ويراد بمبدأ قانونية الجرائم والعقوبات (1) ان المشروع وحده وهو الذي يملك تحديد الأفعال المعاقب عليه والمسماة (بالجرائم) وتحديد الجزاءات التي توقع على مرتكبيها والمسماة (بالعقوبات). مما يترتب عليه ان ليس للقاضي ان يعتبر الفعل من قبيل الجرائم ويعاقب مرتكبيه مهما كان هذا الفعل منافيا للآداب والمصلحة العامة اذا لم يكن منصوصا عليه في قانون العقوبات، ذلك لأنه ليس للقاضي، حسب هذا المبدأ؛ ان يخلق جرائم ولا ان يبتكر عقوبات. ولم يكن هذا المبدأ موجود منذ القدم، فقد ظهرت الأصول الأولى له في اوروبا لأول مرة في إنكلترا حيث تضمنتها المادة 39 من (العهد الاعظم) Mangna Charta الذي منحه الملك جون John (لرعاية عام 1215 م، ثم نقله مهاجروا الانكليز معهم الى أمريكا الشمالية وأعلنوه في مقاطعة (فلاديفيا) في اعلان الحقوق عام 1774 ثم اعتنقه قانون العقوبات النمساوي عام 1787 م ثم تبنته الثورة الفرنسية فأعلنته في المادة الثامنة من أعلان حقوق الإنسان الصادر في 26 آب 1789 ونصها (لا يجوز ألبتة عقاب أي شخص إلا بمقتضى قانون صادر سابقا على ارتكاب الجريمة). اما قبل ذلك فقد كان قانون العقوبات متروكا لتحكم القاضي يفسره وفق رأيه وهواه ويضيف إليه احكاما من عنده اذا شاء فكان الفرد نتيجة لذلك تحت رحمة سلطته التحكمية لا يعرف ما هو محرم عليه من الأفعال ولا ما ستطبق فيه من العقوبات اذا ما ارتكب منها.

ومنذ ان قرر هذا المبدأ في تشريع الثورة الفرنسية اتخذ طريقة التشريعات الجنائية الحديثة بل والدساتير الحديثة، حتى أصبح الآن من المبادئ الدستورية العالمية، وقد أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة التمسك بهذا المبدأ في البيان العالمي لحثوث الإنسان المعلن في 10 كانون الأول / 1948 كما اخذ به الميثاق الذي وقعه وزراء المجلس الاوروبي في روما في 6/ تشرين الثاني / 1950 في المادة السابعة الخاصة بصيانة حقوق الإنسان والحريات الأساسية (2). المبدأ في الشريعة الإسلامية لقد عرفت الشريعة الإسلامية مبدأ قانونية الجرائم والعقوبات، فلا جريمة ذات عقوبة مقدرة الا وهناك نص يأتي بها ويحدد العقوبة وقدرها، كما هو الحال في جرائم الحدود والقصاص والدية هذا بالإضافة الى النصوص العامة في القرآن الكريم التي يستدل منها على مضمون هذا المبدأ، ومن أمثلة هذه النصوص قوله ومن قوانين العقوبات الحديثة التي نصت على هذا المبدأ قوانين عقوبات الجزائر والكويت والسودان وسوريا ولبنان والاردن وليبيا والمغرب وتونس والبحرين وقطر وفرنسا وايطاليا والمانيا وبلجيكا واليونان والاتحاد السوفيتي ويوغسلافية وهولندا، وغيرها، ومن الدساتير التي نصت عليه في صلبها السوري والمصري والعراقي. تعالى في سورة الإسراء : (وما كُنا معذبين حتى نبعث رسولا) وفي سورة النساء : (لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل)(3).

تبرير المبدأ :

إن الغرض الأول من مبدأ قانونية الجرائم والعقوبات، هو كفالة حقوق الافراد وضمان حريتهم في تصرفاتهم، فلو ترك امر التجريم للقاضي، كما كان عليه الحال في ظل النظام القديم، لأضحى الافراد في حيرة من أمرهم لا يعرفون بصفة قاطعة ما هو مباح لهم وما هو محظور عليهم، وبذلك تتعطل حرياتهم ويشل نشاطهم بفعل الخوف او الحذر تارة وبفعل ما يحتمل من تعسف القاضي واستبداده تارة أخرى. والمبدأ، فوق ذلك، مما يقتضيه العدالة والمنطق، فمن العدالة والمنطق ان يعرف الإنسان مقدما ما هو محرم عليه من الأفعال ليتجنبها، بان ينذر الافراد مقدما بما سيتعرضون له من عقاب اذا ما صدرت عنهم أعمال او تصرفات معينة. والمبدأ مما تقتضيه المصلحة العامة، ذلك لما فيه من ضمان لوحدة القضاء الجنائي وعدم تناقضه او تفاوته تفاوتا يذهب بهذه الوحدة (4).

