إلى موطنها ، و قد قررت المحكمة أن على السلطات البريطانية أن تحترم تلك الامتيازات و أن انتهاكها لها يقيم عليها المسؤولية الدولية لأنها هي التي تدبر العلاقات الخارجية للإقليم الخاضع للانتداب في سنة 1927 بعثت اللجنة المكلفة بتدوين أحكام المسؤولية الدولية برئاسة الفقيه « Basdevant » قائمة تتضمن أسئلة تتعلق بأحكام المسؤولية و تلقت الجواب من 23 دولة، و في سنة 1930 عقد مؤتمر لاهاي الخاص بتدوين قواعد القانون الدولي ، غير أن هذا المؤتمر انتهى بالفشل فلم ينجح سوى في تدوين الأحكام الخاصة بالجنسية في حين فشل في تدوين قواعد تحديد البحر الإقليمي و كذلك المسؤولية الدولية و سبب ذلك مرجعه الخلافات الحادة بين مجموعة الدول الأوروبية التي رغبت ـ فيما يتعلق بالمسؤولية الدولية ـ بأكثر قد ممكن من القواعد الحامية للأجانب و بين مجموعة الدول الأخرى و بالخصوص دول أمريكا اللاتينية التي طالبت بقواعد مرنة أكثر مراعاة لمبدأ السيادة و لأوضاعها الداخلية غير المستقرة التي غالبا ما تسبب الضرر للأجانب .
و حاولت الأمم المتحدة إكمال ما بدأه مؤتمر لاهاي و توسيع دائرة أبحاثها لتشمل مجمل نواحي المسؤولية الدولية لاسيما بعد سنة 1963 حيث قدم الأستاذ الإيطالي « Roberto Ago » مقرر لجنة القانون الدولي التابعة للجمعية العامة عدة تقارير في هذا الشأن ، إلا أن الأعمال تكونت استنادا إلى الممارسات الدولية و أحكام المحاكم و قرارات اللجان التحكيمية .

II. أساس المسؤولية الدولية :

اختلف الفقه الدولي في تحديد أساس المسؤولية الدولية و يمكن القول أن هنالك أربعة أسس يقول بهم الفقه الدولي و هي : الخطأ- التعسف في استعمال الحق – و نظرية المخاطر – المسؤولية المطاقة و سوف نتناول ذلك .

‌أ) نظرية الخطأ :
من الثابت ـ تاريخيا ـ أن المسؤولية الدولية كما عرفتها أوروبا في العصور الوسطى كانت مسؤولية جماعية : Responsabilité collective » تقوم على التضامن المفترض بين كافة الأفراد المكونين للجماعية التي وقع الفعل الضار من أحد أعضائها .
ففي هذا العصر كان من شأن وقوع فعل من أحد الأفراد المكونين لجماعة معينة و سبب ضرر لأحد الأفراد المكونين لجماعة أخرى ، أن يصبح جميع الأفراد المكونين للجماعة الأولى في دولته ليحصل منها على ما يعرف باسم خطاب الانتقام « Lettre de represaille » .
و وثيقة خطاب الانتقام هي وثيقة صادرة من السلطات المختصة في دولة الشخص المضرور تخوله الحق في اقتضاء التعويض المتناسب مع ما لحق به من ضرر من أي فرد ينتمي إلى الجماعة الأخرى و التي سببت الضرر ، كذلك للفرد المتضرر أن يطلب العون من سلطات دولية في سبيل الوصول إلى ذلك .
هذه النظرية هي جرمانية الأصل و تقيم المسؤولية على التكافل أو التضامن .
مع ناهية العصر الوسيط و بداية تشكل الدولة الحديثة بدأ التخلي عن المسؤولية الجماعية لصاح المسؤولية الشخصية المبنية على عنصر الخطأ.
و كان أول تطور حديث في هذا المجال هو وضع الأمير فوق الجماعة فما دام الأمير لم يرفض محاكمة الشخص المتسبب في الضرر و ما لم يتضامن معه فإنه لا يمكن ممارسة الانتقام على الجماعة ككل و هذا يعني أن الأمير هو الدولة و بالتالي خطأ الأمير هو خطأ الدولة ، و الأمير لا يمكن اعتباره مسؤولا إلا إذا ارتكب خطأ و هذا الخطأ يتمثل في :
1. أن الأمير لم يمنع بعض التصرفات الضارة بالأجانب فأصبح بذلك شريكا.
2. أن الأمير لم يوقع العقاب على من قاموا بتلك التصرفات و بذلك يكون قد أحاز تصرفهم.
و هكذا ففي صورتها البدائية كانت مسؤولية الأمير هي مسؤولية الدولة بعد ذلك حدث تطورا أخر يتمثل في فصل الدولة عن شخص الأمير أو الملك و أصبحت الدولة مسؤولة عن تصرفات موظفيها الذين يمارسون مهامهم بتفويض من الأمير و الذين يقومون بعملهم وفق التعليمات الصادرة منه .
هذه هي ملامح النظرية كما جاء بها الفقيه « Grotius » و الذي قام ينقلها من القانون المدني إلى القانون الدولي العام .
فمسؤولية الدولة حسب هذه النظرية لا يترتب إلا إذا قامت الدولة بخطأ أضر بغيرها من الدول ، و هاذ يعني أم الواقعة التي تولد المسؤولية الدولية يجب ـ إلى جانب عدم مشروعيتها ـ أن تكون خطأ ، كالإهمال أو الغش أو التقصير ….
فأنصار نظرية الخطأ يرفضون أن تقوم المسؤولية إلا إذا ارتكب المسؤول خطأ أو أسهم فيه على الأقل و يكون ذلك في حدود اختصاصه كما هو مبين في القوانين الداخلية ، غير أنه في حالة ما إذا ارتكب ذلك المسؤول عمل مخالف للقانون الداخلي و القانون الداخلي و أضربه الغير فإن أنصار نظرية لا يرتبون المسؤولية الدولية للدولة .
لقد لاقت نظرية الخطأ انتقادات كبيرة في الفقه الدولي و على رأسهم الفقيه الايطالي « Anzilotte » الذي رفض تأسيس المسؤولية الدولية على خطأ و أكد أن الدولة تكون مسؤولة عن سلوكها الذي يسبب أضرارا و لو لم ترتكب خطأ بمعنى المسؤولية تترتب عن العلاقة بين نشاط الدولة و الفعل الضار .
و يضيف أنزلوتي قائلا أن فكرة الخطأ هي فكرة نفسية و بسيكولوجية ، لا تتناسب مع نظام قانوني أشخاصه كلهم من الأشخاص الاعتباريين ، و إذا كان تطبيق هذه النظرية قد ارتبط تاريخيا ببدء ظهور الدولة بمفهومها التقليدي عندما كان الخلط بينهما و بين الشخص الحاكم .
فقد كان المقصود بخطأ الدولة هو خطأ رئيسها ، غير أن تطبيقها أصبح في الوقت الحالي صعبا بعد أن توضحت التفرقة بين الدولة كشخص معنوي و بين الشخص الطبيعي القائم على رئاستها ، إذ أن من الصعب نسبة الخطأ و هو أمر نفسي إلى شخص معنوي لا نفس له ، زيادة على ذلك فإن نظرية الخطأ منبعها القانون الخاص و لا يمكن تطبيقها كما هي في نطاق القانون الدولي العام .
مهما يكن من أمر فإنه يجب الاعتراف لنطرية الخطأ أنها كانت أساسا لعدة حالات من المسؤولية الدولية نشير منها إلى ما نصت عليه المادة 231 من اتفاقية فرساي 1919 حيث استندت إلى الخطأ لترتيب مسؤولية ألمانيا عن أضرار الحرب العالمية الأولى ، كذلك فإن محاكم التحكيم و القضاء الدولي كثيرا ما تؤسس أحكامها على فكرة الخطأ .

