بحث قانوني مفيد في القانون الجنائي الدولي

مقدمـــــــة

سجل التاريخ المعاصر عبر مراحل اعتماد الهيئات الدولية للتحقيق، منذ معاهدة فرساي و حتى إنشاء محكمة رواندا، حاجة المجتمع الدولي الملحة إلى إنشاء محكمة جنائية دولية دائمة تلافيا لإفلات العديد من مرتكبي الاعتداءات الوحشية و الجرائم الفظيعة من العقاب، و التي تبقى النزاعات المسلحة، وخاصة غير الدولية منها، المسرح الدائم لها و يرجع السبب في ذلك للتطور المتباين على جهتين، فعلى قدر ما تحقق من إنجازات على صعيد التقنين بالتطور الملحوظ الذي شهده القانون الدولي الإنساني في تنظيمه للأعمال الحربية و تعزيزه المكثف للحماية الدولية للأشخاص و الأعيان أثناء المواجهات المسلحة ظهر استفحال للأعمال غير الإنسانية و الوحشية، الشيء الذي أثبت عدم نجاعة النظم القانونية في تحقيق النتائج المرجوة منها، خاصة ما تعلق بقمع الجرائم المرتكبة أثناء النزاعات المسلحة، التي تعتبر من ” الانتهاكات جسيمة “، كما عبرت عنها اتفاقيات جنيف لعام 1949، و عدها البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف من قبيل جرائم الحرب أخطرها على الإطلاق لارتباطها ضروريا بوجود حالة النزاع المسلح ومخالفة الأطراف لقواعد الحرب التي تفرض قيودا على كيفية استخدام القوة في العلاقات التي بينها؛

وقد بدأت تتكون نظرية الحرب في مفهومها التقليدي خلال الفترة من نهاية القرن الخامس عشر حتى القرن السابع عشر عندما ظهر ما يسمى بقانون الشعوب (Jus Cogens) على أيادي فلاسفة و فقهاء القانون الدولي الأوائل، وقد تطورت الأفكار و المفاهيم أكثر، من أجل تنظيم قانوني للحرب لجعلها أكثر إنسانية و حصرها بين الدول و المقاتلين فقط، و ببزوغ القرن التاسع عشر، و خاصة في النصف الثاني منه ظهرت البداية الفعلية للاهتمام الدولي بضرورة تقنين الأعراف التي تؤكد و تضمن مراعاة الاعتبارات الإنسانية في الحروب فأبرمت الاتفاقيات الدولية المتعددة الأطراف من أجل تنظيم عمليات القتال و أدواته و أساليبه للحد من الأضرار و الخسائر و المحافظة على الكرامة الإنسانية.
و يعتبر مفهوم قانون الحرب (Jus in Bello) قديما قدم القانون الدولي، وبالرغم من أن هذا المفهوم مازال موجودا حتى يومنا هذا، غير أنه و تحت تأثير التغيرات التي حصلت للقانون الدولي، في الوقت الأخير، ظهر اصطلاح جديد هو قانون النزاعات المسلحة، إلى جانب مفهوم قانون الحرب، ولا يعد الاصطلاح الجديد على الإطلاق، مفهوما مشابها و مماثلا لمفهوم قانون الحرب، فقانون النزاعات المسلحة المعاصر يختلف جوهريا عن قانون الحرب خاصة في الصور التي يتخذها والقواعد القانونية التي تنظمه.
وخلافا لهذا الرأي، يرى جانب من الفقه أن مصطلحات ” قانون الحرب ” و ” قانون النزاعات المسلحة ” و “القانون الدولي الإنساني”، مرادفة في المعنى، فالمصطلح التقليدي الذي كان سائدا حتى إبرام ميثاق الأمم المتحدة هو ” قانون الحرب “، ولما أصبحت الحرب غير مشروعة وفقا لميثاق الأمم المتحدة، حين وردت كلمة “الحرب” في ديباجة الميثاق عند الإشارة إلى “إنقاذ الأجيال المقبلة من ويلات الحرب” ثم استخدام تعبير ” استخدام القوة ” شاع استخدام مصطلح ” النزاعات المسلحة ” و في بداية السبعينات تأثر هذا القانون بحركة حقوق الإنسان على الصعيد الدولي خاصة في أعقاب مؤتمر طهران عام 1967 و شاع استخدام مصطلح “القانون الدولي الإنساني”.

إلا أن القانون التقليدي كان ينظر إلى استخدام القوة باعتبارها وسيلة مشروعة من وسائل تسوية النزاعات الدولية، غير الودية، إذا اختارها أطراف النزاع، دونما تعقيب عليها من حيث مشروعيتها، فمصطلح الحرب لم يكن مجرد ظاهرة اجتماعية وسياسية بل كان قبل كل شيء فكرة قانونية تعكس حالة من حالات العلاقات الدولية، ترتب حقوق و التزامات بالنسبة للمشاركين فيها، و كانت المخالفات التي تقع أثناء الحرب مسموح بها، فلم يكن هناك جزاء يوقع على الدول التي تباشر حرب الاعتداء (سواء أعمال القصاص أو الغرامات المالية التي يوقعها المنتصر بالمهزوم)، ونظرا لأن الدول كانت تمثل الأشخاص القانونية الوحيدة للقانون الدولي التقليدي فلم يتصور أن تقوم الحرب فيما بين أطراف ليست دولا و لذلك اتخذت الحرب في مفهومها التقليدي دائما الطابع الدولي الذي يمكن أن يطبق عليه قانون الحرب.

لكن، و بعد اعتماد اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949، والبروتوكولين الإضافيين لهن، لعام 1977، اكتملت إلى حد كبير القواعد التي تشكل أحكام القانون الدولي الإنساني، الذي أصبح في عصرنا الراهن فرعا قانونيا هاما من فروع القانون الدولي العام، إذ يهتم بتسوية المشكلات الإنسانية الناجمة عن النزاعات المسلحة الدولية و غير الدولية على حد سواء و التقييد من حق أطراف النزاع في استخدام وسائل و طرق القتال، وكذا حماية الأشخاص و الأعيان التي يلحق بها أضرار، أو ما قد تتعرض له من جراء تلك النزاعات المسلحة.

إن فهم الأسس التي تحدد مكامن التمييز بين القواعد الواجبة التطبيق على طائفتي النزاعات المسلحة، الدولية منها و غير الدولية، ترجع أساسا إلى دراسة النطاق المادي لتطبيق القانون الدولي الإنساني، المنظم لحدود المواجهات المسلحة التي تخضع له و تلك التي لا تخضع له، فمنذ اعتماد اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 و بروتوكوليها الإضافيين لعام 1977، باتت التفرقة بين أنماط المواجهات المسلحة قائمة على أساس صنفين رئيسين هما النزاعات المسلحة الدولية و النزاعات المسلحة غير الدولية.
لا يعتبر التمييز بين النزاعات المسلحة الدولية والنزاعات المسلحة غير الدولية شأناً يسهل فقط موضوع دراسة هذه النزاعات بل يترتب على هذه التمييز نتائج سياسية وقانونية هامة تصل إلى حد الافتئات على مفهوم السيادة الوطنية وحدود هذه السيادة وشرعية مفهوم التدخل لأغراض إنسانية، كما يترتب على هذا التمييز نتائج يمكن الاستناد إليها من جهة، للتعرّف على دور العسكريين المقاتلين في النزاعات المسلحة الدولية، حيث يقع على عاتقهم مهمة تنفيذ كل أحكام القانون الدولي الإنساني وقانون النزاعات المسلحة خلال العمليات القتالية، دون إمكان التذرع بأوامر القادة من سياسيين وعسكريين على حد سواء، أو حجة الدفع بعدم المسؤولية عن الانتهاكات المرتكبة لهذين القانونين؛ ومن جهة أخرى، يساعد ذلك على تحديد حقوق المتحاربين و واجباتهم في النزاعات المسلحة غير الدولية، إضافة إلى دور رجال الأمن الداخلي في هذه النزاعات، ويبرز للحقوقيين من رجال قضاء ومحاميين إضافة إلى الساسة، الطبيعة القانونية لكل من هذه النزاعات والقوانين التي تحكمها، ذلك أن المشرع الإنساني التي تحكم هذه النزاعات بصورة أكبر وأهم وأشمل مما قام به على صعيد النزاعات المسلحة غير الدولية.
استخدمت الحرب في حسم العديد من النزاعات الدولية و كانت وسيلة من بين باقي الوسائل المستعملة في تسوية النزاعات لأنها أكثر نجاعة و بها ينتهي النزاع فيحصل المنتصر على حقوقه كاملة، و عليه فقد كانت الحرب في المفهوم التقليدي تخدم غايتين:
1) إن الحرب توفر وسيلة فعالة للاعتماد على النفس في تحقيق تنفيذ الحقوق عند غياب محاكم دولية أو هيئات قضائية دولية متخصصة قادرة على تسوية المنازعات الدولية.
2) كان يهدف اللجوء إلى الحرب إلى تنفيذ قواعد القانون الدولي التقليدي، و تكييفها مع الظروف المتغيرة لعدم وجود الهيئات الدولية القادرة على القيام بدور المشرع الدولي؛

