ان اداء الكتابة، وبغض النظر عن مظهرها الخارجي، لدورها في تشريع الاثبات العراقي المقارن مرهون بمدى استيفائها لشروط تفرضها الوظيفة المناطة بها كأدلة كتابية، لذلك نجد وبالرغم من استقرار التعامل وجريان العرف على تدوين المحررات الكتابية على وسائط ورقية وبالحروف الخاصة بلغة المتعاقدين او اللغة التي يعتمدانها وان كانت لغة أجنبية إن الفقه والقضاء في كل من فرنسا والعراق ومصر استقر على عدم اعتبار الوسيط الورقي الذي تثبت عليه الكتابة أو اللغة التي تثبت بها الكتابة بمثابة شروط كذلك لا يهم أن تكون بخط اليد أو أن تكون مطبوعة لا سيما فيما يتعلق بالمحررات العادية(1). لذلك إن تحديد الشروط الواجب توافرها في الكتابة يجب أن يتم في ضوء الدور الذي تمارسه الكتابة في الإثبات وبعيدا عن نوعية الركيزة أو الأحبار المستعملة أو شكل الحروف أو الرموز المستخدمة. فالغرض من التدوين الكتابي هو تثبيت وجود الواقعة التي تنشئ الحق او تنفيه او تنقله او تقضيه وبما يمكّن الاطراف المتعاقدة من الركون اليه في حالة نشوب النزاع(2) .من خلال عرضه على القاضي المختص ليفصل بينهم بناءا على ما هو مدون فيه(3). اذن للقول بقبول المحرر سواء كان تقليديا” او غير تقليدي كالمحرر الإلكتروني كدليل ثبوتي مرهون بمدى استيفاء ذلك المحرر للشروط التي تخدم مكنة استخدامه كدليل لإثبات التصرف او نفيه وتتيح فرصة الافادة منه بالرجوع إليه في حالة نشوب نزاع والركون اليه والفصل به استنادا الى ما يتضمنه من بيانات ، كل هذا يفترض بالتدوين الكتابي الالكتروني ان يكون مقروءا وان يمتاز ذلك التدوين بالثبات والديمومة وعدم امكانية تبديله او ادخال تعديل عليه دون اتلاف المحرر او ترك اثر مادي عليه لذا سوف نقسم هذا الموضوع على ثلاثة فروع نتعرف فيها الى مدى امكانية الكتابة الالكترونية لان تكون مقروءة وثابتة ومستمرة وغير قابلة للتعديل على التوالي

الفرع الاول : الكتابة الالكترونية وشرط القراءة والفهم

قياسا على الغاية من الاستعانة بالكتابة في إطار إثبات المعاملات المالية يعد هذا الشرط شرطا جوهريا وأساسيا، ومفاده هو ان تكون الكتابة مفهومة ، غير انه لا يفترض حتما استخدام لغة معينة او الكتابة بخط يد صاحبها(4) ،وبمقارنة ذلك بالكتابة الالكترونية، نجد ان الإنسان لا يستطيع رؤيتها وقراءتها والوصول إلى مضمونها وفهم فحواها إلا بالاستعانة بالحاسوب الالكتروني بالتالي ان إمكانية التعرف الى مضمون الكتابة الالكترونية تتم بشكل غير مباشر، فالتدوين يتم على وسائط الكترونية وبلغة الإله ( المكونة من توافق وتبادل بين رقمي الصفر والواحد) التي لا يفهمها الإنسان إلا من خلال برامج تشغيل يزود بها جهاز الحاسوب الالكتروني ، تقوم هذه البرامج بترجمة المعلومات من لغة الالة إلى لغة يفهمها الإنسان (5). إذن ان توسط آلة فيما بين الإنسان والكتابة الالكترونية لا ينفي إمكانيتها بأن تكون مقروءة ومفهومة للإنسان وان وصفت بالقراءة غير المباشرة. ولعل تمسك البعض بهذا التوصيف كذريعة لاستبعاد المحرر الالكتروني من نطاق الادلة الكتابية المقبولة قانونا ،هو من قاد المشرع الفرنسي نحو حسم ما يمكن ان يثار من خلاف ،من خلال اضافة نص المادة (1316) الى تقنينه المدني التي عرفت الكتابة المستخدمة في الإثبات بأنها (كل تتابع للحروف أو الرموز أو الأرقام أو أي أشارات أخرى تدل على المقصود منها ويستطيع الغير أن يفهمها)(6) . اذن من الممكن ان تكون الكتابة الالكترونية مقروءة ومرئية للإنسان وان كانت بالواسطة، لكن هل تتسم بالثبات والديمومة؟ هذا ما سنتعرف اليه خلال الفرع التالي.