‌ب) نظرية التعسف في استعمال الحق :
إن اصطلاح التعسف في استعمال « Abus de droit » يتضمن بعض القيود على ممارسة الشخص لحقه، و من ناحية مبدئية يمكن القول بأنه يكمن في حظر استعمال الحق بطريقة ينتج عنها ضرر للغير، أو لتحقيق هدف مغاير غير الذي وجد الحق من أجله.
و بدى بعض الفقهاء أن الدولة تسأل عن مباشرتها لحقوقها بطريقة تعسفية كما لو كان ذلك بقصد الأضرار بالدول الأجنبية أو بالأجانب أو كانت الفائدة المطلقة التي نقود عليها من استعمال الحق لا مكن مقارنتها بالأضرار التي تلحق بالغير.
و بالرجوع إلى العمل الدولي سوف نجد الكثير من أحكام المحاكم و القضاء الدولي تستند إلى فكرة التعسف في استعمال الحق لترتيب المسؤولية الدولية ، ونم أبرز هذه القضايا قضية مصنع « Chorzów » بين ألمانيا و بولونيا و تتلخص وقائع هذه القضية في التالي : بعد انهزام ألمانيا في الحرب العالمية الأولى و إبرام اتفاقية فراسي سنة 1919 ، نصت المادة 256 منها على تخلي السلطات الألمانية على الممتلكات و المنشآت الموجودة في إقليم سيليزيا العليا و التي تعود ملكيتها لألمانيا إلى بولونيا .
و بالرغم من أن المعاهدة وقعت في 28 جوان 1919 إلا أنه لم يتم العمل بها بين كل من ألمانيا و بولونيا إلا في تاريخ 10 فيفري 1920 ، و في الفترة الواقعة بين التوقيع و التنفيذ للمعاهدة ، فقد أنشأت ألمانيا شركة خاصة هي مصنع « Chorzów » في سيليزيا العليا و هو الجزء المتخلي عنه لبولونيا و قامت ببيعه .
و في سنة 1921 قامت بولونيا بمصادرة المصنع و عدد آخر من الممتلكات تعود ملكيتها إلى الرعايا الألمان معتقدة أن البيع باطل.
و قد طلبت ألمانيا من المحكمة الدائمة للعدل الدولي أن تبين مدى موافقة الإجراءات البولونية معاهدة فرساي ، و أن تبين ما إذا كانت المادة 256 منها تحول دون تصرف ألمانيا في ممتلكاتها الموجودة في سيليزيا العليا و ذلك في الفترة الواقعة ما بين التوقيع و التنفيذ .
و قد أوضحت المحكمة الدائمة للعدل الدولي في حكمها الصادر بتاريخ 26 جويلية 1927 المبدأ التالي :” أن مما لا شك فيه أن لألمانيا الحق في أن تتصرف في ممتلكاتها و حقوقها حتى تحين فترة الانتقال الحقيقية للسيادة و أنه فقط في حالة التعسف في استعمالها لهذا الحق يمكن أن يكون التصرف في نقل الملكية أو تحويلها من شخص إلى آخر أن يكتسب صفة المخالفة للمعاهدة “.
و استخلصت المحكمة بعد ذلك مايلي :” إن التعسف في استعمال الحق لم يكن موجودا ، أما بالنسبة للتصرف الذي نحن بصدده فإنه لم يتجاوز حدود الإدارة العادية للملكية و لم يكن مقصودا منه إحداث نتائج أو أضرار غير مشروعة لأحد الأطراف المعنيين أو حرمانه من ميزة كانت محولة له “.
و عليه فإن الذي يمكن استخلاصه من هذه القضية أن المحكمة لا تتردد في اعتبار أية دولة مسؤولة عن التعسف في استعمالها حقها إذا توفرت الظروف التي تبرر ذلك .
يمكن الإشارة كذلك إلى الحكم الصادر عن محكمة تحكيم أنشأت باتفاق بين بريطانيا و الولايات المتحدة الخاص بقضية الصيد في بحر بهرينغ « La mer Behring » سنة 1921 فقد جاء في الحكم العبارة التالية ” إن استعمال الحق بسوء نية يترتب عليه نشوء المسؤولية ” .

