تطبيق القاضي الوطني للمعاهدات الدولية

للباحث: محمد أحمد شكري أبو رحيل
تمهيد
أولاً : تعريف المعاهدة الدولية
ثانيا : مراحل ابرام المعاهدة الدولية
1 – عملية التفاوض – Negotiation
2- تحرير نص المعاهدة أو صياغته
3- التّوقيع على المعاهدة – La signature
4- المصادقة على المعاهدة – La ratification
5 – الدخول حيز التنفيذ
ثالثا : تطبيق المعاهدة الدولية من قبل القاضى الوطنى
رابعاً : مرتبة المعاهدات فى التشريعات المختلفة
رأي الباحث
المراجع

تمهيد
تعتبر المعاهدات الدولية المصدر الأول من مصادر القانون الدولي، والتي يتوجب الرجوع اليها ابتداءً، فهي تحتل المكانة الأولى في تنظيم العلاقات الدولية، وحديثاُ ومنذ منتصف القرن الماضي اصبحت تمثل جزءاً – لا يستهان به – من القانون الملزم للقضاء الوطني للدول الموقعة على تلك المعاهدات، في هذا البحث سنسلط الضوء – بإيجاز – على مسألة تطبيق القاضي الوطني للمعاهدة الدولية وسنبدأ أولا بتعريف المعاهدة الدولية، مردفين ذلك بمراحل إبرامها، ثم رقابة القاضي الوطني على المعاهدة قبل تطبيقها، وسنخصص الجزء الأخير من البحث في بيان مكانة المعاهدات الدولية في النظام القانوني المصري وبعض الانظمة المقارنة مردفين ذلك بالاتجاه الذى نميل اليه .
أولاً : تعريف المعاهدة الدولية
عرفت المادة الثانية من اتفاقية فيينا المعاهدة بأنها ” اتفاق دولي يعقد بين دولتين أو أكثر كتابة ويخضع للقانون الدولي سواء تم في وثيقة واحدة أو أكثر وأياً كانت التسمية التي تطلق عليه “

يتبين لنا من التعريف ان المعاهدة الدولية تتضمن بشكل أساسي العناصر الاتية:

1- المعاهدة اتفاق بين اشخاص القانون الدولي

أي الذين يملكون أهلية إبرام المعاهدات وهم الدول والمنظمات الدولية ودولة الفاتيكان وحركات التحرر.

2- هذا الاتفاق يجب أن يكون مكتوب

ولكن عدم كتابة المعاهدة لا يؤثر على قوتها القانونية والإلزامية بالنسبة لأطرافها، ولا يمنع من تطبيقها وسريانها في مواجهة أطرافها، لأنها معبرة عن إرادتهم، وأن كانت غير مكتوبة.

3- يخضع هذا الاتفاق لقواعد القانون الدولي

وأن يتضمن تنظيم العلاقات بين أشخاص القانون الدولي والآثار المترتبة عليها.

4- هدف الاتفاق هو احداث اثار قانونية

أي تخلق مراكز قانونية جديدة تمكن الدول من اكتساب الحقوق وتحمل الالتزامات.
ثانيا : مراحل ابرام المعاهدة الدولية
مراحل ابرام المعاهدة الدولية:

