لا يجوز التنازل عن خيار الرؤية قبل قيامه ولا يجوز امضاء العقد قبل رؤية المعقود عليه هذه الاحكام استمدتها المجلة وشرح مرشد الحيران من الفقه الاسلامي وقننتها في نصوصها وهذا ما يمكن استخلاصه من شروطها (1). اما القانون المدني العراقي وان كان استمد احكام هذا الخيار من الفقه الاسلامي الا انه استحدث سبباً جديداً وهو اقرار المشتري في العقد برؤية المعقود عليه واعتبره سبباً لسقوط خيار الرؤية (2). بأعتبار هذا الاقرار حجة على المقر فلا يستطيع بعده ان يطالب بالفسخ استناداً لحقه بأستعمال خيار الرؤية لعدم علمه بالمعقود عليه ويأخذ اغلب شراح هذا القانون على هذا التوجيه التشريعي انه جعل اقرار المشتري في عقد البيع برؤية المبيع سبب في سقوط خياره مع ان هذا الخيار لم يقم بعد حتى يحكم بسقوطه وذكروا ان اعتبار ذلك الاقرار مانعاً من قيام الخيار هو اولى من جعله سبباً في سقوطه (3).

ونحن نؤيدهم في عدم امكانية اعتبار الاقرار سبباً في سقوط الخيار ونرى ان المشرع في نصه على هذه الحالة واعتبارها سبباً في سقوط خيار الرؤية يعد مسلكه هذا خروجاً عما ذهب اليه فقهاء المسلمين الذين لم يجعلوا قيمة لما يصدر من قول يدل على امضاء العقد او قبوله بالمعقود عليه او تنازله في العقد عن حقه في الخيار اذ ان الرؤية المعتبرة لديهم التي يتحقق بها علم المتعاقد بالمعقود عليه هي الرؤية التي تحصل بعد العقد اما القانون المدني اليمني فقد وقع في المحذور في هذه المسألة وهو في ذلك كالقانون المدني الاردني إذ ان هذين القانونين جمعا بين احكام خيار الرؤية وبينما اقتبساه من القانون المدني المصري والمتمثل بشرط العلم بالمبيع الذي تضمنت حكمه المادة (419) مدني – مصري (4) . وفي اعتقادي المتواضع انهما لم يتوخيا الدقة في ذلك إذ ان الاعمال التحضيرية للقانون المدني المصري ورد فيها صراحة ان اصل شرط العلم بالمبيع هو خيار الرؤية المعروف في الشريعة الاسلامية ولا نرى ما يدعو الى هذا التوجه في هذين القانونين لنصهما صراحة على احكام الخيار التي تغني عن ايراد هذا الشرط ففي المسألة موضوع البحث نجد ان الغموض يشوب موقف القانونين فالقانون المدني اليمني نجد نصه عل عدم جواز اسقاط الخيار بالقول الصادر من المشتري قبل الرؤية والدال على ذلك (5). عاد مرة اخرى الى ايراد حكم يتضمن سقوط حق المشتري في التمسك بدعوى عدم العلم اذا ذكر في عقد البيع انه عالم بالمبيع (6). فكيف يمكن الجمع بين سقوط حق المشتري في رفع دعوى عدم العلم اذا ذكر في عقد البيع أنه عالم بالمبيع لا سيما ان ذلك الاقرار يكون قبل رؤية المعقود عليه وبين عدم اجازة اسقاط حق المشتري بالخيار بما يصدر عنه من قول يدل على رضاه بالمعقود عليه قبل رؤيته خصوصاً وان النص على الجزاء المترتب على انعدام شرط العلم تم التطرق اليه بمناسبة تنظيم القانون المدني اليمني لاحكام خيار الرؤية لنصوصه وهذا هو شأن القانون المدني الاردني فبعد نصه على المنع من اسقاط خيار الرؤية (7). وهذا يعني عدم اجازته لاسقاط الخيار قبل قيامه بالرؤية عاد الى النـص على ان ذكر المشـتري انه عالم بالمبيع في العقد يعتبر سبباً في سقوط حـق المطــالبةبابطال العقد (8).

