جريمة الاتجار بالبشر والأعضاء البشرية
والنصوص العقابية لها في دولة الامارات العربية المتحدة

تلتزم معظم دول العالم بالاتفاقات الدولية كبروتوكول منع وقمع ومعاقبة الاتجار بالأشخاص، وبخاصة النساء والأطفال، المكمل لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة، والاتفاقية المتعلقة بالعمل الجبري أو الالزامي الصادرة عن منظمة العمل الدولية، واتفاقية حقوق الطفل والاتفاقية الدولية لحماية حقوق جميع العمال والمهاجرين وأفراد اسرهم وغيرها من الاتفاقات الدولية التي تؤكد على الحقوق الانسانية الاساسية كحق الانسان في العيش والعمل والعدل والمساواة ورفع الظلم والمعاناة .

و لقد ظنت البشرية بأنها تخلصت من العبودية بشكل كامل ، لكن هذا لم يحصل، إذ تتجلى العبودية بأشكال قبيحة مختلفة وتأخذ مسميات عديدة ، والاتجار بالبشر هو العنوان العريض لهذه العبودية ، والذي يشمل بحسب القانون عدة انواع للاستغلال منها الاستغلال الجنسي أو استغلال دعارة الغير أو السخرة أو نزع الأعضاء أو الخدمة قسراً أو الاسترقاق أو التسول أو الممارسات الشبيهة بالرق أو الاستعباد.

ولقد عرف المشرع الاماراتي جريمة الاتجار بالبشر وحدد اوجهها المتعددة وذلك في المادة 1 مكرر 1 من القانون الاتحادي رقم 1 لعام 2015 بشأن مكافحة جرائم الاتجار بالبشر حيث قال :
1)يعد مرتكبًا جريمة الاتجار بالبشر كل من:
أ. باع أشخاصًا أو عرضهم للبيع أو الشراء أو الوعد بهما.
ب. استقطب أشخاصًا أو استخدمهم أو جندهم أو نقلهم أو رحلهم أو آواهم أو استقبلهم أو سلمهم أو استلمهم سواء داخل البلاد أم عبر حدودها الوطنية بواسطة التهديد بالقوة أو باستعمالها أو غير ذلك من أشكال القسر أو الاختطاف أو الاحتيال أو الخداع أو إساءة استعمال السلطة أو استغلال النفوذ أو إساءة استغلال حالة الضعف، وذلك بغرض الاستغلال.
ج. أعطى أو تلقى مبالغ مالية أو مزايا لنيل موافقة شخص له سيطرة على شخص آخر لغرض استغلال الأخير.
2) يعتبر اتجارًا بالبشر، ولو لم ينطو على استعمال أي من الوسائل المبينة في الفقرة السابقة ما يلي:
أ. استخدام طفل أو نقله أو ترحيله أو إيواءه أو استقباله بغرض الاستغلال.
ب. بيع طفل أو عرضه للبيع أو الشراء.
3) يشمل الاستغلال في حكم هذه المادة، جميع أشكال الاستغلال الجنسي أو استغلال دعارة الغير أو السخرة أو نزع الأعضاء أو الخدمة قسرًا أو الاسترقاق أو التسول أو الممارسات الشبيهة بالرق أو الاستعباد”.
وبالتالي يكون المشرع قد حدد جميع اوجه الاتجار بالبشر وقد حدد عقوبتها في المادة رقم 2 التي قالت :
يعاقب كل من ارتكب أيًّا من جرائم الاتجار بالبشر المنصوص عليها في المادة (1) مكرر (1) من هذا القانون بالسجن المؤقت الذي لا تقل مدته عن خمس سنوات وبالغرامة التي لا تقل عن مائة ألف درهم. وتكون العقوبة السجن المؤبد في الأحوال الآتية:
1) إذا كان الضحية طفلاً أو معاقًا.
2) إذا ارتكب الفعل بطريق التهديد بالقتل أو بالأذى الجسيم أو أعمال تعذيب بدنية أو نفسية أو كان الجاني يحمل سلاحًا.
3) إذا كان مرتكب الجريمة قد أسس أو أدار جماعة إجرامية منظمة أو كان أحد أعضائها أو شارك في أفعالها مع علمه بأغراضها.
4) إذا كان مرتكب الجريمة زوجًا للضحية أو أحد أصوله أو فروعه أو كانت له سلطة عليه.
5) إذا كان موظفًا عامًّا أو مكلفًا بخدمة عامة استغل وظيفته أو ما كلف به في ارتكاب الجريمة.
6) إذا كانت الجريمة ذات طابع عبر وطني.
7) إذا أصيب الضحية بسبب الجريمة بمرض لا يرجى الشفاء منه أو إعاقة دائمة.