الفرع الثاني : الكتابة الالكترونية وشرط الثبات والديمومة

يؤلف هذا الشرط نقطة التقاء ما بين المعنى اللغوي للكتابة(7) والغاية من تثبيت التصرف القانوني على محرر مكتوب ،المتمثلة بإمكانية الرجوع المتكرر إليه كلما لزم الأمر لمراجعة بنود العقد المثبت فيه أو لعرضه على القضاء عند حدوث خلاف بين أطرافه دون الانتقاص من اصله لا سيما ونحن بصدد الإثبات القضائي الذي يتم عن طريق تقديم الدليل أمام القضاء ،.بالتالي لابد من افراغ حروف الكتابة او رموزها على دعامة يسمح ببقائها وديمومتها . ولعل الدعامة الورقية تستوفي هذا الشرط وبجدارة ولولا ذلك لما علا شأن المحررات الورقية دون سواها بوصفها وثائق لتثبيت الحقائق كما هي عند نشأتها الاولى إضافة إلى سهولة ويسر الحصول عليها (8). ومع ان تحقق هذا الشرط متاح حينما نكون إزاء محرر ورقي ، إلا ان الامر يدق بالنسبة للمحرر الالكتروني ،حيث لا يزال امر استيفاء الكتابة الالكترونية لهذا الشرط غامض ومثير للشك، ذلك ان الوسائط الالكترونية التي تثبت عليها الكتابة الالكترونية عرضة للتلف السريع بحكم تكوينها الكيميائي والكهرومغناطيسي وبمجرد اختلاف في قوة التيار الكهربائي أو درجات حرارة تخزين هذه الوسائط كما انها لم تنتج لتعمر طويلاً لذا ينبغي نقل المعلومات على وسيط آخر، ولعل في هذا تبرير للاعتقاد السائد بكون الوسائط الالكترونية اقل قدرة من الأوراق على الاحتفاظ بالمعلومات لمدد طويلة ،ويبدو على هذا الاعتقاد المغالاة اذ كما للوسائط الالكترونية مسببات للتلف كذلك الوسائط الورقية فأنها غير عصية على التلف أو محصنة ضد الهلاك، فإذا كانت الأولى تتلف نتيجة ارتفاع في شدة التيار الكهربائي، فان الماء من شانه إتلاف الورق. علما ان هذه المسألة أثارت تحديا” فنيا” وتقنيا” وقد أمكن التغلب عليها باستخدام وسائط لها القدرة على الاحتفاظ بالمعلومات لمدة طويلة ربما تفوق قدرة الأوراق(9)

الفرع الثالث : الكتابة الالكترونية وشرط عدم التعديل إلا بإتلاف المحرر أو ترك اثر مادي عليه

مفاد هذا الشرط يتمثل بعدم إمكانية التلاعب بما هو مدون في المحرر من بيانات من شأنها التأثير على المراكز القانونية لأصحاب الحقوق المتنازع فيها ودون أن يظهر لهذا التلاعب أي اثر مادي من وجود أخطاء او عيوب مادية جراء إدخال تعديلات بالإضافة او المحو او التحشير. ولقد تنبه المشرع الى هذه المسألة المهمة وعالجها معالجة حكيمة تمثلت بإعطاء سلطة تقديرية للمحكمة في تقدير القيمة الثبوتية للمحرر تصل الى حد اعدام تلك القيمة بحسب الاحوال(10) ، وإذا ما امعنا النظر في الاثر القانوني لتخلف شرط السلامة المادية للمحرر نتيجة لتضمنه عيوب مادية يتم استظهارها بالعين المجردة أو بالخبرة الفنية، لوجدنا إن ذلك العيب المادي من شأنه تجريد المحرر الكتابي من قوته الذاتية المقررة بحكم القانون والملزمة للقاضي سواء كان محررا” رسميا” اومحررا “عاديا” لتغدو قوته مكتسبة متوقفة على قناعة القاضي في الأخذ به اوعدم الاخذ به ، ويأتي هذا الاثر برأينا منسجما مع التوجه التشريعي الذي تبناه المشرع العراقي على غرار اغلب التشريعات العربية التي اخذت بمبدأ الاثبات المختلط (11)

