القانون المغربي وجرائم التعذيب

تقديم:

لم تكن جريمة التعذيب منصوص عليها بشكل صريح في القانون الجنائي المغربي كما لم يكن هناك تعريف وارد بشأنها في هذا القانون على الرغم من مصادقة المغرب منذ سنوات على الاتفاقية الدولية لمناهضة التعذيب . لكن بعض المنظمات الدولية العاملة في مجال حقوق الإنسان ، وعلى رأسها لجنة مناهضة التعذيب لدى الأمم المتحدة ومنظمة العفو الدولية ، ألحت أكثر من مناسبة على الحكومة المغربية، خصوصا ابتداء من سنة 2003، على رفع تحفظاتها بشأن هذه الاتفاقية وملاءمة التشريع الجنائي المغربي مع بنودها .
وهكذا أصدرت الحكومة المغربية سنة 2006 قانونا يتعلق بتجريم ممارسة التعذيب، هذا الإنجاز يدخل في سياق له ارتباط وثيق بقرار المغرب برفع التحفظ على المادتين 20 و21 من اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب العقوبة أو المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة التي صادق عليها المغرب وأودع أدوات التصديق منذ ما يزيد على 10 سنوات، بعد أن أعطت قواعد المسطرة الجنائية للقضاء صلاحيات مطلقة وواسعة لحماية حرية الفرد وصون كرامته تبعا للمبادئ التي نص عليها ومنها مبدأ قرينة البراءة هي الأصل وعدم الاعتداد بكل اعتراف ثبت انتزاعه بعنف أو إكراه وإلزام النيابات العامة بمراقبة أماكن الوضع تحت الحراسة النظرية ومددها وإخضاع المشتبه فيهم لفحص طبي كلما طلبوا ذلك من النيابة العامة أو قضاء التحقيق أو على إثر معاينة آثار العنف على المتابعين. لكن على الرغم من أهمية هذا القانون، فإنه يبقى أمرا معلقا على ضمائر آليات التنفيذ والرقابة في إطار قضاء نزيه ومستقل، مع تكريس مبدأ عدم الإفلات من العقاب و مراجعة التشريع الجنائي وخلق نوع من الانسجام بين مجموعة من القوانين الجزائية توخيا للعدالة والإنصاف.
وسنتناول الموضوع عبر محورين :
– دوافع و أسباب صدور القانون،
– مدى ملاءمة القانون للتشريع الدولي ومدى تقيد السلطات المغربية باحترامه.

أولا : دوافع إصدار قانون يجرم التعذيب بالمغرب
يأتي هذا القانون، كرد فعل على الضجة التي أحدثتها عدد من المنظمات الحقوقية الوطنية والدولية، خاصة منها منظمة العفو الدولية والفدرالية الدولية لحقوق الإنسان واللجنة الأممية لمناهضة التعذيب، والتي أشارت جميعها في تقاريرها إلى وجود ممارسات لـ”التعذيب” بالمغرب، خاصة تلك التي صاحبت اعتقالات ما بعد أحداث 16 ماي الإرهابية سنة 2003، وكذا مواصلة لجنة حقوق الإنسان لدى الأمم المتحدة كما هو الحال في دورتها 82 تدوين وإعلان إلحاحها على أن يرفع المغرب تحفظه على المادة 20 من اتفاقية مناهضة التعذيب وأن يحين فصول قانونه الجنائي ومسطرته وفي مقدمتها تلك الفصول المتعلقة بفترة الحراسة النظرية والاعتقال الاحتياطي حتى تتلاءم مع الاتفاقيات الدولية ذات الصلة وان يكفل للمعتقلين حقهم في الوصول السريع إلى المحامي والطبيب وأن يتم التنصيص على لزوم أن تتخذ السلطات القضائية والإدارية الإجراءات الكفيلة بتتبع الشكايات المرفوعة بشان التعرض للتعذيب وتفعيلها ومحاكمة المتورطين في التعذيب وإعفاءهم من مناصبهم…
1) مواقف منظمة العفو الدولية
أشار ت منظمة العفو الدولية ، في تقرير لها حول الوضعية الحقوقية بالمغرب في أواخر سنة 2003، إلى حالات التعذيب أو سوء المعاملة المرتكبة، متهمة مديرية مراقبة التراب الوطني أو ما يعرف بجهاز “الديستي” والشرطة بأنهما يلجآن إلى هذه الممارسات قصد انتزاع اعترافات أو معلومات أو لإجبار المعتقل على التوقيع أو البصم على أقوال يرفض مضمونها أو ينكره أو لا يعرفه، وهي ممارسات همت على وجه الخصوص أشخاصا يشتبه في انتماءاتهم لجماعات إسلامية متطرفة أو إرهابية، وذلك في إطار انخراط المغرب بشكل متقدم في إستراتيجية مكافحة الإرهاب الدولية التي ترعاها الولايات المتحدة الأمريكية بعد أحداث الجمعة 16 ماي 2003 التي أصبحت تهدد أمن واستقرار المملكة.