ولما كان العلم بالمعقود عليه لا يتحقق الا برؤيته والرؤية المعتبرة تكون بعد العقد فبالنص على ما سبق يعتبر تنازل من المشتري عن حقه قبل ثبوت ذلك الحق له وهذا ما يبرز التناقض في الاحكام المذكورة اعلاه ونعتقد ان اكتفاء كل من هذين القانونين بما نصا عليه من احكام خيار الرؤية كان يغني عن ايراد احكام شرط العلم ويمنع من الوقوع في التناقض والغموض . والقانون المدني المصري اكتفى بالنص على احكام شرط العلم بالمبيع واصله خيار الرؤية المعروف ورتب على تخلف شرط العلم قابلية العقد للابطال ويعتبر من مسقطات هذا الجزاء الذي تقرر لمصلحة المشتري اقراره في عقد البيع بأنه عالم بالمبيع (9). ويذهب شراح اغلب هذا القانون الى القول بأن المشرع المصري بأيراده لهذا الحكم جعل اقرار المشتري في العقد سبب في سقوط حقه قد خرج عما ذهب اليه فقهاء المسلمين والمتمثل بعدم الاعتداد بتنازل المشتري عن حقه في خيار الرؤية في العقد او اجازته او قبوله للمعقود عليه بالقول الدال على ذلك قبل الرؤية (10).لا سيما ان خيار الرؤية هو الاصل الشرعي لشرط العلم مع رغبة المشرع المصري في تقريبه من القواعد العامة(11). والقانون المدني السوري سَلك اتجاه القانون المدني المصري نفسه فجعل اقرار المشتري في عقد البيع انه عالم بالمبيع سبباً في سقوط حقه في المطالبة بابطال العقد (12). وكذلك القانون المدني الكويتي فمع اخذه بما ذهب اليه القانون المدني المصري في حكم شرط العلم بالمبيع الا انه لم يجعل من انعدام العلم سبباً في سقوط حق المشتري بل اعتبره مانعاً من ترتب ذلك الحق اصلاً (13)، كما ان بعض القوانين العربية لم تختلف احكامها عن القانون المدني المصري فيما يتعلق بجعل اقرار المشتري في العقد بعلمه بالمعقود عليه سبباً في سقوط حقه ومن هذه القوانين القانون المدني الجزائري والتونسي والليبي (14). ويمكن ان نستنتج مما سبق ما يلي :

ان القانون المدني العراقي جعل من اقرار المشتري في العقد برؤية المعقود عليه سبباً في سقوط خياره وذلك يعتبر خروجاً منه عما ذهب اليه جمهور فقهاء المسلمين اذ لم يجيزوا التنازل عن الخيار قبل قيامه وهو لا يقوم الا بالرؤية والرؤية المعتبرة لديهم هي التي تكون بعد العقد واكثر من ذلك انهم منعوا من قبول المشتري للمعقود عليه او امضاء العقد بالقول قبل الرؤية .

ان الغموض والتناقض شاب موقف القانونين المدنيين اليمني والاردني فقد نصا على عدم اجازة اسقاط خيار الرؤية او امضاء العقد او القبول بالمعقود عليه بالقول الدال على ذلك قبل رؤية المعقود عليه من ناحية واعتبروا اقرار المشتري بعلمه بالمعقود عليه في العقد سبب في سقوط حقه من ناحية اخرى علماً بأن الاقرار في العقد يسبق الرؤية المعتبرة لقيام الخيار وتحقق العلم بالمعقود عليه .
ان القوانين المدنية العربية اكتفت بأيراد حكم شرط العلم بالمبيع وجعلت من اقرار المشتري في العقد بعلمه بالمعقود عليه سبب في سقوط حقه بالمطالبة بأبطال العقد وذلك يعتبر خروجاً منها عن الاحكام التي ذهب اليها فقهاء المسلمين في خيار الرؤية الذي يستند عليه شرط العلم بالمبيع في قيامه .