فضلت الدول الأطراف المشاركة في المؤتمر الدبلوماسي، الذي اعتمدت خلاله اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 استخدام اصطلاح “الانتهاكات الجسيمة Infractions Graves ” لاقتناعها بأن استعمال مصطلح ” الجريمة Crime ” قد يعبر عن عدة دلالات قد تختلف باختلاف وجهة نظر الدول في استعمال هذا المصطلح.
فقد جاء في الفقرة 5 من المادة 85: ( تعد الانتهاكات الجسيمة للاتفاقيات و هذا اللحق “البروتوكول” بمثابة جرام حرب و ذلك مع عدم الإخلال بتطبيق هذه المواثيق).
نظام “الانتهاكات الجسيمة” المتضمنة في اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949، و البروتوكول الإضافي الأول و التي يمكن أن تمتد كذلك إلى انتهاكات أخرى احتوتها قوانين و أعراف الحرب، نصت عليها المواد 50، 51، 130 من اتفاقيات جنيف الأربع، التي تشتمل على تسعة فئات من جرائم الحرب هي:
1- القتل العمد (الاتفاقيات 1-4).
2- التعذيب أو المعاملة اللاإنسانية، بما في ذلك التجارب البيولوجية (الخاصة بعلم الحياة) (الاتفاقيات 1-4).
3- تعمد إحداث آلام أو أضرار أو معاناة شديدة بالسلامة البدنية و الصحية (الاتفاقيات 1-4).
4- الاستيلاء على الممتلكات أو تدميرها على نطاق واسع لا تبرره الضرورات العسكرية.
5- إجبار أسير حرب أو شخص يتمتع بالحماية على العمل لصالح القوة المسلحة للدولة المعادية (الاتفاقيات 3-4).
6 – حرمان أسير الحرب أو شخص يتمتع بالحماية من حقه في محاكمة قانونية و عادلة وبدون تحيز (الاتفاقيات3-4).
7- نفي، أو ترحيل الأشخاص المحمية بطريقة غير مشروعة (الاتفاقية 4)
8- حجز الأشخاص المحمية بطريقة غير مشروعة (الاتفاقية 4)
9- أخذ الرهائن (الاتفاقية 4)
– ويجب أن ترتكب الأفعال، المذكورة آنفا، ضد أشخاص أو ممتلكات تتمتع بالحماية التي كفلتها لها اتفاقيات جنيف الأربع.
– وأضاف البروتوكول الأول:
أولا: في المادة 11 فقرة 4 منه، أنه: ( يعد انتهاكا جسيما كل عمل عمدي أو إحجام مقصود يمس بدرجة بالغة بالصحة و بالسلامة البدنية أو العقلية لأي من الأشخاص الذين هم قبضة طرف غير الطرف الذين ينتمون إليه و يخالف المحظورات المنصوص عليها في الفقرتين الأولى و الثانية أو لا يتفق مع متطلبات الفقرة الثالثة).
ثانيا: في المادة 75:( تحظر الأفعال التالية حالا و استقبالا في أي زمان و مكان سواء ارتكبها متعمدون، مدنيون أم عسكريون:
(أ) ممارسة العنف إزاء حياة الأشخاص أو صحتهم أو سلامتهم البدنية أو العقلية، و بوجه خاص:
1- النقل؛ 2 – القتل؛ 3- التعذيب بشتى صوره بدنيا كان أم عقليا؛ 4- التشويه؛
(ب) انتهاك الكرامة الشخصية و بوجه خاص، المعاملة المهينة للإنسان و المحطة من قدره و الإكراه على الدعارة أو أية صورة من صور خدش الحياء.
(ج) أخذ الرهائن؛
(د) العقوبات الجماعية؛
(هـ) التهديد بارتكاب أي من الأفعال المذكورة آنفا.

(1) الاعتداء على حياة الأشخاص و صحتهم و سلامتهم البدنية أو العقلية، و على وجه الخصوص القتل و المعاملة القاسية مثل التعذيب التشويه، أو أي شكل من أشكال العقوبات؛ (2) العقوبات الجماعية؛ (3) أخذ الرهائن؛ (4) أعمال الإرهاب؛ (5) انتهاك الكرامة الشخصية على وجه الخصوص، و المعاملة المهينة و الحاطة من قدر الإنسان و الاغتصاب و الإجبار على الدعارة، و كل ما من شأنه أن يخدش الحياء؛ (6) الاستعباد (الاسترقاق) و تجارة الرقيق بكل أشكالها؛ (7) السلب و النهب؛ (8) التهديد بارتكاب أي من الأعمال السابقة.

وقد حصرت صكوك القانون الدولي الإنساني مفهوم تلك الانتهاكات الجسيمة على الجرائم المرتكبة في سياق النزاعات المسلحة الدولية فقط، حين تم تعريفها بدقة، في المواد 50، 51 130، 147، من اتفاقيات جنيف الأربع، فيما لم تشر إلى الجرائم التي يمكن أن ترتكب في سياق النزاع المسلحة غير الدولية “بالانتهاكات الجسيمة” و اكتفت نصوص اتفاقيات جنيف في المادة الثالثة المشتركة،باعتبارها مجرد “انتهاكات” لا يمكن المعاقبة عليها و تجريمها إلا إذا احتوى النزاع المسلح غير الدولي، في حد ذاته، على تدخل للعنصر الأجنبي أو دارت مواجهاته بين الحكومة القائمة و الجماعات المتمردة داخل الدولة، وهذا ما أدى إلى وجود تباين بين الأنظمة المطبقة على النزاعات المسلحة الدولية وغير الدولية، مما نتج عنه ظهور صراعات سياسية شائكة نظرا لاختلاف الآراء بين الحكومات، بسبب غموض عدد كبير من النصوص المتعلقة بمفاهيم “الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني” بمفهومها الضيق (Stricto sensu) المرتبط أساسا “بجرام الحرب”.
باعتبار أن المفهوم العام Lato sensu للانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني، والمعبر عنها باللغة الفرنسية: Violations graves du droit international humanitaire يستغرق بالإضافة إلى نظام الانتهاكات الجسيمة Les Infractions graves، الجرائم ضد الإنسانية و جرائم الإبادة.

و لم تزل هذه الازدواجية قائمة، حتى انعقد زمن العدالة الجنائية الدولية، التي بات ينظر إليها على أنها أنجع آلية من آليات تطبيق القانون الدولي الإنساني، حين قدمت تطورا نوعيا انطلقت بداياته الرئيسة:
أولا: بإنشاء المحكمة الجنائية الدولية الخاصة بيوغسلافيا سابقا، التي كان عليها أن تطبق اتفاقيات جنيف بوصفها قانونا جنائيا، بأسلوب يختلف عن أسلوب تفسير الاتفاقيات بداية، فلم يتصور القائمون على صياغة تلك الاتفاقيات نوع النزاعات العرقية القائمة في يومنا هذا مما جعل المحكمة الدولية الجنائية الخاصة بيوغسلافيا السابقة تفـرز اجتهـادات قضائية توائم السياق المعاصر الذي حدثت خلاله الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني في إقليم يوغسلافيا السابقة، ومن أجل تحقيق ذلك عكفت المحكمة الدولية على ملأ فجوة المفاهيم التقليدية لمركزية الدولة بشأن القانون الدولي الإنساني و مهمتها بشأن مقاضاة الأفراد عن تلك الانتهاكات الجسيمة، المرتكبة في سياق النزاعات المسلحة الدولية أم غير الدولية؛
واستمر الأمل في تحقيق الاستقرار القضائي الجنائي الدولي بامتداد مفهوم المسؤولية الجنائية الدولية عن الانتهاكات الجسيمة حتى بالنسبة للجرائم المرتكبة في سياق النزاعات المسلحة غير الدولية.
ثانيا: بما اعتمدتـه المحكمـة الجنائية الدوليـة الدائمـة في شأن تطوير مفهوم نظام “الانتهاكات الجسيمة” و مقاربتها بين طائفتي النزاعات المسلحة الدولية و غير الدولية، على حد سواء.

و يظهر جليا من خلال جملة ما استعرضناه، أن هناك تباينا مثيرا بين القواعد الجوهرية المطبقة على النزاعات المسلحة الدولية و غير الدولية، ويترجم ذلك في واقع الأمر، انعكاسا للتحيز التاريخي في القانون الدولي الإنساني تجاه قواعد الحروب التي تنشب بين الدول، وقد رأينا أنه، من بين جملة أحكام اتفاقيات جنيف الأربع و البروتوكولين الإضافيين لهن، و كذا الاتفاقيات الأخرى المرتبطة بقانون الدولي الإنساني في إطاره العام، لم تنصرف القواعد المنظمة للنزاعات المسلحة غير الدولية، إلا فحسب بموجب المادة الثالثة المشتركة بينهن و الثمان وعشرون مادة التي تضمنها البروتوكول الإضافي الثاني، التي رغما عن ذلك لم تشمل سوى أحكاما محصورة فقط.
وقد أفرزت الصعوبات الظاهرة و الباطنة التي فرضها واقع النزاعات المسلحة الحديثة رو كذا التباين بين الأنظمة المطبقة على طائفتي النزاعات المسلحة، تحديات أصبحت تقف حتى حائلا دون القيام بالعمل الإنساني على الوجه المطلوب لحماية ضحايا النزاعات المسلحة بل وتعقدت المسائل أكثر نظرا لتغير أنماط تلك النزاعات المسلحة المعاصرة التي طغى عليها الطابع غير الدولي، وأصبح بذلك تطبيق المادة الثالثة المشتركة بين اتفاقيات جنيف و البروتوكول الإضافي الثاني يثير الكثير من الإشكالات لإظهارهما عدم كفايتهما كنظامين خاصين لمواجهة تلك الأوضاع، وأضحت الحاجة الملحة لتنظيم أكثر تفصيلا خصوصا و أنهما صيغا على معنى العموم، بحيث يصعب معهما القول بأنهما يرتبان مسؤولية جنائية فردية على كل من انتهك أحكامهما، و إن كان البروتوكول الثاني قد توسع في الحماية المقررة للأفراد الذين لا يشاركون في الأعمال القتالية أو الذين توقفوا عن المشاركة فيها لأي سبب كان، فإنه لم يضف شيئا يذكر بصدد الشك حول الطبيعة الجنائية الدولية للأعمال المحظورة، و لم تعالج هذه الإشكالات، على المستوى الدولي، إلا بعد مرور فترة زمنية كبيرة، ابتداء بإنشاء المحكمة الجنائية الدولية ليوغسلافيا السابقة، و انتهاء بما اعتمده النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية الدائمة؛

المحور الأول: تطور القانون الدولي الجنائي بتطور القضاء الدولي الجنائي

الإرهاصـــــــــات

ترجع فكرة إنشاء قضاء دولي جنائي إلى الحقوقي العسكري السويسري Gustav Moinier أحد مؤسسي اللجنة الدولية للصليب الأحمر ، الذي أسهم في عقد اتفاقية جنيف لعام 1864، وهو أول من ناد بتنظيم قضاء دولي جنائي دائم يعاقب عن ما يرتكب من جرائم ضد قانون الشعوب ، واقترح في تقرير قدمه للجنة مساعدة جرحى الحرب سنة1872، إنشاء محكمة مكونة من خمسة أعضاء يعين اثنان منهم بمعرفة أطراف الحرب وثلاثة بمعرفة دولة محايدة ولكن اقتراحه لم يظهر إلى حيز الوجود . وقد طور فكرته بشكل جديد واقترحها على اجتماع معهد القانون الدولي عام 1895 بأن تختص المحكمة الدولية الجنائية المرجو إنشاءها بمهمة التحقيق والاستجواب إلى جانب المحاكمة ، إلا أن اقتراحه لم يظهر إلى حيز الوجود أيضاً. وتعد المحكمتان العسكريتان الدوليتان نورنمبرغ وطوكيو أول محاولة ظهرت على الصعيد الدولي لمحاكمة مرتكبي الجرائم الدولية ، ولكن المحكمتين كانتا وقتيتين وانتهتا حالما أنجزتا المهام الموكلة إليهما ، إلا أن الأحكام التي صدرت منهما شكلت سوابق قضائية مهمة على صعيد القانون الدولي . وبعد هاتين التجربتين انشأ مجلس الأمن المحكمتين الدوليتين ليوغسلافيا و رواندا و اللتين لا تختلف غايتهما عن سابقتيها من حيث الوقتية و محدودية النطاق.