ورصدت المنظمة حالات عديدة احتجز أصحابها بطريقة سرية وتعرضوا للتعذيب أو سوء المعاملة في المعتقل السري المتواجد بين مدينتي الرباط وتمارة ، بعد أن سلمتهم سلطات أجنبية – بما فيها السلطات الباكستانية والسورية والأمريكية – إلى السلطات المغربية متهمة هذه الأخيرة بكونها تجاوزت الضمانات المتعلقة بإجراء تحقيقات.
ويتخذ التعذيب أو سوء المعاملة عددا من الأشكال خلال جلسات الاستنطاق، حيث زعمت أن بعض المعتقلين قد عصبت أعينه وكبلت أيديه بالأصفاد طوال الجلسة، وأن البعض الآخر قد جرد من ملابسه أوعلق إلى سقف غرفة الاستجواب في أوضاع تسبب التواء للجسم، كما ذكرت المنظمة أن كثيرين تعرضوا للضرب على أجسادهم ورؤوسهم بالقبضات أو بأدوات مثل عصا خشبية أو مسطرة معدنية، وأشارت أيضا إلى استخدام هراوات الصعقة بالصدمات الكهربائية أو الإلكترونية المشحونة بالكهرباء على أجساد بعض المعتقلين.. وتحدثت المنظمة عن تهديد البعض باعتقال زوجاتهم أو قريباتهم أو باغتصابهن أو بإيذائهن جنسيا على نحو آخر..إلخ. أما ظروف الاعتقال فلم تكن أحسن من المعاملة القاسية التي يتعرض إليها المعتقلون حسب ذات المصدر.
لكن وبالرغم من الطبيعة المتكررة لمزاعم التعذيب أو سوء المعاملة والاعتقال السري، يبدو ـ حسب نفس التقريرـ أن السلطات القضائية المغربية رفضت بصورة متكررة هذه المزاعم من دون إصدار أوامر بإجراء تحقيقات أو فحوص طبية. هذا مع العلم أنه وفقا للمواد 12و 13و 16 من اتفاقية مناهضة التعذيب، يجب إجراء تحقيق سريع وحيادي إذا كان هناك سبب معقول يدعو إلى الاعتقاد بأنه جرت ممارسة التعذيب أو سوء المعاملة خلال الاستجواب أو عندما يدلي الأشخاص بمزاعم تتعلق بذلك.
وفي 18 فبراير 2004، بعثت منظمة العفو الدولية بمذكرة إلى السلطات المغربية ضمَّنتها نتائج الأبحاث التي أجرتها حول الممارسة المزعومة للتعذيب والاعتقال السري في مركز “تمارة” وأوردت تفاصيل خمس حالات محددة لأشخاص ورد أنهم احتُجزوا سراً هناك وتعرضوا للتعذيب. وطلبت المنظمة موافاتها بمعلومات تتعلق بالخطوات التي يمكن أن تكون قد اتُخذت لمعالجة بواعث القلق هذه وأية تعليقات قد تود السلطات إبداءها حول الحالات الفردية.
وردت السلطات المغربية في رسالة مؤرخة في 2 أبريل 2004، مرفقة بوثيقة مؤرخة في 30 مارس تحمل عنوان جواب وزارة العدل على مزاعم التعذيب في المغرب، وبنسخة من مسودة قانون لمحاربة التعذيب والتمييز. ورحبت منظمة العفو الدولية بالرد كمؤشر على الأهمية التي تعلقها السلطات المغربية على إجراء نقاش حول قضايا حقوق الإنسان. وتشكل مسودة القانون –حسب المنظمة- بصفة خاصة مبادرة مشجعة تهدف كما يبدو إلى الاستجابة لتوصية مهمة أصدرتها لجنة مناهضة التعذيب. بيد أن الرد لم يتناول المزاعم المحددة للتعذيب أو سوء المعاملة في مركز تمارة ؛ ولم يشر إلى اتخاذ خطوات محسوسة للتحقيق فيها.