‌ج) نظرية المخاطر أو النظرية الموضوعية :
لقد نادى بهذه النظرية زعماء المدرسة الإرادية الايطالية « Anzilotti » و « Cavaglieri » و عندهما أن المسؤولية الدولية تبنى على مجرد علاقة السببية التي تقوم بين نشاط الدولة و بين الفعل المخالف للقانون الدولي ، فهي مسؤولية ذات سمة موضوعية و تستند إلى فكرة الضمان .
أن النظرية الموضوعية لها مزايا عديدة فهي أكثر ملائمة للأساس الحقيقي للمسؤولية الدولية الذي هو تأمين للعلاقات بين الدول بشكل ودي ذلك التأمين الذي يبدو خيالا لو أن الدولة كانت تستطيع أن تتحلل من المسؤولية عن أفعال يرتكبها موظفوها لمجرد الإدعاء أنها تمثل خطأ طبقا لقانونها الداخلي و هو القانون الذي يمكن أن تعدل فيه حسب مصالحها ، كذلك فإن هذه النظرية هي القادرة على أن تفسر مسؤولية الدولة عن أعمال موظفيها غير المختصين .
أن النقد الذي وجه إلى هذه النظرية قد غالت في ضمان تأمين مطاق للشخص المضرور و تتجاوز ما يسير عليه العمل الدولي الذي لا يزال مرتبط كثيرا بفكرة الخطأ.
و من أهم الأحكام التي تأسست على فكرة المخاطر أو تحمل المتبعة قضية السفينة الفرنسية « Le Phone » و تتلخص وقائعها أن سلطات دولة نيكاراغوا صادرت صناديق من الأسلحة على السفينة الفرنسية « Le Phone » حشية أن تقع الأسلحة في يد الثوار فاحتج قبطان السفينة و طلب تدخل حكومته ، و اتفقت الحكومتان على أن تقوم محكمة النقض الفرنسية بدور المحكم بينهما ، و قد انتهت محكمة النقض الفرنسية في حكمها الصادر في 29 جويلية 1880 إلى تقرير مشروعية تصرف محكمة نيكاراغوا و اعتبرته من قبيل الدفاع الشرعي لكنها على الرغم من ذلك اعتبرتها مسؤولة عن الضرر الذي أصاب السفينة و قبطانها و حكمت عليها بالتعويض .
هناك مثل آخر تيعاق بحكم التحكيم الصادر في 7 جوان 1929 في قضية إعدام أحد المواطنين الفرنسيين من قبل بعض أفراد القوات المكسيكية المتمردة فقد طلب الحكم من الحكومة المكسيكية تعويض هذا الضرر على الرغم أن الإعدام حصل على أيدي جنود متمردين و خارج الخدمة و لم يتلقوا الأوامر من قيادتهم الشرعية المفروض إتباعها .

‌د) المسؤولية المطلقة :
تسال الدولة في نطاق القانون الدولي مسؤولية مجردة من الخطأ في الحول التي تمارس فيها نشاطا يتسم بطابع الخطر غير المألوف ، إذ أن عليها أن تتحمل في هذه الحالة المخاطر التي تنجم عن هذا النشاط المتسم بالخطورة الشديدة ، و لقد طبقت هذه النظرية في اتفاقية رومانسة 1952 المتعلقة بالمسؤولية عن الأضرار التي تصيب الغير على سطح الأرض من الطائرات التي تحلق في الجو ، نشير كذلك إلى اتفاقية بروكسل لسنة1962 الخاصة بالمسؤولية عن الأضرار التي تحصل من السفن النووية كذلك هو الأمر بالنسبة للاتفاقية ڤينا لسنة 1963 الخاصة بالمسؤولية عن الضرار النووية و تأكد هذا كذلك في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لسنة 1982 ، يمكن الإشارة كذلك إلى اتفاقية المسؤولية عن الأضرار التي تحدثها الأجهزة الفضائية التي وافقت عليها الجمعية العامة للأمم المتحدة في 29 نوفمبر 1970 .
و هنالك من الفقهاء من بدمج هذه النظرية ضمن النظرية المتعلقة بالمخاطر أو النظرية الموضوعية غير أن هذه النظرية أكثر تحديدا مرتبطة بالأساس بالتقدم العلمي و التطور في حين أن النظرية الأولى هي أكثر شمولا حيث يتم تطبيقها حتى في غير هذه الحالات .
* إن الخلاصة التي يمكن أن ننتهي إليها بعد استعراضنا لمختلف النظريات أنه لا يمكن تفضيل إحدى النظريات على الأخرى لأن لكل أساس مجال تطبيق مختلف عن الآخر.
مهما يكن من أمر فإن القضاء الدولي في الوقت الحالي يرتب المسؤولية الدولية ـ كما يقرر الفقيه الفرنسي شارل روسو ـ على شرطين : الأول يتمثل في إسناد العمل الضار إلى ش.ق.د ( سواء كان العمل ايجابيا أو سلبيا ) مثل قيام أجهزة الدولية أو أفرادها بعمل أو الامتناع عن عمل . الثاني: أن يكون ذلك العمل غير مشروع من وجهة نظر القانون الدولي حتى و إن كان كمشروع من وجهة نظر القانون الداخلي.
و العمل غير المشروع يكون عندما يتم خرق قاعدة من قواعد القانون الدولي العام.

II. عناصر المسؤولية الدولية :

تتمثل عناصر المسؤولية الدولية في : الضرر ، إسناد العمل غير المشروع ، و الرابطة السببية بين الضرر و العمل غير المشروع .