يرجع الفضل في وضع اتفاقية جنيف إلى Henri Dunant الذي شهد ما خلفته معركة Solferino التي وقعت في إيطاليا بين جيشي فرنسا والنمسا عام 1859 ، فعلى اثر ذلك آلف كتاب اسماه ـ ذكرى سولفرينو Un souvenir de Solferino نال جائزة نوبل للسلام عام 1901.

أولا: البوادر ما بعد الحرب العالمية الأولى.
بعد الخسائر الفادحة التي شاهدتها البشرية خلال الحرب العالمية الأولى والتي شارك فيها عدد كبير من الدول، و استخدمت فيها أسلحة لم يعرفها العالم من قبل كسلاح الطيران والغواصات والغازات السامة وأُستهدف المدنيون من نساء وشيوخ وأطفال، ولم يُلتزم فيها بمبادئ وأخلاقيات كانت قد أكدت الأُمم بضرورة احترامها، وتحت ضغط من الرأي العام العالمي الساخط على هذه الأحداث التي أزهقت أرواح الملايين، لم يكن أمام الدول المتحالفة التي كانت قد أوشكت على الانتصار بالحرب إلاّ أن تُحقق العدالة بمساءلة مرتكبي تلك الجرائم من الألمان والأتراك بعد أن بدت قواعد مسؤولية الدولة عاجزة أمام الرأي العام نتيجة الانتهاكات الصارخة لقوانين الحرب وأعرافها.
ولم يكن إقرار المسؤولية الجنائية الدولية سهلاً مع وجود اختلاف في النظم القانونية لدول الحلفاء، إضافةً لأن قانون النزاعات المسلحة الإتفاقي والعرفي طالما تطلّب إعادة أسرى الحرب بعد نهاية النزاع مما أثار خلافاً قانونياً حول مشروعية محاكمة أسرى الحرب بعد توقف العمليات العدائية.
وبعد أن وضعت الحرب أوزارها، شكّل المؤتمر التمهيدي للسلام بباريس عام 1919 ( لجنة المسؤوليات ) بأن يحاكم مجرمي الحرب أمام محكمة دولية مستقلة، إلاّ إن الوفود الأمريكية واليابانية عارضت ذلك الاقتراح بشــــــــدة، ثم قدمت اللجنة في النهــــــايـة تقريراً للمؤتمر يتكون من مادة تؤكد فيها على المسؤولية الجنائية الشخصية لمرتكبي الجرائم والذي انتهى إلى إبرام عدة معاهدات كان أهمها ( معاهدة فرساي ) في 28/6/1919، حيث عُدّل الاقتراح فيها إلى إنشاء محكمة دولية، ولم تأخذ هذه المعاهدة بكل ما جاء في تقرير لجنة المسؤوليات من توصيات نظراً لعدد من المتغيرات السياسية على الصعيد الدولي، وجاء الجزء السابع منها ليتحدث عن المسؤولية عن جرائم الحرب التي ارتكبها الألمان، وأقرت المادة (227) في المعاهدة بمسؤولية غليوم الثاني ملك ألمانيا لجرائمه ضد الأخلاق الدولية وقدسية المعاهدات أخذاً برأي الفقيهين (لارنود و دي لابراديل)، اللذين قدما تقريرهما إلى مؤتمر السلام التمهيدي بإنشاء محكمة دولية جنائية خاصة، وخالفت المعاهدة بذلك راي لجنة المسؤوليات القائل بعدم تجريم حرب الاعتداء، كما خالفت رأي كل من أمريكا واليابان المنتقد لفكرة تجريم غليوم الثاني لاعتبارات عديدة منها، إن مخالفة المحاكمة لمبدأ الشرعية لعدم وجود سوابق تاريخية، حيث لا أركان واضحة للجريمة و لا عقوبات، ومنها الإخلال بمبدأ السيادة.

وعلى الرغم من وضوح المادة (227) إلاّ إن محكمة دولية لم تُشكّل، حيث فرّ غليوم الثاني مع ولي عهده إلى هولندا متنازلاً عن العرش ورفضت هولندا تسليمه، نظراً لكون ما زعم ارتكابه من أفعال يدخل في إطار الجرائم السياسية التي يحظر قانونها الوطني فيها التسليم (2). وقد تضمنت المادتان (228-229) من المعاهدة في ذات الوقت نصوصاً تتعلق بالمسؤولية الجنائية الشخصية لكبار مجرمي الحرب الألمان، تلتزم ألمانيا من خلالها بتسليم هؤلاء إلى الحلفاء لتتم محاكمة الطائفة الأولى ممن ارتكبوا جرائمهم في إقليم إحدى دول الحلفاء أو ضد رعاياها لدى المحاكم العسكرية لهذه الدولة، بينما تتم محاكمة من ارتكبوا جرائمهم ضد مواطني أكثر من دولة حليفة بتقديمهم للمثول أمام محاكم عسكرية تُشكل من أعضاء المحاكم العسـكرية للدول المعنية .
ولكن عادت الاعتبارات الســياسية لتلعـب دورها في تطبيق نصوص هذه المعاهدة، فقد حاكمت الدول الحليفة بعضاً من الأسرى الألمان المتواجدين لديها، وسلّمت ألمانيا فرنسا وإنكلترا (ستة) فقط من ضباطها متذرعةً بالاضطرابات والقلاقل التي من شأنها أن تحدث داخل ألمانيا في حال تسليمها قرابة (900) من كبار ضباطها كانت دول الحلفاء طالبتها بتسليمهم، وبدلاً من ذلك أصدرت الجمعية التأسيسية الألمانية في 18/12/1919 قانوناً يقضي بإنشـاء المحكمـة الألمانيـة العليـا في ( ليبزغ )، وطالبت الحلفاء الذين أعربوا عن موافقتهم على هذه التسوية السياسية بإعداد قوائم بأسماء من يرغبون بمثولهم أمام المحكمة.
وابتدأت المحكمة أعمالها في 23/5/1921 بعد أن خبا الرأي العام العالمي، وفرّ كثير من المتهمين خارج البلاد وتوارى الآخرون، إضافةً إلى الصعوبات المالية والإدارية كصعوبة استجلاب الشهود من خارج ألمانيا، كل هذه الأسباب أفشلت محاكمات ليبزغ كما فشل الحلفاء في إنشاء محكمة جنائية دولية لمحاكمة غليوم الثاني.
ومن معاهدات السلام الهامة الأخرى ( معاهدة سيفر) والتي استبدلت بمعاهدة لوزان، وقد نصت معاهدة سيفر المبرمة بين دول الحلفاء والدولة العثمانية عام 1920، على أن تتعهد الحكومة العثمانية بتسليم الحلفاء الأشخاص الذين ارتكبوا مذابح في الأراضي التي كانت تُشكّل في الأول من آب 1914 جزءا من أراضي الإمبراطورية العثمانية ليصار إلى محاكمتهم من قبل محكمة تشكلها دول الحلفاء بهذا الخصوص، إلا إن المحكمة المقترح إنشاؤها لم تظهر إلى الوجود نظراً لعدم التصديق على معاهدة سيفر ألتي استبدلت بمعاهدة لوزان المبرمة عام 1924 والتي نصت على إعلان العفو الشامل عن جميع الجرائم المرتكبة بين عامـي 1914 و 1922 في صفقـة سياسـية مع تركيا، ومضمـونها الحفاظ على استقرارها و الاحتفاظ بمجموعة الحكم الجديدة المنحازة إلى الغرب.
وهكذا فقد سادت الاعتبارات السياسية في المعاهدات المبرمة مع كل من ألمانيا وتركيا على اعتبارات العدالة، ومع ذلك يبقى إبرام معاهدة فرساي على الأقل حدثاً تاريخياً مهماً ساهم في بلورة فكرة المسؤولية الجنائية الدولية، وأظهر مدى الحاجة لإنشاء قضاء جنائي دولي محايد وعادل بعيداً عن الاعتبارات السياسية.
وبعد تلك المعاهدات التي أعقبت الحرب وهدوء الأوضاع الدولية، فإن الجهود العلمية التي تسعى إلى إقامة محكمة دولية جنائية لم تتوقف سواء من خلال المؤسسات والجمعيات العلمية أو من خلال الجهود الفردية للفقهاء أو من خلال المؤتمرات الرسمية والسياسية، فقد عقدت (جمعية القانون الدولي) مؤتمراً علمياً في (بيوني آيرس) في آب 1922 ،ودعت إلى إنشاء قضاء دولي جنائي على أن تكون المحكمة الدولية دائرة من دوائر محكمة العدل الدولية وأُودع المشروع في مقر عصبة الأمم.
كما ساهم (الإتحاد البرلماني الدولي) في إنشاء وتطوير الكثير من قواعد القانون الدولي الجنائي وضرورة إنشاء قضاء دولي جنائي، حيث جاء في تقرير الإتحاد عام 1924بأن المسؤولية الدولية الجنائية لا تقع على الدول المجرمة فحسب وإنما تقع على الأفراد أيضاً الذين يعملون بأمر منها.