هذا وقد دعت منظمة العفو الدولية السلطات المغربية إلى تنفيذ التوصيات التالية :
• الاعتراف بالعدد المقلق من مزاعم التعذيب أو سوء المعاملة، كخطوة أولى لمعالجة المشكلة؛
• إصدار تعليمات واضحة وعلنية إلى مديرية مراقبة التراب الوطني بأنه يتعين على موظفيها والعاملين فيها إطاعة القانون والكف عن القيام بعمليات توقيف واعتقال الأشخاص في مركزها الكائن في تمارة أو سواه؛
• الإعلان عن عزمها على التحقيق في جميع مزاعم التعذيب أو سوء المعاملة وتقديم المسؤولين عن ارتكابها إلى العدالة، أياً يكن الجهاز الأمني الذين ينتسبون إليه؛
• تعلن بأنها لن تتسامح إزاء ممارسة التعذيب وسوء المعاملة في أي ظرف من الظروف.
وحثت المنظمة السلطات المغربية، عند تنفيذ هذه التوصيات على :
• إصدار أمر بإجراء تحقيقات في كل من شكاوى التعذيب وسوء المعاملة التي يقدمها الضحايا المزعومون وممثلوهم القانونيون وسواهم، وبلاغات التعذيب وسوء المعاملة التي تقدمها المنظمات غير الحكومية وسواها، كما حددت ذلك سابقاً لجنة مناهضة التعذيب؛
• التأكد من تحميل المسؤولين عن مكان الاعتقال الذي ارتُكب فيه التعذيب المسؤولية فضلاً عن مرتكبيه الفعليين؛
• معالجة قضية المحاكمات الجائرة وعقوبة الإعدام؛
• الأمر بإعادة المحاكمات في إجراءات تستوفي المعايير الدولية للمحاكمات العادلة، بالنسبة لجميع الذين أُدينوا استناداً إلى أدلة ثبت أو اشتُبه في أنه تم الحصول عليها بواسطة التعذيب أو سوء المعاملة؛
• تُخفيض عقوبة الإعدام على جميع الذين صدرت عليهم أحكام بالإعدام؛
• الإعلان فرض حظر على إصدار عقوبة الإعدام بغية إلغائها.
2) مواقف لجنة مناهضة التعذيب
في دورة نوفمبر من سنة 2003 ، نظرت لجنة مناهضة التعذيب التابعة للأمم المتحدة، التي تشرف على تنفيذ اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة (اتفاقية مناهضة التعذيب) من جانب الدول الأطراف في أوضاع المغرب. ونظرت اللجنة في التقارير التي قدمتها الحكومة المغربية والمنظمات غير الحكومية على حد سواء، ومن بينها منظمة العفو الدولية. وفي ملاحظاتها الختامية الصادرة في 20 نوفمبر 2003، لاحظت اللجنة حدوث تطورات إيجابية ملموسة في الأوضاع العامة لحقوق الإنسان في المغرب، لكنها أعربت عن قلقها إزاء عدد من القضايا، من بينها ازدياد عدد حالات التعذيب وسوء المعاملة المبلغ عنها وغياب المعلومات حول الإجراءات التي اتخذتها السلطات للتحقيق في شكاوى التعذيب وتقديم المسؤولين عن ارتكابه إلى العدالة. ولاحظت اللجنة بشكل خاص “ازدياد عدد المزاعم التي تنسب إلى مديرية مراقبة التراب الوطني ضلوعها فيها.” وأكدت اللجنة على أنه “ينبغي على الدول أن تكفل بأن أي إجراء يتخذ لمحاربة الإرهاب يتقيد بالواجبات المترتبة عليها بموجب القانون الدولي، وبخاصة القانون الدولي لحقوق الإنسان وقانون اللاجئين والقانون الإنساني الدولي.”
