استثمار مقاصد العدالة الانتقالية من خلال المعاهدات عبر التاريخ الإسلامي

 

د. حمزة العيدية، كلية العلوم الإنسانية والعلوم الإسلامية-قسم العلوم الإسلامية

جامعة وهـران.1 أحمد بن بلة، الجزائر
إعادة نشر بواسطة محاماة نت

ملخص
تهتم العدالة الانتقالية بحقوق الإنسان التي انتهكت قديما وحديثا بل حتى في الآونة الأخيرة، وتحليل هذه الآلية وتطبيقها عمليا يهدف إلى تأسيس مستقبل مستقر، والقصد من هذه الدراسة استفراخ الجهد في التعامل مع إرث الانتهاكات التي خلفها تسلط الأمم الباغية لتشمل العدالة الجنائية وعدالة إصلاح الضرر والعدالة الاجتماعية والعدالة الاقتصادية، من هذا المنطلق يهدف بحثنا في البحث باستثمار مقاصد العدالة الانتقالية من خلال المعاهدات عبر التاريخ الإسلامي، التي تعتبر اللبنة الأولى التي بنيت عليها أسس العدالة الانتقالية في وقتنا الحاضر.

 

 

 

للحصول على استشارة مجانية

تفضل الى رقم مكافحة الابتزاز

 

 

Abstract The aim of this study is to spread the effort in dealing with the legacy of the violations left behind by the tyranny of the nations to include criminal justice, the justice of the repair of harm and social justice. And economic justice. In this sense, our research aims at investing the purposes of transitional justice through treaties through Islamic history, which is considered the first building upon which the foundations of transitional justice have been based in our time.

مقدمة
إن مجال العدالة الانتقالية يهتم بحقوق الإنسان التي انتهكت قديما وحديثا بل حتى في الآونة الأخيرة، وتحليل هذه الآلية وتطبيقها عمليا يهدف إلى تأسيس مستقبل مستقر، والقصد من هذه الدراسة استفراخ الجهد في التعامل مع إرث الانتهاكات التي خلفها تسلط الأمم الباغية لتشمل العدالة الجنائية وعدالة إصلاح الضرر والعدالة الاجتماعية والعدالة الاقتصادية…

وتشير الدراسات إلى أن إرهاصات هذا المجال تعود إلى مرحلة تقع في أعقاب الحرب العالمية الثانية في أوروبا (مثل محاكمات نورمبرغ والقضاء على النازية)، فإن العدالة الانتقالية بدأت تظهر حسب التفكير العام السائد بشكل أكثر قوة ووضوحا مع إقامة محاكمات حقوق الإنسان في اليونان في أواسط السبعينات ومع المتابعات ضد الحكم العسكري في الأرجنتين بعد مرور عشر سنوات، وكذا جهود تقصي الحقائق في الأرجنتين (1983) وتشيلي (1990)، فساهمت الدولتان بهدف توفير أشكال مختلفة من التعويضات لصالح الضحايا مساهمات هامة في ترسيخ معنى للعدالة لضحايا انتهاكات حقوق الإنسان.كما ساهمت جهود أوروبا الشرقية في التعامل مع انتهاكات الماضي من خلال فتح ملفات وكالات الأمن الداخلي السابقة على سبيل المثال في ألمانيا وفي منع منتهكي حقوق الإنسان السابقين من الوصول إلى مناصب في السلطة من خلال عملية التطهير كما في تشيكوسلوفاكيا في (1991)، وفي الدفع بالنقاش حول مجال العدالة الانتقالية، وأنشأت جنوب إفريقيا في (1995) لجنة الحقيقة والمصالحة الشهيرة للتعامل مع جرائم حقوق الإنسان السابقة، كما اشتهرت كذلك المحكمتان الجنائيتان الدوليتان ليوغوسلافيا ورواندا كمحاولة للاعتماد على القانون الدولي لحقوق الإنسان لضمان المحاسبة، كما أن ما تم إحرازه من تقدم مؤخرا في المتابعة الجنائية المحلية للمنتهكين السابقين لحقوق الإنسان في تشيلي وجواتيمالا كان صدى للجهود السابقة في كل من اليونان والأرجنتين وزاد من قوة الحجة بأن ذلك يشكل طريقة صالحة لمواجهة الماضي.

هذه النبذة التاريخية عن ظهور العدالة الانتقالية وتفعيلها في المجتمعات نجد لها أصلا دفينا في التاريخ الإسلامي، وذلك بتفحص الأحداث والوقائع التي وقعت زمن التشريع والخلافة الراشدة وفيما بعد، وهذه بعض المشاهد التي مثلت العدالة الانتقالية في ثوبها الصحيح.

نماذج تاريخية تطبيقية للعدالة الانتقالية:

أولا صلح الحديبية: يقدِّم لنا صلح الحديبية حقيقة العدالة الانتقالية نظريا وتطبيقيا ويترجم مضمونه ما وقع أثناء الصلح فعليا دراسة وتحقيقا في أرض الواقع، وهذه النازلة التاريخية مبسوطة في مصنفات السيرة ومؤلفات السياسة الشرعية([1]).

ومن المعلوم تاريخيا أن صلح الحديبية عقد في شهر شوال من السنة السادسة للهجرة النبوية بين المسلمين وبين مشركي قريش أين تم عقد هدنة بين الجانبين مدتها عشر سنوات.

وفحوى هذا الصلح تكمن في أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رؤية فخرج يريد أصحابه ليخبرهم برؤياه التي رأى فيها دخوله لمكة وطوافه بالبيت، فاستبشر المسلمون بهذه الرؤيا لعلمهم أن رؤيا الأنبياء حق، وتهيؤا لهذه الرحلة العظيمة.

وفي يوم الاثنين من شهر ذي القعدة السنة السادسة خرج الرسول صلى الله عليه وسلم يريد العمرة ومعه ألف وأربعمائة من الصحابة مهاجرين وأنصار، وليس معهم إلا سلاح السفر، لأنهم مسافرون في عبادة وسفر أمان وسلام لا يريدون حربا ولا قتالا مع مشركي قريش، فأحرموا بالعمرة ولبسوا لباس الإحرام من ذي الحليفة، فلما اقتربوا من مكة بلغهم أن قريشاً جمعت الجموع لمقاتلتهم وصدهم عن البيت الحرام .