1. الضرر:
رأينا عندما تعرضنا لأساس المسؤولية أنها تستوجب وقوع الفعل غير المشروع أي المخالف للقواعد القانونية الدولية ، غير أن مجرد وقوع العمل غير المشروع لا يكفي لإثارة المسؤولية الدولية ، ذلك أن المسؤولية الدولية كقاعدة عامة من طبيعية تعويضية ـ باستثناء حالات المسؤولية الجنائية ـ و أن القانون الدولي لا يعرف إلغاء القواعد و الأفعال كجزاء لمخالفتها المبادئ القانونية و الالتزامات الدولية ، و التعويض يفترض منطقيا وقوع الضرر بالشخص المطالب به ، لقد تأكد هذا في حكم محكمة التحكيم الذي أصدرته في النزاع الذي حصل بين تركيا و إيطاليا و تتلخص وقائع القصة أن دورية تركية قامت بالقبض على سفينة إيطالية و فتشتها و قد اعترفت تركيا بعدم مشروعية الإجراء و عاقبت قائد الدورية ، غير أن إيطاليا لم تقتنع بذلك و طالبت بمبلغ 500.000 فرنك فرنسي كتعويض مستحق للشركة البحرية إلا أن محكمة التحكيم رفضت الحكم بالتعويض على أساس أن الشركة لم يلحق بها ضرر.
كما أن معهد القانون الدولي في دورته المنعقدة بلوزان سنة 1927 أكد على ذلك في قراره الذي جاء فيه :”الدولة مسؤولة عن الأضرار التي تسببها للأجانب نتيجة كل فعل أو امتناع مخالف لالتزاماتها الدولية مهما كانت السلطة سواء كانت السلطة التأسيسية ، التشريعية ، التنفيذية ، القضائية ”
كما أن اللجنة الثالثة ـ لمؤتمر لاهاي المنعقد سنة 1930 الخاص بتدوين قواعد القانون الدولي ـ الخاصة بقواعد المسؤولية الدولية قدمت تقريرها للمؤتمر و مما جاء فيه :” كل إخلال بالتزامات دولية من طرف الدولة بسبب أجهزتها ( التشريعية ، التنفيذية ، القضائية ) و الذي يسبب أضرارا للشخص الأجنبي أ لأمواله داخل إقليم الدولة تترتب عليه المسؤولية الدولية .
و الضرر نوعان : الأول تتعرض له الدولة بالذات و الثاني يتعرض له الأشخاص الطبيعيين ( الأفراد ) أو الاعتبارين (الشركات مثلا).
و الضرر الذي تتعرض له الدولة نوعان كذلك:

أ‌) ضرر مادي:
و يتعلق بتلك الأضرار التي تتعرض لها أملاك الدولة بشكل مباشر كتدمير باخرة بحرية من أسطولها أو حجز طائرة أو الاستيلاء غير المشروع على مبني سفارة ، و من أمثلة الأضرار المادية ما طلبته بريطانيا سنة 1949 في إطار قضية مضيق كورفو من ألبانيا تعويضها الخسائر التي تعرضت لها سفنها و بحارتها من جراء انفجار مجموعة من الألغام الموضوعة في مضيق كورفو أي في المياه الإقليمية لدولة ألبانيا .

ب‌) ضرر معنوي:
و تتعلق بتلك الأضرار التي تصيب الشخص الدولي في شرفه مثالها إهانة ممثل دبلوماسي لدولة أجنبية أو القيام بعمل ما من شأنه الإساءة إلى الدولة التي صدر في مواجهتها العمل ، و مثال الضرر المعنوي ما تقدمت به دولة ألبانيا في نفس قضية مضيق كورفو لسنة 1949 من أن بريطانيا قامت بتنظيف المضيق من الألغام دون أن تطلب إذن من السلطات الألبانية رغم أن المضيق يقع في المياه الإقليمية لألبانيا ، و بالفعل فقد اعتبرت محكمة العدل الدولية أن ما قاممت به بريطانيا يعتبر مساسا بالسيادة الألبانية .
و في نفس الوقت اعتبرت المحكمة أن الإعلان الصريح لبريطانيا بأنها بعملها هذا قد انتهكت قواعد القانون الدولي يعتبر تعويضا كافيا لألبانيا ، وهذا يعني أنه إذا كانت الأضرار المادية تعالج عن طريق دفع تعويض مادي فإن الأضرار المعنوية تعالج عامة عن طريق الترضية و تقديم الاعتذارات.
أما الأضرار التي يتعرض لها الأشخاص ( طبيعيون أو معنيون ) الذي يحيلون جنسية الدولة هي حسب قاعدة الحماية الدبلوماسية أضرارا غير مباشرة للدولة نفسها .
و قد جاء في قرار لجنة التحكيم الأمريكية ـ المكسيكية لسنة1931 ما يلي:” أن الضرر الذي يحصل لفرد يحمل جنسية الدولة الطالبة يشكل عملا غير مشروع على النطاق الدولي لأنه يدل على إساءة للدولة التي يتبع لها الفرد المتضرر “.
و يشترط في الضرر الشروط التالية :
1) يجب أن يكون الضرر أكيدا، أي أن يكون قد حدث فعلا و ليس مجرد احتمال يمكن أن يحدث أو لا يحدث مستقبلا.
2) يجب أن يكون الضرر ثابتا لا عارضا و هكذا حكمت إحدى اللجان التحكيمية بالتعويض عن أضرار نجمت بتأثير دخان أحد المناجم بين الولايات المتحدة و كندا لسنة 1931 و هذا الأن الضرر ثابت و لو كان عارضا بأن حملت الدخان ريح عاصفة لمدة واحدة لما كان هناك مجال للتعويض .
3) يجب أن لايكون الضرر قد تم التعويض عنه ، لأنه لا يجوز التعويض عن ضرر واحد مرتين من قبل نفس الدولة ، و بهذا حكمت المحكمة الدائمة للعدل الدولي في قضية مصنع « Chorzów » سنة 1927.
4) يجب أن يصيب الضرر على حق و ليس على مجرد مصلحة ، و هكذا تقبل الدعوى من ورثة تعرض مورثهم لضرر على المستوى الدولي و لكن لا تقبل الدعوى من ادئني شركة تعرضت لمثل هذا الضرر بإستثناء حالة ما إذا كانت هناك إتفاقية تجعل من مجرد المصالح حقوقا محمية فتقبل عند ذلك الحماية الدبلوماسية و مبدأ التعويض عن المصلحة المتضررة .

