جريمة نشر صور مخلّة بالحياء في القانون

نشر الصور المخلّة بالحياء في القانون السوري

إعادة نشر بواسطة محاماة نت

ذكرت إحدى الصحف الإلكترونية خبراً مفاده مطالبة مصارع أمريكي مشهور نُشر له مقطع إباحي مع زوجة صديقه بتعويض وقدره مائة مليون دولار أمريكي. وردّ الناشر على دعواه بأنه مارس حقه في التعبير عن الرأي المنصوص عليه بالتعديل الأول بالدستور الأمريكي. وهذه الحادثة قد تتكرر أو مثيلاتها في أي مكان من العالم. فهل نشر هذه الصور أو الأفلام من قبيل التعبير عن الرأي أو الحرية الشخصية؟ وهل هو جريمة يعاقب عليها في القانون؟

تعدّ حرية الفكر والتعبير من أقدس الحقوق التي تناضل البشرية من أجلها وتصرّ جميع الاتفاقيات الدولية والإقليمية لحقوق الإنسان، والاتفاقية الخاصة بالحقوق المدنية والسياسية على أنّ ممارسة هذه الحريات ترتبط بواجبات ومسؤوليات خاصة. وعلى ذلك، فإنها تخضع لقيود معينة بالاستناد إلى نصوص القانون الضرورية من أجل احترام حقوق الآخرين أو سمعتهم، ومن أجل حماية الأمن الوطني أو النظام العام أو الأخلاق.

وعندما يقرر القانون حقاً من الحقوق في صدد تنظيمه الروابط والعلاقات، فإنه يفرض واجباً يقابل ذلك الحق؛ فإذا ما تجاوز الشخص في استعماله الحدود المرسومة للحق فإنه يكون مخطئاً، ويُلزم بالتعويض. فالدستور السوري كفل في المادة (42) منه: “لكل مواطن الحق أن يعرب عن رأيه بحرية وعلنية بالقول أو الكتابة أو بوسائل التعبير”. وفي المادة (54) منه، منع كل اعتداء على الحرية الشخصية أو حرمة الحياة الخاصة أو غيرها من الحقوق والحريات العامة التي يكفلها الدستور ويعد جريمة يعاقب عليها القانون.

والحقيقة، فإن الغالبية العظمى من التشريعات الغربية التي تعتبر رائدة في الدفاع عن حرية الرأي تحظر نشر الصور الإباحية؛ ففي الولايات المتحدة الأمريكية وضعت المحكمة العليا مقياساً لما يمكن اعتباره إساءة أو خرقاً لحدود حرية التعبير، ويسمى بـ”معيار ميلر”، والذي بدأ العمل به في عام 1973. ويعتمد المقياس على ثلاث مبادئ رئيسية؛ وهي إذا ما كانت غالبية الأشخاص في المجتمع يرون طريقة التعبير مقبولة؛ وإذا ما كانت طريقة إبداء الرأي تعارض القوانين الجنائية للولاية؛ وعما إذا كانت طريقة عرض الرأي تتحلى بصفات فنية وأدبية جيدة. وفي عام 1996 أصدر المشرّع الأمريكي قانون آداب الاتصالات الرامي إلى مواجهة تفشي الإباحية في شبكة الإنترنت. وتضمن هذا القانون أحكاماً مختلفة تعاقب بث المشاهد الفاحشة أو الإباحية، إذ حظّر عرض المشاهد أو الصور الفاضحة حسب قواعد المجتمع المعاصر.

من هنا يمكن القول أن نشر الفيديو المشار إليه أعلاه، لا يندرج إطلاقاً تحت نطاق حرية التعبير أو الحرية الشخصية، وإنما هو من قبيل جرائم الحض على الفجور والتعرض للآداب والأخلاق العامة، لذلك نجد أن المشرّع السوري عاقب في الباب السابع من قانون العقوبات على الجرائم المخلة بالأخلاق والآداب العامة، وخصّص الفصل الثاني من هذا الباب لجرائم الحض على الفجور والتعرض للأخلاق والآداب العامة، فأورد في المادة 519 أنه:

“يعاقب بالعقوبات نفسها من أقدم على صنع أو تصدير أو توريد أو اقتناء كتابات أو رسوم أو صور يدوية أو شمسية أو أفلام أو إشارات أو غير ذلك من الأشياء المخلة بالحياء بقصد الاتجار بها أو توزيعها أو أعلن أو أعلم عن طريقة الحصول عليها”؛

وكانت المادة 517 من ذات القانون تنص على أنه: “يعاقب على التعرض للآداب العامة بإحدى الوسائل المذكورة في الفقرة الأولى من المادة 208 بالحبس من ثلاثة أشهر إلى ثلاث سنوات”؛

ونصّت المادة 518 على أنه: “يعاقب على التعرض للأخلاق العامة بإحدى الوسائل المذكورة في الفقرتين الثانية والثالثة من المادة 208 بالحبس من ثلاثة أشهر إلى ثلاث سنوات وبالغرامة من ثلاثين ليرة إلى ثلاثمائة ليرة”.

والواضح أنّ المشرّع السوري عاقب في هذه النصوص على الفعل متى تم علانيةً بحسب المادة 208 من قانون العقوبات؛ فمن يصنع أو يصدر أو يورد أو يقتني أو ينشر أو يوزع هذه الصور والأفلام يكون قد ارتكب جرم الحض على الفجور؛ فهو لم يشترط في هذه الجريمة قصداً خاصاً، وإنما اشترط تحقق العلانية التي تتم بالوسائل المنصوص عليها في المادة 208. ويستوي أن يقوم به الشخص من تلقاء نفسه أو بناء على طلب الغير. ولكن يشترط في هذه الكتابات أو الرسوم أو الصور أو الأفلام أن تكون مخلة بالآداب العامة. والآداب العامة يقصد بها ما تعارف عليه الناس من خروج على الاحتشام مما تجرح رؤيته أو سماعه شعور الجمهور، كالصور والأفلام الجنسية أياً كانت درجة الفحش الذي تمثله أو تنطوي عليه. كما أن المشرّع لم يشترط أن يقوم الجاني بهذا الفعل لإرضاء شهوته أو أن يقوم به لحساب الغير؛ أي أن يكون بمثابة وسيط، فالفعل معاقب عليه في جميع الأحوال.

وفي الختام، لا بد من القول أنه مع انتشار الإنترنت والوسائط المعلوماتية التي تساعد على انتشار هذه الصور والأفلام وحرصاً على حماية الأخلاق والآداب العامة لابد من تدخل المشرّع بسن نصوص خاصة لمواجهة هذا النوع من الإجرام خوفاً من أن يفلت المجرمون من العقاب، فضلاً عما تفرزه الشبكة العنكبوتية من ابتكارات جديدة ووسائل مختلفة لنشر مثل هذه الصور والأفلام، وأن تكون العقوبة والغرامة شديدة ليتحقق الردع العام والخاص الذي هو غاية كل سياسة عقابية.

تكلم هذا المقال عن : جريمة نشر صور مخلّة بالحياء في القانون
شارك المقالة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الالكتروني.