توضيح هام لماهية الركن المعنوي في الجريمة

الركن المعنوي في الجريمة

المؤلف : علي احمد عبد الزعبي
الكتاب أو المصدر : حق الخصوصية
إعادة نشر بواسطة محاماة نت

ليست الجريمة مجرد كيان مادي بل هي كذلك كيان نفسي أيضاً، وإذا كان الركن المادي يتكون من السلوك المحظور والنتيجة الجرمية والعلاقة السببية بينهما ، فإن الركن المعنوي يمثل الأصول النفسية لماديات الجريمة والسيطرة عليها ، وللركن المعنوي أهمية واضحة، فالأصل ألا جريمة بغير ركن معنوي ، إذ أنه وسيلة المشرع في تحديد المسؤول عن الجريمة(1) ، ومن ثم يمثل هذا الركن ضماناً للعدالة ويحقق للعقوبة أهدافها الاجتماعية ، فالعدالة تقتضي عدم إنزال العقوبة على شخص لم تكن له بماديات الجريمة صلة نفسية(2) ، كما تقضي بذلك التشريعات العقابية المعاصرة(3) ، وهذا مفاده أن الانسان يسأل عن الجريمة إذا تم إسناد الفعل إليه وأنه مخطئ فيه ، باعتبار أن الخطأ هو الركن الجوهري أو الأساس الذي تقوم عليه المسؤولية الجزائية ، والخطأ ما هو إلا تجسيد للإرادة الجرمية التي تستمد صفتها من وراء تحقيق غرض غير مـشروع ، يتـمثل بالماديات غير المشروعة ، الفـعل والنتيجة ، ومن ثم تكمن الصلة بين نفسية الجاني وبين ماديات الجريمة وهو ما يعبر عنه بالركن المعنوي(4) .

الخطأ على صورتين إحداهما القصد الجرمي وبه تكون الجريمة عمدية ، والأخرى هي الخطأ غير العمدي وبه تقوم الجرائم غير العمدية ، أما صورة الخطأ التي تنطبق على الجرائم محل البحث فهي صورة القصد الجرمي وبه تكون هذه الجرائم عمدية ، وعليه سيكون القصد الجرمي محل البحث في هذه الجرائم ، إذ أنه يتمثل بعنصرين هما العلم والإرادة ، ولكن قبول الدخول في بحث القصد الجرمي لهذه الجرائم يوجب الإشارة بإيجاز إلى تعريفه وبيان ماهية عناصره .

أ- تعريف القصد الجرمي : لقد عرفت بعض التشريعات القصد الجرمي بنصوص صريحة، كما عرفه المشرع العراقي في المادة (33/1) من قانون العقوبات التي تنص على : ” القصد الجرمي هو توجيه الفاعل إرادته إلى ارتكاب الفعل المكون للجريمة هادفا إلى نتيجة الجريمة التي وقعت أو أية نتيجة جرمية أخرى” . وعرفها المشرع الاردني في المادة (63) من قانون العقوبات التي تـنص على أن : ” الـنـية : هي إرادة ارتـكاب الجريمة على ما عرفها القانون” ، وكذا عرفها المشرع السوري في المادة (187)، وقد يفهم مما تقدم أن المشرع المقارن يقيم القصد الجرمي بالدرجة الأساس على عنصر الإرادة، بمعنى أنها تزيد من حيث أهميتها على أهمية العلم ، باعتبار أن العلم مرحلة في تكوين الإرادة وشرط أساسي لتصورها، فلكي يتوافر القصد الجرمي يتعين أن تكون الإرادة متجهة إلى تحقيق الواقعة الإجرامية من جانب، ومن جانب آخر العلم بعناصر تلك الواقعة وتصورها ، سواء في وقت سابق للفعل أم معاصر له أم لاحق له ، وهذا ما يحدد اتجاه الإرادة وحدودها (5) .