تأسست هذه الجمعية في بروكسل في 1/10/1873 وكان اسمها عند إنشائها جمعية إصلاح وتقنين قانون الشعوب.
أنشئ هذا الإتحاد في 31/10/1888 بباريس وكان عند إنشائه يسمى بالمؤتمر الدولي للتحكيم والسلام ثم سمي ابتداء من سنة 1904 بالاتحاد الدولي، وكانت أعمال الاتحاد قبل الحرب العالمية الأولى تهدف إلى حل المنازعات والخلافات التي تقع بين الدول بالوسائل السلمية وبصفة خاصة التحكيم الدولي، وبعد الحرب العالمية الأولى تعاون الاتحاد مع عصبة الأمم واصطلح بمسائل سياسية وقانونية واقتصادية واجتماعية منها تقنين القانون الدولي الجنائي وتنظيم قضاء دولي جنائي.
كما إن (الجمعية الدولية للقانون الجنائي) ألتي تأسست في باريس 1924 هي الأخرى دعت إلى إنشاء قضاء دولي جنائي تُعهد إليه مهمة النظر في الجرائم الدولية، على أن يكون تابعاً لمحكمة العدل الدولية الدائمة في لاهاي.
وإلى جانب جهود الجمعيات الدولية العلميـة السابقة، توجد أعمال الفقهاء التي ساهمت في تلك الفترة في إرساء وتشجيع فكرة إنشاء قضاء دولي جنائي، نذكر منهم على سبيل المثال (الفقيه دنديو دي فابر) والذي أصبح فيما بعد أحد قضاة محكمة نورمبرج التي شُكلت عقب الحرب العالمية الثانية لمحاكمة كبار مجرمي الحرب الألمان والفقيهان (سالدانا وبيلا) اللذان قاما بإرساء ووضع الخطوط الأساسية لمشروع قانون دولي جنائي، والفقيهان ( بوليتيس وروكس) أساتذة القانون الجنائي المشهورين في فرنسا، واللذان أكدا على ضرورة إيجاد سلطة دولية عقابية للنظر في الجرائم التي ترتكبها دولة ضد دولة أخرى، وكذلك جهود الفقهاء الأمريكان وأبرزهم الأستاذ الأمريكي ( لفيت ) الذي نشر مشروع تقنين للقانون الدولي الجنائي، وناد بقيام محكمة دولية جنائية مستقلة عام 1927 وبمبدأ المسؤوليــــــــــــــــــــــــــــــة.

الفقيه ( دنديو ) هو أستاذ القانون الدولي بجامعة باريس والذي ساهم بأبحاثه ومؤلفاته العديدة ولفت الانتباه باهمية معاقبة مرتكبي الجرائم الدولية وضرورة إنشاء قضاء دولي جنائي.
الفقيه (سالدانا ) هو الأستاذ الاسباني بجامعة مدريد والذي كان يؤكد في محاضراته التي ألقاها في باريس ولاهاي بضرورة إنشاء محكمة جنائية دولية تختص بمحاكمة مرتكبي الجرائم الدولية سواء من الدول او من الأفراد. أما الفقيه ( بيلا ) هو مؤلف بحث تجريم حرب الاعتداء والعقاب عليها المقدم الى الإتحاد البرلماني الدولي في واشنطن 1925 وصاحب الكتاب الشهير في الإجرام الجماعي للدول وقانون عقوبات المستقبل 1925 الذي دعا إلى انشاء نيابة عامة دولية.
الفقيه الفرنسي (بوليتيس) مؤلف الاتجاهات الجديدة للقانون الدولي 1927 الذي دعا فيه الى إنشاء قضاء دولي وتنظيم دائرة جنائية تابعة لمحكمة العدل الدولية الدائمة. اما الفقيه الفرنسي (روكس) هو محاضر في أكاديمية القانون الدولي بلاهاي صاحب بحث ( المعونة المتبادلة بين الدول في الصراع ضد الإجرام ) يرى ضرورة اتفاق الدول بإنشاء المحكمة.
الفقيه (لفيت ) أستاذ القانون الدولي الذي ناد بإنشاء المحكمة بقرار من عصبة الأمم وليس بمقتضى اتفاق دولي.
وبتاريخ 16 – 11-1937 تم توقيع اتفاقيتين في جنيف، الأولى بشأن الإرهاب والثانية بشأن محكمة الجنايات الدولية التي أُريد منها محاكمة مرتكبي الجريمة الإرهابية التي أودت بحياة ألكسندر الأول ملك يوغسلافيا ومسيو بارثر وزير خارجية فرنسا، لكن هاتين الاتفاقيتين لم تجدا حيز التنفيذ لعدم تصديق الدول الموقعة عليهما.

ثانيا: تفعيل العدالة الجنائية الدولية بعد الحرب العالمية الثانية
(المحكمتان العسكريتان الدوليتان)
من الناحية العملية فلم يكن إنشاء المحكمتين في نورمبورغ وطوكيو أمراً سهلاً بل كان ثمرة جهود كبيرة، فقد صدرت عام 1940 عدة تصاريح رسمية ومؤتمرات دولية أكدت على المطالبة بالتعويض عن الأضرار، أشار تصريح ( سان جيمس ) عام 1942 إلى رغبة الحلفاء في ملاحقة وتسـليم مرتكبي الجرائم إلى العدالة، وتصريح (موسكو) عام 1943، والذي أُعلن فيه عن العزم على محاكمة مجرمي الحرب الذين تم تقسيمهم لطائفتين،
كما أنشأ الحلفاء في تلك المرحلة الحاسمة عدداً من الأجهزة التي لعبت دوراً ايجابياً في دراسة النواحي الفنية والعلمية لإنشاء قضاء جنائي دولي، كـ(جمعية لندن الدولية) التي تم إنشاؤها عام 1942 وأعّدت تقريراً يتعلق بتحديد مضمون جرائم الحرب، وأثارت لأول مرة مسألة التنظيم الإجرامي وعدم قبول الدفع بالإكراه في هذه الحالة.
ومن الأجهزة (اللجنة الدولية للصياغة الجزائية) وأغلب أعضائها أساتذة في الحقوق بجامعة كامبريدج، و(لجنة الأمم المتحدة لجرائم الحرب) التي صرح رئيسها (سيسل) بضرورة العزم على محاكمة مجرمي الحرب أمام محكمة دولية؛ وقد اقتصر دور اللجنة فيما بعد على التحقيق في جرائم الحرب.
تصريح موسكو صدر في 30/10/1943 عن كل من روزفلت وستالين وتشرشل ويعتبر العمل السياسي والقانوني الأهم قبل اتفاق لندن.

تم توقيع تصريح سان جيمس في 13/1/1942 من ممثلي حكومات فرنسا، هولندا، النرويج، لكسمبورغ، تشكسلوفاكيا، يوغسلافيا، بولونيا، اليونان، مع حضور ممثلي عدد من الدول كمراقبين.
كما كان للتقارير والجهود الفقهية الأخرى للقضاة والقانونيين دور مهم في وضع ميثاق نورمبورغ، فكان لتقرير القاضي الأمريكي جاكسون (Jackson) دورهام والذي أعده بعد زيارات ميدانية لمسارح الجرائم الألمانية في دول أوروبا المحتلة بعد استماعه لعدد من الشهود والضحايا، وقـدم تقريره ممثلاً عن الولايـات المتحدة الأمريكية إلى مؤتمر لندن ، حيـــــــــــث قبله ممثلو الحلفاء مع بعض التحفظات والتعديلات نظراً لأهميته، والتي تكمن في أنه أوجد لأول مرة التقسيم الثلاثي لجرائم الحرب والجرائم ضد السلام والجرائم ضد الإنسانية، وإضافةً لرفضه التام لحصانة الرئيس الأعلى مع تجريمه الانتساب إلى المنظمات الإجرامية.
هذه اللجنة شكلها الحلفاء من ممثلين من سبع عشرة دولة، ولكن اللجنة لم تقم بما كان متوقعا منها بسبب عدم تأمين الدعم المالي والفني المتطلبين لقيامها بتأدية واجبها.
روبرت جاكسون هو القاضي بالمحكمة العليا الأمريكية وقد تم انتدابه من قبل الرئيس الأمريكي ترومان لتمثيل الولايات المتحدة الأمريكية في مؤتمر مجرمي الحرب سنة 1943.
وقد تعددت وجهات نظر الدول بشان وقت محاكمة مجرمي الحرب، حيث كان رأي روسيا هو المحاكمة الفورية دون الانتظار إلى نهاية الحرب قاصدة بذلك محاكمة خليفة هتلر ( أدولف هيس ) الذي فر إلى بريطانيا سنة 1941. بينما كانت وجهة النظر الغربية ترى ضرورة إرجاء المحاكمات إلى ما بعد انتهاء الحرب تجنباً لحصول أعمال انتقامية، كما حدث اختلاف آخر حول الهيئة التي تقوم بالمحاكمة، فهناك رأي تدعمه الحكومة البولندية بأن تتم محاكمة مجرمي الحرب عن طريق محاكم الأقاليم التي ارتكبت فيها الجرائم عدا بعض الحالات التي تقوم بنظرها محاكم دولية؛ أما الرأي الآخر والسائد في إنكلترا يذهب بأن تتم المحاكمة عن طريق المحاكم العسكرية لدول الحلفاء أو منح المحاكم العادية نظر هذا النوع من الجرائم مع إضافة محكمة خاصة إليها؛ والرأي الثالث ذهب إلى إجراء المحاكمات أمام المحاكم الوطنية لدول الضحايا؛ أما الرأي الأخير والسائد في روسيا والولايات المتحدة يرى أن تتم المحاكمة عن طريق محاكم دولية.
وفي مؤتمر ( يالتا ) الذي أنعقد في القرم على شاطئ البحر الأسود في الفترة من 3 – 11 شباط 1945 أكد كل من ( تشرشل، وروزفلت، وستالين ) عزمهم على تقديم مجرمي الحرب إلى القضاء لمحاكمتهم ومعاقبتهم عقاباً عادلاً وسريعاً أمام محكمة دولية عسكرية.
وفي 30 / 4 / 1945 أنعقد مؤتمر ( سان فرانسيسكو ) الذي سلمت فيه الحكومة الأمريكية وزراء خارجية كل من فرنسا وإنكلترا والإتحاد السوفيتي مشروع اتفاقية لإنشاء محكمة جنائية دولية، وقد انتهت هذه المشاورات وتلك الجهود الدولية إلى عقد اتفاقية دولية هي ( اتفاقية لندن ) المؤرخة في 8/8/1945 الخاصة بإنشاء محكمة عسكرية دولية في نورمبورغ لمحاكمة كبار مجرمي الحرب الألمان.
وفي 26/7/1945 صدر ( إعلان بوتسدام) عن كل من الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة والصين، ثم أُلحق الإتحاد السوفيتي والذي توعد فيه الجميع بإخضاع مجرمي الحرب اليابانيين الذين ارتكبوا جرائمهم بأسرى الحلفاء لعدالة صارمة، وفي 2/9/1945 وقّعت اليابان اتفاقية الاستسلام وخضوع الإمبراطور والحكومة للسلطة العليا للحلفاء.