 

 

 

للحصول على استشارة مجانية

تفضل الى رقم مكافحة الابتزاز

 

 

نقد المبدأ :-

ينتقد بعضهم مبدأ الشرعية هذا بقوله أنه أصبح رجعيا لأن المشرع يحدد العقوبة على أساس جسامة الجريمة، بينما النظريات الحديثة تركز الاهتمام على شخصية الجاني وتدعو إلى تفريد العقوبة ولا يمكن للمشرع ان يتنبأ مقدماً بظروف / كل مجرم على حدة ويقرر العقوبة المناسبة له. كما يقال : ان ظروف الحياة وتعقدها يؤدي الى وجود الكثير من الأفعال الجديرة بالتجريم والتي لم يفطن اليها الشارع عند وضعه لقانون العقوبات. والحق ان هذه الانتقادات ليست حاسمة، فالسلطة التقديرية الواسعة التي يمنحها القانون للقاضي تمكنه من تفريد العقوبة ومواءمتها لشخص الجاني، وبالتالي فلا ثمة تعارض بين مبدأ الشريعة ومبدأ تفريد العقاب. وكذلك فإن تحقيق الاستقرار القانوني بالتمسك بمبدأ الشرعية يعتبر هدفا أسمى للمشرع ولو أدى ذلك في بعض الأحوال الى اغفال حماية إحدى المصالح، كما ان الشارع يستطيع ان يستدرك أي نقص بتجريم الأفعال التي تظهر خطورتها (5). والواقع ان هذه الانتقادات، عديمة القيمة في مقابل ما يحققه هذا المبدأ من ضمانات واستقرار أدت الى ان اصبح مبدأ عالميا تنص عليه جميع قوانين العقوبات الحديثة إلا ما ندر.

تطور المبدأ :-

لعل الانتقادات المتقدمة كانت هي السبب في تطور مبدأ قانونية الجرائم والعقوبات منذ تقديره لأول مرة في إعلان حقوق الإنسان حتى هذه اللحظة. فقد قرر هذا المبدأ أول الأمر في تشريع الثورة الفرنسية بصورة جامدة لا مرونة فيه، ذلك كرد فعل لما كان عليه الحال في فرنسا من تحكم، فكان من مظاهر جموده في قانون 1791 النص على عقوبات ثابتة في نوعها ومدتها لا يملك القاضي التصرف في تقديرها يجعلها محققة للعدالة في الظروف التي يبدو فيها تطبيق النص القانون ظلما لا تبرره العدالة ولا المصلحة. مما دعى الى ظهور ضرورة إفساح مجال التقدير للقاضي تحديد العقوبة كي تكون ملائمة لحالة كل محكوم عليه. وهكذا خطا التشريع الجنائي خطوة واسعة في سبيل التطور فجعل لكل عقوبة حدا ادنى يتخذ القاضي من بينهما ما يراه ملائما للحالة المعروضة عليه كما وضع لكثير من الجرائم عقوبات تخييرية يتخير القاضي من بينها ما يراه اكثر ملائمة للجاني، بل اكثر من ذلك أعطى للقاضي سلطة الأمر بوقف التنفيذ للعقوبة اذا ما رأى ان هذا اجدى في اصلاح الجاني، كما أعطى للسلطة التنفيذية حق التدخل في تنفيذ العقوبة بما تراه محققا للغاية منها، فقرر حق العفو وتخفيف العقوبة والافراج عن السجون قبل انتهاء مدة عقوبته تحت شرط اذا ثبت صلاحه، وأخيرا ترك تحديد مدة العقوبة للسلطة التي تتولى تنفيذها بتقرير نظام العقوبة غير محددة المدة وهكذا مرت العقوبة في تطور جعلها بعد ان كانت أولا محددة بمعرفة الشارع تحديدا يمنع القاضي من التصرف فيما أصبحت بعد ذلك وحتى الآن راجعة الى الشارع في تحديدها والى القاضي في تطبيقها والى السلطة التنفيذية في تنفيذها وليس في هذا ما يخل بقانونيتها، لان كل ذلك يتم في حدود القانون واستعمالا لسلطة مخولة مقدما من قبل الشارع (6). وبذلك تحول دور القاضي من النطق بالعقوبة التي يعينها القانون فقط الى تقديرها ضمن الحدود التي وضعها المشرع. ولم يقتصر التطور على جانب العقوبة وتقديرها بل شمل مسألة تحديد الجرائم أيضاً. فانه على جموده من حيث حرمان القاضي من سلطة خلق الجرائم وتقديرها الا ان هذا الجمود يخففه ان المشرع اصبح لا يستبد بسلطته خلق الجرائم وانما يفوض ذلك أحياناً وفي حدود معينة الى السلطة التنفيذية وهذا ما نجده واضحا في بعض الدساتير وقوانين العقوبات الحديثة عندما تصوغ مبدأ الشرعية بالشكل الذي يسمح بهذا التفويض وذلك بألا يستلزم النص ان تكون الجرائم والعقوبات مقررة (بقانون) بل كل ما يتطلبه هو أن تكون مقررة (بناء على القانون.) وهو تعبير قصد عمداً لمواجهة الحالات التي يفوض المشروع فيها سلطة خلق الجرائم والعقوبات الى جهة أخرى (7). ومن ذلك المادة الحادية والعشرون من الدستور المؤقت للجمهور العراقية الصادر عام 1970 في فقرتها (ب) حيث تقول : (لا جريمة ولا عقوبة الا بناء على قانون. ولا تجوز العقوبة الا على الفعل الذي يعتبره القانون جريمة أثناء اقترافه ولا يجوز تطبيق عقوبة اشد من العقوبة النافذة وقت ارتكاب الجرم) والمادة الأولى من قانون العقوبات العراقي حيث تقول لا عقاب على فعل او امتناع الا بناء على قانون ينص على تحريمه وقت اقترافه، ولا يجوز توقيع عقوبات او تدابير احترازية لم ينص عليها القانون). ومع ذلك فهناك قلة من التشريعات الجنائية نبذت مبدأ لا جريمة ولا عقوبة الا بنص كلية كقانون العقوبات السوفيتي الصادر عام 1926 والصادر عام 1934 وقانون العقوبات الالماني النازي الصادر عام 1935 وقانون العقوبات الدانمركي الصادر عام 1933 حيث اعطت هذه القوانين للقاضي الحق في اللجوء الى القياس عند عدم وجود نص ينطبق على الحالة المعروضة. علما بان المشرع السوفيتي رجع عن مسلكه هذا بعد ذلك حيث قانون العقوبات الصادر عام 1958 فنص في المادة 6 منه على مبدأ الشرعية ثم أكده قانون العقوبات الصادر في 27 تشرين أول 1960 وهو القانون المطبق الآن في الاتحاد السوفيتي. ومع ذلك فقد عرض مبدأ الشرعية هذا على بساط البحث في المؤتمر الدولي لقانون العقوبات المنعقد في باريس والمؤتمر الدولي للقانون المقارن المنعقد في لاهاي عام 1937 فكانت النتيجة في المؤتمرين في الابقاء عليه (8).