أما بعض التشريعات الأُخر(6) فلم تتناول في نصوصها تعريف القصد الجرمي تاركة ذلك للفقه، وقد تردد الفقه في تعريف القصد الجرمي بين نظرية العلم ونظرية الإرادة(7) ، إذ يعرف بعضهم(8) القصد الجرمي بأنه : “علم بعناصر الجريمة وإرادة متجهة إلى تحقيق هذه العناصر أو إلى قبولها ” ، أما بعضهم الآخر(9) فيعرفه بأنه : ” اتجاه الإرادة إلى السلوك ونتيجته مع العلم بكل العناصر التي يشترط القانون لوجود الجريمة ” .

ب- عناصر القصد الإجرامي : ومهما يكن اختلاف الفقهاء ، إلا أنهم متفقون من حيث المبدأ على أن القصد الجرمي يتكون من عنصرين هما العلم والإرادة ، والعلم يسبق الإرادة في التسلسل الزمني،لكن الإرادة أهم منه في نظرية القصد الجرمي ، لأن العلم يعني المعرفة، وهي لا تكفي وحدها لإضفاء معنى الإثم سواء بمفهومه الخلقي أم القانوني ، فالعلم بالشر أو بمخالفة القانون لا يعد إثما في ذاته ، وإنما ينهض معنى الإثم حين تتجه الإرادة إلى تحقيق ما تعلم إنه مخالف للقانون، لذلك يضيف بعضهم(10) أن القصد الجرمي هو الشكل العادي للإرادة المؤثمة قانوناً وعليه سنتناول كلاً منهما بإيجاز ثم نبحث طبيعة القصد الجرمي … .
* العلم : يتحقق القصد الجرمي في إرادة واعية ، لذلك فهو لا يكتمل إلا إذا تمثل الجاني في ذهنه الواقعة الإجرامية بكل عناصرها المعتبرة قانوناً ، إذاً فالعلم لحظة سابقة للارادة ففي علم الجاني القدر اللازم من المعلومات عن العناصر التي تكون الجريمة ، ومن هذه العناصر ما يتعلق بطبيعة الفعل ، أي عالماً بطبيعة الفعل الذي يقوم به(11) ، ومنها ما يتعلق بكون الجاني عالماً بطبيعة النتيجة التي ستترتب على فعله ومتوقعاً حدوثها بعناصرها التي يحددها القانون والنطاق الذي يرسمه لها، وعليه فالمتوقع مرهون بتصور الإرادة أو الأساس النفسي الذي تقوم عليه(12) .

فضلاً عن ما تقدم يقتضي العلم بالظروف التي تدخل في تكوين الجريمة لما لها من تأثير على تفسير وصف الجريمة ، فالظروف المشددة التي تفسر من وصف الجريمة تعد بمثابة اركان في الواقعة ينبغي ان تدخل في علم الجاني(13) ، كما يضيف بعضهم (14) الى ما تقدم ان يكون الجاني عالماً بمكان الفعل وزمانه اذ ان القيام ببعض الافعال لا يشكل جريمة الا اذا جرى ارتكابها في مكان وزمان معينين ، ويضيف بعضهم الاخر(15) كذلك علم الجاني بالصفة التي يتطلبها القانون والصفة التي يتطلبها في المجني عليه ، على الرغم من ان المشرع المقارن يسدي حمايته الى كل شخص ، أي انه لا يتطلب في المجني عليه صفة معينة ، ولكن في بعض الجرائم يلزم الجاني بهذه الصفة وبدونها لا يتوافر القصد الجنائي.