1- المحكمة العسكرية الدولية في نورمبرغ
The International Military Tribunal in Nuremberg

أن الحرب العالمية الثانية تعد نقطة البداية الفعلية نحو إنشاء قضاء دولي جنائي لمحاكمة مقترفي الجرائم الدولية ، فبتاريخ 8/8/1945م وقعت دول الحلفاء الأربعة المنتصرة اتفاقية لندن ـ المكونة من سبع مواد ـ حيث نصت المادة الأولى منها على إنشاء محكمة عسكرية دولية لمحاكمة مجرمي الحرب الذين ليس لجرائمهم موقع جغرافي معين ، والذين هددوا السلام العالمي ، وارتكبوا جرائم ضد الإنسانية . ونصت المادة الثانية من الاتفاقية على تشكيل المحكمة واختصاصاتها ، وسلطاتها تنصص عليها اللائحة الملحقة بالاتفاقية وان تلك اللائحة تعدﹼ جزءاً متمماً لها، ويكون مقرها في برلين وان تعقد جلستها الأولى في مدينة نورمبرغ إحدى المدن الكبرى لحركة النازية. وقد وضع النظام الأساسي لمحكمة نورمبرغ الذي يتكون من ثلاثين مادة قانونية موزعة على سبع أقسام.
بتاريخ 18/10/1945 صدر قرار الاتهام وقدمت نسخة منه باللغة الألمانية لكل متهم في سجنه قبل المحاكمة بثلاثين يوماً ، وبتاريخ 20/11/1945 بدأت المحاكمة بشرح تاريخ النظام النازي في ألمانيا حزباً ونظاماً ، وبتاريخ 31/8/1946 انتهت المحاكمة بمعاقبة اثني عشر شخصاً بالإعدام شنقاً ـ لم تأخذ المحكمة الدولية الدائمة بهذه العقوبة وهذا يعكس الجانب الإنساني في إنشائها ـ من بين أربع وعشرين شخصاً اتهمتهم المحكمة ، وحصل ثلاثة من المدعى عليهم على البراءة وحكم على ثلاثة بالسجن مدى الحياة ، وصدر على الباقين أحكام بالسجن لمدد تتراوح ما بين عشرة إلى عشرين عاماً .
استبعدت لائحة نورمبرغ مبادئ مهمة وهي : مبدأ لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص ، مبدأ عدم سريان النصوص الجنائية على الأفعال السابقة على صدورها ، مبدأ إباحة الفعل إذا ارتكب تنفيذاً لأمر صادر من رئيس وجب عليه أطاعته أو اعتقد أنها واجبة عليه .

وجاء في المادة الثانية من النظام الأساسي للمحكمة على أن تتألف المحكمة من أربعة قضاة يساعد كل واحد منهم عضواً احتياطي يمكن أن يحل محله في حالة مرضه أو تعذر القيام بعمله لأي سبب كان ، فتقوم كل دولة من الدول الأربعة المنتصرة والموقعة على اتفاقية لندن بتعيين قاضياً ونائباً له من مواطنيها . أن تشكيل محكمة نورمبرغ على هذا النحو يماثل ما جاء بالمادة (227) من معاهدة فرساي التي كانت تنصص على تشكيل محكمة دولية لمحاكمة الإمبراطور غليوم الثاني من خمسة قضاة معينين بمعرفة الدول الحليفة ، وذلك من حيث أن التشكيل قد اقتصر في كلتا المحكمتين على قضاة ينتمون بجنسياتهم إلى الدول المنتصرة فقط. ونصت المادة السادسة من النظام أن المحكمة تألفت بموجب اتفاقية لندن ولها الاختصاص في محاكمة ومعاقبة الأشخاص الذين ينتمون إلى دول المحور ، سواء كانوا أشخاصاً أم أعضاء في منظمات في حالة ثبوت ارتكابهم أية جريمة من جرائم ضد السلام وجرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية

وقد وجهت كثير من الشكوك والانتقادات في شرعية محاكمة نورمبرغ ولم يعدوها محكمة ذات صفة دولية بل محكمة شكلت من قبل الدول المنتصرة في الحرب لتحاكم مجرمي الدول الخاسرة ، وان تسليم ألمانيا الكامل هو الذي مكن الحلفاء من تشكيل محاكم عسكرية لمحاكمة مجرمي الحرب؛ فتشكيل المحكمة جاء خالياً من القضاة المحايدين لان المحكمة كانت تتكون من ممثلي الدول الأربع المعادية لألمانيا في الحرب وهي الاتحاد السوفيتي وإنجلترا وفرنسا وأميركا، فقد كانوا خصوماً قبل أن يكونوا قضاة. غير أن هذه الانتقادات لم يؤخذ بها ، حيث كانت وجهة نظر الحلفاء أن التشكيل لا يعني أن المحكمة تمثل الدول الحلفاء الأربعة فقط ، وإنما هي محكمة دولية تمثل الدول الأربع أصالة عن نفسها ونيابة عن تسع عشرة دولة أخرى فوضتها في ذلك عندما وافقت على لائحة المحكمة ، فمحكمة نورمبرغ كانت محكمة دولية بمعنى الكلمة لأنها لم تكن مشكلة من الدول الأربعة فحسب بل لان هؤلاء القضاة كانوا يحكمون باسم جميع الدول الحلفاء لا باسم الدول الأربع التي يتبعونها بجنسياتهم.

بالرغم من أن محكمة نورمبرغ لم تكن بالمتكاملة، إلا أنها شكلت مساهمة مهمة بالقانون الدولي الجنائي ، فأسست مبادئ وتجارب يمكن أن يقاضى ويعاقب ، الأفراد الذين يشغلون مناصب رفيعة في الحكومات والقوات المسلحة ، للانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني من قبل محكمة دولية . فتنفيذ الأوامر العليا ، لم يعد يقبل كدفاع في القانون الدولي لتلك الجرائم ، وهذا أساس مسؤولية الفرد دولياً لجرائم ضد السلام و جرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية . وبالرغم من محدودية تطبيق المفهوم الجديد لجرائم الضد الإنسانية من قبل المحكمة ، فقد ساعدت على ترسيخ ونشر معاهدتي الإبادة الجماعية والفصل العنصري التي اعتمدتهما الأمم المتحدة فيما بعد ، وان سابقة نورمبرغ أعطت قواعد قضائية وقانونية وتاريخية أساسية فيما بعد لنشأة محكمتي يوغسلافيا و رواندا الدوليتين ، بالإضافة إلى إسهامها في الأعمال التحضيرية للجنة القانون الدولي في وضع مشروع مسودة النظام الأساسي للمحكمة الدولية الجنائية الدائمة .

إن المشاكل القانونية التي ثارت أمام محكمة نورمبرغ و الدفوع التي أبديت أمامها والنتائج القانونية التي انتهت إليها ، كانت وما زالت من أهم المسائل التي لها محط اعتبار في القانون الدولي ، وذلك بسبب ما حظي به نظام المحكمة والأحكام الصادرة عنها من اهتمام ملحوظ على المستوى العالمي . فقد تضمن التقرير المقدم من الأمين العام للأمم المتحدة بتاريخ 24/10/1946 توصية لإدخال المبادئ التي تمخضت عنها محاكمات نورمبرغ في مجموعة القانون الدولي بقصد تأمين السلام العالمي وحماية البشرية من ويلات الحروب الجديدة .. فهيئة الأمم المتحدة بموجب قرارها الصادر عن جمعيتها العامة تحت رقم 59/أ/ بتاريخ 11/ديسمبر/1946م ، تبنت مبادئ محكمة نورمبرغ التالية:
1- لكل شخص يرتكب، أو يشترك في ارتكاب فعل يعد جريمة طبقا للقانون الدولي، يكون مسئولا عنه ويستحق العقاب.
2- إذا كان القانون الوطني لا يعاقب على عمل يشكل جريمة حرب، فان هذا لا يعفي ما ارتكبه من المسؤولية بحسب أحكام القانون الدولي.
3- إذا تصرف الشخص الذي ارتكب الجريمة بوصفه رئيسا للدولة، أو مسئولا فيها، فان هذا لا يعفيه من المسؤولية طبقا للقانون الدولي.
4- إذا تصرف الفاعل بأمر من حكومته، أو من رئيسه الأعلى فان هذا لا يخليه من مسؤولياته حسب أحكام القانون الدولي، ولكن من الممكن أن يساعده ذلك كأحد الظروف المخففة لصالحه حسب المادة الثامنة من شرعية المحكمة.
5- كل متهم بجريمة دولية له الحق بمحاكمة عادلة طبقا لأحكام القانون الدولي.
6- أن المبدأ الذي يقول لا جريمة ولا عقوبة إلا بالنص المطبق في القوانين الداخلية يمكن التجاوز عن تطبيقه في القانون الدولي.
2- المحكمة العسكرية الدولية للشرق الأقصى في طوكيو
The International Military Tribunal of the Far East