ويُعد الاتجار بالبشر ثالث أكبر تجارة إجرامية في العالم بعد تجارة المخدرات والسلاح وهي تحقق أرباح لامثيل لها في التاريخ و عملية الاتجار تتضمن أعمالا غير مشروعة أخرى كالتهديد أو استخدام القوة وغيرها من أشكال الإكراه أو الغش.

أما فيما يتعلق بتجارة الأعضاء البشرية وهي أحد أشكال الاتجار بالبشر وجريمة يعاقب عليها القانون حيث ظهرت في بداية سبعينيات القرن العشرين عندما أدى التطور الطبي إلى نقل عملية زراعة الأعضاء البشرية من مرحلة التجريب إلى التطبيق الآمن ، حيث يتم التبرّع بالأعضاء مقابل إنقاذ حياة شخص ويعتبر ذلك عملا إنسانياً وخيِّراً.

أما عملية بيع وشراء الأعضاء فهي غير قانونية وهي جريمة بنظر القانون وهنا يكمن الفرق بين التبرّع و التجارة بالأعضاء ، و لقد نشطت عمليات بيع الأعضاء كون الحاجة إلى هذه الأعضاء هي أكبر مما تؤمنه عمليات الوَهب من أحياء أو من أشخاص توفوا حديثًا ، فنشأت بذلك تجارة إجرامية سوداء تستغل حاجة المرضى للأعضاء وتستغل فقر وعَوَز المتبرعين للمال .

لقد صدر القانون الاتحادي رقم 15 لعام 1993 بشأن تنظيم نقل وزراعة الأعضاء البشرية الذي يُجيز للأطباء المتخصصين إجراء عمليات استئصال الأعضاء من جسد شخص حي أو جثة متوفي وزرعها في جسد شخص حي آخر بقصد العلاج للمحافظة على حياته وذلك وفقاً للشروط والإجراءات المنصوص عليها في هذا القانون ، كما يجوز للشخص أن يتبرع أو يوصى بأحد أعضاء جسمه ويشترط في المتبرع أو الموصي أن يكون كامل الأهلية قانوناً، ويكون التبرع أو الوصية بموجب إقرار كتابي موقع عليه منه ويشهد عليه شاهدان كاملا الأهلية.

ويجوز نقل الأعضاء من جثة متوفي بشرط الحصول على موافقة أقرب الأشخاص إليه حتى الدرجة الثانية فإذا تعدد الأقارب في مرتبة واحدة وجب موافقة غالبيتهم، وفي جميع الأحوال يجب أن تصدر الموافقة بإقرار كتابي وذلك بالشروط الآتية:
1- التحقق من الوفاة بصورة قاطعة بوساطة لجنة تشكل من ثلاثة أطباء متخصصين ممن يوثق فيهم من بينهم طبيب متخصص في الأمراض العصبية على ألا يكون من بين أعضاء اللجنة الطبيب المنفذ للعملية.
2- ألا يكون الشخص المتوفي قد أوصى حال حياته بعدم استئصال أي عضو من جسمه وذلك بموجب إقرار كتابي يشهد عليه شاهدان كاملا الأهلية.
وجاء في مادته السابعة بخصوص حظر بيع وشراء الأعضاء أنه: يحظر بيع وشراء الأعضاء بأية وسيلة كانت أو تقاضي أي مقابل مادي عنها، ويحظر على الطبيب المتخصص إجراء العملية عند علمه بذلك.