المبدأ في العراق :-

لقد جاء قانون العقوبات البغدادي خاليا من نص يتناول مبدأ قانونية الجرائم والعقوبات وكان هذا نقصا في القانون فطن إليه المشرع العراقي فتلافاه عن طريق النص على هذا المبدأ في قانون الدستور وفي قانون العقوبات كما بينا انفا. وبذلك اصبح هذا المبدأ ذات قوة دستورية الأمر الذي يوجب احترامه والالتزام به ليس من قبل القاضي فحسب بل من قبل المشرع أيضاً، مما يعطيه قوة اكبر مما لو كان قد نص عليه في قانون العقوبات فقط.

_____________________________

1-وقد سماه بعض الكتاب (مبدأ الجرائم والعقوبات)

Nullum Crimen Nulla Poena Sine Lege.

2-انظر دونديه دي فابز : المرجع السابق ص52، ن93 – الدكتور محمود نجيب حسني دروس في قانون العقوبات القسم العام ص33 – الدكتور علي حسين الخلف، الوسيط، ص59 وما بعدها.

3-انظر الدكتور ذنون أحمد، شرح قانون العقوبات العراقي، ص24 – الدكتور سمير الجنزوري، المرجع السابق ص22، الاستاذ عبدالقادر عودة، التشريع الجنائي الإسلامي ج1 ص118.

4-انظر دونديه دي فابر، المرجع السابق ن 96، ص53، الدكتور مصطفى كامل ياسين، مذكرات في القسم العام من قانون العقوبات ص26، 27.

5- كتابينا الوسيط ص65 والموجز ص41 – الدكتور سمير الجنزوري، المرجع السابق ص22.

6-Garraud، Traite Theorique Et Pratkque De droit Penal Francais T11 N. 464

7-انظر المادة 32 من الدستور المؤقت للجمهورية العربية المتحدة الصادر عام 1958 والمادة 32 من دستور دولة الكويت لسنة 1962 والمادة 49 من الدستور اليوغسلافي لسنة 1963 والمادة 20 من الدستور الهندي لسنة 1949 والمادة 39 من الدستور الياباني 1963 والمادة 36 من الدستور الأفغاني لسنة 1964.

8-انظر الدكتور السعيد مصطفى السعيد، الاحكام العامة في قانون العقوبات، ص75.

المؤلف : علي حسين خلف + سلطان عبد القادر الشاوي
الكتاب أو المصدر : المبادئ العامة في قانون العقوبات

اعادة نشر بواسطة محاماة نت .

لمزيد من المعلومات تفضل للتواصل مع محامي متواجد الان

تكلم هذا المقال عن : قراءة نقدية في مبدأ قانونية الجرائم والعقوبات