كما أثيرت حساسية قضية مشاركة مديرية مراقبة التراب الوطني في مثل هذه الممارسات خلال استعراض لجنة مناهضة التعذيب التابعة للأمم المتحدة للتقرير الذي قدمته بشأن المغرب في دورة نوفمبر 2003، وطرحت اللجنة عددا من الأسئلة المحددة حول هذه المديرية من قبيل: ما هو وضع هذه المديرية وما هي المهام الخاصة الموكولة إليها؟ وهل مركز تمارة خاضع لسيطرة السلطات القضائية؟ وهل هناك سجل بأسماء المعتقلين في هذا المركز ؟ وهل يمكن الرجـوع إليه ؟ تم هل حدثت أية وفيات أثناء الحجز في المراكز التابعة لهذه المديرية؟ وكم عدد موظفيها الذين أدينوا في أعقاب إجراء تحقيقات حول التعذيب؟
وفي رده على ذلك، أكد الوفد المغربي أن مديرية مراقبة التراب الوطني ليست جزءا من الضابطة القضائية، لكنه قال إنه لا يستطيع الإجابة عن الأسئلة الأخرى وسيرسل لاحقا ردا خطيا يتضمن التوضيح الضروري. وتجدر الإشارة إلى المغرب لم يرسل بعد المعلومات التي طلبتها اللجنة لتبقى الأسئلة الأخرى حول هذه المديرية عالقة.

هذا وقد طالبت اللجنة المذكورة السلطات المغربية بتنفيذ جميع التوصيات التي قدمتها في ملاحظاتها الختامية في 20 نوفمبر2003. وبشكل خاص، طالبت السلطات المغربية:
• إخضاع جميع مزاعم التعذيب أو سوء المعاملة لتحقيقات سريعة ونزيهة وكاملة، بما فيها تلك التي يُنسب إلى مديرية مراقبة التراب الوطني ضلوعها فيها؛
• اتخاذ إجراءات ضد الحصانة من العقاب التي يتمتع بها الموظفون الرسميون المتهمون بالتورط في ممارسة التعذيب أو سوء المعاملة؛
• ضمان تقيد التشريع الجديد لجعل التعذيب جريمة في القانون المغربي تقيداً تاماً بنصوص المادتين 1 و4 من اتفاقية مناهضة التعذيب؛
• تخفيض الحد الزمني القانوني للحراسة النظرية إلى أدنى حد لازم.
ثانيا: صدور القانون المتعلق بتجريم التعذيب
بعد أزيد من عشرين سنة على صدور الاتفاقية الدولية لمناهضة التعذيب وأكثر من 18 سنة على مصادقة الدولة المغربية عليها، صادق البرلمان المغربي على القانون رقم 43-04 المتعلق بتجريم ممارسة التعذيب يرمي إلى تتميم وتغيير مدونة القانون الجنائي تحت عنوان ” الفرع الثالث: شطط الموظفين في استعمال سلطتهم إزاء الأفراد وممارسة التعذيب”.
ويأتي هذا القانون بعد إلحاح وضغط المنظمات الدولية المعنية بحقوق الإنسان كما اشرنا إلى ذلك سابقا. فهل جاء هذا القانون منسجما مع بنود اتفاقية مناهضة التعذيب ؟.
1) تعريف جريمة التعذيب في القانون المغربي ومدى ملاءمته مع القانون الدولي
يعرف الفصل الأول من القانون المتعلق بتجريم ممارسة التعذيب( المادة 231 من القانون الجنائي كما عدلت ) “جريمة التعذيب” كالتالي:”: يقصد بالتعذيب بمفهوم هذا القانون كل إذاء يسبب ألما أو عذابا جسديا أو نفسيا يرتكبه عمدا موظف عمومي أو يحرض عليه أو يوافق عليه أو يسكت عنه، في حق شخص لتخويفه أو إرغامه أو إرغام شخص آخر على الإدلاء بمعلومات أو بيانات أو اعتراف بهدف معاقبته على عمل ارتكبه أو يشتبه في انه ارتكبه هو أو شخص ثالث، أو عندما يلحق مثل هذا الألم أو العذاب لأي سبب من الأسباب يقوم على التمييز أيا كان نوعه. ولا يعتبر تعذيبا الألم أو العذاب الناتج عن عقوبات قانونية أوالمترتب عنها أوالملازم لها”.