* الارادة : يجمع الفقهاء – وهو ما يتفق مع المنطق – على ان الارادة ظاهرة نفسية ، أي انها نشاط نفسي نحو تحقيق نتيجة مطلوبة عن طريق وسيلة معينة ، يستعين بها الانسان للتاثير على ما يحيط به من اشخاص واشياء ، وهي المحرك لاعضاء جسم الانسان للقيام بانواع من السلوك ذات طبيعة مادية تحدث في العالم الخارجي من اجل اشباع حاجة ما ، وعليه فالارادة نشاط نفسي يصدر عن وعي وادراك ، أي يفترض علماً النتيجة المطلوبة وبالوسيلة التي يستعان بها لتحقيق تلك النتيجة (16) ، بمعنى اخر ان ارادة السلوك الاجرامي لا تكفي لتحقيق القصد الجرمي ، بل يلزم فضلاً عن ذلك ان تتجه الارادة الى تحقيق النتيجة المترتبة على القيام بذلك السلوك (17) ، كما ينبغي التنويه في هذا المقام الى ان المشـرع المقارن (18) لا يعتد بالباعث كعنصر لقيام القصد الجرمي ، بل قد يعتد به في تعديل مقدار العقوبة على اعتبار انه يكشف عن الخطورة الاجرامية التي تنطوي عليها شخصية الجاني(19) .
________________
1- ينظر : د. فخري عبد الرزاق الحديثي، شرح قانون العقوبات/ القسم العام، مطبعة أوفسيت
الزمان،بغداد، 1992م ، ص 273.
2- ينظر : د. محمود نجيب حسني ، شرح قانون العقوبات / القسم العام ، ط(4) ، دار النهضة
العربية ،القاهرة ، 1977م ، ص583.
3- كما جاء في المادة (60) من قانون العقوبات العراقي ” لا يسأل جزائيا من كان وقت ارتكاب الجريمة فاقدا الإدراك او الإرادة لجنون أو عاهة في العقل أو سبب كونه في حالة سكر أو تخدير نتجت عن مواد مسكرة أو مخدرة أعطيت له قسرا أو على غير علم منه بها، أو لأي سبب آخر يقرر العلم أن يفقد الإدراك أو الإرادة…” وتنص المادة (74/1) من قانون العقوبات الأردني على : ” لا يحكم على أحد بعقوبة ما لم يكن قد أقدم على الفعل عن وعي وإرادة ” ، وبصيغة مماثلة للمادة السابقة من قانون العقوبات الأردني جاءت المادة (209) من قانون العقوبات السوري. أما بعض التشريعات كقانون العقوبات المصري فلم تشترط توافر الإدراك والإرادة لحمل المسؤولية الجنائية على أساس أن ذلك مفهوم ضمناً من نصوصها التي تعفي من المسؤولية الجنائية من يكون فاقد الإدراك والارادة ،كالمجنون والصغير غير المميز والمكره ، ينظر : د. السعيد مصطفى السعيد، الأحكام العامة في قانون العقوبات، ط (4)، بدون دار نشر، القاهرة، 1962م، ص383.
4- ينظر : د. فخري عبدالرزاق الحديثي، مصدر سابق ، ص273.
5- ينظر : د. فخري عبدالرزاق الحديثي، المصدر السابق، ص276. وينظر كذلك : د. مأمون محمد سلامة ، قانون العقوبات/ القسم العام ، دار الفكر العربي ، القاهرة ، 1979م ، ص 303 ومابعدها.
6- كالمشرع المصري .
7- ينظر : د. عوض محمد ، الوجيز في قانون العقوبات ، القسم العام ، ج(1) ، دار المطبوعات
الجامعية،الإسكندرية ، 1978م ، ص94 ومابعدها.
8- ينظر : د. محمود نجيب حسني ، شرح قانون العقوبات / القسم العام ، ط(4) ، دار النهضة
العربية ،القاهرة ، 1977م ، ص691.
9- ينظر : د. عوض محمد ، الوجيز في قانون العقوبات/ القسم العام، مصدر سابق، ص 98.
10- ينظر : د. مامون محمد سلامة ، قانون العقوبات / القسم العام ، مصدر سابق ، ص300 .