1 -عملية التفاوض Negotiation
من الناحية الدستورية البحتة، يقوم بعملية التفاوض الأشخاص الذين يعيّنهم دستور الدولة للقيام بهذه العملية الحساسة، وبالتحديد رئيس الدولة أو كل شخص يحمل وثيقة التفويض الكامل وهي الوثيقـة الصادرة عن السلطة المختصة في الدولة (أي رئيس الدولة) التي تعيّن شخصاً أو أشخاصًا لتمثيل الدولـة للتفاوض، أو لدى اعتماد نص المعاهدة أو توثيقه، أو للتعبير عن قبول الدولـة الالتزام به أو لدى القيام بأي تصرّف آخر يتعلق بالمعاهدة. وبالتالي، تدخل عملية التفاوض إلزامياً في إطار صلاحيات السلطة التنفيذية: أي رئيس الدولة أو من يمثله دستورياً (وزير الشؤون الخارجية أو وزير المالية أو التعاون الدولي أو من يمثلهم، أو السفير المعتمد لدى الدولة الأخرى المتفاوضة). ويساعد المفاوض الرسمي عدد من المساعدين والخبراء المتخصصين في المسائل المتعلقة بالاستثمار على سبيل المثال لا الحصر. ويتغير عدد أعضاء الوفد وفقاً لأهمية المعاهدة والإمكانيات البشرية للدولة، إذ توفر بعض الدول الصناعية عدداً مهماً من الخبراء المتخصصين في القطاعات ذات العلاقة، مثل الملكية الفكرية وقانون العمل، وقانون الملكية والمتخصصين في تسوية النزاعات. وبصفة عامة، تفتقر الدول العربية إلى الكوادر المتخصصة في هذا المجال، وتكتفي بإيفاد موظفين يعملون في الوزارة المعنية. في حين يستوجب هذا الأمر اهتماماً بالغاً من طرف السلطات المعنية وأصحاب القرار في المنطقة العربية نظرًا للآثار بالغة الأهمية والحساسة لعملية التفاوض بشأن اتفاقيات الاستثمار، وذلك سواء في عملية استيعاب المسائل المتعلقة بالتفاوض بشأن اتفاقيات الاستثمار أو بالتحكم في تقنيات المفاوضات التي تقتضي مهارة فنية ودراية خاصة ومتشعبة.

وتقتضي المفاوضات تقديم اقتراحات، بل إنها قد تتطلب أحياناً نموذجاً للاتفاقية الثنائية للدولة. ويقدّم الطرف الثاني اقتراحات مضادّة تخضع للنقاش ومن ثم تقرّ بعد فترة قد تكون غير قصيرة. ولا بد من التأكيد في هذا المجال على ضرورة المحافظة على المحاضر الشفهية لجلسات المفاوضات: وهو ما يعرف بالأعمال التّحضيريّة التي تؤدي دورًا هاماً في حالة تأويل المعاهدة عند غموضها أو في حالة نشأة نزاع أو مواجهة صعوبة في تطبيق الاتفاقية.

وقد تجرى المفاوضات فى مقابلات شخصية أو فى اجتماعات رسمية أو فى مؤتمر دولى يجمع ممثلى الدولتين أو الدول المتفاوضة . وقد يقوم بالمفاوضات رؤساء الدول مباشرة، ومن أمثلة ذلك ميثاق الأطلنطي المعقود في 14/أب/1941، إذ كان أحد المتفاوضين والموقعين عليه (روزفلت) رئيس الولايات المتحدة الامريكية، كذلك معاهدة التعاون والصداقة بين المانيا وفرنسا المعقودة في 22/كانون الثاني 1963، إذ كان أحد المتفاوضين والموقعين عليه الجنرال (ديغول) رئيس الجمهورية الفرنسية آنذاك، ولكن في الغالب يقوم بالتفاوض وزراء خارجية الدول أنفسهم وقد يقوم به ممثلو الدول المتفاوضة.

2-تحرير نص المعاهدة أو صياغته
بعد المفاوضات، تشرع الأطراف، في حال إتفاقها، في تحرير نص الإتفاقية. وتعدّ عملية صياغة المعاهدة من أهم المسائل المتعلقة بإبرام المعاهدات الدولية، إذ إنّ اختيار العبارات ليس مجرّد عملية تقنية، وإنما له مفاعيله القانونية. فما إن تحرّر المعاهدة، لا يعود بالإمكان تغييرها مبدئيًا إلا برضى جميع الأطراف. وتشير اتفاقية فيينا أنه “يتم اعتماد نص المعاهدة برضى جميع الدول المشتركة في صياغتها”.

ومن أهم المسائل المطروحة في هذا المجال مسألة لغة المعاهدة التي تبدو مربوطة بسيادة الدول والمساواة في ما بينها. وهناك أنظمة عدة في هذا المجال:

(أ) نظام اللغة الواحدة وهو معمول به في المنطقة العربية أو مناطق أخرى تتكلم اللغة ذاتها؛

(ب) نظام اللغتين الاثنتين، وتكون لهما الحجية القانونية نفسها. وهو أمر معمول به عادة بين الدول الأطراف التي تفهم لغة بعضها البعض. وعلى سبيل، تنص بعض الاتفاقيات الثنائية بين دول عربية وأخرى من خارج المنطقة على أن يحرّر الاتفاق باللغة العربية والفرنسية، ولكل منهما الحجية ذاتها؛