فلما نزل الرسول بالحديبية أرسل عثمان رضي الله عنه إلى قريش وقال له: أخبرهم أنا لم نأت لقتال، وإنما جئنا عماراً، وادعهم إلى الإسلام، وأَمَرَه أن يأتي رجالاً بمكة مؤمنين ونساء مؤمنات، فيبشرهم بالفتح، وأن الله عز وجل مظهر دينه بمكة، حتى لا يستخفى فيها بالإيمان. فانطلق عثمان، فمر على قريش، فقالوا: إلى أين ؟ فقال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم أدعوكم إلى الله وإلى الإسلام، ويخبركم: أنه لم يأت لقتال، وإنما جئنا عماراً. قالوا: قد سمعنا ما تقول، فأنفذ إلى حاجتك.

ولكن عثمان احتبسته قريش فتأخر في الرجوع إلى المسلمين، فخاف الرسول صلى الله عليه وسلم عليه، وخاصة بعد أن شاع أنه قد قتل، فدعا إلى البيعة، فتبادروا إليه وهو تحت الشجرة فبايعوه على أن لا يفروا، وهذه هي بيعة الرضوان التي أنزل الله فيها قوله: ﴿ لَقَدْ رَضِيَ الله عَنِ المٌؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعٌونَكَ تحَتَ الشَجَرَةِ ﴾([2]).

وأرسلت قريش عروة بن مسعود إلى المسلمين فرجع إلى أصحابه، فقال :” أي قوم، والله لقد وفدت على الملوك كسرى، وقيصر والنجاشي والله ما رأيت ملكاً يعظمه أصحابه كما يعظم أصحاب محمد محمداً. والله ما انتخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم، فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمر ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم وما يحدون إليه النظر تعظيماً له، ثم قال: وقد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها، ثم أسرعت قريش في إرسال سهيل بن عمرو لعقد الصلح، فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم قال: قد سهل([3]) لكم أمركم، أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل، فتكلم سهيل طويلاً ثم اتفقا على قواعد الصلح فدعا الرسول صلى الله عليه وسلم علّيا رضي الله عنه فقال: “اكتب بسم الله الرحمـن الرحيم. فقال سهيل: أما الرحمن، فما أدري ما هو؟ ولكن اكتب: باسمك اللهم كما كنت تكتب. فقال المسلمون: والله لا نكتبها إلا بسم الله الرحمن الرحيم، فقال صلى الله عليه وسلم: اكتب: باسمك اللهم، ثم قال: اكتب: هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله، فقال سهيل: والله لو نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت، ولكن اكتب محمد بن عبد الله، فقال: إني رسول الله، وإن كذبتموني اكتب محمد بن عبد الله، ثم تمت كتابة الصحيفة، ودخلت قبيلة خزاعة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودخلت بنو بكر في عهد قريش، وتضمنت الاتفاقية البنود التالية: الأولى: رجوع الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه من عامه وعدم دخول مكة، وإذا كان العام القادم دخلها المسلمون بسلاح الراكب فأقاموا بها ثلاثاً .

الثانية: وضع الحرب بين الطرفين عشر سنين، يأمن فيها الناس .

الثالثة: من أحب أن يدخل في عقد مع محمد وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد مع قريش وعهدهم دخل فيه.

الرابعة: من أتى محمداً من قريش من غير إذن وليه رده إليهم، ومن جاء قريشاً ممن مع محمد لم يرد إليه.

فلما فرغ من قضية الكتاب، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: قوموا فانحروا، ثم احلقوا، وما قام منهم رجل، حتى قالها ثلاث مرات. فلما لم يقم منهم أحد، فقام ودخل خيمته وأخبر أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها بالأمر، فأشارت([4]) عليه أن يخرج وينحر ويحلق، فخرج ولم يكلم أحداً منهم حتى نحر بدنه ودعا حالقه. فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضاً، حتى كاد بعضهم يقتل بعضاً، وبهذا سكنت الفتنة، فكانت أول بذرة تؤسس للعدالة الانتقالية.

وفي مرجعه صلى الله عليه وسلم: أنزل الله سورة الفتح: ﴿ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا وَيَنصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا ﴾([5]) فقال عمر: أو فتح هو يا رسول الله ؟ قال: نعم، قال الصحابة: هذا لك يا رسول الله، فما لنا؟ فأنزل الله تعالى ﴿ هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِندَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾([6])، وكان هذا الخطاب القرآني جبرا لما أصاب الصحابة من صدهم عن البيت الحرام وما دون في وثيقة الصلح ابتداء.

ثانيا: علي رضي الله عنه والخوارج:

يعتبر التاريخ مصدراً هاماً من مصادر حفظ كيان الأمم والشعوب، لذلك كانت كتابة التاريخ أمراً ذا حساسية وخطورة بالغتين، لما له من أثر بالغ في إقناع الناس، وادّعاء الحقوق نقول هذا عن التاريخ لنعرج على حدث من أحداث التاريخ الإسلامي في عصوره المتقدمة، وتحديداً زمن الخلافة الراشدة، ألا وهو حادثة التحكيم التي جرت سنة 37هـ في أعقاب حرب صفين التي دارت رحاها بين جيش العراق الذي قاده الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه وجيش الشام بقيادة معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه.

يلخص الإمام أبو بكر بن العربي في كتابه العواصم من القواصم([7]): “وكان أبو موسى رجلاً تقيّاً ثقفاً فقيهاً عالماً، أرسله النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن مع معاذ، وقدّمه عمر وأثنى عليه بالفهم”. وكذا كان عمرو بن العاص ذكيّاً فطناً صاحب رأي ومشورة. واتفق الطرفان على إنهاء الحرب، وأن يرجع كلّ منهما إلى بلده، ولم يتطرقا إلى الأمور الشائكة وهي مبايعة معاوية ولعلّي وتسليم علّي قتلة عثمان إلى معاوية، وركّزا على التهدئة وترك الأمور التي سببت النزاع جانبا.

وبالرغم مما بذله الحكمان من جهد لتسوية النزاع، وبالرغم من الأثر الإيجابي للتحكيم، إلا أن فئة من الناس لم يَرُق لها أن يضع المسلمون حدّاً لاقتتالهم، من بين هؤلاء الخوارج، الذين رفضوا التحكيم وأظهروا معارضتهم لعلّي رضي الله عنه عدّة مرات بل هددوه بالقتل وثاروا عليه، فخطب علي يوما فتنادوا من جوانب المسجد بهذه الكلمة “لا حكم إلا الله”، فقال علي: ” الله أكبر كلمة حق أريد بها باطل، وخطب ثانيا فقالوا كذلك، فقال: أما إن لكم عندنا ثلاثا ما صحبتمونا لا نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسمه ولا الفيء ما دمتم معنا ولا نقاتلكم حتى تبدؤنا وننتظر فيكم أمر الله”. وهذه بداية أمرهم وخروجهم على علي رضوان الله عليه، ثم قاتلهم في وقعة النهروان وهزمهم والقصة طويلة مبسوطة في الكتب.