11-فمن يضع سماً في طعام إنسان ليقتله، يجب أن يكون عالما بأن المادة التي يضعها في الطعام سم قاتل موجه إلى إنسان حي.ينظر : د. عبود السراج، قانون العقوبات / القسم العام، ط/ (5)، بدون مكان وسنة النشر، ص221.
12- فإذا كانت الجريمة قتلا اكتفى القانون بتوقع الوفاة ، ينظر : د. محمود نجيب حسـني ، شـرح قانون العقوبات/ القسم العام، مصدر سابق، ص 697.
13- كحمل السلاح وتعدد الجناة في جريمة السرقة ، فهذه الجريمة مقترنة بظرف مشدد هو حمل سلاح وتعدد جناة ومن ثم يغير من وصفها ويعد بمثابة انشاء جريمة جديدة لها عناصرها الاضافية التي تتميز بها عن الجريمة في حالتها الاولى وبدونها تفقد الجريمة كيانها الجديد وتعود الى وصفها الاول غير المشدد هو جريمة السرقة ، ينظر : د. محمود نجيب حسني ، المصدر السابق ،ص698 ، وكذلك د. مامون محمد سلامة ، قانون العقوبات / القسم العام ، مصدر سابق ، ص306 .
14- لا يعد فعل الصيد جريمة الا اذا حصل في الامكنة التي يحظر فيها الصيد ولا يعد كذلك الا اذا حصل في زمن يحظر فيه الصيد وهو فترة تكاثر الاحياء البرية والمائية ، ينظر : د. فخري عبد الرزاق الحديثي ، شرح قانون العقوبات / القسم العام ، مصدر سابق ، ص278 .
15- تقتضي جريمة الاهانة الواردة في قانون العقوبات المقارن ، المادة ( 132 ) من قانون العقوبـات المصري ، والمادة ( 229 ) من قانون العقوبات العراقي ، ان يكون الجاني عالما بصفة المجني عليه او بمركزه ، وهو ان يكون المجني عليه موظفاً او مكلفاً بخدمة عامة … الخ ، وكذلك لا يرتكب شخص جريمة اجهاض الا اذا علم ان المجني عليها حامل . ينظر : د. محمود نجيب حسني ، شرح قانون العقوبات / القسم العام ، مصدر سابق ، ص696 .
16- ينظر : د. محمود نجيب حسني ، المصدر السابق ، ص828 ، وينظر كذلك : د. حسـن صادق المرصفاوي ، قواعد المسؤولية الجنائية في التشريعات العربية ، معهد البحوث والدراسـات العربية ، 1972م ، ص66 وما بعدها . وكذلك د. عوض محمد ، الوجيز في قانون العقوبات / القسم العام ، ج(1) ، مصدر سابق ، ص99 وما بعدها و د. فخري عبد الرزاق الحديثي ، مصدر سابق ، ص287 .
17- ينظر : د. كامل السعيد، شرح الأحكام العامة في قانون العقوبات الأردني، دراسة مقارنة،
المركز العربي للخدمات الطلابية، عمان، 1988م ، ص282 .
18- تنص المادة (38) من قانون العقوبات العراقي على : ” لا يعتد بالباعث على ارتكاب الجريمة ما لم ينص القانون على خلاف ذلك” . اما المشرع الاردني فعبر عنه بمصطلح ( الدافع ) ، اذ تنص المادة (67) من قانون العقوبات الاردني على: “1. الدافع : هو العلة التي تحمل الفاعل على الفعل ، او الغاية القصوى التي يتوخاها . 2. لا يكون الدافع عنصرا من عناصر التجريم الا في الاحوال التي عينها القانون” .
19- ينظر : د. فخري عبد الرزاق الحديثي ، مصدر سابق ، ص290 ، وللمزيد من التفصيل ينظر : د. محمد معروف عبد الله ، الباعث في قانون العقوبات المقارن ، رسالة ماجستير مقدمة الى كلية القانون في جامعة بغداد ، 1975م .

إعادة نشر بواسطة محاماة نت

تكلم هذا المقال عن : توضيح هام لماهية الركن المعنوي في الجريمة
شارك المقالة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الالكتروني.