2. إسناد العمل غير المشروع :
لكى تترتب المسؤولية الدولية لابد من إسناد « Imputabilité » العمل غير المشروع الذي يسبب الضرر إلى الدولة أو أي شخص من أشخاص القانون الدولي العام ، وهذا يعني أن لقيام المسؤولية الدولية يتعين على المدعى أن يدلل أن الضرر الذي تعرض له هو بالتاكيد من فعل المدعى عليه .
و بالنسبة للدولة فإن العمل غير المشروع الذي تسأل عنه هو كل التصرفات التي تقوم بها أجهزة الدولة ( تشريعية ، تنفيذية ، قضائية ) و المخالفة لقواعد القانون الدولي و التي تسبب أضرارا للأجانب ، و تسأل كذلك عن تصرفات الأفراد العاديين التي تلحق أضرارا بالأجانب إذ لم تتخذ الدولة الإجراءات اللازمة لمنع ذلك أو معاقبة من قام بذلك على نحو سوف نتناوله لاحقا .
فالمعول عليه إذن ، هو أن يكون هنالك عمل غير مشروع منسوب إلى الدولة باعتبارها من أشخاص القانون الدولي ، لايهم ذلك البحث عن تحديد من ارتكب العمل الذي أدى إلى الإخلال بالالتزامات الدولية للدولة .
و حتى تثار المسؤولية الدولية لا بد أن يستنفذ المضرور جميع طرق الطعن المفتوحة له طبقا للقانون الداخلي فإذا استنفذ ذلك دون الحصول على حقه يمكن اللجوء إلى دولة طالبا تدخلها لحمايته بالطرق الدبلوماسية أو عن طريق دفع دعوى المسؤولية الدولية أمام المحاكم الدولية ، في هذه الحالة يمكن القول أننا حقيقة بصدد عمل منسوب إلى الدولة بوصفها شخصا من أشخاص القانون الدولي و يمكن القول أيضا أن هناك مسؤولية دولية .
و العمل غير المشروع المنسوب إلى الدولة قد يكون نتيجة القيام بعمل كمصادرة أملاك الأجانب بطريقة غير شرعية، و قد يكون نتيجة عدم القيام بعمل كان من الواجب القيام به حسب قواعد القانون الدولي أو تطبيقا لالتزاماتها الدولية مثاله عدم حماية الأجنبي المهدد في حياته أو في أمواله و الموجود على إقليم الدولة أو عدم منع إقامة مراكز تدريب المرتزقة « Mercenaires » على إقليمها .

3. العلاقة السببية بين العمل غير المشروع و الضرر :
أن الشرط الثالث لقيام المسؤولية الدولية هو علاقة السببية « Le lien de causalité » بمعنى أن يكون الضرر متولدا مباشرة عن العمل غير المشروع الذي قامت به الدولة ، و قد توجد هناك بعض الأضرار غير المباشرة التي يمكن الإدعاء أنها حصلت كنتيجة بعيدة لاحقة للعمل غير المشروع ، هذه الأضرار لا يؤخذ بها في القانون الدولي بمعنى لا توجب التعويض من طرف الدولة كما هو الحال بالنسبة للأضرار المباشرة و الفورية لوقوع التصرف المخالف لقواعد القانون الدولي .
و هذا ما أكدته محكمة التحكيم في قضية سفينة الالاباما بين بريطانيا و الولايات المتحدة و التي حكمت فيها المحكمة سنة 1872 ، فقد طالبت الولايات المتحدة تعويضها ليس فقط على أحدثته سفينة الالاباما مباشرة من خسائر مادية في الأملاك و الأرواح بتحطيمها للمرافئ الشمالية و إحراقها سفن السلطات الفيدرالية بل طالبت زيادة على ذلك تعويض الأضرار الناتجة عن إطالة الحرب الناشئة عن تدخل السفن المسلحة في بريطانيا و منها الالاباما لصالح الجنوبيين و كذلك ارتفاع في أسعار الشخص نظرا لما شكله تصرف السفن الجنوبية الانفصالية من تهديد لسلامة السفن التجارية المتوجهة نحو الولايات المتحدة.
غير أن الحكومة البريطانية رفضت ذلك و وافقتها المحكمة في ذلك حيث اتفقا على إصدار تصريح سابق لإصدار الحكم مفاده أن المحكمة لن تأخذ في اعتبارها الأضرار غير المباشرة .

III. تطبيقات المسؤولية الدولية :

تترتب المسؤولية الدولية الدولية للدولة بسبب تصرفات أجهزتها ( الجهاز التشريعي، الجهاز التنفيذي، الجهاز القضائي )، كما تترتب المسؤولية كذلك بسبب أعمال الأفراد العاديين و أعمال الثوار أو ما يسمى بالحرب الأهلية، و سوف نتناول ذلك على النحو التالي:

1. المسؤولية الدولية للدولة بسبب تصرفات أجهزتها المختصة :
التصرفات و الأعمال التي تقوم بها الأجهزة المختصة في دولة تنسب وفقا لأحكام القانون الدولي إلى الدولة نفسها ، فإذا كانت هذه التصرفات أو الأعمال مخالفة لالتزامات الدولة إزاء الدول الأخرى تحملت الدولة تبعة ذلك و ذلك بغض النظر عما يقرره القانون الداخلي في شأن تلك التصرفات ، و أجهزة الدولة هي الجهاز التشريعي و التنفيذي و القضائي ، و سوف ندرس تباعا التصرفات التي تقوم بها هذه الأجهزة و التي ترتب المسؤولية الدولية .

