عيش الأفراد في كل مجتمع على وفق قواعد ومبادئ سلوكية محددة، فكان من الطبيعي أن يعلم كل فرد مقدماً ما هو محظور عليه من الأعمال والتصرفات، حتى يكون على بينة من ان ما عداه مباح له على أساس قاعدة “الأصل في الأشياء الإباحة”. وإذا كانت التشريعات الوضعية تزخر بمجموعة من القواعد والأسس الجنائية بحسبان أنها سبقت اليها، فإن الإسلام منذ أربعة عشر قرناً عرف هذه المبادئ في أوضاعها المثلى، ومن هذه المبادئ مبدأ لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص مقرر في الشريعة الإسلامية، والذي يستند إلى ما يعرف في الفقه الإسلامي “بالإباحة الأصلية”. ويقصد بالإباحة الأصلية أن كل فعل أو ترك مباح أصلاً، ما لم يرد بتجريمه نص صريح، ولذا فلا مسؤولية على فاعله أو تاركه، وبعبارة أخرى لا يسأل الإنسان عن فعل أقدم عليه وهو لم يحرم بعد، أو عن ترك عمل، وهو لم يوجب بعد. وقد أجمع على هذا المبدأ فقهاء الشريعة وعلماء الأصول(1). ويؤكد الفقه الإسلامي ان البراءة الأصلية هي نتيجة ملازمة للإباحة الأصلية، فما ان نستدل على هذه نستدل على تلك(2). وقد استدل الفقهاء على الإباحة الأصلية من نصوص كثيرة وردت في القرآن الكريم، ومن عدة أحاديث وردت عن رسول الله ( r ).

أولا / الاستدلال من القرآن الكريم

ان الله سبحانه وتعالى خلق بني آدم وفضلهم وكرمهم، وهيأ لهم أسباب الحياة في هذه الأرض، وسخر لهم كل ما فيها من خيرات وبركات. قال تعالى ((هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا))(3). بل على التحقيق سخر لهم ما في السموات وما في الأرض، فيقول جل شأنه (( ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السموات وما في الأرض وأسبغ عليكم نعمه ظاهره وباطنه )) (4)، (( وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعاً منه )) (5)، حيث أن كلمة ( ما ) من صيغ العموم تفيد الشمول، وأن ( اللام ) في ( لكم )، للانتفاع والفائدة والمصلحة، وهي تفيد أن كون الشيء مخلوقاً لمصلحة الإنسان ونفعه، لابد أن يكون مباحاً ما لم يرد نص على خلاف ذلك(6).إذ لا يتصور أن تكون هذه الأشياء والنعم مخلوقة لنا، بل ومسخرة لنا، وهي محرمة علينا، إذ لو كانت محظورة لما كان هناك معنى للامتنان علينا بخلقها وتسخيرها لنا(7). كما يفهم ذلك أيضا من قوله سبحانه وتعالى (( وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً ))(8). وقوله تعالى (( رسلاً مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ))(9) ، وفي قوله عز وجل (( وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولاً يتلو عليهم آياتنا ))(10). وقوله تعالى (( وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ ))(11) ، وايضا قوله سبحانه وتعالى (( ولقد أرسلنا فيهم منذرين ))(12). هذه الآيات الكريمة تفيد بما لا يدع مجالاً للشك بأن استحقاق العقاب في الشريعة الإسلامية متوقف على سبق الإنذار به، وأن من يرتكب فعلاً معيناً، أو يترك عملاً آخر، لا يعاقب على هذا الفعل أو الترك، إلا إذا كان قد سبقه نص تشريعي يحرمه ويوجب عليه العقاب(13). من هنا يتضح أن مبدأ الشرعية في القانون الجنائي المعاصر ما هو إلا وليد القاعدة الشرعية الأصل في الأشياء الإباحة، بل أن كثيراً من المبادئ القانونية الأخرى قد ترتبت هي الأخرى على هذه القاعدة، أبرزها مبدأ البراءة الأصلية، وما ينبني عليها من أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته، ومبدأ عدم رجعية النص الجنائي، يعزز ذلك قوله سبحانه وتعالى (( عفا الله عما سلف ومن عاد فينتقم الله منه ))(14) ، وقوله تعالى (( قل للذين كفروا أن ينتهوا يغفر الله لهم ما قد سلف ))(15) ، وقوله عز وجل (( ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف ))(16).