يشير ابن تيمية([8])رحمه الله:” أنه ثبت عن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه من وجوه أنه لما قاتل أهل الجمل لم يسب لهم ذرية ولم يغنم لهم مالا ولا أجهز على جريح ولا اتبع مدبرا ولا قتل أسيرا وأنه صلى على قتلى الطائفتين بالجمل وصفين وقال إخواننا بغوا علينا وأخبر أنهم ليسوا بكفار ولا منافقين واتبع فيما قاله كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم فإنه سماهم إخوة وجعلهم مؤمنين في الاقتتال والبغي كما ذكر في قوله تعالى” وَإِن طَائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنينَ اقْتَتَلُوا”([9]).

فالناظر في قول علّي رضي الله عنه يجد أنه لم يسب من خرج عليه ولم يطعن في ذريتهم ولم يأخذ عليهم مالا وما قتل أسيرا وما اتبّع آبقا ولا أغلظ على جريح، بل وصفهم بالأخوة ” وَإِن طَائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإنْ بَغَتْ إحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إلى أَمْرِ اللهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُ المُقْسِطِينَ إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ” وأخبر أنهم مسلمون وليسوا كفارا ولا منافقين وصلى عليهم صلاة الجنازة مطبقا لحقوق المسلمين على بعضهم البعض ومستحضرا قوله صلى الله عليه وسلم الوارد في صحيح البخاري ” سِبابُ المسلمِ فسوقٌ، وقتالُه كفرٌ “([10]).

وقال أيضا: “ولا يستوي القتلى الذين صلى عليهم وسماهم إخواننا، والقتلى الذين لم يصل عليهم بل قيل له من – الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا- فقال هم أهل حروراء([11]) “([12]).

هذا الفرق بين أهل حروراء وبين غيرهم الذي سماه أمير المؤمنين في خلافته بقوله وفعله موافقا لكتاب الله وسنة نبيه وهو الصواب الذي لا معدل عنه لمن هدي رشده وهذا من دقته رحمه الله وهذا ما اعتمده القرطبي في تفسيره([13]).

ويظهر تطبيق العدالة الانتقالية حين بيّن علّي رضي الله عنه أنهم إخوة لهم لكنهم أخطئوا فوجب تطبيق الشرع فيما بينهم فلم يكفّرهم ولم يسبهم ولم يصفهم بالنفاق وهذا ما ذكره علّي رضي الله عنه بعدما قاتل الخوارج وقاتلوه ثم قتلوه، فسئل من قبل بعض الناس عنهم” أمشركون هم ؟ قال: من الشرك فروا، فقالوا: أفمنافقون ؟ قال: إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلاً – أي هؤلاء يذكرون الله كثيراً – قيل: فما هم يا أمير ألمؤمنين ؟ قال: إخواننا بغوا علينا فقاتلناهم ببغيهم علينا”([14]).

وفي رواية لما سئل علي رضي الله عن الخوارج عن الذين قنت عليهم وقاتلهم، قال: ” لما قَتل علي رضي الله عنه الحرورية، قالوا: من هؤلاء يا أمير المؤمنين، أكفار هم؟ قال: من الكفر فروا.قيل: فمنافقين، قال: إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلا، وهؤلاء يذكرون الله كثيراً، قيل: فما هم؟ قال قوم أصابتهم فتنة فعموا فيها وصموا”([15]). ثالثا موقعة الجمل وصفين([16]):

تعتبر هذه الحادثة من أبرز الحوادث والأحداث التاريخية التي تناولتها أقلام الباحثين والمحققين بين مؤيد ومعارض ومحايد، رغم أنها حقائق تاريخية في حياة البشر وما الصحابة إلا بشر يصدر منهم ما يصدر من غيرهم في زمانهم وزمن غيرهم، إلا أن حبر المتتبعين كان أحيانا يزيغ عن الحق ويظل الطريق مجانبا المبدأ العام في التحقيقات التاريخية القاضي بأن الحقائق العلمية لها وجها واحدا، ونجد هذه الحادثة مبسوطة في المؤلفات من كل الطوائف بمختلف أشكالها وألوانها([17]) يعتبر صلح الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وتنازله عن الخلافة لمعاوية بن أبي سفيان أول صلح عدالة انتقالية في التاريخ الإسلامي انتقلت به رئاسة الدولة الإسلامية من طور الخلافة الراشدة إلى طور الملكية السياسية وتم فيه حقن الدماء ووقف الحرب الأهلية وجبر ضرر الضحايا.

وبفعل الفتوحات الإسلامية خاصة في عهد الخليفتين عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان رضي الله عنهما اتسعت رقعة الدولة الإسلامية ودخلت أمم كثيرة من الفرس والبربر والأقباط في الإسلام وحملوا معهم خلفياتهم الثقافية والسياسية والاجتماعية ولم يكونوا تشبعوا بعد بتعاليم الإسلام، فانصهروا في نظام الحكم وبدأت تستهويهم حركات المعارضة التي انتهت بمقتل الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه وسرعان ما تحولت الأمور إلى حركة صراع دموي بين علي وعائشة أم المؤمنين، ثم بين علي ومعاوية بن أبي سفيان.

وقبل أن ينتهي الصراع المسلح بانتقال السلطة إلى البيت الأموي بشكل رسمي بتنازل الحسن ابن علي بن أبي طالب عن الخلافة لمعاوية مقابل حقن دماء المسلمين وإطفاء الفتنة وجبر الضرر، فشكَّل انتقال الخلافة إلى البيت الأموي تحولا سياسيا على درجة خاصة من الأهمية في التاريخ السياسي للدولة الإسلامية أخطر آثاره انتقال رئاسة الدولة الإسلامية من دائرة المساواة بين المسلمين في حق الترشيح والترشح لمنصب الخلافة والاحتكام إلى الشورى في حال الاختلاف فيمن يحق له أن يترشح لهذا المنصب إلى نظام الملكية الوراثية وولاية العهد التي استمرت حتى الآن في كثير من الدول الإسلامية دون النظر إلى مدى أهلية المرشح أو إعطاء أي اعتبار للقوى السياسية الأخرى التي لها وزنها في صناعة القرار السياسي في حياة الأمة والذين يسميهم الفقه الدستوري الإسلامي أهل الحل والعقد.