(ج) نظام اللغات الثلاث، مع الاحتفاظ بحجية لغة واحدة، فتتزامن عملية الصياغة باللغات العربية والبولندية والانكليزية على سبيل المثال مع اعتماد حجية اللغة الإنكليزية في حال الاختلاف في التفسير؛

(د) نظام اللغات الأربع مع اعتماد حجية لغة واحدة: يتم صياغة المعاهدة باللغات العربية والفرنسية والفلمنكية والانكليزية على سبيل المثال، مع اعتماد حجية اللغة الإنجليزية في حال الاختلاف في التفسير.

3-التّوقيع على المعاهدة La signature
التوقيع هي العملية القانونية التي تسمح بتوثيق نص المعاهدة أو بالتعبير عن قبول الدولة الالتزام بالمعاهدة. وبالتالي يجب التّمييز بين المعاهدات الشّكليّة والمعاهدات ذات الشّكل المبسّط.

بالنسبة إلى المعاهدات الشّكليّة: يوثّق التّوقيع نصّ المعاهدة الذي يبقى مجرّد مشروع معاهدة. ولا تلزم المعاهدة الشّكليّة الدّولة بعد التّوقيع ولكنّها (أي الدّولة) مطالبة بجملة من التّصرّفات: بخاصة أنّ المعاهدة لا تفرغ من محتواها وأهدافها. وتنص اتفاقية فيينا في المادة 18 أن “تلتزم الدولة بالامتناع عن الأعمال التي تعطّل موضوع المعاهدة أو غرضها وذلك:

(أ) إذا كانت قد وقعت المعاهدة أو تبادلت الوثائق المنشئة لها بشرط التصديق، أو القبول، أوالموافقة، إلى أن تظهر بوضوح نيّتها في أن لا تصبح طرفاً في المعاهدة؛

(ب) إذا كانت قد عبرت عن رضاها الالتزام بالمعاهدة حتى دخولها حيز التنفيذ على ألاّ يتأخر هذا التنفيذ بغير مبرر.

ويمثل مبدأ حسن النية أساس هذا الالتزام.

بالنسبة إلى الاتفاقيّات ذات الشّكل المبسّط، فإن التّوقيع يعني قبول الدّولة الارتباط بهذه الاتّفاقيّة. وبالتالي يمكن عقد معاهدة بكيفية نهائية بمجرد التوقيع عليها. لذلك فانّ التّوقيع يلزم الدّولة، ولا يعود هناك حاجة للتصديق أو للموافقة أو للقبول. وبالتالي، يتسم إبرام المعاهدة بالطابع المبسط. ويساعد هذا النوع من المعاهدات على تنمية العلاقات الدولية، ولاسيما عندما ينص الاتفاق على اتخاذ إجراءات لا تمس بسيادة الدول. وتكرس دساتير الدول ضمنيًا أو صراحة، الاتفاقات التي تتسم بالشكل المبسط أو تلك التي تتمتع بالطابع التقني البحت، والتي يكون إبرامها غير خاضع للإجراءات الشكلية وخاصة النظر المسبق للسلطة التشريعية. وعلى الرغم من ذلك، فليس ثمة تمييز موضوعي أو تفضيل من الناحية الإلزامية بين الاتفاقات الرسمية أو الشكلية، والاتفاقيّات التي تتسم بالشّكل المبسّط. إذ تبقى القاعدة العامة التعادل والمساواة القانونية بينهما.

ويلجأ المفاوضون الى التوقيع بالأحرف الاولى فى حالة ما إذا كانوا غير مزودين بالتفاوض اللازم للتوقيع أو فى حالة ترددهم فى الموافقة نهائياً على المعاهدة و رغبتهم فى الرجوع الى حكومات دولهم للتشاور معها قبل التوقيع النهائى .

ويلاحظ أن التوقيع بالأحرف الأولى لا يعد ملزماً للدولة بالتوقيع النهائى على مشروع المعاهدة و من ثم يحق للدول المعنية الإمتناع عن التوقيع النهائى إلا إذا كان هناك اتفاق مسبق على غير ذلك .