___________________

1- محمد سعيد المحاسني ، شرح مجلة الاحكام العدلية ، مطبعة الترقي ، دمشق ، 1346هـ ، 1927م – ص269 ; سليم رستم باز اللبناني ، شرح المجلة ، ط3 ، المطبعة الادبية ، بيروت ، 1923م – ص170-171 ; محمد زيد الابياني محمد سلامه السنجقلي ، شرح مرشد الحيران ، ط2 ، مطبعة المعارف ، بغداد ، 1375هـ ، 1955م – ص195-196 .

2- جاء في نص المادة (523/1) من القانون المدني العراقي ( يسقط خيار الرؤية بأقراره في عقد البيع انه قد رأى الشيء وقبله بحالته … ) كما نصت المادة (735/1) من القانون نفسه على انه ( يسقط خيار الرؤية ، بأقراره في عقد الايجار انه قد رأى الشيء وقبله بحالته … )

3- د. سعيد مبارك ، طه الملا حويش ، صاحب عبيد الفتلاوي ، الوجيز في العقود المسماة البيع والمقاولة ، دار الحكمة للطباعة والنشر ، بغداد ، 1992،1993م – ص33 ; د. كمال ثروت الونداوي ، شرح احكام عقد البيع ، دراسة مقارنة مع مجموعة من التشريعات العربية والاجنبية ، ط1 ، مطبعة دار السلام ، بغداد ، 1973م ص62-63 ; د. سعدون العامري ، الوجيز في شرح العقود المسماة في البيع والايجار ، ط3 ، مطبعة العاني ، بغداد ، 1974م – ص42 ; د. محمد طه البشير ، العقود المسماة البيع والايجار ، مذكرات مطبوعة على الرونيوم ، بدون سنة طبع – ص69 ; د. غني حسون – الوجيز في العقود المسماة عقد البيع ، مطبعة المعارف ، بغداد ، 1969،1970م ص84 ; د. جعفر الفضلي ، الوجيز في شرح العقود المدنية البيع والايجار والمقاولة دراسة في ضوء التطور القانوني معززة بالقرارات القضائية ، دار الكتب للطباعة والنشر ، 1989م – ص37

4- راجع نص المادة (419) من القانون المدني المصري ومجموعة الاعمال التحضيرية لهذا القانون –ص18-19 .

5- جاء في نص المادة (242) من القانون المدني اليمني ( من تعاقد على ما لم يره فهو مخير عند رؤيته المميزة ان شاء قبل وامضى العقد وانشاء فسخه وله الفسخ قبل الرؤية وعقبها ما لم يسقط حقه او ما لم يرضا بعد الرؤية قولا او فعلاً ولا يعتد بالرضا قبل الرؤية قولاً … )

6- نصت المادة (482) من القانون المدني اليمني على انه ( اذا ذكر في عقد البيع ان المشتري عالم بالمبيع سقط حقه في التمسك بدعوى عدم علمه به ….. )

7- جاء في نص المادة (187) من القانون المدني الاردني ( 1. لا يسقط خيار الرؤية بالاسقاط . 2. ويسقط برؤية المعقود عليه وقبولة صراحة او دلالة ….. )

8- نصت المادة (467) من القانون المدني الاردني ( اذا ذكر في عقد البيع ان المشتري عالم بالمبيع علماً كافياً فلا حق له في طلب ابطال العقد لعدم العلم الا اذا اثبت تدليس البائع )

9- وزارة العدل المصرية ، مجموعة الاعمال التحضيرية للقانون المدني المصري ، مطبعة احمد مخيم ، بدون سنة طبع – ص18-19 ; وراجع د. انور العمروسي ، التعليق على نصوص القانون المدني المعدل بمذاهب الفقه واحكام القضاء الحديثة في مصر والاقطار العربية ، دار المطبوعات الجامعية ، 1983م – ص46 ; د. سمير تناغوا – عقد البيع ، الناشر منشأة المعارف ،الاسكندرية ، 1973م – ص68 وما يليها .

