مكاتب حقوق الانسان/القاضي : ناظم حميد علك

تؤلف حقوق الانسان ساحة مشتركة لاكثر من علم من العلوم الاجتماعية والانسانية , فهي تتعلق بالمطالب الاساسية الواجب توفرها للانسان بغية صيانة كرامته الادمية ووجوده الانساني وتعد مجالاً خصباً تتفاعل فيه العلوم القانونية والسياسية والفلسفية . وعلى الرغم من التفرقة بين حقوق الانسان والحريات العامة الا انه يمكن القول ان الحريات العامة كلها تعد حقوقاً للانسان , بينما يتعذر القول بان حقوق الانسان كافة هي حريات عامة .

لم يلتفت المجتمع الدولي كثيراً الى مسألة حقوق الانسان قبل الحرب العالمية الثانية حيث ان الفكرة المهيمنة آنذاك هي فكرة استثناء الفرد من دائرة القانون الدولي , وقد عبر عن هذا المفهوم احد فقهاء اليونان بقوله (ان الدولة صاحبة السيادة تمثل قفصاً حديدياً بالنسبة لرعاياها) وقد شكلت الحرب العالمية الثانية حدثاً مهما وجوهرياً في تطور الاعتراف العالمي بحقوق الانسان , حيث يوصف ميثاق الامم المتحدة بأنه الحجر الاساس للقانون الدولي لحقوق الانسان وذلك لانه ساهم ولاول مرة في تدويل حماية حقوق الانسان وادخالها القانون الدولي والوضعي , وتعد لجنة حقوق الانسان التابعة للامم المتحدة المهمة والتي تتألف من (52 عضواً) يتم اختيارهم لمدة ثلاث سنوات ويراعى في الاختيار مبدأ التوزيع الجغوافي العادل حيث يتم اختيارهم من ممثلي حكومات الدول وليس على اساس صفاتهم الشخصية , ثم ظهر بعد ذلك ما يعرف باصطلاح الشرعية الدولية والذي اطلقته لجنة حقوق الانسان في المنظمة الدولية في عام 1947 على مجموعة من الصكوك الدولية وهي الاعلان العالمي لحقوق الانسان عام 1948 , والعهدان الدوليان لحقوق الانسان النافذان عام 1976 , بيد انه لايمكن التطرق الى مسألة حقوق الانسان في ضوء هذه الصكوك الدولية كما لا يمكن التطرق الى مسألة حقوق الانسان في اوربا وامريكا ذلك لان الامر يتطلب بحثاً معمقاً لوجود هيآت ومنظمات ذات اختصاص بمسائل حقوق الانسان يصعب الاشارة اليها دون التعمق في مضمونها مثل مجلس اوربا لحقوق الانسان , والاتحاد الاوربي , وكذلك الحالة بالنسبة لامريكا كالإعلان الامريكي لحقوق الانسان الذي اقر في عام 1948 . وعند تسليط الضوء على مسألة حقوق الانسان في الدول العربية فبعد ان خضعت معظم الاقطار العربية للسيطرة الاوربية بموجب معاهدة (سايكس بيكو) عام 1916 , وبعد استقلال هذه الاقطار جميعاً (باستثناء فلسطين) كان من المنتظر ان ينعم الانسان العربي بحقوق الانسان والحريات الاساسية ولكن الامل قد خاب . فلم تحظ مسألة حقوق الانسان والقضايا المتصلة بها باهتمام كبير .