ولقد قننت إتفاقية فيينا هذا الاسلوب في التوقيع وما قد ينجم عنه من آثار، فقررت في الفقرة الثانية من المادة الثانية عشرة أنه:

أ – يعتبر التوقيع بالأحرف الأولى على نص معاهدة من قبيل التوقيع على المعاهدة، إذا ثبت ان الدول المتفاوضة قد اتفقت على ذلك.

ب – يعتبر التوقيع بشرط الرجوع الى الدولة على معاهدة من جانب ممثل الدولة من قبيل التوقيع الكامل عليها إذا اجازته الدولة بعد ذلك.

وبعد إتمام التوقيع تصبح المعاهدة معدة للتطبيق، وعلى الدول الاطراف الإلتزام بعدم مخالفة ما سبق الاتفاق عليه وبضرورة اتمام اجراءات التصديق، غير أن هذا لا يعنى أن الدولة ملتزمة قانوناً بالمعاهدة فهذا لا يتحقق إلا بالتصديق.

4-المصادقة على المعاهدة La ratification

تعبّر المصادقة على المعاهدة عن قبول الدّولة الارتباط نهائيًا بالمعاهدة بالنسبة إلى المعاهدات الشّكليّة. وهو عبارة عن إقرار صادر عن السلطات الداخلية المختصة دستوريًا بالموافقة على المعاهدات وهو ملزم للدولة. أما التوقيع فهو إجراء لاحق يضفي على المعاهدة الصبغة الإلزامية الضرورية، ويقرّر ولوجها النظام القانوني الوطني، وتتأكد بالتالي الإرادة النهائية للدولة. ولا يكون إبرام المعاهدة كاملاً إلا إذا خضعت إلى مراحل شكلية معيّنة مضبوطة من قبل القوانين الأساسية للدول. وتمرّ هذه العملية عموماً بمرحلتين: التّرخيص من قبل السلطة التشريعية للمصادقة، والمصادقة من قبل رئيس الدّولة. ويقر هذا مبدأ الاختصاص المشترك بين السلطتين التنفيذية والتشريعية في مجال المصادقة على المعاهدات. وهذا ما تنص عليه أغلبية الأنظمة الدستورية المعاصرة، إذ يعود إجراء المصادقة دائماً إلى رئيس السلطة التنفيذية بعد أن يمنحه البرلمان الترخيص.

وتنص بعض الدساتير في المنطقة العربية على قائمة من المعاهدات المحددة حصراً، والتي لا يمكن المصادقة عليها من قبل رئيس الدولة إلا بعد الموافقة عليها من قبل السلطة التشريعية. وهي تشمل بصورة عامة المعاهدات ذات الطابع السيادي والمتعلقة مثلا بحدود الدولة، والمعاهدات التجارية والمعاهدات الخاصة بالتنظيم الدولي وتلك المتعلقة بالتعهدات المالية للدولة، والمعاهدات المتضمنة لأحكام تتسم بطابع تشريعي أو تلك المتعلقة بحالة الأشخاص. وتدخل الاتفاقيات المتعلّقة بحماية الاستثمار وتشجيعه في إطار هذا النوع من المعاهدات الشّكليّة. ( المادة 145 من الدستور المصرى 2012 )

أخيراً، تخضع المصادقة لإجراءات شكلية منها تبادل وثائق المصادقة. ويتم هذا التبادل بصفة رسمية ويسجّل في محضر رسمي يسمّى محضر تبادل المصادقات، ويتم عادة في عاصمة إحدى الدولتين المتعاقدتين. أما بالنسبة إلى المعاهدات المتعدّدة الأطراف، فهي تخضع لإجراء إيداع المصادقات لدى دولة معينة أو منظمة دولية تنص عليها المعاهدة.