وبالرجوع إلى اتفاقية مناهضة التعذيب الصادرة عن الأمم المتحدة في سنة 1984 نجد المادة الأولى منها تنص على أنه :
“1- لأغراض هذه الاتفاقية، يُقصد “بالتعذيب” أي عمل نتج عنه ألم أو عذاب شديد، جسدياً كان أم عقلياً، يلحق عمداً بشخص ما بقصد الحصول من هذا الشخص، أو من شخص ثالث، على معلومات أو على اعتراف، أو معاقبته على عمل ارتكبه أو يشتبه في أنه ارتكبه، هو أو شخص ثالث أو تخويفه أو إرغامه هو أو أي شخص ثالث، أو عندما يلحق مثل هذا الألم أو العذاب لأي سبب من الأسباب يقوم على التمييز أياً كان نوعه، أو يحرض عليه أو يوافق عليه أو يسكت عنه موظف رسمي أو أي شخص آخر يتصرف بصفته الرسمية. ولا يتضمن ذلك الألم أو العذاب الناشئ فقط من عقوبات قانونية أو الملازم لهذه العقوبات أو الذي يكون نتيجة عرضية لها.
“2- لا تخل هذه المادة بأي صك دولي أو تشريع وطني يتضمن أو يمكن أن يتضمن أحكاماً ذات تطبيق أشمل”.
وتقتضي المادة الرابعة من كل دولة طرف في الاتفاقية أن تضمن بأن تكون “جميع أعمال التعذيب جرائم بموجب قانونها الجنائي”. وتقتضي المادة الثامنة من الدول الأطراف أن تعتبر جرائم التعذيب جرائم قابلة لتسليم مرتكبيها فيما بينها، بينما تتناول المواد من 5 إلى 7 تطبيق نظام القضاء الجنائي وممارسة الولاية القضائية الشاملة على التعذيب. وفيما يتعلق بهذه المواد فإن المادة الأولى مفيدة في تعريف عناصر جريمة التعذيب بقصد مرتكبيها إلى العدالة وفقا ًلأحكام الاتفاقية.
وقد اكتسب التعريف الوارد في المادة الأولى أهمية أكبر حتى مع تزايد عدد الدول الأطراف في الاتفاقية؛ وتزايد عدد الدول التي دمجت عناصر التعريف في قوانينها الوطنية التي تُحظر التعذيب وتزايد ميل المحاكم الإقليمية لحقوق الإنسان ومحكمتي يوغسلافيا ورواندا إلى الاستناد إليه في إعداد النتائج المتعلقة بالتعذيب وفي الإشارات المرجعية الموثوق بها إلى العناصر الرئيسية للتعريف بوصفها مسائل تتعلق بالقانون الدولي العرفي.
ويتكون التعريف الوارد في المادة الأولى من خمسة عناصر :
• ينطوي التعذيب على التسبب “بألم أو عذاب شديد، جسدياً كان أم عقلياً”. ويتسم إدراج مفهوم العذاب “العقلي” بالأهمية : فلا يقتصر التعذيب على التسبب بالألم الجسدي.
• الألم أو العذاب “شديد”. فإذا لم يكن كذلك، لا يصل الفعل إلى حد التعذيب بموجب الاتفاقية، رغم أنه قد يشكل إساءة معاملة.
يتم إلحاقه عمداً. ولا يشكل الألم أو العذاب الذي يلحق من دون قصد تعذيباً.
• يتم إلحاقه “لغرض”، مثل تلك المدرجة في المادة الأولى أو “لأي سبب من الأسباب يقوم على التمييز أياً كان نوعه”.
• “يلحقه أو يحرض عليه أو يوافق عليه أو يسكت عنه موظف رسمي أو أي شخص آخر يتصرف بصفته الرسمية”. (التشديد مضاف).
وتنص الجملة الثانية من المادة الأولى على أن التعريف لا يتضمن “الألم أو العذاب الناشئ فقط عن عقوبات قانونية أو الملازم لهذه العقوبات أو الذي يكون نتيجة عرضية لها.” وقد ذكر المقرر الخاص المعني بالتعذيب بأن هذا الاستبعاد (المعروف عادة باستبعاد” العقوبات القانونية”) “يجب أن يشير بالضرورة إلى تلك العقوبات التي تشكل ممارسات مقبولة على نطاق واسع من جانب المجتمع الدولي باعتبارها مشروعة، مثل الحرمان من الحرية عن طريق السجن، وهي قاسم مشترك يجمع بين جميع الأنظمة العقابية تقريباً”. وبالإشارة إلى العقوبات الجسدية القضائية
ذكر أن “العقوبات القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة هي … بحسب تعريفها غير قانونية، وبالتالي تستحق وصف عقوبات قانونية” ضمن معنى المادة الأولى من اتفاقية مناهضة التعذيب”.