10- د. محمد علي عرفه ، التقنين المدني الجديد ، شرح مقارن على النصوص ، ط2 ، ملتزمة النشر والطبع مكتبة النهضة المصرية ، القاهرة ، 1955م ص299 ; د. جمال الدين العطيفي ، التقنين المدني المصري ، 1948م – ص9-10 ; وقضت احدى المحاكم المصرية في حكم لها ( من اركان البيع معرفة العين المبيعة المعرفة التامة النافية للجهالة حقيقة ويستدل على ذلك يوضح حدودها ومعالمها في العقد بكيفية لا تقبل الالتباس اما ما جرت العادة على ذكره في العقود بلفظ عام من ان المشتري عالم بالعين المبيعة العلم الكافي النافي للجهالة فهو قول لا يعتد به اذا نقض العقد وصف العين اللازم تعيينها كذكر المعالم والحدود ( مصر 26 يوليو 1907 الحقوق 23 ص76 مرجع القضاء – 2692 )) وراجع ( حكم الاستئناف في 28 ديسمبر 1913 المجموعة م 15 رقم 36 ص74 حقوق 30 ص274 مرجع القضاء 2697 ) الذي جاء فيه ( عدم علم المشتري بالعجز في مساحة الارض المبيعة يعتبر بمثابة عدم علم بالمبيع انما اذا اقر المشتري صراحة في عقد البيع بأنه عاين العين معاينة نافية للجهالة فلا يحق له ابطال البيع بدعوى العجز الا اذا اثبت تدليس البائع عليه ) نقلا عن د. انور السلطان – عقد البيع في القانونين المصري والسوري ، بدون سنة طبع – ص135-136 ; وانظر في ذات الشأن د. . احمد نجيب الهلالي ، د. حامد زكي ، شرح القانون المدني (البيع والحوالة والمقايضة ) ، ط3 ، مطبعة الفجالة الجديدة ، 1954م ص80-83 ; د. مصطفى الجمال ، البيع في القانونين اللبناني والمصري ، الدار الجامعية ، 1986م ص102 ; د. رمضان ابو السعود ، دروس في العقود المسماة عقد البيع في القانون المصري واللبناني ، بدون سنة طبع – ص94 ; د. اسماعيل غانم ، مذكرات في العقود المسماة عقد البيع ، مطبعة الكتاب العربي ، مصر ، 1958م ص71-72 ; د. خميس خضير ، البيع في القانون المدني ، الناشر مكتبة القاهرة الحديثة ، 1969م ، ص55 ; د. انور العمروسي ، التعليق على نصوص القانون المدني المعدل بمذاهب الفقه واحكام القضاء الحديثة في مصر والاقطار العربية ، دار المطبوعات الجامعية ، 1983م – ص50-51 ; انور سلطان ، د. جلال العدوي ، العقود المسماة عقد البيع ، دار المعارف للنشر ، بدون سنة طبع – ص73 .

11- اسماعيل غانم ، مذكرات في العقود المسماة عقد البيع ، مطبعة الكتاب العربي ، مصر ، 1958م – ص70-71 ; د. عبدالمنعم البدراوي ، عقد البيع شرح القانون المدني ، 1961م – ص125 ; د. تناغوا – عقد البيع – مصدر سابق – ص68 .

12- د. مصطفى احمد الزرقاء ، شرح القانون المدني السوري العقود المسماة عقد البيع والمقايضة ، ط6 ، مطابع فتى العرب ، دمشق ، 1384هـ،1965م – ص54-55 .

13- راجع نص المادة (456/3) من القانون المدني الكويتي وانظر في بيان موقف شراح هذا القانون – د. عباس حسن الصراف ، عقدي البيع والايجار في القانون المدني العراقي ، مطبعة الاهالي ، بغداد ، 1956م – ص248-250 ; د. حسام الدين كامل الاهواني ، عقد البيع ، بدون سنة طبع – ص90 .

14- راجع نصوص المواد (352) من القانون المدني الجزائري ; م (577) من القانون المدني التونسي ; م (408) من القانون المدني الليبي .

اعادة نشر بواسطة محاماة نت .

ارسل استشارة