وتخضع المصادقة للسلطة التقديرية للدولة، ومعنى ذلك أنه غير ملزم وبإمكان الدولة أن تقوم بالتصديق المشروط أو حتى أن ترفض المصادقة من دون أن يترتب عن ذلك إثارة مسؤوليتها الدولية.
5 – الدخول حيز التنفيذ
يحدّد نصّ المعاهدة تاريخ دخولها حيّز التّنفيذ، ويكون ذلك عادة بعد مرور فترة من الزمن على تبليغ رسائل المصادقة. وفي حال لم ينص على ذلك، تطبق القواعد التي شرّعتها اتفاقية فيينا في المادة 24 إذ “تدخل المعاهدة حيز التنفيذ حالما يثبت رضى جميع الدول المتفاوضة الالتزام بالمعاهدة. وإذا تم رضا الدولة الالتزام بالمعاهدة في تاريخ لاحق لدخولها حيز التنفيذ، فإن المعاهدة المذكورة تصبح نافذة بالنسبة لهذه الدولة في ذلك التاريخ، إلا إذا نصّت المعاهدة المذكورة على خلاف ذلك”.

وفي ما يتعلق بالاتفاقيات المتعدّدة الأطراف ينص القانون الدولي على إجراءات توسيع نطاق الدول المتعاقدة ودخول المعاهدة حيز التنفيذ بالنسبة إلى الدول التي لم تشارك في التفاوض، ويكون ذلك بالانضمام إلى المعاهدة. ويخضع الانضمام إلى نفس الإجراءات التي تنطبق على المصادقة. وتدخل المعاهدة حيز التنفيذ طبقًا لما تنص عليه أو لقواعد القانون الدولي.

ثالثا : تطبيق المعاهدة الدولية من قبل القاضى الوطنى
إذا استكملت واستوفت المعاهدة الدولية مراحل تكوينها في القانون الدولي وتوفرت فيها الشروط اللازمة لاعتبارها مصدراً للقانون الداخلي فهي تسري في مواجهة جميع الاطراف، وتلتزم المحاكم الوطنية بتطبيق أحكامها وبنفس المستوى الذي تلتزم فيه بتطبيق أحكام القانون الداخلي، وبالتالي فيجب على القاضي الوطني تطبيق أحكام تلك المعاهدة بأثر فورى مثل القانون الداخلي وليس بأثر رجعى.

ولكن قبل أن يشرع القاضي في تطبيق أحكام معاهدة دولية ما يجب عليه أن يتأكد من توفر الشروط التي نص عليها الدستور الوطني، ورقابة القضاء الوطني قد تكون شكلية وقد تكون موضوعية.

1 – الرقابة الشكلية

وتقتصر على التأكد من وجود الاجراءات اللازمة لكي تكون المعاهدة الدولية في قوة القانون، أي تم التصديق عليها ونشرها، والتأكد من صحة نشر المعاهدة في الجريدة الرسمية دون غيرها من وسائل الاعلام، اما بالنسبة للرقابة على صحة او مشروعية التصديق يجب التأكد من ان المعاهدة تم المصادقة عليها من طرف رئيس الجمهورية مع مراجعة البرلمان.

إضافة الى ان التصديق لا يعتبر مجرد اجراء دولي يعبر عن ارادة الدولة والالتزام بأحكام المعاهدة هو شرط هام للعمل بها كقانون داخلي طبقا لأحكام الدستور.

2 – الرقابة الموضوعية

فهي تتجاوز ابرام المعاهدة وشكلها الى مضمون المعاهدة ومدى توافقه او تعارضه مع الدستور وتتوقف هذه الرقابة على مدى اعتراف النظام الداخلي لمرتبة المعاهدة بالنسبة للدستور، هل هي اعلى منه ام أدني منه وهذا يختلف من دولة إلى اخرى

رابعاً : مرتبة المعاهدات فى التشريعات المختلفة
تختلف مكانة المعاهدة الدولية من نظام قانوني لأخر وذلك حسب الاتجاه الذي يتبناه دستور هذه الدولة، فبعض الدساتير مالت الى التزام الصمت ووقفت موقفا مبهماً، فلم تحدد وضع القانون الدولي ومكانة الاتفاقية الدولية بالنسبة الى القواعد الداخلية الدستورية والتشريعية مثل الدستور الإيطالي والدستور الأردني.

وبخلاف هذا النوع من الدساتير هناك دساتير واضحة في هذا الاتجاه تقول بعلو القانون الدولي على الدستور الوطني، ونجد هذا الاتجاه أكثر وضوحاً في النظام القانوني الهولندي وفى دستور بلجيكا والدنمارك.