فضلا عن ذلك، فإنه حسب إعلان حماية جميع الأشخاص من التعرض للتعذيب وغير من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ 09 دجنبر1975، يعرف التعذيب كالأتي:”أي عمل ينتج عنه ألم أو عناء شديد، جسديا كان أو عقليا ، يتم إلحاقه عمدا بشخص ما بفعل أحد الموظفين العموميين، أو بتحريض منه، لأغراض مثل الحصول من هذا الشخص أو من شخص آخر على معلومات أو اعتراف، أو معاقبته على عمل ارتكبه أو يشتبه في أنه ارتكبه، أو تخويف أشخاص آخرين . ولا يشمل التعذيب الألم أو العناء الذي يكون ناشئا عن مجرد جزاءات مشروعة أو ملازمة لها أو مترتبا عليها، في حدود تمشي ذلك مع ” القواعد النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء”.
غيرأن هذا التعريف الوارد في القانون المغربي لا يتلاءم في كثير من بنوده مع الاتفاقية الدولية لمناهضة التعذيب وبالخصوص المادتين 1 و4 من الاتفاقية ، من حيث أنه “لم يضع تحديدا واضحا لمفاهيم من قبيل التعذيب المباشر والعقوبة القاسية والمعاملة اللاإنسانية والمعاملة المهينة”، حيث إن كل الوثائق المعنية سواء الصادرة عن الأمم المتحدة أو منظمات أخرى دولية أو إقليمية التي تتطرق للتعذيب لا تميز بينه وبين مختلف أشكال” المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة”، كما أنها تعنى في جوهرها بالتعذيب الذي يمارسه موظفو أجهزة الدولة وباقي الأفراد الدين يعملون لفائدتهم أو بتعاون معهم أو برضا منهم.

وعليه فان إغفال القانون المتعلق بتجريم التعذيب تجريم المعاملة السيئة والعقوبة القاسية واللاإنسانية قد يفرغ هذا القانون من الشمولية في مسؤولية الموظف عند ضلوعه المباشر وغير المباشر في أعمال التعذيب ما دام المغرب قد صادق على الاتفاقية الدولية لمناهضة التعذيب التي تنص صراحة على تجريم المعاملة السيئة والعقوبة القاسية واللاإنسانية وأن سكوت المشرع المغربي على مثل هذه الأعمال قد يشجع بعض المسؤولين على الشطط في استعمال سلطاتهم عند اعتقال الأفراد والتحقيق معهم.
كما أن التعديل الذي طرا على الفصل 231 من القانون الجنائي بمقتضى قانون تجريم التعذيب لا يمكن أن يعطي ثماره إلا إذا وازته تعديلات أخرى تعم بعض مواد قانون المسطرة الجنائية المتعلقة بقواعد الاختصاص الاستثنائية ( الحكم في الجنايات أو الجنح المنسوبة لبعض القضاة أو الموظفين) وبالخصوص المادة 268 التي تنص على إجراءات محاكمة رجال السلطة وضباط الشرطة القضائية.
2) مدى احترام السلطات المغربية القانون المتعلق بتجريم التعذيب
في سنة 2006 ، وبعد صدور القانون المتعلق بتجريم ممارسة التعذيب ، شكل موضوع ممارسة التعذيب، باعتباره خرقا فاضحا لحقوق الإنسان، محور جدل بين المقرر الخاص لمناهضة التعذيب بمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، والسفير الممثل الدائم للمغرب لدى الأمم المتحدة بجنيف، الذي صرح في معرض تعقيبه بأن المغرب يولي «أهمية كبيرة للمصادقة على البروتوكول الاختياري لاتفاقية مناهضة التعذيب»، مشيرا إلى أن أشواطا مهمة تم قطعها في هذا الإطار و أن قانونا جديدا لمناهضة التعذيب دخل حيز التنفيذ بالمغرب في فبراير2006.
وهذا يوضح بجلاء أن أعمال التعذيب مازالت مستمرة في المغرب وأن السلطات لا تتخذ في أغلب الأحيان الإجراءات الكفيلة لمناهضتها وتقديم مرتكبيها إلى العدالة ، اللهم فيما يتعلق بحالات محدودة جدا وقع بشأنها التحقيق والمتابعة.

وما فتئت المنظمات الحقوقية تتوصل بشكايات من قبل أشخاص تعرضوا للتعذيب في مخافر الشرطة والدرك الملكي وفي المعتقلات السرية وفي السجون.