ومن مفترضات هذا الشرط تحقق امتزاج وتلابس ما بين المادة المستعملة للكتابة والتركيب المادي للدعامة المثبت عليها المحرر بحيث تصبح وحدة واحدة غير قابلة للتجزئة اوالفصل إلا بإتلاف المحرر او احداث تغييرات مادية يسهل التعرف اليها بالنظر او خلال الاستعانة بالخبرة الفنية ان لزم الامر. اذن ان تقدير القيمة الثبوتية للمحرر الكتابي تنال شرط، ضوء سلامته المادية. بالتالي فأن عدم استيفاء المحرر الالكتروني لهذا الشرط، من شأنه هز الثقة بالمعلومات والبيانات التي ينطوي عليها. والحقيقة أن شرط عدم القابلية للتعديل إلا بالإتلاف أوترك اثر مادي يستوضح بالعين المجردة او بالخبرة الفنية ، يتعارض مع أهم الخصائص المميزة للطبيعة التقنية للمحرر الالكتروني التي تحتسب له والتي تسمح بإمكانية التعديل المستمر بالإضافة او الحذف دون أي آثار مادية بادية للعيان.أي ان المحرر الالكتروني وبحسب الأصل يفتقر إلى شرط من أهم الشروط التي تتصل بوظيفة المحرر الكتابي في الإثبات، والتي تهدف إلى تحقيق الثقة في البيانات المدونة فيه(12). ومع ذلك ينبغي ان نلاحظ أننا نتعامل مع تقنية التي من أهم التحديات التي تطرحها على المستوى القانوني قابليتها للتطور والتقدم السريعين، بمعنى أدق حينما لاحظ الفنيون هذه المشكلة عمدوا إلى وضع الحلول لهذه ألازمة تتجسد ببرامج معينة من شأنها جعل المحرر الالكتروني يستوفي هذا الشرط ويصبح عصيا” على التعديل أو التدخل فيه دون ترك اي آثار، إضافة إلى الحلول ذات الطابع الإجرائي المتمثلة بحفظ المحرر الالكتروني بصيغته النهائية وبشكل لا يقبل التبديل والتعديل من خلال حفظه في صناديق الكترونية لا يمكن فتحها إلا بمفتاح خاص تهيمن عليه جهات معتمدة من قبل الدولة(13). بالنتيجة يخضع قبول المحرر الالكتروني كدليل في الإثبات لتقدير قاضي الموضوع ليمارس سلطته في تقييم مدى قدرة المحرر الالكتروني على تأمين بيانات المحرر ،وان في هذا إضعاف واضح لقيمة المحرر الالكتروني بوجود منافس شديد البأس وهو المحرر الورقي الملزم للقاضي بقبوله كدليل كامل متى كان موقع من قبل أطرافه. على ألا ينشأ محرر كتابي قابل للاحتجاج به ولا يستحوذ على الاهتمام القانوني كدليل كامل(14) ما لم تذيل الكتابة بتوقيع من صدر منه المحرر وهو العنصر الثاني من عناصر انشاء الدليل الكتابي وهو التوقيع .

____________________

[1] – عبد الودود يحي – الموجز في النظرية العامة للالتزامات- دار النهضة العربية- القاهرة- 1994 -ص 537 ، جلال العدوي : مبادىء الاثبات في المسائل المدنية والتجارية – الاسكندرية – 1966- ص 136 وما بعدها .

2 – من وظائف المحرر الاخرى التي اشار اليها أستاذنا الدكتور فائق الشماع تتمثل بـ ((1. امكانية استنساخ المستند واحتفاظ الاطراف بنسخ من بيانات المعاملة . 2. تيسير المراقبة والتدقيق اللاحق لاغراض محاسبية او ضريبية او تنظيمية ………)) استاذنا د. فائق الشماع – التجارة الالكترونية- بحث منشور في دراسات قانونية- بيت الحكمة -بغداد -العدد 4-السنة الثانية- -2000 -ص37 وما بعدها .