يتبين لنا أن القانون رقم 15 لعام 1993 قد نظّم عمليات استئصال الأعضاء من شخص حي أو متوفي وزرعها في جسم حي آخر بهدف العلاج ، وكذلك بين شروط التبرع بالأعضاء وشروط نقل الأعضاء من شخص متوفي كما أنه حظر بيع وشراء الأعضاء، وتنص عقوبة كل من يخالف أحكام هذا القانون بالحبس وبغرامة لا تزيد على (30000) ثلاثين ألف درهم أو بإحدى هاتين العقوبتين وتضاعف العقوبة في حالة العود خلال سنتين من تاريخ تنفيذ الحكم النهائي الصادر في الجريمة الأولى.

ومن ناحية اخرى جادة الاهمية ، أتاحت ثورة الاتصالات والمعلومات الكثير من الطرق الحديثة والسريّة لترويج عمليات الاتجار بالبشر، ومن ضمنها السخرة، الاسترقاق الجنسي، الاستغلال الجنسي بهدف الربح، الزواج بالإكراه، بيع الأعضاء الجسدية.

لذا عمل المشرّع الإماراتي على تحديث القوانين بشكل دائم لتتماشى مع العصر ومواجهة الجرائم الجديدة التي استغلّ الجُناة تقنية المعلومات لعرض بضاعتهم الناتجة عن استغلال البشر والأعضاء البشرية السليمة كالقلب والكلية والكبد والنخاع والدم.

حيث حدد القانون الاتحادي لمكافحة جرائم تقنية المعلومات لدولة الإمارات العربية المتحدة رقم 5 لعام 2012 عقوبة جريمة انشاء او ادارة موقع الكتروني او نشر معلومات بقصد الاتجار في البشر او الاعضاء البشرية ، وذلك في المادة رقم 23 التي قالت :
يعاقب بالسجن المؤقت والغرامة التي لا تقل عن خمسمائة ألف درهم ولا تجاوز مليون درهم او بإحدى هاتين العقوبتين كل من أنشأ أو أدار موقعا إلكترونيا او أشرف عليه او نشر معلومات على شبكة معلوماتية او بإحدى وسائل تقنية المعلومات، بقصد الاتجار في البشر او الأعضاء البشرية، او التعامل فيها بصورة غير مشروعة.

و يٌعتبر الانترنت المظلم مرتعاً خصباً لمافيات الاتجار بالبشر والأعضاء البشرية حيث يَصعُبُ تعقبهم ومراقبتهم ويعملون من خلاله بسريّة تامة دونما إزعاج أو مراقبة من السلطات الأمنية، والانترنت المظلم أو الدارك ويب هو جزء من الانترنت العميق أو الديب ويب.

وهذه الشبكة السوداء تقبع في المواقع غير المفهرسة والتي يستحيل الولوج إليها عن طريق المتصفحات العادية مثل كروم و فايرفوكس ومحركات البحث الشهيرة مثل غوغل وياهو التي لا تعرض من محتوى الإنترنت سوى الجزء الخارجي أو ما يعادل 16% من محتوي الشبكة العنكبوتية، وهناك متصفحات للإنترنت المظلم وأشهرها “تور” الذي يسمح لمستخدميه بالتصفح واستخدام محركات بحث خاصة بالإنترنت المظلم عن طريق أنظمةً معقدةً دونما رقيب أو حسيب.

إن الفقر والعوَز المادي عند ضحايا الاتجار بالبشر والأعضاء البشرية من جهة بالإضافة الى انتشار عصابات الجريمة المنظمة واستخدام الانترنت المُظلم من جهة أخرى كلها عوامل أدت الى انتشار هذه الجرائم بل وأصبحت جرائم عابرة للدول وتجارة عالمية لاسترقاق البشر وسلبهم أرواحهم وأعضائهم.

لذلك يجب التوعية بهذه الجرائم وسنّ وتطوير التشريعات القانونية لتجريم المسؤولين عنها والوسطاء المتورطين بها وحماية ضحايا الاتجار بالبشر بتأمين الدعم المادي والنفسي والقانوني لهم، كما يجب على دول العالم التكاتف والتعاون في تبادل المعلومات حول هذه الجرائم للحد منها والحيلولة دون توسعها.

وفي دولة الامارات العربية المتحدة تم سن التشريعات المختلفة لمحاربة الاتجار بالبشر وبصورة تردع من ارتكاب مثل هذه الجرائم.

المحامي / محمد المرزوقي
إعادة نشر بواسطة محاماة نت