وهناك أنواع عديدة من التعذيب تمارس على المعتقلين، من بينها أساسا :
• التعذيب الجسدي: وذلك باستعمال كافة وسائل الضرب والجرح والإيذاء العمدي بواسطة العصي العادية والكهربائية و الصعق بواسطة التيار الكهربائي، وذلك في كافة أنحاء الجسم وخاصة على مستوى الرأس والأذنين، والإحراق بواسطة أعقاب السجائر.
• التعذيب النفسي : عبر السب والشتم والقذف بألفاظ وكلمات نابية، والمنع من النوم لليالي وأيام متوالية، مع استنطاق المعتقلين لساعات طويلة، والتهديد بهتك أعراضهم أواغتصاب زوجاتهم وبناتهم وأقاربهم.
• التعذيب الجنسي : وذلك بممارسة كافة أنواع هتك العرض إما مباشرة أو بواسطة أدوات مادية حادة وقاطعة كالعصي والزجاجات.
3) إجراءات ضرورية لوقف التعذيب وغيرة من ضروب المعاملة القاسية واللاإنسانية
نعتقد أن التصدي لظاهرة استشراء التعذيب في المغرب واتساع دائرة ضحاياه لا يمكن أن يتم إلا من خلال قيام مؤسسات الدولة باتخاذ العديد من التدابير الإجرائية والتشريعية التى تكفل الأعمال الكاملة للاتفاقية الدولية لمناهضة التعذيب وغيرة من ضروب المعاملة القاسية والمهنية واللاإنسانية ويندرج ذلك تحت هذا الإطار ما يلي:
1. وضع تعريف للتعذيب يتماشى مع المادتين 1 و4 من اتفاقية مناهضة التعذيب ليصبح القانون الجنائي المغربي ينص بصريح العبارة على حظر أي فعل تعذيب بوضوح حتى وان ارتكب في ظروف استثنائية أو استجابة لأمر صادر عن موظف أعلى أو سلطة عامة،
2. التحقيق الفوري من قبل النيابة العامة فى البلاغات المقدمة من الهيئات والأفراد عن الاعتداءات التى يتعرض لها المحتجزون فى السجون وأماكن الاحتجاز،
3. إجراءات تحقيق إداري مواز للتحقيقات التى تجريها النيابة العامة مع ضباط الشرطة المرتكبين لمخالفات قانونية ضد المواطنين فى أقسام الشرطة ومحاسبتهم تأديبيا،
4. إنشاء ” آلية” تحقيق دائمة ومستقلة تشمل قضاه ومحامين وأطباء تقوم بفحص جميع ادعاءات التعذيب التي تحدث في أقسام ومراكز الشرطة وتقديم المسؤولين عنها للمحاكمة وعلى أن تحول السلطات اللازمة لدخول جميع مراكز الاحتجاز والوصول إلى المعلومات والبيانات التي تحتجها وإلى كل الأشخاص الذين ترغب في الاستماع إليهم،
5. إعداد دورات تثقيفية وتدريبية عاجلة لضباط الشرطة خاصة العاملين في إدارات الشرطة القضائية حول كيفية التعامل مع المحتجزين داخل مراكز الشرطة بما يتضمن احترام كرامة المواطن وحرياته الأساسية التي كفلتها نصوص الدستور والقانون وأحكام المواثيق الدولية المعنية بحقوق الإنسان التي التزمت بها الحكومة المغربية وذلك بالمواكبة مع تدريس مادة حقوق الإنسان في مناهج التعليم وأكاديمية الشرطة ومعاهد ومدارس التدريب التي يجرى فيها الإعداد المهني لرجال الشرطة،
6. ضرورة أن تتخذ السلطات موقفا إيجابيا تجاه منظمات حقوق الإنسان المغربية وذلك من خلال التعاون معها والتحقيق في جميع البلاغات المقدمة منها إلى لوكلاء الملك لدى المحاكم ووزير الداخلية و تزويدها بالمعلومات ونتائج التحقيقات وتمكين أعضائها من تفقد أحوال السجون ومراكز الاحتجاز المختلفة وزيادة أقسام الشرطة.
د.خالد الشرقاوي السموني
رئيس المركز المغربي لحقوق الإنسان
خبير في القانون الدولي الإنساني

اعادة نشر بواسطة محاماة نت