أنشئت المحكمة العسكرية الدولية للشرق الأقصى والمعروفة بمحكمة طوكيو بناء ً على تصريح القائد الأعلى لقوات الحلفاء في الباسفيك الجنرال الأمريكي دوجلاس ماك آرثر بتاريخ 19/1/1946 ، و لم تكن المحكمة وليدة معاهدة دولية مقارنة بمحكمة نورمبرغ ، و يرجع ذلك إلى العديد من الاعتبارات السياسية ذات الصلة بالموضوع و أولها أن الاتحاد السوفيتي السابق قد دخل الحرب ضد اليابان التي هزمت بعدها بأسابيع قليلة مما آثار قلق الولايات المتحدة من مطامع الاتحاد السوفيتي في الشرق الأقصى ، فضلاً عن رغبة الولايات المتحدة في منع أي تأثير للاتحاد السوفيتي على هذه الإجراءات؛ أن الأمر الصادر عن الجنرال آرثر بتأسيس محكمة طوكيو استند إلى إعلان بوتسدام الصادر من الدول الحلفاء والذي جاء فيه عن عزمهم لمقاضاة المسئولين اليابانيين رفيعي المستوى لنفس الجرائم التي اقترفها الألمان في الحرب ، وجاء في وثيقة استسلام اليابان عن قبول اليابان بأحكام إعلان بوتسدام الصادر من الدول الحلفاء ( 2 ). ونصت المادة الخامسة من النظام الأساسي لمحكمة طوكيو أن تكون للمحكمة الصلاحية الكاملة للمحاكمة ومعاقبة مجرمي الحرب في الشرق الأقصى أشخاصاً أو أعضاءً في منظمات بالنسبة إلى التهم الموجهة إليهم ، وحددت الجرائم التي بمقتضاها تختص فيها المحكمة وهي جرائم ضد السلام وجرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية.

إن نظام محكمة طوكيو لا يختلف بأي شيء جوهري عن نظام محكمة نورمبرغ سواءً من حيث الاختصاص أو من حيث التهم الموجهة للمتهمين ، كما أن إجراءات محكمة طوكيو سارت وفقاً للقواعد الإجرائية بالنسبة لمحكمة نورمبرغ، من حيث إجراءات المحاكمة وسماع الشهود والادعاء والدفاع. و على النقيض من محكمة نورمبرغ، فان مسودة ميثاق محكمة طوكيو لم يقدم إلى مؤتمر دولي ليعتمده ، بل كان مشروع أمريكي خالص ، فقد وضعت الولايات المتحدة الأمريكية مشروع مسودة ميثاق طوكيو واعتمد من جانب واحد في 19/1/1946 على يد الجنرال آرثر بموجب الصلاحيات الواسعة الموكلة له ، واستشيرت دول التحالف فقط بعد إصداره.
وتشكلت محكمة طوكيو من أحد عشر قاضياً اختيروا على أساس تمثيل دولهم فكان كل عضو يمثل حكومة دولته وليس بصفته الشخصية ، و ترأس مجلس القضاة القاضي الأمريكي الذي تمتع بصلاحية أكثر من بقية القضاة، و هذا عكس ما جاء بتأليف محكمة نورمبرغ التي كانت تتألف من أربع قضاة متساوين بالدرجة والصلاحية.
ومن العيوب التي صاحبت إنشاء محكمة طوكيو هو تمتع الجنرال آرثر بصلاحيات واسعة ، منها العفو وتقليل مدة العقوبات و إطلاق سراح مجرمي الحرب المدنيين ، فتأثيره على سير المحاكمات يظهر واضحاً في عقوبة الإعدام التي صدرت بحق الجنرال الياباني تومويوكي ياماشيتا فهذه العقوبة جاءت انتقاماً شخصياً ، إذ ذكر الجنرال آرثر بعد هروبه من الفيليبين التي سقطت بيد القوات اليابانية بأنه سيعود إلى الفيليبين ويعاقب اليابانيين ، وكان الجنرال تومويوكي آخر قائد ياباني في الفيليبين قبل وصول قوات الحلفاء إليها . فضلاً عن أن إمبراطور اليابان هيرو هيتو أعفي من العقاب ، إذ لم يحاكم كمجرم حرب بل حوكم رئيس الوزراء الياباني ومن يليه و أعفى عن الإمبراطور من المحاكمة والمسؤولية ، أي تفضيل دور السياسة والعلاقات الدولية على حساب العدالة الدولية .
ثالثا: ظهور المحاكم الجنائية الدولية الخاصة بعد الحرب الباردة و دورها الفعال في إرساء العدالة الجنائية الدولية الحديثة
(المحكمتان الدوليتان ليوغسلافيا و رواندا)

1- مقارنة المحكمة الدولية ليوغسلافيا مع باقي المحاكم الجنائية الدولية الخاصة.
لم يمهد إنشاء المحكمة الجنائية الدولية الخاصة بيوغسلافيا السابقة و محكمة رواندا رغم استقلال الهيئتين القضائيتين، و وجود اختلافات بينها تستحق قدرا من المقارنة (1-1) الطريق لإجراء المفاوضات بشأن المحكمة الدولية الجنائية فحسب، بل ولإمكانية السعي بصورة غير مباشرة على الأقل لإنشاء ثلاث هيئات قضائية أخرى أيضا، عرفت بالمحاكم المدولة (Tribunaux Internationalisés)، التي تتميز عنها “المحكمة الدولية ليوغسلافيا” على غرار المحكمة الدولية لرواندا، تميزا ظاهرا (1-2)، و ستتعامل هذه المحاكم المدولة: الأولى مع الجرائم التي اقترفت منذ عقدين و نصف في كمبوديا، وتتناول الثانية الجرائم التي ارتكبت في سيراليون قبل ذلك، بينما تتعامل الثالثة مع الجرائم المرتكبة، قبل وبعد، الاستفتاء الذي أجرته الأمم المتحدة بشأن استقلال تيمور الشرقية في العام 1999.

1-1 مقارنة المحكمة الدولية ليوغسلافيا مع المحكمة الدولية لرواندا.

رغم اختلاف التركيز الجغرافي للمحكمتين، يرجع اعتماد المحكمتين الجنائيتين الدوليتين بصفة أساسية نتيجة عدم رغبة السلطة الوطنية المعنية أو عدم قدرتها على تقديم مقترفي الجرائم الخطيرة إلى العدالة بموجب القانون الدولي، عن جرائم الحرب، عمليات الإبادة الجماعية، و الجرائم ضد الإنسانية، وتشترك المحكمتان الجنائيتان الدوليتان لكل من يوغسلافيا السابقة و رواندا في الكثير من أوجه التشابه (أ) باعتبارهما محكمتين جنائيتين خاصتين (AD HOC) أنشأتا استجابة لرد فعل ضد الأعمال الوحشية و الانتهاكات الجسيمة لمبادئ القانون الدولي الإنساني و القانون الدولي لحقوق الإنسان، مع الإشارة إلى وجود أوجه اختلاف (ب) بين الهيئتين القضائيتين، ترجع أساسا إلى الظروف الخاصة بكل منطقة و ما ميزتها من مواجهات مسلحة.
هي (المحكمة الجنائية الدولية الخاصة بمقاضاة الأشخاص المسئولين عن أعمال الإبادة و غير ذلك من الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني المرتكبة في إقليم رواندا، و المواطنين الروانديين المسئولين عن ارتكاب أعمال الإبادة الجماعية و غيرها من الانتهاكات المماثلة في أراضي الدول المجاورة بين يناير/ كانون الثاني 1994 إلى 31 ديسمبر/ كانون الأول 1994)؛ المنشأة بموجب قرار مجلس الأمن رقم 955 المعتمد بتاريخ 8 نوفمبر/ تشرين الثاني 1994 و المعدل بموجب القرار رقم 1165 المؤرخ في 20 أبريل / نيسان 1998 و القرار 1329 (2000) المؤرخ في 30 نوفمبر/ تشرين الثاني 2000، و القرار 411 (2002) المؤرخ في 17 مايو/ أيار 2002 و القرار 1431 (2002) المؤرخ في 14 أغسطس/ آب 2002. راجع النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية الخاصة برواندا.

(أ) أوجـه التـشابه بين المحكمتـين الدوليتـين.
يتشابه الإطاران القانونيان المنظمان للمحكمتين من حيث الهيكل العام، فقد اختص مجلس الأمن بإنشاء المحكمتين الدوليتين، في فترتين متلاحقتين، إعمالا لسلطته بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، لذلك، على أساس القاسم المشترك الأصغر المرتبط بأعمال العنف و الفظائع، التي أفاضت و سائل الإعلام في نشر تقارير عنها، وسببت قلقا واسع النطاق، عندما عجز المجتمع الدولي عن الاتفاق على أية تدابير قوية أو على أية سياسة محددة بشأن الأزمة، و عندما كان هناك إحجام ملحوظ في كثير من البلدان عن المخاطرة بأرواح جنودها في قضية لم تكن مشاركة فيها بصورة مباشرة.
كما تتجلى أوجه التشابه بين الهيئتين القضائيتين الدوليتين في:
– كونهما تتمتعان بأسبقية الاختصاص على المحاكم الوطنية، و أنهما تطبقان الضمانات الخاصة بحقوق المتهمين المنصوص عليها في المادة 14 من العهد الدولي للحقوق المدنية و السياسية، و يتبنى قضاتها لائحة للقواعد الإجرائية و قواعد الإثبات.
– أن المحكمتين لا يوجد بهما نظام الأحكام الغيابية، كما حددت عقوبة السجن مدى الحياة كأقصى عقوبة، و استبعدت بذلك عقوبة الإعدام.
ظل نظام ” قواعد و إجراءات المحاكمة” الخاصة بالمحكمة الجنائية الدولية لرواندا مرتبطا بالنظام الذي اعتمدته المحكمة الدولية ليوغسلافيا، مع وجود بعض الاختلافات البسيطة، ارتبطت بخصوصيات طابع النزاع المسلح الذي كان دائرا في إقليم رواندا، ومع يعكس ذلك فعلا، نص المادة 14 من النظام الأساسي للمحكمة الدولية لرواندا الذي خول لقضاة محكمة رواندا اعتماد المساءل المناسبة للمحكمة الدولية ليوغسلافيا السابقة مع إدخال التعديلات اللازمة.