‌أ) المسؤولية الدولية للدولة بسبب أعمال و تصرفات جهازها التشريعي
للدولة بمقتضى سيادتها كل الحرية في أن تصدر ما تشاء من التشريعات ، إنما عليها في نفس الوقت أن تراعي عدم تعارض هذه التشريعات مع قواعد القانون الدولي العام ، فإذا لم تقم الدولة بمراعاة ذلك كانت مسؤولة دوليا على كل ما يترتب عن تنفيذ تلك التشريعات من مساس بحقوق الدول الأخرى أو برعاياها .
و على ذلك يمكن القول بأن القانون الذي تصدره السلطة التشريعية للدولة و الذي تقضي أحكامه بحرمان الجانب المقيمين في الدولة من التمتع بحق من الحقوق التي لتزمت الدولة اتجاه دولة أو دول أخرى بمنحه للأجانب المقيمين فيها أو بالمحافظة على تمتعهم به يعد عملا غير مشروع طبقا للقانون الدولي يترتب عليه المسؤولية الدولية للدولة و من ثم التعويض عن هذا التصرف ، وقد يكون التعويض هو إلغاء هذا القانون ، كذلك هو الأمر لو أصدرت السلطة التشريعية قانونا يقضي بنزع ملكية الجانب دون منحه من تعويضات عن ذلك .
لقد تأكد هذا في حكم المحكمة الدائمة للتحكيم بتاريخ 14 سبتمبر 1922 الخاص بنزع ممتلكات الهيئات الدينية الأجنبية ( بريطانية ،اسبانية ، فرنسية ) الموجودة في البرتغال من قبل الحكومة البرتغالية دون تعويض عن ذلك .
كما تأكد هذا في الحكم الذي أصدرته محكمة العدل الدولية سنة 1952 في قضية الشركة الأنجلو ـ إيرانية ـ و تتخلص وقائع هذه القضية أنه في سنة 1933أبرمت الحكومة الإيرانية عقد مع الشركة الأنجلو ، إيرانية تضمن منح هذه الأخيرة عدة امتيازات في التنقيب عن البترول و استغلاله ، و كانت الحكومة البريطانية من أكبر المساهمين في هذه الشركة ، و في سنة 1951 أصدر المجلس النيابي الإيراني قانونا يقضي بتأميم النفط الإيراني و بموجب هذا القانون أممت صناعة النفط في البلاد اعترضت الحكومة البريطانية و الشركة على شرعية هذا القانون بحجة أنه يخل بالالتزامات التي على عاتق الحكومة الإيرانية طبقا للعقد المبرم سنة 1933.
و رفعت القضية إلى محكمة العدل الدولية سنة 1951 و أصدرت المحكمة في شأنها حكما سنة 1952 جاء فيه ” أن التأميم حق لكل دولة ذات سيادة و أنه ينظم بقانون داخلي ،و لا يتدخل القانون الدولي فيه إلا من حيث أن يكون لرؤوس أموال أجنبية حيث يتعين أن يكون هناك تعويض عادل و كاف و سريع “.
و مما جاء في الرأي المستقل للقاضي « Lery carnéro » في نفس القضية : ” أن القوانين الخاصة بالتأمين ، و إن كانت في بعض الحيان لا تثير عناية القانون الدولي ، إلا أن القانون الدولي يعني بأمرها في نطاق المسؤولية الدولية عن الأعمال التي تصدر عن المسؤولية التشريعية و التي تستوجب دفع التعويض العادل عن رأس المال الأجنبي الذي تم تأميمه ، وهذا التعويض يعد ضرورة تحكمها قواعد القانون الدولي التي تنظم التعاون الدولي في الميدان الاقتصادي و الميدان المالي ” ، و ما تجدر ملاحظته هنا أن مسؤولية الدولة في مثل هذه الحالات لا تتركب على مجرد صدور التشريع ، و إنما على تنفيذي و وقوع الضرر نتيجة هذا التنفيذ.
و كما تسأل الدولة نتيجة إصدار تشريع مخالف لأحكام القانون الدولي فأنها تسأل كذلك إذا تراخت أو امتنعت عن إصدار قانون تقضية ضرورة قيامها بواجباتها الدولية ، إذا كان تطبيق الدولة لالتزاماتها الدولية يستلزم إصدار تشريع لذلك .
إن المثل التقليدي عن ذلك يتعلق بقضية الالاباما « Alabama » بين الولايات المتحدة و بريطانيا و التي فصل فيها أمام محكمة تحكيم عقدت بجنيف سنة 1872 .
تتلخص وقائع القضية أنه أثناء الحرب الأهلية الأمريكية التي قامت بين ولايات الشمال و ولايات الجنوب سنة 1865، سمحت بريطانيا لولايات الجنوب بأن تقوم باستخدام الموانئ الإنجليزية ببناء و تموين السفن التي كانت تستخدمها في حربها ضد ولايات الشمال و كان من بين تلك السفن سفينة « Alabama » التي نجحت في إغراق عدد كبير من سفن ولايات الشمال و بعد انتهاء الحرب طالبت الولايات المتحدة بريطانيا دفع تعويض عن الأضرار التي لحق، بها من جراء سلوكها أثناء الحرب و الذي يشكل خروجا عن قواعد الحياد التي كان ينبغي على بريطانيا مراعاتها أثناء تلك الحرب .
دافعت بريطانيا عن موقفها بحجة أنه لا يوجد تشريع داخلي يمنع استخدام موانئها كميناء سفن لدولة محاربة غير أن محكمة التحكيم رفضت هذه الحجة و قالت أنه كان من واجب بريطانيا أن تصدر قانونا يكفل لها تنفيذ التزاماتها الدولية ، و تراخيها عن إصدار مثل هذا القانون يستوجب ترتيب المسؤولية الدولية عن ذلك .
نشير في الأخير إلى أن بعض الدساتير الحديثة تتضمن نصوصا توجب أن تكون القوانين الداخلية مطابقة للقانون الدولي منها الدستور الاسباني سنة 1931 ، الدستور النمساوي سنة 1934 و دستور فرنسا سنة 1958 .