وهناك اتجاه ثالث جعل مرتبة الاتفاقية الدولية في وضع بين الدستور والقانون الداخلي كالدستور الفرنسي والدستور الجزائري والدستور المغربي.

والنوع الاخير وهو من جعل مرتبة الاتفاقية الدولية في مرتبة متساوية مع القانون الداخلي ومنها الدستور المصري.

وقد تبنى المشرع الدستوري المصري في الدستور المصري 2012 الاتجاه الاخير حينما نص في المادة 145 منه على ” يمثل رئيس الجمهورية الدولة في علاقاتها الخارجية، ويبرم المعاهدات ويصدق عليها، بعد موافقة مجلسي النواب والشورى. ويكون لها قوة القانون بعد التصديق عليها ونشرها، وفقا للأوضاع المقررة ……. ولا يجوز اقرار أي معاهدة تخالف الدستور “.

وعلى نفس المبدأ سار الدستور المصري السابق الإصدار سنة 1971، ويعد من أشهر الاحكام القضائية التي صدرت في هذا الشأن حكم محكمة امن الدولة العليا طوارئ الصادر عام 1987 والمعروف اعلاميا باسم ” قضية اضراب عمال سكة حديد مصر “، حيث جاء بالحكم ” وحيث بالنسبة للدفع بنسخ المادة (124) ضمنياً بالاتفاقية الدولية للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، فان مصر قد وقعت عليها ونص المادة الثامنة منها على انه: [تتعهد الدول الاطراف في الاتفاقية الحالية بأن تكفل أ….. ب….. ج…… د-الحق في الاضراب، على ان يمارس طبقا لقوانين القطر المختص …. الخ]. وهذا النص قاطع الدلالة في ان على الدولة المنظمة للاتفاقية الالتزام بأن تكفل الحق في الإضراب بمعنى أنه صار معترفاً به كحق مشروع من حيث المبدأ ولا يجوز العصف به كلياً وتحريمه على الإطلاق.

” و بالاطلاع على قرار رئيس الجمهورية رقم 537 لسنة 1981 بشأن الموافقة على الاتفاقية الدولية للحقوق الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المنشور في العدد 14 من الجريدة الرسمية المؤرخ 8 ابريل سنة 1982، يتبين انه قد نص صراحة على الموافقة على الاتفاقية الدولية المذكورة، و قد تم بعد الاطلاع على الفقرة الثانية من المادة 151 من الدستور، مما يفيد انها قد صدرت بعد الحصول على موافقة مجلس الشغب بوصفها إحدى المعاهدات الدولية التي تتعلق بحقوق السيادة بما تضعه من قيود على سلطات الدولة تتمثل في وجوب احترام الحقوق التي اقرتها و اعترفت بها الاتفاقية الدولية الصادرة في نطاق الامم المتحدة و بالتطبيق لميثاقها “.

وكما قلنا ان النوع الاول من الدساتير مالت إلى التزام الصمت ووقفت موقفا مبهماً، فلم تحدد وضع القانون الدولي العام ومكانة الاتفاقية الدولية بالنسبة إلى القواعد الداخلية الدستورية والتشريعية، أو أنها -بمعنى آخر-لم تقرر لا علواً ولا تعادلاً بين القانون الدولي والقوانين الوطنية.

ويعد الدستور الإيطالي رائد هذا الاتجاه، حيث تنص المادة العاشرة منه على أن النظام القانوني الإيطالي يتوافق مع قواعد القانون الدولي المعترف بها بشكل عام.

والدستور الأردني يمثل أيضا هذا الاتجاه، فقد أغفل النص على مبدأ سمو القانون الدولي على القانون الداخلي من عدمه، النص الوحيد الوارد في الدستور الأردني الذي ينظم العلاقة ما بين القانون الأردني والمعاهدات الدولية هو نص المادة 33/2 بقولها: المعاهدات والاتفاقيات التي يترتب عليها تحميل خزانة الدولة شيئا من النفقات أو مساس حقوق الأردنيين العامة أو الخاصة لا تكون نافذة إلا إذا وافق عليها مجلس الأمة، ولا يجوز في أي حال أن تكون الشروط السرية في معاهدة أو اتفاقية مناقضة للشروط العلنية.