( ب) أوجـه الاختلاف بين المحكمتين الدوليتـين.
تتجلى أوجه الاختلاف بين المحكمتين الدوليتين، أكثر، من حيث التأسيس (ب-1) و الاختصاص (ب-2).

(ب-1) التأســــيس.
رغم اختصاص مجلس الأمن بتأسيس كلتا المحكمتين إلا أن دولة يوغسلافيا لم تشارك في جلسات مجلس الأمن حول تأسيس المحكمة خلافا لدولة رواندا التي تقدمت بنفسها بالطلب إلى مجلس الأمن لتأسيس المحكمة الخاصة بها، وشاركت باعتبارها عضوا في مجلس الأمن في قرار التأسيس، كما شاركت في مناقشات النظام الأساسي.
– أن قرار تأسيس المحكمة الدولية ليوغسلافيا السابقة كان بإجماع مجلس الأمن، في حين أن قرار تأسيس محكمة رواندا اعترضت عليه رواندا ذاتها وامتنعت الصين عن التصويت و كان هدف رواندا من الاعتراض على قرار التصويت:
* استبعاد اشتراك “دائرة الاستئناف” و ” الادعاء العام” مع محكمة يوغسلافيا السابقة، هذا الاشتراك الذي قد يعرض استقلالية المحكمة الدولية للخطر؛
* غياب حق المحكمة في فرض عقوبة الإعدام؛
* محاولة جعل بداية الاختصاص الزماني للمحكمة منذ تاريخ 1 أكتوبر/ تشرين الأول 1990 بدلا من التاريخ المحدد في قرار مجلس الأمن.
– كما تختلف المحكمتين الجنائيتين عن بعضهما البعض في مسألة تواجد المقر، فقد حدد النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية ليوغسلافيا السابقة مقر المحكمة بلاهاي (هولندا) في حين أن مقر المحكمة الجنائية الدولية لرواندا المتواجد بأروشا (عاصمة تنزانيا)، جاء تحديده بقرار لاحق من مجلس الأمن.

ب-2) الاختصــــاص.
-المحكمة الدولية ليوغسلافيا السابقة ذات اختصاص زماني يمتد من 1 يناير/ كانون الثاني 1991 و إلى وقت مفتوح لم يحدد حتى الآن، بينما كان الاختصاص الزماني للمحكمة الدولية لرواندا السابقة محددا بالفترة ما بين 1 يناير /كانون الثاني 1991 و 31 ديسمبر/ كانون الأول1991.
– يتحدد نطاق الاختصاص المكاني للمحكمة الدولية ليوغسلافيا السابقة بإقليم جمهورية يوغسلافيا الاشتراكية الاتحادية سابقا، بينما يمتد الاختصاص المكاني للمحكمة الدولية لرواندا ليشمل دولة رواندا نفسها و الدول المجاورة لها، بما يتعلق بالانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني المرتكبة من قبل الرعايا الروانديين فيما وراء إقليم رواندا.
– تتطلب الجرائم ضد الإنسانية، حسب النظام الأساسي للمحكمة الدولية ليوغسلافيا السابقة رابطة مع النزاع المسلح القائم، في حين أن النظام الأساسي للمحكمة الدولية لرواندا لا يتطلب مثل هذه الرابطة.
– يمتد اختصاص محكمة يوغسلافيا السابقة إلى الانتهاكات الجسيمة لقوانين و أعراف الحرب، بالنسبة للنزاعات المسلحة الدولية و غير الدولية على حد سواء، بينما ينطبق اختصاص المحكمة الدولية لرواندا على النزاع المسلح غير الدولي فقط.

1-2 التميـيز بين المحكمة الدولية ليوغسلافيا السابقة و المحاكم المدولة.

تتميز المحكمة الدولية الجنائية الخاصة بيوغسلافيا السابقة و التي تعد، على غرار المحكمة الدولية الجنائية الدولية الخاصة برواندا (محاكم جنائية دولية خاصة AD HOC) عن المحاكم المدولة في كون أن هذه الأخيرة تشكل ظاهرة جديدة في العلاقات الدولية و مؤسسات قضائية دولية ذات طبيعة خاصة، ظهرت كآلية لقمع انتهاكات القانون الدولي الإنساني، تمثل في الأصل هيئات قضائية وطنية، أنشأت بدعم من هيئة الأمم المتحدة بسبب قلة الموارد اللازمة لتسييرها أو عدم غياب العدالة الداخلية للدولة التي أنشأت من أجلها لذلك أصبح يطلق على هذه الهيئات وصف المحاكم الوطنية المدولة.
كما يتجلى الفرق، كذلك، بين المحاكم الجنائية الدولية الخاصة و المحاكم المدولة في كون أن هذه الأخيرة تتشكل من قضاة و وطنيين تعينهم الدولة المعنية أو الأمم المتحدة و قضاة أجانب تنفرد الأمم المتحدة بتعيينهم، كما أن هذه المحاكم تختص بمعاقبة الانتهاكات الجسيمة لقوانينها الداخلية و انتهاكات القانون الدولي على حد سواء.
– كانت “محكمة الخمير الحمر”، الخاصة بكمبوديا، موضوع مفاوضات مطولة ومعقدة بين السلطات الكمبودية و الأمم المتحدة لأكثر من عامين، وسوف تتألف المحكمة من ثلاث دوائر إستئنافية داخل نطاق نظام المحاكم المحلية حيث يكون موضوع ولايتها القضائية الانتهاكات الجسيمة للقانون الجنائي الكمبودي، من جهة، و القانون الدولي، من جهة ثانية المرتكبة من جانب كبار القادة و غيرهم في عهد دولة كمبوتشيا الديمقراطية (KAMPUCHEA DEMOCRATIQUE)، بين 1975 و 1979، و من بين العقبات التي أدت إلى تعثر المفاوضات في الكثير من الأحيان بين الحكومة الكمبودية و الأمم المتحدة، إجراءات إصدار لوائح الاتهام، أحكام و قرارات العفو، و القواعد الخاصة بمحامي الدفاع الأجانب، قواعد الإجراءات، و أخيرا اللغة الرسمية للمحكمة.
– كما بادرت حكومة سيراليون، من جهة ثانية، باتخاذ خطوات نحو إنشاء محكمة خاصة بها في أغسطس/ آب 2000، فاستجاب مجلس الأمن، التابع للأمم المتحدة خلال أيام لذلك ومنح تفويضا للأمين العام الأممي بالتفاوض لإبرام اتفاقية مع حكومة سيراليون بشأن إنشاء محكمة خاصة مستقلة مع ضرورة تقديمه لتقرير عن تلبية مطلب الحكومة، ووفقا للتقرير اللاحق للأمين العام، فإن هذه المحكمة الفريدة الناتجة عن معاهدة، والتي تضم اختصاصات و تشكيلة، مختلطين، سوف يكون لها محاكمة الأفراد الذين يتحملون العبء الأكبر من المسؤولية عن الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني و قانون دولة سيراليون المرتكبة داخل إقليم تلك الدولة منذ نوفمبر/ تشرين الثاني1996، و سوف يكون للمحكمة اختصاص مساعد للمحاكم المحلية على غرار نموذج المحاكم الجنائية الدولية الخاصة، وقد تضمنت القضايا التي أثارت مزيدا من المفاوضات بين مجلس الأمن و الأمين العام للأمم المتحدة موضوع الولاية القضائية للمحكمة فيما يتعلق بالأطفال، و النطاق الذي ينبغي تغطيته فيما يتعلق بالجوانب الأخرى للاختصاص الشخصي للمحكمة، بالإضافة إلى تمويل المحكمة في المستقبل؛ ورغم أنه لم يتم الحصول على التمويل الذي تعهدت الدول الأطراف بالأمم المتحدة بتقديمه بالكامل، إلا أن الأمم المتحدة و حكومة سيراليون قامتا في 16 يناير/ كانون الثاني2002 بتوقيع اتفاق لإنشاء المحكمة الخاصة لمحاكمة الأشخاص الذين يتحملون ” العبء الأكبر” عن الجرائم التي ارتكبت في تلك الدولة.
تتشابه اختصاصات محكمة سيراليون الخاصة، المتعلقة بنظر الجرائم المرتكبة، إلى حد كبير مع اختصاصات المحكمة الجنائية الخاصة برواندا، لكن مع إضافتها لبعض الانتهاكات الجسيمة الأخرى كالهجمات ضد المدنيين و أجهزة الرعاية الإنسانية و حفظ السلام، تجنيد الأطفال دون سن الخامسة عشر، و بعض الجرائم التي ينصص عليها قانون العقوبات لدولة سيراليون كاغتصاب القصر و الحريق العمدي؛

وخلال الجزء الأكبر من العام 2001، ومن جهة ثالثة، تولت محكمة محلية مدولة، أنشأتها الإدارة الانتقالية للأمم المتحدة، في تيمور الشرقية، بمحاكمة الأفراد المتهمين باقترافهم جرائم في ذلك الإقليم العام 1999،و تتألف المحكمة من هيئات خاصة تضم قاضيا واحد من تيمور الشرقية وقاضيين من جنسيات أخرى، تابعة للدائرة الإستئنافية لمحكمة ديلي وتفوض هيئات محلفين خاصة (Groupes spéciaux) بالنظر في قضايا الإبادة الجماعية و الجرائم ضد الإنسانية و جرائم الحرب و التعذيب و الانتهاكات المحددة في قانون العقوبات الإندونيسي، و قد صدر أول حكم ضد عشرة من جنود الميليشيات في إحدى الجرائم ضد الإنسانية في ديسمبر / كانون الثاني 2001.