‌ب) المسؤولية الدولية للدولة بسبب أعمال و تصرفات جهازها التنفيذي :
تسأل الدولة عن كل إخلال بقواعد القانون الدولي أو بواجباتها الدولية يقع من سلطتها التنفيذية ، سواء كان هذا الاخلال إيجابي أو كان نتيجة موقف سلبي ، و لا أهمية لأن يكون الفعل مما تسمح به قوانين الدولة أو أن يكون مخالفا لهذه القوانين ما دام أنه يتعارض في آخر الأمر مع قواعد القانون الدولي .
و الجهاز التنفيذي هان جميع الجهات التي تتولى شؤون الإدارة في الدولة و تشرف عليها ، فتشمل رئيس الدولة و الوزراء و الموظفين و القوات العسكرية و البوليسية و تشمل فروع الدولة الإدارية في جميع أجزاء الإقليم كالمجالس المنتخبة .
إن الأمثلة عديدة على تصرفات السلطة التنفيذية التي ترتب عليها المسؤولية الدولية منها مثلا امتناع حكومة دولة من الدول عن تسليم أحد المجرمين إلى دولة أخرى إذا كان بين الدولتين معاهدة تقضي بذلك أو قبضها على موظف دبلوماسي يتمتع بالامتيازات و الحصانات الدبلوماسية إلى غير ذلك .
 و تترتب المسؤولية الدولية للدولة عن الأفعال التي يقوم بها موظفوها بأمر أو بتصريح من حكومتهم أو في حدود اختصاصاتهم المقررة في القوانين و اللوائح إذا كان في هذه الأفعال إخلال بأحد الواجبات الدولية.
أما الأفعال المخالفة لأحكام القانون الدولي التي تقع من الموظفين بصفتهم هذه و يكونوا قد تعدوا فيها حدود اختصاصهم القانوني فإن بعض الفقهاء أمثال « Fauchille » يرون بأنها لا ترتب المسؤولية الدولية على الدولة ، و أنه على الأشخاص الذين تضرروا من تلك الأفعال الالتجاء إلى محاكما لدولة لمطالبة الموظف الذي وقع منه الفعل بالتعويض المناسب ـ و لا تسأل الدولة في هذه الحالة إلا إذا لم تمكنهم من المطالبة بحقهم كإقفالها أبواب المحاكم في وجههم أو أن تكون قد اتخذت إجراء استثنائيا بغرض حرمانهم من الحصول على التعويض عن طريق إصدار تشريع بهذا المعنى أو ما شابه ذلك .
غير أن أغلبية فقهاء القانون الدولي كما يؤكد الفقيه الألماني « Stupp » يرفضون هذا و يقررون لقيام مسؤولية الدولة دائما عن كل الأعمال المخلة التي يأتيها الموظف بصفته هذه سواء كان يعمل في حدود اختصاصاته أو كان قد تعدى هذه الحدود لأنه في كلتا الحاليتين فإنه يعمل باسم الدولة و من واجب الدولة الإشراف على أعمال موظفيها و أن تحسن اختيارهم ، و خروج الموظف اعن اختصاصاته يعتبر تقصيرا من الدولة في القيام بهذا الواجب فتسأل على ما يترتب عن هذا التقصير من أضرار بحقوق الدولة الأجنبية أو بحقوق رعاياها .
و يمكن أن نشير في هذا الصدد إلى قضية الصيد في بحر بهرينغ « Mer Behring » بين الولايات المتحدة و بريطانيا و تتلخص وقائع القضية أن الدولتان اتفقتا على طرق الصيد في ذلك البحر سواء من حيث تقسيم مناطق الصيد أو نوع الأسماك و حدث أن خرجت بريطانيا على ما تم الاتفاق عليه فاعترض صيادتها البحارة الأمريكيين ، فتظلمت بريطانيا من ذلك التصرف و رأت أن ذلك يعد انتهاكا لأحكام الاتفاق المبرم بين الدولتين و يضر بمصالح رعاياها و قد تم تشكيل لجنة تحكيم سنة 1921 للفصل في النزاع ، و مما جاء في حكم لجنة التحكيم :” أن خطأ الضابط الأمريكي في فهم مدى القيود التي اتفقت عليها الولايات المتحدة و بريطانيا الخاصة بالصيد في بحر بهرينغ لا يعفي الولايات المتحدة من المسؤولية الدولية ، و لو كان هذا الخطأ صدر عن حسن نية ، إذ أن كل حكومة مسؤولة قبل لوظائفهم و بمقتضى السلطة التي تخولها لهم وظائفهم “.
لقد تأكد هنا كذلك في القرار الذي اتخذه معهد القانون الدولي في دورته المنعقدة بمدينة لوزان سنة 1927 حيث نصت المادة الأولى :” تترتب المسؤولية الدولية للدولة عن العمال التي تقع من موظفيها خارج حدود اختصاصهم ما دام أن هؤلاء الموظفين قد قاموا بها باعتبارها إحدى هيئات الدولة الرسمية و استخدموا الوسائل التي تحت تصرفهم بصفتهم هذه “.
أما إذا كان الفعل غير المشروع قد وقع من الموظف بصفة الشخصية البحتة دون أن تكون له أي علاقة بوظيفته فإن هذا الفعل بأخذ حكم تصرفات الأفراد العاديين و تسأل عن الدول في حدود مسؤوليتها عن تصرفات الأفراد العاديين كما سوف نرى .
نلخص مما تقدم أن تصرفات موظفي الدولة غير المشروعة إما أن تأذن بها الدولة فتستوجب المسؤولية للدولة طبقا لما هو مستقر في الفقه و القضاء الدوليين ، و إما أن تصدر عن الموظف بصفته الشخصية فتأخذكم تصرفات الأفراد العاديين .