وعلى الرغم من ان المشرع لم يبين مكانة المعاهدة الدولية بنص صريح الا ان الاجتهاد القضائي استقر على تطبيق احكام المعاهدة الدولية حتى وان تعارض مع القانون الدولي ويعد ذلك تبنيا للاتجاه القائل بسمو المعاهدة الدولية على القانون الداخلي.

ويظهر ذلك جليا في احكام محكمة التمييز حينما نصت بعض الاحكام صراحة على ان ” الاتفاقية هي اعلى مرتبة من القانون المحلى واولى بالتطبيق “

وأما عن الاتجاه الثاني والذي يقول بعلو القانون الدولي على الدستور الوطني.

فإننا نجد هذا الاتجاه أكثر وضوحا في النظام القانوني الهولندي، حيث تم تعديل الدستور الهولندي في عام 1953، وأدرجت فيه مادة جديدة هي المادة الثالثة والستون التي تنص على أنه «يمكن للمعاهدة أن تخالف أحكام الدستور إذا كان تطور النظام القانوني الدولي يستوجب ذلك» … وهذا الاتجاه تبنته كل من لكسمبورغ وبلجيكا والدنمارك.

ولا يقصد بعلو قواعد القانون الدولي على قواعد القانون الدستوري العلو المطلق للأولى على الثانية بقدر ما يقصد به إفساح الطريق لقواعد القانون الدولي حتى يتم تطبيقها دون إعاقة.

اما الاتجاه الثالث -والذي يميل اليه الباحث -فهي الدساتير التي جعلت مرتبة الاتفاقية الدولية في وضع بين الدستور والقانون الداخلي، كالدستور الفرنسي الذي نص صراحة على سمو المعاهدات الدولية على القوانين العادية دون الدستور. وفي هذا السياق، ذهب الدستور الجزائري، الذي تبنى نظرية وحدة القانون مع سمو القانون الدولي على القانون الداخلي، وجعله في مرتبة أدنى من الدستور بنصه في المادة 132 من التعديل الدستوري لسنة 1996 على أن «المعاهدات التي يصادق عليها رئيس الجمهورية حسب الشروط المنصوص عليها في الدستور تسمو على القانون وتكون لها الأولوية على القانون الداخلي، لكنها تبقى أدنى من الدستور أي خاضعة له. وعلى نفس الاتجاه سار المشرع المغربي في الدستور الصادر سنة 2011

رأي الباحث

يؤيد الباحث الاتجاه الثالث و هو ان تكون للمعاهدة الدولية مرتبة اسمى من مرتبة القانون و اقل من مرتبة الدستور، لان هذا الوضع هو الامثل في تحقيق التوازن بين الحفاظ على المكانة و الالتزامات الدولية بالنسبة للدولة الموقعة ، و بين الصراعات السياسية الداخلية و التي قد تسفر عن مجالس تشريعية متعاقبة لا تنتمى لنفس التيار الفكري، فمرتبة المعاهدة الدولية بالنسبة للقانون الداخلي في هذه الحالة ستقطع الطريق امام السلطة المطلقة للمجلس التشريعي في التعديل الضمني في الاتفاقية عن طريق اصدار تشريعات لاحقة عليها مما يلعب دورا هاما في استقرار الوضع الدولي للدولة المعنية .

أما الاتجاه القائل بوضع المعاهدة الدولية في نفس مستوى القانون الداخلي فهو اتجاه محل نظر حيث تكون يد السلطة التشريعية مطلقة في الالتزام او عدم الالتزام بالمعاهدات الدولية، حيث انه من حق المجلس التشريعي اصدار قانون لاحق على المعاهدة ينظم نفس المسائل التي نظمتها ولكن بصورة مختلفة مما قد يعتبر الغاء ضمنيا لمواد المعاهدة الملزم بها القاضي الوطني، مما قد يؤثر على التزام الدولة المعنية بتطبيق احكام الاتفاقيات الدولية.