لقد جاء ميثاق جامعة الدول العربية الذي تأسس في 23/3/1945 وقبل انشاء منظمة الامم المتحدة خالياً من اي ذكر لحقوق الانسان وحرياته الاساسية , غير ان مجلس الجامعة العربية وافق في 3/9/1968 على انشاء اللجنة العربية الدائمة لحقوق الانسان وعهد اليها مهمة اعداد مقترحات وابحاث وتوصيات , فاللجنة ما هي الا هيأة مداولة تعمل تحت إشراف مجلس الجامعة العربية لم تقم الا بدور متواضع في مجال تشجيع حقوق الانسان , ولكنها بذلت في السنوات الاخيرة جهداً لوضع الميثاق العربي لحقوق الانسان الذي تبناه مجلس الجامعة العربية في عام 1994 , وقد احجمت الدول العربية عن ابداء اي تصديق على الميثاق الذي لم يكن محتاجاً للنفاذ سوى تصديق او انضمام سبعة دول فقط , وكانت بعض الدول العربية قد اعربت قبل اقراره عن عدم الحاجة اليه , وذلك على اعتبار ان اعلان القاهرة حول حقوق الانسان في الاسلام الذي اقرته منظمة المؤتمر الاسلامي في عام 1990 قد تضمن حقوق الانسان الاساسية وحرياته بصفة شاملة وقررت بعض الدول العربية تأجيل بحث الميثاق لحين البت في مشروع الاعلان العربي لحقوق الانسان من قبل مجلس وزراء العدل العرب , واوضحت بعض الدول العربية ان نظام الحكم فيها يستمد من الشريعة الاسلامية التي ترعى حقوق الانسان وتحميها في شتى المجالات في حين اوضحت دول اخرى عدم موافقتها على الميثاق صراحة . وحقيقة الواقع تشير الى ان الميثاق جاء خجولاً من حيث المحتوى وضعيفاً من حيث الية التنفيذ وقد تعرض لانتقادات واسعة من جانب الدارسين والمنظمات غير الحكومية مما حدى بمجلس الجامعة العربية لان يتبنى صيغة معدلة للميثاق هى اكثر تطوراً من سابقاتها ولكنه مازال في بعض الجوانب يتضمن معايير اقل من تلك المعترف بها عالمياً ويمكن القول إن الميثاق يحمل أفكارا لا توفر الحماية القانونية لحقوق الإنسان . وحيث أنني وكما أسلفت بدءاً إن مسألة حقوق الانسان تجد لها مجالاً خصباً في العلوم السياسية والفلسفية والقانونية فأن الذي يعنيني هو الجانب القانوني دون الجوانب الاخرى وبعد المتغيرات التي حصلت في العراق عام 2003 بدأت مسألة حقوق الإنسان تلقى اهتماماً خاصاً من قبل المعنيين بها ويثار بين الفينة والأخرى بعض المسائل الخاصة بحقوق الإنسان تكون ذات مساس بعمل السلطة القضائية في العراق وإنني أرى وللأسباب الاتية :-

1- إن مجمل المؤسسات القضائية العربية لا تتضمن في تشكيلاتها القضائية هيئة معنية بمتابعة حقوق الإنسان .

2- تفويت الفرصة على من يحاول تقويض الدور الهام والفعال الذي يلعبه مجلس القضاء الاعلى الموقر في إرساء قواعد العدالة ومبادئ حقوق الإنسان .

3- اعتبار هذه الهيئة أو المكتب المعني بحقوق الإنسان هو الجهة المخولة قانوناً بإعطاء المعلومات الخاصة بعمل السلطة القضائية قدر تعلق الأمر بمهام مجلس القضاء الأعلى الموقر دون الاعتماد على الإحصاءات المقدمة من غيره كالمعلومات التي تقدم من قبل السلطة التنفيذية .

4- بالموافقة على وجود هكذا هيئة او مكتب يكون مجلس القضاء الأعلى الموقر المؤسسة القضائية الوحيدة التي سبقت غيرها في هذا المجال بالنسبة للمؤسسات القضائية العربية لذا وفي ضوء ما تقدم من أسباب أعلاه اقترح :-

1- تشكيل هيئة في مجلس القضاء الأعلى الموقر شأنه شأن الهيأت القضائية الأخرى تناط به مهمة دراسة ما يتعلق بحقوق الإنسان قدر تعلق الأمر بعمل مجلس القضاء الأعلى الموقر .

2- إذا كان تشكيل هكذا هيئة بحاجة إلى تدخل تشريعي فأنني اقترح تشكيل مكتب لحقوق الإنسان في مجلس القضاء الأعلى الموقر وتكون له مكاتب فرعية في المناطق الاستئنافية في عموم العراق .

إعادة نشر بواسطة محاماة نت

تكلم هذا المقال عن : قراءة قانونية قضائية في مكاتب حقوق الإنسان