ويسمى هذا الغلط أحياناً بالغلط في النتيجة أو الغلط في ذات النتيجة، وهو على خلاف الغلط في موضوع النتيجة، يتحقق حين ينحرف الفعل الاجرامي صوب نتيجة اجرامية أخرى ليست مقصودة، فيؤدي هذا الغلط الى تغيير ((المصلحة)) التي يحميها القانون وهي التي تنأولها الفعل بالعدوان، فتقع نتيجة مغايرة لتلك التي أرادها الجاني (1) .وإن جوهر الغلط يكمن في توقع الجاني لنتيجة أخرى غير التي حصلت فعلاً، بأن تختلف القيمة القانونية للنتيجة المتوقعة عن تلك النتيجة التي وقعت فعلاً. ولا يكون الغلط جوهرياً نافياً لقصد الفاعل الا اذا اختلفت قيمة هاتين النتيجتين وحكمهما في نظر القانون، كمن يريد قتل حيوان فيفضي فعله الى قتل إنسان؛ فهذا الغلط لاشك يعّد جوهرياً هادماً للقصد الجرمي(2) ،أو كما لو أراد شخص ضرب غريم له بعصاً غليضة فألقى بها عليه، ونتيجة عدم احكام التصويب تقع العصا على زجاج محل مجاور فترديه هشيماً، أو كما لو اطلق شخص النار على عدوه قاصداً قتله فاذا بالاطلاقة تطيش فتصيب سيارة مارّة وتتلف زجاجها؛ فالنتيجة الجديدة تكون قد أبدلت المصلحة القانونية التي طالها الاعتداء من الاعتداء على المال الى الاعتداء على الحياة، أو بالعكس (3) .

ويذهب أغلب الفقهاء الى تقرير مسؤولية الجاني في حالة الغلط في نوع الحق المعتدى عليه الذي تتبدل فيه مصلحة النتيجة عن جريمتين معاً، الأولى وهي المقصودة، جريمة عمدية اذا تحققت، والا فشروع فيها اذا كان القانون يعاقب على الشروع فيها. أما الثانية وهي غير المقصودة؛ فجريمة تامة غير عمدية لأن الجاني ماكان يريدها. ولما كانت الجريمتان قد وقعتا نتيجة فعل واحد فقد قام تعدد معنوي في الجرائم ينضوي تحت فعل مادي واحد صادر عن الفاعل، الأمر الذي يقتضي معه النطق بعقوبة الجريمة الأشد تطبيقاً لأحكام المادة /141 عقوبات عراقي (4) . وعلى الرغم من التشابه بين حالة الغلط في موضوع النتيجة (بالنسبة للغلط في الشخص والشخصية) وبين حالة الغلط في مصلحة النتيجة (بالنسبة للغلط في نوع الحق المعتدى عليه)، يميّز الفقهاء بينهما. اذ يفترض الغلط في الشخص والشخصية أن يتساوى الموضوع المقصود والموضوع المصاب في الصفة والذات، فيكون في الحالتين (شخص) أي إنسان على قيد الحياة.

أما الغلط في ذات النتيجة أو نوع الحق المعتدى عليه فيفترض اختلاف الموضوعين، فيكون الموضوع المقصود شخصاً والموضوع المصاب شيئاً آخر، أو يحصل العكس بأن يكون المقصود شيئاً والمصاب شخصاً. فالمصلحة القانونية المعتدى عليها لم تتغير في حالة الغلط في الموضوع فهي الإنسان الحيّ، فهو المقصود وهو المصاب، في حين نجد أن المصلحة القانونية المعتدى عليها في حالة الغلط في ذات النتيجة أو نوع الحق المعتدى عليه قد تغيّرت، فبعد أن كان المقصود شيئاً وقعت الاصابة على شخص، أو بعد أن كان المقصود شخصاً وقعت الاصابة على شئ. وبحسب ماتقدم فإن اتحاد المصلحتين في حالة الغلط في الموضوع يوجب ((عدم تغيير القصد))، على حين لا يوجب اختلاف المصلحتين ذلك. والفائدة من ذلك التمييز والتفريق – أي عدم تغيير القصد- يكمن في فكرة ((الحلول))، التي تعني احلال الشخص المقصود محل الشخص المصاب في الحكم وبناء حكم العمد عليهما. بمعنى نقل حكم العمد من الجريمة التي كانت مقصودة الى الجريمة التي حصلت ولم تكن مقصودة، وذلك نظراً لكون المصلحة المستهدفة أصلاً والمصلحة المهدرة فعلاً متحدتين في القيمة القانونية ؛ فيكون احلال الثانية محل الأولى هو الحكم الذي تقرره قاعدة ((عدم تغيير القصد))، وهي تمثل العلّة التي بنى عليها الفقهاء حكم العمد في حالة الغلط في الشخص والشخصية. فلا يجدر اهمال القصد الجرمي الذي انصرف اصلاً الى الهدف المقصود أو تغييره لمجرد أن الاصابة كانت قد وقعت على غير المقصود، وذلك لكون المصلحة التي وقع العدوان عليها تماثل تلك المصلحة التي كان يريد الاعتداء عليها. ومعلوم إن ((عدم تغيير القصد)) لا يصح في حالة الغلط في ذات النتيجة أو نوع الحق المعتدى عليه نظراً لاختلاف المصلحتين، فلا يمكن تطبيق فكرة الاحلال في هذه الحالة (5).

____________________

1- د. محمد زكي أبو عامر-قانون العقوبات/القسم الخاص-دار المطبوعات الجامعية-الأسكندرية-1977 – ص477 ومابعدها.

2- د. محمود نجيب حسني-النظرية العامة للقصد الجنائي-دار النهضة العربية-القاهرة-1978– ص 92.

3- د. محمد زكي أبو عامر – المصدر السابق – ص 477.

4- د. ماهر عبد شويش الدره-الأحكام العامة في قانون العقوبات-دار الحكمة للطباعة والنشر-الموصل/العراق-1990– ص306. ويُنظر : د. محمد زكي ابو عامر ود. علي عبد القادر القهوجي-قانون العقوبات/القسم العام-الدار الجامعية-2000 – ص 195 ومابعدها.

5- د. علي حسن الشرفي-شرح قانون الجرائم والعقوبات اليمني/القسم العام-ج/1 النظرية العامة للجريمة-ط3-1997 – ص 364-369. ويُنظر : د. جلال ثروت-نظم القسم الخاص-ج/1 جرائم الاعتداء على الاشخاص-مطبعة الشاعر-الأسكندرية-1984– ص135 ومابعدها.

المؤلف : مجيد خضر احمد عبد الله
الكتاب أو المصدر : نظرية الغلط في قانون العقوبات

اعادة نشر بواسطة محاماة نت .

ارسل استشارة