‌ج) المسؤولية الدولية للدولة بسبب أعمال أو تصرفات الجهاز القضائي:
تسأل الدولة عن الأحكام التي تصدرها محاكمها إذا كانت هذه الأحكام متعارضة مع قواعد القانون الدولي، و لا يمكن للدولة أن تدفع عنها المسؤولية بحجة استقلال القضاء أو احترام الشيء المحكوم فيه، لأن التمسك بهذه المبادئ محله علاقة الجهاز القضائي بغيره من أجهزة الدولة الأخرى و لاشأن للدول الأجنبية بهذه العلاقة، و لأنه في إطار العلاقات الدولية تواجه الدولة كوحدة مسؤولة عن تصرفات أجهزتها المختلفة أيا كانت هذه الأجهزة و أيا كانت العلاقة فيما بينها.
و كمثال عن تعارض الحكم القضائي الصادر مع قواعد القانون الدولي إصدار حكم ضد ممثل دبلوماسي بسبب رفضه المؤول أمام المحكمة للإدلاء بشهادته في قضية له علاقة بها.
و تسأل الدولة عن تصرفات سلطتها القضائية إذا ما وقع منها ما اصطلح على تسميته بإنكار العدالة « Déni de justice » و مؤداه امتناع الدولة النظر في النزاع أحد أطرافه أجنبي رغم اختصاصها بالحكم في هذا النزاع، أو بتواطئها في الفصل في النزاع دون مبرر بشكل يستدل منه أن القصة هو حرمان الأجنبي من الوصول إلى حقه بإبقاء قضية معلقة لأجل غير محدود .
و يعتبر في حكم إنكار العدالة كذلك حالة ما إذا تقدم الأجنبي لمحاكم الدولة ففصلت في دعواه و لكنها أصدرت ضده حكما تعسفيا تحت تأثير نزعة خاصة أو شعور عدائي ضد الأجانب عامة أو ضد جنسية هذا الأجنبي بالذات، و كان في الحكم أو في الحكم أو في الإجراءات التي اتسعت إخلال ظاهر بالعدالة.
و لا يمكن أن تحتج الدولة هنا لتدفع مسؤوليتها بأنها قامت بواجبها بأن سمحت للأجنبي بالتمتع بما لرعاياها من حرية الالتجاء إلى المحاكم و أنه لا يمكن أن يطلب منها فوق ذلك أن تراقب أداء هذه المحاكم لمهمتها.
و الحقيقة أن الدولة لا تعتبر أنها قامت بواجب السماح للأجانب بالتمتع بحماية قضائها إلا إذا راعت في ذلك حسن النية، وهو ما لا يتوفر إذا تأثر القضاة في حكمهم بغير ما تفرضه عليهم مهمتهم و غلبوا النزاعات الخاصة على فكرة الحق و العدالة.
و في هذا الخصوص نصت المادة 6 من قرار معهد القانون الدولي في دورته المنعقدة بلوزان سنة 1927 ما يلي: » تكون الدولة أيضا مسؤولة إذا كان في الإجراءات التي اتبعت أمام قضائها أو في الحكم الصادر منه إخلالا ظاهرا بالعدالة، و على الأخص إذا كان الدافع لهذه الإجراءات أو هذا الحكم هو شعور الكراهية بالنسبة للأجانب بوصفهم كذلك أو باعتبارهم رعايا دولة معينة بالذات « .
و جاء في نص المادة 04 من مشروع لجنة القانون الدولي تحت عنوان» إنكار العدالة« ما يلي:
1. تسأل الدولة عن الأضرار التي تصيب الأجانب نتيجة أفعال أو امتناع مما يعتبر انكارا للعدالة.
2. يكون هناك إنكار للعدالة في حكم الفقرة السابقة إذا لم تسمح المحكمة السلطة المختصة في الدولة للأجنبي بممارسة حق التقاضي و حق المرافعة علانية و حق الدفاع عن نفسه في المسائل الجنائية في حدود القواعد القانونية و المبادئ الثابتة عالميا.
3. يكون هناك إنكار للعادلة كذلك إذا أصدرت المحكمة حكما أو قرارا فيه ظلم بائن لمجرد أن الشخص المضرور أجنبي.
غير أنه يتعين التفريق في هذا المجال بين إنكار العدالة و بين الحكم القضائي الذي ينطوي على خطأ في الوقائع أو في التقدير ( أي الخطأ القضائي غير المقصود) فالأول يستوجب المسؤولية الدولية و الثاني لا يستوجب المسؤولية الدولية خصوصا إذا اعتبرت طرق المراجعة لتصحيح هذا الخطأ كافية و مفتوحة على السواء أمام الوطني و الأجنبي، أما إذا نشأ خلاف بين دولة القضاء الإقليمي و دلو الأجنبي حول ما يعتبر خطأ قضائيا أو إنكارا للعدالة و جب عرض مثل هذا الخلاف مبدئيا على التحكيم أو القضاء الدولي ليفصل فيه.
و فيما يتعلق بالتفرقة بين إنكار العدالة و الخطأ القضائي نصت المادة 09 من مشروع الاتفاقية التي أعدتها جامعة Harvard » « المتعلقة بموضوع مسؤولية الدول عن الأضرار التي تقع على إقليمها للأجانب أو لأموالهم أنه:” يوجد إنكار للعدالة إذا وقع من المحكمة ستويف لا مبرر له، أو حيل بين الأجنبي و بين لالتجاء إلى القضاء،أو وجد نقص كبير في إجراءات التقاضي، أو إذا لم تتوافر الضمانات التي لاغناء عنها لحسن سير العدالة أو إذا صدر حكم ينطوي على ظلم واضح.
أما الخطأ الذي تقع فيه المحكمة و الذي لا يستأنف منه الظلم الواضح فلا يعد إنكار العدالة “.
كذلك فإن المادة 04 من مشروع لجنة القانون الدولي نصت على:” أيا كانت صفة الحكم أو القرار لا تدخل الأخطاء القضائية ضمن الحالات التي تثير المسؤولية الدولية”.
أما على مستوى القضاء الدولي بالنسبة لإنكار العدالة فيمكن الإشارة إلى الرأي الشخصي المستقل للقاضي “Read” الملحق بالحكم الصادر في قضية « Nottébohm »