ومن المعروف ان أي دولة طرف في اتفاقية ثنائية او جماعية ملتزمة، واذا انتهكت قاعدة القانون الدولي تتعرض لعقوبات، و لا يختلف ذلك سواء تم ذكرها في الدستور من عدمه، و العقوبات المقصودة هنا ليست معناها عدم الاعتراف بوجود الدولة، و انما قد لا يعترف بحكوماتها، فوفقا للقانون الدولي الذى تنفذه الامم المتحدة و مجلس الامن تبدا العقوبات من عدم الاعتراف بالحكومة الحالية، الى قطع العلاقات الدبلوماسية و الاقتصادية، و عدم التعامل مع الدولة، أي عزلها سياسيا و اقتصاديا، مثلما حدث مع الصين حينما انقسمت الى دولتين شيوعية و وطنية، مما جعلها لسنوات لا تستطيع حضور اجتماعات مجلس الامن و لم يكن لها الحق في اتخاذ أيه قرارات دولية .

أيضا الاتجاه الثالث والذي يسمو بالقانون الدولي على القاعدة الدستورية هو محل نظر ايضا، فهذا الاتجاه يتعارض مع مبدا سمو الدستور، فأن كانت الدولة كما نقول هي عضو في الجماعة الدولية، الا انها – وكما هي معرفة -تجمع سياسي يؤسس كيانا ذا اختصاص سيادي في نطاق إقليمي محدد ويمارس السلطة عبر منظومة من المؤسسات الدائمة أي انها لها سيادتها التي لا يجوز لاحد المساس بها، لها سلطانها الكامل على الاشخاص والاموال والاقليم ومن ثم فلا مجال لان يعلو القانون الدولي على الدستور الوطني بأي حال من الأحوال.

ولا عبرة هنا بالقول بان المقصود بعلو قواعد القانون الدولي على قواعد القانون الدستوري ليس العلو المطلق بقدر ما يقصد به افساح الطريق لقواعد القانون الدولي حتى يتم تطبيقها بدون اعاقة، فالنتيجة واحدة في جميع الاحوال.
المراجع
– مبادئ القانون الدولي العام. د/حسام هنداوي، د/احمد فوزي. كلية الحقوق. جامعة بنى سويف. دار النهضة العربية. 2013

– محاضرات في القانون الدولي العام. د/سرور طالبي المل . جامعة الجنان . لبنان

– بحث بعنوان ” مركز الاتفاقيات الدولية في الوثيقة الدستورية المغربية “. منشور بجريدة المساء يوم 13 -1-2012، للباحث المغربي. خالد الحمدوني . منتدب قضائي بمحكمة الاستئناف ببنى ملال.

– بحث بعنوان ” فكرة السيادة في القانون الدولي العام ” للباحث عبد الرحمن محمد السوكتى. اكاديمية الدراسات العليا. مدرسة الدراسات الاستراتيجية والدولية. 2008

– الدستور المصري 2012. منشور على شبكة قوانين الشرق باللغة العربية على الرابط التالي

http://www.eastlaws.com/tashview.aspx?I=1718796

– الدستور المصري الصادر سنة 1971. منشور باللغة العربية على شبكة قوانين الشرق على الرابط التالي

http://www.eastlaws.com/tashview.aspx?I=41507

– الدستور الإيطالي الصادر سنة 1946. منشور باللغة العربية على شبكة قوانين الشرق على الرابط التالي

http://www.eastlaws.com/tashview.aspx?I=1647084

– الدستور الأردني الصادر سنة 1958. منشور باللغة العربية على شبكة قوانين الشرق على الرابط التالي

http://www.eastlaws.com/tashview.aspx?I=276297

– الدستور الفرنسي الصادر سنة 1958. منشور باللغة العربية على شبكة قوانين الشرق على الرابط التالي

http://www.eastlaws.com/tashview.aspx?I=1648389

– الدستور المغربي الصادر سنة 2011. منشور باللغة العربية على شبكة قوانين الشرق على الرابط التالي

http://www.eastlaws.com/tashview.aspx?I=1606966

– الدستور الجزائري الصادر سنة 1996. منشور باللغتين العربية والانجليزية على شبكة قوانين الشرق على الرابط التالي

http://www.eastlaws.com/tashview.aspx?I=189946

– الدستور البلجيكي الصادر سنة 1994. منشور على شبكة قوانين الشرق باللغة العربية على الرابط التالي

http://www.eastlaws.com/tashview.aspx?I=1648980

تكلم هذا المقال عن : تطبيق القاضي الوطني للمعاهدات الدولية – بحث قانوني متميز