بعد فشل التحكيم الذي جرى بين علي ومعاوية رضي الله عنهما في دومة الجندل سنة38هـ عاد علي بن أبي طالب رضي الله عنه إلى العراق مستقلا بها بينما مضى معاوية بن أبي سفيان إلى الشام متوليا بها مستقلا بها عن علي رضي الله عنه الذي لم يعترف له بالخلافة، فكان هذا أول تقسيم داخلي لدار الإسلام.

ومنذ هذا التاريخ استمرت الصراعات المسلحة غير الدولية بين الطرفين حيث كان معاوية يرسل كتائبه العسكرية للإغارة على المناطق الخاضعة لعلي بن أبي طالب الذي كان يعاني من حركات تمرد متعددة في مختلف المناطق التابعة له، فانشق عنه الخوارج وقاتلهم في واقعة النهروان، وتثاقل أهل البصرة عن نصرته وامتنع أهل البحرين عن دفع الخراج والزكاة له، بينما حاولت بعض الولايات الفارسية الاستقلال عنه والامتناع عن دفع الخراج وقامت بطرد عماله، وازداد الشقاق واحتدم الصراع باتساع دائرة تقسيم الدولة الإسلامية من خلال انفصال مصر عن الكوفة وتبعيتها لمعاوية بن أبي سفيان.

وبعد مراسلات سياسية بين علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان اتفق الطرفان سنة40هـ على أن تعقد هدنة يتعهد بموجبها الطرفان على عدم اعتداء أي منهما على الآخر.

لكن هذا الصلح والهدنة لم يكتب لهما النجاح، إذ بعدها واصل معاوية تحركاته حتى بايعه أهل الشام خليفة بيت المقدس وأقبل في جيوش كثيفة لغزو العراق مخالفا أحكام الهدنة والصلح بينه وبين علي بن أبي طالب، واتخذ من المدائن معسكرا له، فجهز علي جيشا قوامه 40.000 رجل لقتاله، لكنه اغتيل بالمسجد قبل أن يسير لقتال أهل الشام.

فبايع أهل الكوفة ابنه الحسن، فتجهز للخروج لقتال معاوية، وولى عبيد الله بن عباس على مقدمة الجيش، إلا أن هذا الأخير التحق بجيش معاوية مع 8000 من أصحابه فولى مكانه قيس ابن سعد، فلما كان الحسن بالمدائن أشيع أن قيسا قد قتل، فاضطرب جيشه وتخاذل الجند، فأعلن الحسن أنه لا يريد أن يكرههم على القتال وأنه يفكر في مصالحة معاوية، فصاح بعض من كان يأخذ برأي الخوارج في معسكره:” كفر الحسن كما كفر أبوه من قبل ” فهاج الناس وهجم عليه الجند ونهبوا متاعه وطعنه أحدهم في فخذه، فحمل إلى المدائن ودمه ينزف، وهناك كاتب الحسن معاوية يطلب الصلح مقابل شروط اشترطها.

وترى المصادر الشيعية أن معاوية هو الذي عرض الصلح على الحسن وأن يتنازل له عن الخلافة مستغلا في ذلك حركات الضعف والخذلان والتمرد التي أصابت جيشه وذلك لكي ينفرد بالملك ممنيا إياه بالوعود المالية وأن يكون له الأمر من بعده، ووافق هذا الرأي بعض مؤرخي السنة وإن اختلفوا في تفاصيل الدوافع التي جعلت معاوية ينحاز إلى الصلح مع كونه في موقع استراتيجي وإداري أقوى من الحسن، وأهم ما يلجأ إليه المؤرخون في ذلك لترجيح بعض الروايات على بعض الرسائل التي تبادلها الحسن ومعاوية قبل أن يلتقيا، لكننا عندما ندقق النظر فإنه يترجح أن الحسن عندما رأى خذلان جنده وكراهة أهل العراق للقتال والتحاق بعض قادته بجيش معاوية واضطرب جنده وقوة جند أهل الشام، كاتب الحسن معاوية وأرسل إليه بشروط المصالحة بقوله:” إن أعطيتني هذه فأنا سامع مطيع ” وقبل أن تصل رسالته إلى معاوية كان هذا الأخير قد بعث إليه بصحيفة بيضاء مختوم بأسفلها وكتب له فيها :” اشترط في هذه الصحيفة ما شئت فهو لك ” فلما وصلت هذه الصحيفة إلى الحسن اشترط فيها أضعاف الشروط التي كان قد اشترطها لمعاوية من قبل، وعندما وصلت رسالة الحسن إلى معاوية أمسكها عنده.فلما التقيا سأل الحسن معاوية أن يعطيه الشروط التي ذكرها في الصحيفة الموقعة على بياض من طرف معاوية.فأبى معاوية أن يعطيه ذلك وقال له:” لك ما كنت كتبت إليً أولا حين جاءني كتابك وأعطيتني العهد على الوفاء بما فيه ” فاختلفا في ذلك ولم ينفذ للحسن من الشروط شيئا مما جاء في رسالته تلك واكتفى بالشروط التي طلبها الحسن في رسالته الأولى([18]).

شروط المصالحة بين الحسن ومعاوية رضي الله عنهما:

تتفق المصادر التي تطرقت لقضية الصلح التي انعقدت في مسكن 26ربيع الثاني سنة40هـ أن الحسن هو الذي عرض على معاوية التنازل عن الخلافة مقابل شروط مادية ومعنوية ولكنها تختلف في التفاصيل زيادة ونقصا، وهذه هي الشروط على النحو التالي:

” بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما صالح عليه الحسن بن عليّ بن أبي طالب معاوية بن أبي سفيان، صالحه على:

تسليم الأمر إلى معاوية ويعمل بكتاب الله وسُنّة رسوله وسيرة الخلفاء الصالحين.

2-الأمر بعد معاوية إلى الإمام الحسن رضي الله عنه وبعده للإمام الحسين رضي الله عنه وليس لمعاوية أن يعهد بها إلى أحد.

3- أن لا يسمى معاوية أمير المؤمنين.

4- أن لا يسب علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ولا يذكره إلا بخير.

5- أنّ الناس آمنون حيث كانوا من أرض الله تعالى في شامهم وعراقهم وحجازهم ويمنهم.