3 – د. حسن عبد الباسط جميعي –الاثبات في المواد المدنية والتجارية- دون مكان للطبع – 2003-2004 -ص 245.

4-CAPRIOLIetSORIEUL، commerce international electronique، vers I، emergence des regles juridiques transationalles، clunet 1997، p.323.

5 – محمد فهمي طلبة واخرون-الموسوعة الشاملة لمصطلحات الحاسب الالكتروني- موسوعة دلتا كومبيوتر – مطابع المكتب المصري الحديث-القاهرة 1991 – ص108 وما بعدها ، د. عبد الفتاح صديق عبد الاه ود. طه عبد الجواد مصطفى صقر- مبادىء الحاسب الالي- بدون ناشر 1998- ص10، د. محمد السعيد رشدي – -ص 15-18.

6- وهذا ما سوف نتطرق اليه وبالتفصيل خلال الباب التالي من نفس الاطروحة.

7 – استنادا للتعريف اللغوي للكتابة :- ما يخطه الانسان ليثبت به امرا له او عليه / لسان العرب ، يراجع المطلب الاول من هذا المبحث من نفس الاطروحة .

8 – د. عبد الباسط حسن جميعي : اثبات التصرفات التي يتم ابرامها عن طريق الانترنت – دار النهضة العربية – 2000- ص247 ، د. بشار طلال مومني – مشكلات التعاقد عبر الانترنت – عالم الكتب الحديثة – اربد – الاردن 2004 ص 103

9 – د.حسن عبد الباسط جميعي- مصدر سابق-ص247-248 ، د. محمد ابراهيم ابو الهيجا-التحكيم بواسطة الانترنت -دار العلمية الدولية للنشر والتوزيع ودار الثقافة للنشر والتوزيع- عمان –الاردن -2002 -ص77.

10 – نصت الفقرة الثانية من المادة (30) من قانون الاثبات العراقي رقم ( 107 ) لسنة 1979 على ان (( للمحكمة ان تقدر ما يترتب على الكشط والمحو والشطب والتحشية وغير ذلك من العيوب المادية في السند من اسقاط قيمته في الاثبات او انقاص هذه القيمة على ان تدلل على صحة وجود العيب في قرارها بشكل واضح )) يقابل نص هذه المادة نص المادة (28) من تشريع الاثبات المصري ، ولوحظ غياب مثيله في قانون البينات الاردني الذي عالج احكام المحرر الكتابي ولم يعالج احكام صحة السند تاركا هذا الامر لقانون اصول محاكمات مدنية وفيه منح القاضي المختص سلطة تامة في بحث صحة أي سند . كذلك استقر القضاء الفرنسي على اعطاء القاضي مثل هذه السلطة .استاذنا د.عباس العبودي – شرح احكام قانون البينات الاردني – الطبعة الاولى دار الثقافة للنشر والتوزيع – الاردن – 2005 ص 141 .

11 – جاء بنص الفقرة الثالثة من المادة (35 ) من قانون الاثبات النافذ على انه (( اذا كان السند محل شك في نظر المحكمة جاز من تلقاء نفسها ان تدعو الموظف الذي صدر عنه او الشخص الذي حرره ليبدي ما يوضح حقيقة الامر فيه )) .

12- L.LEVENEUR،note.sous cass.civ،ire،25juin 1996.contrarts-concurrence et consummation،1996 n183.

13- وهو ما يصطلح عليها بجهات التوثيق او جهات التصديق وسنتناولها بالشرح في الباب الثاني .

14- الكتابة بدون توقيع لا تصلح ان تكون محررا” عاديا” ومن باب اولى لا تشكل محررا” رسميا” بل انها لاتعد دليلا” كتابيا” ناقصا” – مبدأ ثبوت بالكتابة- يكمل بادلة الاثبات الاخرى المقبولة قانونا مالم تستوف عددا من الشروط سوف نطلع عليها لاحقا”.

اعادة نشر بواسطة محاماة نت .