ثانياً / الاستدلال من السنة النبوية

 

 

 

للحصول على استشارة مجانية

تفضل الى رقم مكافحة الابتزاز

 

 

قال رسول الله ( r ) (( إن الله عز وجل فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدوداً فلا تعتدوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء، رحمة لكم غير نسيان، فلا تبحثوا عنها )) (17). كما قال رسول الله (r ): (( ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بشيء فخذوا منه ما استطعتم )) (18). وعليه يمكن القول أن الشريعة الإسلامية أباحت كل صور السلوك الإنساني التي لم يرد نص بتجريمها، وقصر العقاب على بعض السلوك الوارد بالنص الشرعي الصريح، فما أحله الله تعالى فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو منه سبحانه وتعالى، فلا يؤاخذ الناس به، وهو ما يتوافق مع مبدأ الأصل في الإنسان البراءة. مما تقدم أتضح لنا ان قرينة البراءة في الشريعة الإسلامية وجدت سندها في عدة قواعد أصولية، استنبطها الفقهاء من بعض آيات القرآن الكريم، ومن بعض الأحاديث الشريفة التي وردت عن الرسول ( r )، كان أبرزها القاعدة الأصولية استصحاب الحال، ومن ثم قاعدة الإباحة الأصلية، فرتبت عليهما نتيجة هامة هي البراءة الأصلية أو الأصل في الإنسان البراءة.

________________

1- مصطفى ابراهيم الزلمي، “المسؤولية الجنائية في الشريعة الإسلامية – دراسة مقارنة بالقانون-“، مطبعة اسعد، بغداد، 1982، ص130.

2- انظر في هذا المعنى : أحمد سعيد صوان، “قرينة البراءة وأهم نتائجها في المجال الجنائي”، المرجع السابق، ص173.

3- سورة البقرة، من الآية ( 29 ).

4- سورة لقمان، من الآية رقم ( 20 ).

5- سورة الجاثية، من الآية رقم ( 13 ).

6- مصطفى الزلمي، “المسؤولية الجنائية في الشريعة الإسلامية”، المرجع السابق، ص125.

7- يوسف قاسم، “البراءة الأصلية”، المرجع السابق، ص18.

8- سورة الإسراء، من الآية رقم ( 15 ).

9- سورة النساء، من الآية رقم ( 165 ).

10- سورة القصص، من الآية رقم ( 59 ).

11- سورة الأنعام ، من الآية رقم ( 19 ).

12- سورة الصافات، من الآية رقم ( 72 ).

13- محمد سليم العوا، “مبدأ الشرعية في القانون الجنائي المقارن”، المجلة العربية للدفاع الاجتماعي، ع7، مارس 1978، القاهرة، ص38.

14- سورة المائدة، من الآية رقم ( 95 ).

15- سورة الأنفال، من الآية رقم ( 38 ).

16- سورة النساء، من الآية رقم ( 22 ).

17- علي بن عمر ابو الحسن الدار قطني، “سنن الدار قطني”، ج4، دار المعرفة، بيروت، 1386هـ، ص184.

18- مشار اليه في بحث البراءة الأصلية ودائرة الحلال والحرام، من كتاب نحو فقه جديد، المنشور في الموقع الإسلامي على الانترنت ( اسلامك كول )، المرجع السابق.

المؤلف : رائد احمد محمد
الكتاب أو المصدر : البراءة في القانون الجنائي

اعادة نشر بواسطة محاماة نت .

لمزيد من المعلومات تفضل للتواصل مع محامي متواجد الان

تكلم هذا المقال عن : قاعدة الاباحة الأصلية في الفقه والقانون