6- وأنّ أصحاب عليّ وشيعته آمنون على أنفسهم وأموالهم ونسائهم وأولادهم. وعلى معاوية بن أبي سفيان بذلك عهد الله وميثاقه، وما أخذ الله على أحدٍ من خلقه بالوفاء، وبما أعطى الله من نفسه.

7- وعلى أن لا يبغي للحسن بن عليّ، ولا لأخيه الحسين، ولا لأحدٍ من أهل بيت رسول الله غائلةً سرّاً ولا جهراً، ولا يخيف أحداً منهم في أُفُقٍ من الآفاق، شهد عليه بذلك، وكفى بالله شهيداً ([19]).

 8- أن يوصل إلى كل ذي حق حقه.

9- أن يفرق في أولاد من قتل مع أبيه في يوم الجمل وصفين ألف ألف درهم ويجعل ذلك من خراج دار أبجر.

10- أن يعطيه ما في بيت مال الكوفة ويقضي عنه ديونه ويدفع إليه في كل عام مائة ألف.

12- استثناء ما في بيت مال الكوفة وهو خمسة آلاف ألف درهم فلا يشمله تسليم الأمر وعلى معاوية أن يحمل كل عام إلى الإمام الحسين ألفي ألف درهم وأن يفضل بني هاشم في العطاء والصلات على بني عبد شمس وأن يفرق في أولاد من قتل مع أمير المؤمنين يوم الجمل، وأولاد من قتل معه بصفين ألف ألف درهم.

ما بعد الصلح:

يرى الكثير من المؤرخين أن معاوية وفَّى للحسن بالشروط التي طلبها في رسالته الأولى خصوصا الشروط المالية وذلك لجبر الضرر، ما عدا خراج دار أبجر بفارس فإن أهل البصرة منعوه، ويرى ابن الأثير في تاريخه أن ذلك كان بإيعاز من معاوية، وأما ما ذكره بعض المؤرخين من أن معاوية كان قد التزم بأن يعيد الخلافة إلى الحسن بعد موته، فهذا ما ذكر في مصدرين اثنين، أحدهما سني عرف بنقده لبني أمية وهو جلال الدين السيوطي، والآخر شيعي وهو الشيخ آل ياسين حيث زاد هذه العبارة “…فإن حدث بالحسن حادث فلأخيه الحسين وليس لمعاوية أن يعهد بها إلى أحد من بعده “.

ويرى ابن الأثير أن معاوية لم يف للحسن بعدم شتم علي وهو يسمع، لكن ابن قتيبة الدينوري – وهو مؤرخ سابق عن ابن الأثير– يقول:” إن الحسن والحسين لم يريا طول حياة معاوية منه سوء في أنفسهما ولا مكروها، ولا قطع عنهما شيئا مما كان شرطه لهما ولا تغير لهما عن برّ “([20]).

وفي جميع الأحوال فإن الخلافة انتقلت إلى معاوية بن أبي سفيان ثم إلى ابنه يزيد واستمرت في البيت الأموي نظاما ملكيا إلى أن أسقطت على يد بني العباس سنة 132هـ، ولم تعد بعد ذلك أبدا إلى آل البيت النبوي خرقا لاتفاقية المصالحة بين الحسن ومعاوية التي انعقدت سنة40هـ.

أسباب المصالحة بين الحسن ومعاوية:

لم يكن عند الحسن رضي الله عنه ولا عند أحد من الصحابة شك أنه أحق وأولى بالخلافة من معاوية، وأنه قد تمت مبايعته بها بيعة شرعية لا مطعن فيها شرعا إلا أن انشقاق الجيش وضعف الجند وانسحاب بعض قادته لفريق معاوية شكل قوة قاهرة دفعته إلى طلب الصلح مع معاوية حقنا للدماء ومن ثم التنازل له عن الخلافة، وهذه جملة من الدوافع التي أدت بالحسن لعرض الصلح بدلا من الحرب:

1 تفرق الجيش وخذلانهم له، يذكر ابن الأثير في الكامل: “….فلما رأى الحسن تفرق الأمر عنه كتب إلى معاوية وذكر شروطا وقال له فيها: إن أعطيتني هذا فأنا سامع مطيع عليك أن تفي لي به.”

2خذلان أشراف الناس له وهم قدوة القوم والتحاقهم بمعسكر معاوية، فعندما بلغ الحسن خبر تسلل عبيد الله بن عباس إلى معسكر معاوية خطب الناس فقال: ” خالفتم أبي حتى حكم وهو كاره ثم دعاكم إلى قتال أهل الشام بعد التحكيم فأبيتم حتى صار إلى كرامة الله، ثم بايعتموني على أن تسالموا من سالمت وتحاربوا من حاربت، وقد أتاني أن أهل الشرف منكم قد أتوا معاوية وبايعوه فحسبي منكم لا تغروني عن دينكم ونفسي.”

وقد ذكر اليعقوبي في تاريخه أن عبيد الله بن عباس انضم إلى معسكر معاوية في ثمانية آلاف من أصحابه، وهذه ضربة موجعة وانشقاق حاد([21]).

3 كراهة الحسن للحرب وشفقته على الناس من الفتنة الدامية خصوصا وقد شهد بنفسه ما انتهت إليه بعد اغتيال عثمان بن عفان ثم اغتيال أبيه علي بن أبي طالب، فضلا عن تراكم الضغائن بين بني أمية وبني هاشم، وقد عبر الحسن بنفسه عن هذا الشعور عندما خاطب أصحابه قائلا: ” أيها الناس إني قد أصبحت غير محتمل على مسلم ضغينة وإني ناظر لكم كنظري لنفسي وأرى أكثركم قد نكل عن الحرب وفشل عن القتال ولست أرى أن أحملكم على ما تكرهون.”

4 يأس الحسن من الانتصار على أهل الشام الذين عرفوا بتلاحمهم أمام أهل العراق الذين ظهر منهم الانقسام والخذلان.فقد كان الحسن ينظر بنظرة واقعية إلى موازين القوى، يعبر عن ذلك قوله لعلي بن محمد بن بشير الهمذاني مظهرا يأسه من التغلب على معاوية “…والله لئن سرنا إليه بالجبال والشجر ما كان بدّ من إفضاء الأمر إليه.”

5:رغبته في حقن دماء المسلمين ابتغاء الأجر من الله سبحانه وتعالى وفقا لما أخرجه الحاكم عن جبير ابن نفير قال: ” قلت للحسن إن الناس يقولون أنك تريد الخلافة؟ فقال: ” كانت جماجم العرب في يدي، يحاربون من حاربت ويسالمون من سالمت، فتركتها ابتغاء وجه الله وحقنا لدماء أمة محمد صلى الله عليه وسلم.”

