محكمة أمن الدولة ضرورة أم تقليد

تتجه الأنظمة القضائية فى العصر الحاضر نحو المزيد من تخصص القضاء ، والذي بات ضرورة ملحة توجبها كثرة القضايا من جهة وتنوعها من جهة أخرى ، فمما لا شك فيه أن التخصص الدقيق في مختلف أنواع العلوم الإنسانية والتطبيقية وفي مجالات العمل الواقعية يعطى نتائج أكثر نجاعة إذا ما اقترن ببرنامج تأهيل وتدريب متقن ، وتخصص القضاة يتيح لهم مكنة اكتساب الخبرة والقدرة على البث في القضايا بحرفية أكبر توفر للمتقاضين الضمانات القانونية لتحصيل حقوقهم وتختصر عليهم زمن التقاضي خاصة بالنسبة للقضايا المدنية التي تستغرق وقتا ليس بالقصير ، ولقد عرف القضاء الليبي القضاء التخصصي أو المتخصص كقضاء الأحداث تقديرا لما يتطلبه التعامل مع الأطفال الجانحين من عناية واهتمام توفر لهم مكنة العودة إلى المجتمع وتنأى بهم عن الاستمرار فى اتخاذ طريق الإجرام طريقا ، وهناك القضاء الإداري وهو أيضا من صور القضاء التخصصي الذي يوفر للقضاة فرصة لاكتساب خبرة من تراكم القضايا مما يشعر المواطن بالأمان والثقة فى حال إساءة السلطة الإدارية استخدام نفوذها وتجاوزت حدود صلاحياتها وخاصة الموظف الإداري فى مواجهة هذا التعسف وهناك قضايا الأحوال الشخصية .

لذلك فأن دور القضاء فى إرساء دعائم العدالة وكمظلة لاحترام الحقوق واقتضاءها فى حال الاعتداء عليها وسيلة ضرورية ولازمة ولقد أكدت الدراسات الرصينة على أن دولة حكم القانون لن تتحقق إلا بوجود نظام قضائي عادل ومتخصص ومؤهل محايد ونزيه ومستقل .

لذلك فأن إنشاء المحاكم التخصصية بما فى ذلك محكمة ونيابة أمن الدولة جاء متوافقا مع الاتجاه العام لتخصص القضاء وتجاوز سلبيات القضاء الاستثنائي لان قرار إنشاء محكمة ونيابة امن الدولة كان صادرا من الجهة المنوط بها قانونا إنشاء محاكم ونيابات بحسب ما حدده القانون رقم 6 لسنة 2007 بشأن نظام القضاء التي خولت المادة 19 منه المجلس الأعلى للهيئات القضائية صلاحية إنشاء محاكم استئناف ومحاكم ابتدائية وجزئية تختص بنظر نوع معين من القضايا ، وتحديد مقارها ودوائر اختصاصها وأنواع القضايا التي تختص بها ، وهو ما نص عليه القرار رقم 27 لسنة 2007 ، بشأن إنشاء محكمة ونيابة لأمن الدولة ولم تخضع لقانون إجرائي استثنائي بل قانون الإجراءات الجنائية هو ما يعد ضمانة لحقوق الإنسان المتهم نتجاوز سلبيات المحاكم الاستثنائية كمحكمة الشعب الملغاة، وحددت الجرائم الداخلة ضمن اختصاصها بحسب المادة الأولى من القرار المذكور في الجرائم المنصوص عليها فى الباب الأول من الكتاب الثاني من قانون العقوبات الذي يشمل الجنايات والجنح ضد مصلحة الدولة ، والجرائم الواردة فى القانون رقم 17 لسنة 1972 م بشأن تجريم الحزبية والجرائم المنصوص عليها فى قرار مجلس قيادة الثورة بشأن حماية الثورة ، ويتعين الذكر أن القرار المذكور قد قصر اختصاص المحكمة على الجنايات دون الجنح الناشئة عن الجرائم الداخلة ضمن اختصاص المحكمة ما لم تكن مرتبطة بها ارتباطا لا يقبل التجزئة بحسب ما نصت عليه المادة (5) من القرار المذكور ، ويقصد بالارتباط الذي لايقبل التجزئة ارتكاب عدة جرائم تنفيذا لمشروع إجرامي واحد ، مثال عدم تنفيذ التزامات التوريد للدولة أو الغش فيها وشراء أسلحة أو مؤن فاسدة .

ولا شك أن اقتصار اختصاص المحكمة على الجنايات دون الجنح يؤكد أن الحكمة من إنشاء المحكمة هي منح المتهمين فرصة اكبر للمثول أمام قضاء تتوفر فى أعضائه الخبرة اللازمة والتفرغ لهذه الطائفة من القضايا المتميزة بخصوصيتها فمن ناحية ان المجتمع قد لا يتطلب إدانة المواطن بالجناية التآمر من ناحية أخرى، لان استقلال القضاء ونزاهته وحياديته شروط لازمة لضمان المحاكمة العادلة أمام القضاء بوجه عام سواء كان متخصصا أم لا . لذلك فأن إنشاء نيابة أمن دولة جاء متوافقا مع الاتجاه تحديد التخصص رغم تأثره بالقوانين المقارنة التى لا تكاد تخلو من النص على تجريم الأفعال الماسة بلأمن القومي يتفق والاتجاه الحديث نحو مزيد من تخصص النيابات فهناك نيابات المرور ونيابات المخدرات ونيابات الأحداث ونيابات الجرائم الاقتصادية، وهو ما قد يمنح أعضاء النيابة قدرة على تحديد مجال قضاياهم وعلى اكتساب المرونة والخبرة لسرعة تحقيق القضايا والبث فيها إما بإحالتها للقضاء أو الأمر بأن لا وجه لإقامتها ، وندعو إلى إنشاء أكثر من محكمة وأكثر من نيابة تيسيرا على المتهمين وذوويهم من جهة ولتجنبيهم مصاريف الانتقال إلى طرابلس إذا كانوا من القاطنين خارجها ، وعلى الأشخاص المنوط بهم نظر هذه القضايا من قضاة وأعضاء نيابة ممن يجب اختيارهم من الأشخاص الأكثر تأهيل وكفاءة لأهمية ضمان احترام حقوق الإنسان وحرياته .

تكلم هذا المقال عن : محكمة أمن الدولة ضرورة أم تقليد – مقال قانوني قيم