وبالنتيجة فإن صلح الحسن بن علي رضي الله عنهما كان تحت الضغط والإكراه أي أن الحسن كان مكرها على قبول نتائجه تحت ضغط حركات التمرد والخذلان التي أصابت صفوف قواته في العراق والمدائن فكانت المصالحة هي الحل لحقن الدماء الباقية.

وبتنازل الحسن عن الخلافة لمعاوية اجتمع شمل المسلمين مرة أخرى بعد أن مزقتهم الحروب وشتتهم الفتنة منذ مقتل عثمان بن عفان رضي الله عنه.وبهذا تحقق ما تنبأ به النبي صلى الله عليه وسلم عندما قال: ” إنّ ابني هذا سيّد وإنّي أرجو أن يُصْلِحَ اللهُ به بين فئتين من أمّتي”([22]) لكن نظام الحكم انتقل من الخلافة إلى الملكية.

رابعا صلح البقط:

أولا: في بيان معنى البقط لغة اصطلاحا:

اختلف أهل التحقيق في أصل الكلمة البقط؛ أهي عربية أم غير ذلك؟ والذين يرون أنها كلمة عربية صرفة اختلفوا في معناها اللغوي اختلافا واسعا، فبالنظر في كتب المعاجم والقواميس نجد أنها وردت بمعنى الفرقة من الشيء جمعها بقوط وهو ماليس بمجتمع في موضع، ولا منه ضيعة كاملة، وإنما هو شيء متفرق من الناحية بعد الناحية، وقال ابن منظور في اللسان ” تقول العرب مررت بهم بقْطا بقْطا بإسكان القاف وبقَطا بقَطا بفتحها أي متفرقين ” أي منتشرون متفرقون والبقطة من الناس بهذا المعنى الفرقة منهم([23]).

وقد تأتي بمعنى مخالف لهذا المعنى وذلك في قولهم ” بقط متاعه بقطا أي جمعه وحزقه”..

و ترد بغير المعنيين الأولين كقولك: تبقط فلان في الجبل إذا صعد فيه ففي حديث علي رضي الله عليه أنه حمل على عسكر المشركين فما زالوا يبقطون أي ينقادون إلى الجبل متفرقين وهذا من معاني البقط التي أوردها ابن منظور أيضا في لسان العرب.ومن معانيها البقط قماش البيت([24]).

وأورد بعض المؤرخين المسلمين أن المعنى مأخوذ من الفعل بقط الشيء فرقه، والبقط أن تعطي الجنة على الثلث، فيكون معناه على هذا بعض ما في أيدي النوبة([25]).

ومن يراها أنها غيرعربية اختلف في أصلها فقيل إنها ترجع إلى لفظ مشتق من أصلين الأول لاتيني يوناني الأصل وهو([26])Pacum ومعناهاالاتفاق والموادعةوالثاني مصري قديم ومعناها الضريبة التي توضع عينا،وقال آخرون: إنهاكلمة فرعونية قديمة وهيpakt ([27]) وتعني العهد والموادعة.وترد بمعنى فرعوني قديم آخر هو الصيد([28]).

ويذكر المقريزي أنها ما يقبض من سبي النوبة في كل عام ويحمل إلى مصر ضريبة عنهم([29]).

ثانيا بيان من هم النوبة في اتفاقية 31هـ؟

أطلقت كلمة النوبة وأرض النوبة في المصادر العربية بين القرنين التاسع والخامس عشر الميلاديين على منطقة واسعة تمتد من أسوان شمالاً حتى مملكة علوة جنوباً وفي بعض الأحيان يأتي استخدام كلمة النوبة مرادفاً للسودان([30]).

ولكن في أول اتصال المسلمين ببلاد النوبة في القرن السابع الميلادي لم تكن كلمة النوبة تصدق على كل ذلك المعنى الواسع. فبلاد النوبة في ذلك الوقت كانت تطلق علي ملكة نوباتيا شمالي المقرة، تليها مملكة المقرة وعاصمتها دنقلة ثم مملكة علوة وعاصمتها سوبا.

نص معاهدة البقط بحسب برواية المقريزي([31])

عهد من الأمير عبدالله بن سعد بن أبي السرح لعظيم النوبة ولجميع أهل مملكته، عهد عقده على الكبير والصغير بين المسلمين ممن جاورهم من أهل صعيد مصر وغيرهم من المسلمين وأهل الذمة، إنكم معاشر النوبة آمنون بأمان الله وأمان رسوله محمد صلى الله عليه وسلم ألا نحاربكم ولا ننصب لكم حربا، وأن لانغزوكم ما أقمتم على الشرائط التي بيننا وبينكم،على أن تدخلوا بلدنا مجتازين غير مقيمين فيه، وعليكم حفظ من نزل بلادكم أو بطرفه من مسلم، أو معاهد حتى يخرج عنكم، وأن عليكم رد كل آبق خرج إليكم من المسلمين حتى تردوه إلى أرض الإسلام ولا تستميلوا عليه ولا تمنعوا منه.

وعليكم حفظ المسجد الذي ابتناه المسلمون بفناء مدينتكم ولا تمنعوا منه مصلِ ولا تعرضوا لمسلم قصده وجاور فيه إلى أن ينصرف عنه وعليكم كنسه وإسراجه وتكرمته.

وليس على مسلم دفع عدو عرض لكم ولا منعه عنكم من حد أرض علوة إلى أرض اسوان.

فإن أنتم قتلتم مسلما أو معاهدا أو عرضتم للمسجد الذي ابتناه المسلمون بفناء مدينتكم بهدم أو منعتم شيئا من الثلاثمائة رأس والستين رأسا برئت منكم هذه الهدنة والأمان وعدنا نحن وأنتم على سواء حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين.

علينا بذلك عهد الله وميثاقه وذمته وذمة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، ولنا عليكم بذلك أعظم ما تدينون به من ذمة المسيح وذمة الحواريين وذمة من تعظمونه من أهل دينكم وملتكم.

الله الشاهد بيننا وبينكم على ذلك، وكتبه عمرو بن شراحبيل في رمضان سنة 31 هـ.

نتائج صلح البقط:

-أن معاهدة البقط قامت أصلا على مبادئ السلام والتعايش والأمان في مقابل الاعتراف والاحترام وتبادل المصالح التجارية بين الطرفين.

– أن المعاهدة قد وطنت الصلة بين الطرفين في وقت مبكر بسبب أنها أمنت الحدود والقوافل التجارية، وانفتح الباب للهجرات والحراك السكاني ودخل الجميع في علاقات أسرية فتكونت علاقات اجتماعية واسعة، مكنت للثقافة الإسلامية واللغة العربية في البلاد وازدهرت حركة التجارة وحركة الملاحة في البحر الأحمر، وفي منطقة وادي النيل فنشأت المدن والمراكز والموانىء النيلية، وانتقلت أعداد من النوبيين إلى مصر للتجارة وللعلم واستوطن بعضهم هناك وشارك مشاركات كبيرة في حركة السياسة والاجتماع والعلم حتى أضحت لهم حاراتهم الخاصة، وأصبح بالأزهر رواق كامل يعرف برواق النوبة والسودان، وأدى ذلك إلى بروز عدد غير قليل من العلماء النوبيين الذين أصبحوا منارات شامخة في الأدب والفقه والفتيا وعلم الحديث، وقدموا بذلك مساهمات مقدرة وكسبا وحضورا معتبرا في بناء وتثبيت معالم الحضارة الإسلامية سجلتها لهم مصادر التاريخ بأحرف من نور.

الخاتمة

بعد الجولة العلمية في ثنايا التاريخ الإسلامي وبما تضمنه من أحداث وحوادث مازالت الأماكن شاهدة عليها في الآن والأقلام تحبّر لها بما استجمع لها من الشواهد والأدلة للتحقيق فيها، واستقراء الوقائع التاريخية إلا أنه تعين أن العدالة الانتقالية كانت شرعية المنشأ منذ صلح الحديبية وفتح مكة وغيرها من المعاهدات وما تقرر فيها من البنود والاتفاقيات؛ فكانت تجربة ناجحة من الرسول صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام، وبهذا المنهج القويم والرؤية السديدة عالج الرسول صلى الله عليه وسلم الموقف وسن لمتبعيه السير على خطاه لمواجهة النوازل باعتماده إستراتيجية حكيمة لضبط المجتمع المدني بتعزيز آليات التشريع والتوجيه لأن من مقاصد العدالة الانتقالية في المنظور الإسلامي رعاية الإنسان ابتداء كمخلوق له حق الحياة والتمتع بما سخره له الله تعالى في هذا الكون رافعا الشعار العمري “متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا” فهو المحرك الأساسي الذي أسست له هذه الحقوق ومن أجله شرعت لها أحكام تحفظها وجودا وعدما من الاعتداء والانتهاك؛ واقامة السلام ونشره وتحقيقه والحث على المصالحة وتجسيد معنى الأخوة الإنسانية؛ في حين تسعى المنظمات العالمية بمختلف روافدها الدينية والليبرالية لحفظ حقوق الإنسان مركزة عليها فتعدها هدفا لها، وهذه الفكرة التي تفترق فيها العدالة الانتقالية في التصور الإسلامي عنه في الاتجاهات الأخرى وتتلاقى معها حول رعاية الحقوق وتحقيق السلام والتسامح والعفو ورد الاعتبار وتحقيق الذات وإقامة العدل..

المراجع:

القرآن الكريم.

1- الإسلام والنوبة؛مصطفى محمد مسعد؛الهيئة المصرية العامة للكتاب؛الطبعة الأولى2011م.

2 – إمتاع الأسماع بما للنبي من الأحوال والأموال والحفدة والمتاع أحمد بن علي بن عبد القادر أبو العباس الحسيني العبيدي تقي الدين المقريزي؛ كتب العلمية بيروت؛الطبعة الأولى،1420هـ – 1999م.

3- الإمامة والسياسة؛ابن قتيبة الدينوري؛دار الكتب العلمية بيروت؛الطبعة الأولى.

4- البداية والنهاية؛إسماعيل بن عمر بن كثير؛مكتبة المعارف بيروت 1410ه/1990م.

5- الجامع المسند الصحيح من أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه؛محمد بن إسماعيل البخاري؛تحقيق محمد زهير بن ناصر الناصر؛دار طوق النجاة؛الطبعة الأولى1422ه.

6- الجامع لأحكام القرآن؛محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي؛دار الفكر.

7- تاريخ دولة الكنوز الإسلامية؛عطية القوصي؛دار المعارف القاهرة؛الطبعة الأولى1976م.

8- تاريخ اليعقوبي؛ أحمد بن يعقوب بن وهب اليعقوبي؛دار الفكر بيروت 1956م

9- تاريخ الأمم والملوك؛ الطبري؛دار الكتب العلمية بيروت1997م.

10- رسالة فضل أهل البيت وحقوقهم؛ أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني تقي الدين أبو العباس؛تحقيق أبو تراب الظاهري؛دار القبلة جدة؛الطبعة الأولى 1405ه/1984م.

11- السودان عبر العصور؛مكي شبيكة؛دار الجيل بيروت؛الطبعة الأولى1411ه/1991م.

12- سير الأعلام النبلاء،الذهبي،مؤسسة الرسالة بيروت؛ط3 1985م.

13- العواصم من القواصم؛أبو بكر بن العربي؛تحقيق محب الدين الخطيب؛ مكتبة السنة؛ الطبعة السادسة 1412ه/1992م.

14- عون المعبود على شرح سنن أبي وداود؛محمد شمس الحق العظيم آبادي؛دار الفكر بيروت؛ 1415ه/1995م.

15- فتح الباري شرح صحيح البخاري. ابن حجر العسقلاني؛تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي؛ دار المعرفة بيروت؛ 1379ه.

16- لسان العرب؛أبو الفضل جمال الدين بن منظور؛دار صادر بيروت؛الطبعة الثالثة1414ه.

17- محيط المحيط،بطرس البستاني؛مكتبة لبنان.

18- المغازي؛ حمد بن عمر بن واقد السهمي الأسلمي بالولاء المدني أبو عبد الله الواقدي؛ تحقيق مارسدن جونس؛دار الأعلمي بيروت؛الطبعة الثالثة1409/1989.

19- المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار- الخطط المقريزية-المعروف بـ خطط المقريزي،أبو العباس أحمد بن علي المقريزي؛دار صادر بيروت.

20- الهجرات البشرية وأثرها في نشر الإسلام في السودان؛يوسف فضل حسن؛وزارة الشؤون الدينية والأوقاف الخرطوم1976.

([1])- المغازي؛حمد بن عمر بن واقد السهمي الأسلمي بالولاء المدني أبو عبد الله الواقدي؛ تحقيق مارسدن جونس؛دار الأعلمي بيروت؛ الطبعة الثالثة1409 ه / 1989م؛باب صلح الحديبية ؛ص2 ؛ج598 / إمتاع الأسماع بما للنبي من الأحوال والأموال والحفدة والمتاع أحمد بن علي بن عبد القادر أبو العباس الحسيني العبيدي تقي الدين المقريزي؛تحقيق محمد عبد الحميد النميسي؛دار الكتب العلمية بيروت؛الطبعة الأولى،1420هـ – 1999م؛ج1ص 287.

([2]) – سورة الفتح.الآية18 .

([3]) – وفي هذا إشارة أن الرسول صلى الله عليه وسلم يتفآل ويستبشر خيرا بالأسماء.

([4]) – وهذا دليل على أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يستشير المرأة في العبادة قبل العادة ويأخذ بقولها.

([5])- سورة الفتح.الآيات1-3.

([6]) – سورة الفتح.الآيات4-5.

([7])– العواصم من القواصم؛ أبو بكر بن العربي؛تحقيق محب الدين الخطيب؛مكتبة السنة؛الطبعة السادسة 1412ه/1992م؛ ص117.

([8])- رسالة فضل أهل البيت وحقوقهم؛ أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني تقي الدين أبو العباس؛تحقيق أبو تراب الظاهري؛دار القبلة جدة؛الطبعة الأولى 1405ه/1984م؛ص29.

([9])- سورة الحجرات.الآية 09.

([10])- الجامع الصحيح؛محمد بن إسماعيل البخاري،تحقيق محمد زهير بن ناصر الناصر؛دار طوق النجاة؛ الطبعة الأولى 1422ه؛كتاب الإيمان؛باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر؛رقم الحديث 48.

([11])- طائفة من الخوارج تنسب إلى حروراء بقرب الكوفة،كان بها أول اجتماعهم وتحكيمهم يوم خالفوا عليّا تشدّدُ في الدّين حتى مرقوا منه:

([12])- فضل أهل البيت وحقوقهم؛تقي الدين أبو العباس؛ص31

([13])- الجامع لأحكام القرآن؛محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي؛دار الفكر؛ج16ص292.

([14])- البداية والنهاية؛إسماعيل بن عمر بن كثير؛مكتبة المعارف بيروت 1410ه/1990م؛ج7ص300.

([15])- فتح الباري شرح صحيح البخاري. ابن حجر العسقلاني؛تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي؛دار المعرفة بيروت1379ه ج12ص300.

([16]) – معنى كلمة صفين في اللغة الآرامية أرض الحجارة؛ وفي اللغة العربية الصفاة هي الصخرة الملساء، جمعها الصفا، تقع في غربي الفرات بين الرقة وبالس، وأصبحت هذه الواقعة التاريخية المشهورة تعرف بهذا الاسم.

([17])- تاريخ الأمم والملوك؛ابن جرير الطبري؛دار الكتب العلمية بيروت1997م؛ج2؛ص703/سير الأعلام النبلاء،الذهبي،مؤسسة الرسالة بيروت؛ط3 1985م؛ج1؛ص93..

([18]) – تاريخ الأمم والملوك؛ الطبري؛ج2؛ص703/سير الأعلام النبلاء،الذهبي،ج1؛ص104/البداية والنهاية؛ابن كثير؛ج7؛ص228-233.

([19])- بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار؛محمد باقر المجلسي؛ مؤسسة الوفاء دار إحياء التراث العربي بيروت؛ لبنان؛ الطبعة الثالثة 1403ه/1983م؛ج13 ص44/65.

([20]) – الإمامة والسياسة؛ابن قتيبة الدينوري؛دار الكتب العلمية بيروت؛الطبعة الأولى؛ج1؛ص135.

([21]) – تاريخ اليعقوبي؛ أحمد بن يعقوب بن وهب اليعقوبي؛دار الفكر بيروت 1956م؛ج2؛ص134.

([22]) – عون المعبود على شرح سنن أبي وداود؛محمد شمس الحق العظيم آبادي؛دار الفكر بيروت1415ه/1995م؛كتاب السنة؛باب ما يدل على ترك الكلام في الفتنة؛ج4؛ص.216.

([23]) – لسان العرب؛أبو الفضل جمال الدين بن منظور؛دار صادر بيروت؛الطبعة الثالثة1414ه؛ج1؛ص243/244.

([24]) – محيط المحيط،بطرس البستاني؛مكتبة لبنان؛ص48.

([25]) – المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار- الخطط المقريزية-المعروف بـ خطط المقريزي،أبو العباس أحمد بن علي المقريزي؛دار صادر بيروت؛ج1؛ص199.

([26])- السودان عبر العصور؛مكي شبيكة؛دار الجيل بيروت؛الطبعة الأولى1411ه/1991م ؛ص302/الهجرات البشرية وأثرها في نشر الإسلام في السودان؛يوسف فضل حسن؛وزارة الشؤون الدينية والأوقاف الخرطوم1976؛ ص31.

([27])- تاريخ دولة الكنوز الإسلامية؛عطية القوصي؛دار المعارف القاهرة؛الطبعة الأولى1976م؛ص44.

([28])- معاهدة البقط فريد في العلاقات الدولية في الإسلام.مصطفى مسعد.ص478.بحث منشور بمجلة اللغة العربية جامعة الإمام محمد بن سعود. العدد الخامس/1395هـ.

([29])- المواعظ والاعتبار.المقريزي.ج1/ص199.

([30])- الإسلام والنوبة؛مصطفى محمد مسعد؛الهيئة المصرية العامة للكتاب؛الطبعة الأولى 2011م؛ص17/58/62.

([31])- ومن أهم الروايات رواية المؤرخ أحمد بن علي المقريزي الذي عاش في القرن التاسع الهجري الخامس عشر الميلادي، وتأتي أهمية روايته بالرغم من أنه مؤرخ متأخر بسبب انفراده بذكر النص الكامل لمعاهدة البقط بخلاف المؤرخين الآخرين الذين أوردوا أجزاء منها في مؤلفاتهم مثل الطبري والمسعودي وغيرهم من كبار المؤرخين المتقدمين القريبين من زمان وأجواء توقيع المعاهدة.

لمزيد من المعلومات تفضل للتواصل مع محامي متواجد الان

تكلم هذا المقال عن : توظيف العدالة الانتقالية في المعاهدات عبر التاريخ الإسلامي – بحث و دراسة قانونية