2- المحكمة الدولية الجنائية الخاصة ليوغسلافيا السابقة

International Criminal Tribunal for Former Yugoslavia

بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة ، اصدر مجلس الأمن بالإجماع قراره المرقم /827 بتاريخ 25/5/1993 ، والذي أكد فيه قراره السابق المرقم /808 المتخذ قبل ثلاث أشهر ، بإنشاء محكمة دولية لمقاضاة الأشخاص المسئولين عن الانتهاكات الخطيرة للقانون الدولي الإنساني المقترفة في إقليم يوغسلافيا السابقة منذ عام 1991؛ إن قرار مجلس الأمن يكتسب أهمية بالغة في مسيرة القضاء الدولي الجنائي ، إذ جاء بعد سبع و أربعين سنة من انتهاء ولاية محكمة نورمبرغ الدولية ، و أن المحكمة الدولية ليوغسلافيا كانت بديلاً مناسباً لتدخل عسكري مرفوض من قبل الدول الكبرى ، بالرغم من أن الباعث في اتخاذ مجلس الأمن قراره ، كان لإرضاء الرأي العام العالمي المصدوم للأحداث المروعة في إقليم يوغسلافيا السابقة.

للمزيد من التفصيل والإيضاح بشأن المحكمة الدولية الجنائية الخاصة ليوغسلافيا السابقة ICTY، يراجع الموقع الخاص بالمحكمة على شبكة الانترنيت ، الموقع www.un.org/icty .
ان قرار مجلس الأمن 808 لم يضع الصورة الواضحة عن كيفية إنشاء الأساس القانوني للمحكمة ، ونص القرار في الفقرة الثانية منه على ، تكليف الأمين العام للأمم المتحدة بإعداد مسودة مشروع لمحكمة دولية جنائية خاصة ليوغسلافيا . و أعرب الأمين العام في تقريره المقدم إلى مجلس الأمن بان المحكمة يجب أن تؤسس من قبل مجلس الأمن نفسه على أساس استخدام سلطة الفصل السابع واستناداً إلى المادة/ 29 من ميثاق الأمم المتحدة تدبيراً للسلم والأمن الدولي . وكان مجلس الأمن قد بدأ بمناقشة الأحداث في يوغسلافيا السابقة منذ قراره رقم 713 المؤرخ 25/9/1991 ، وتتابعت القرارات بالصدور حتى صدور قراره 808 الذي جاء في ديباجته إلى أن الحالة في يوغسلافيا تشكل تهديداً للسلم والأمن الدوليين و تصميماً منه على وضع نهاية للجرائم واتخاذ تدابير فعالة لتقديم الأشخاص المسئولين عنها للعدالة.

إن كلا قراري مجلس الأمن (808)، (827) أشارا إلى استمرار انتهاكات القانون الدولي في يوغسلافيا السابقة المتضمنة القتل الجماعي و ممارسات التطهير العرقي التي تعد شكلاً من أشكال الإبادة الجماعية والتي تشكل تهديداً للسلم والأمن الدوليين؛ واعتمد النظام الأساسي لمحكمة ليوغسلافيا ، بقرار مجلس الأمن 827 ، وقد أوكل للمحكمة مهمة النظر في جرائم الانتهاكات الجسيمة لاتفاقيات جنيف لعام 1949 وانتهاكات قوانين و أعراف الحرب و إبادة الجنس والجرائم ضد الإنسانية؛ وقد أضاف النظام الأساسي للمحكمة الدولية الجنائية ليوغسلافيا السابقة بعداً جديداً في عملية تقنين جرائم الحرب بتأكيده عدد انتهاك ، أو إصدار الأمر بانتهاك جسيم لاتفاقيات جنيف الأربع ، يشكل مسؤولية جنائية فردية ويستوجب العقاب عليها . و أورد النظام الأساسي تعداداً لتلك الأفعال والانتهاكات، كما أضافه إلى الحظر والتجريم ، أي انتهاك لقوانين و أعراف الحرب و أورد تعداداً لها على سبيل المثال وليس الحصر.
إن مصطلح التطهير العرقي Ethnic Cleansing هو ترجمة حرفية للمصطلح Etnicko Ciscenje في لغة صرب الكروات ، فقد أسهم استمرار القتال في البوسنة والهرسك لظهور مفهوم جديد في قاموس العلاقات الدولية في تعبير ( التطهير العرقي ) ، وهذا المصطلح يصف خروقات القانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان.

و أن اصطلاح Genocide ( الإبادة الجماعية ) هو مشتق من كلمتين لاتينيتين هما genus بمعنى جماعة و caedere بمعنى يقتل ، وتسمية Genocide تعد تسمية حديثة نسبياً ، و أول من استعمل تعبير Genocide الفقيه البولوني الأصل الأمريكي الجنسية J. LEMKIN وذلك في مقال له بعنوان Crime de Genocide.
( 2 ) المواد / 2 و /3 و /4 و /5 من ميثاق المحكمة الدولية الجنائية ليوغسلافيا السابقة . واصدر مجلس الأمن عدة قرارات عدلت بموجبها النظام الأساسي لمحكمة يوغسلافيا وهي القرار رقم 1166 المؤرخ 13/5/1998 ، والقرار رقم 1329 المؤرخ 30/11/2000 ، والقرار رقم 1411 المؤرخ 17/5/2002 ، والقرار رقم 1481 المؤرخ 19/أيار/2003 . الوثائق S/RES/1166 .S/RES/1329 .S/RES/1411 .S/RES/1481 UN.Doc..

إن مجلس الأمن إنشاء هيئة قضائية وسيلتاً لحفظ و إعادة الأمن إلى نصابه ، و إجرائه جاء بموجب الفصل السابع من الميثاق دون ذكر المادة بالتحديد ، والمادة / 40 من الفصل السابع تناولت عقوبات اقتصادية مختلفة ، وبموجب المادة /41 من الفصل السابع يجوز لمجلس الأمن إنشاء قوى متعددة من بحرية وجوية وبرية لقمع العدوان . فإنشاء المحكمة الدولية لمحاكمة الأفراد لحفظ أو إعادة الأمن إلى نصابه كانت بحق تحول جديد لأعمال مجلس الأمن ، و خارج نطاق التفويض الموكول إليه بموجب الميثاق، فمحكمة العدل الدولية أنشئت بموجب ميثاق الأمم المتحدة عام 1945 والنظام الأساسي لمحكمة العدل يشكل جزء مكملاً للميثاق ، والذي يتطلب مصادقة الدول الأعضاء عليه وفقاً لمبادئ قانون المعاهدات الدولية ، أما إنشاء المحكمة الدولية ليوغسلافيا السابقة تطلب فقط موافقة تسع أعضاء من مجلس الأمن يكون من بينهم الأعضاء الخمس دائمي العضوية ، و استعمال مجلس الأمن سلطاته لإنشاء المحكمة الدولية جهازاً مرتبطاً به ، بدلاً من الإجراءات المتعارف عليها في قانون المعاهدات الدولية ، أثار أسئلة عدة بشأن شرعية المحكمة واستقلاليتها؛ أن الهدف من إنشاء المحكمة الدولية ليوغسلافيا السابقة كان تبديل النظام السياسي في يوغسلافيا أكثر من محاكمة المسئولين عن انتهاكات القانون الدولي الإنساني ، وبمعنى آخر تغليب الجوانب السياسية على الجوانب القانونية والإنسانية، بالإضافة إلى أن مجلس الأمن هو هيئة ذات صلاحيات تنفيذية لا يملك سلطات قضائية تمكنه من تأسيس هيئة قضائية أو تفويضها إلى هيئة قضائية ثانوية.

أن قرار مجلس الأمن 827 اتخذ بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة ولكن لم يحدد مادة معينة أساساً للتدبير الذي اتخذه ، ويمكن القول بأن المادة الأكثر مناسبة لتصرف مجلس هي المادة /41 من الميثاق ، ولكن هذه المادة تعدد تدابير اقتصادية وسياسية ولم تشر أبداً إلى تدابير قضائية ، إلا أن قضاة دائرة الاستئناف استنتجوا بان التدابير المذكورة في المادة/41 هي مجرد مثال توضيحي وهي لا تمنع من اتخاذ تدابير أخرى .
و أن معيار التفسير الحديث للمادة /41 من الفصل السابع لميثاق الأمم المتحدة يجعل من إنشاء مجلس الأمن للمحكمة تدبيراً ملائماً ، إذا ما اتضح وفقاً للظروف القائمة أن بوسعها بلوغ هدف إعادة السلم والأمن الدوليين وتيسيره ، كما أن بوسع مجلس الأمن إنهاء وجود المحكمة إذا ما لاحظ أنها لم تعد تخدم الأهداف التي بررت وجودها .

رغم أن الاتفاقيات الدولية لم تتضمن إنشاء محكمة دولية جنائية خاصة لمحاكمة مرتكبي جرائم الحرب، وغيرها من الجرائم المخلة بسلم و أمن البشرية، إلا انه من جهة أخرى لا يوجد ما يمنع من إنشاء هذه المحكمة. وقد حدث بالفعل عندما تقدمت إيطاليا و فرنسا باقتراح للأمم المتحدة بشأن إنشاء محكمة دولية خاصة لمحاكمة مرتكبي جرائم الحرب ، وذلك عقب تصاعد الانتهاكات الجسيمة لأحكام اتفاقيات جنيف واستمرار عمليات الإبادة التي ترتكبه قوات الصرب في حربها مع مسلمين البوسنة والهرسك.
وتتكون المحكمة الدولية ليوغسلافيا من ثلاث أجهزة: وهي مكتب التسجيل ( قلم الكتاب ) والهيئة القضائية ومكتب المدعي العام، وتتألف الهيئة القضائية من ستة عشر قاضياً دائماً وتسع قضاه احتياط كحد أعلى، جميعهم مستقلين في عملهم ومن جنسيات مختلفة؛ و ينتخب القضاة الستة عشر من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة لفترة أربع سنوات ويمكن إعادة انتخابهم ، أما القضاة الاحتياط فينتخبون لمدة أربع سنوات أيضا ومن قبل الجمعية ، دون أن يكون لهم حق إعادة انتخابهم ولا يجوز أن يكون هناك قاضيان من رعايا نفس الدولة . ويمثل القضاة النظم القانونية الرئيسة في العالم ، ويقوم مجلس الأمن بترشيح القضاة الدائمين والاحتياط ويقدم قائمة الترشيح إلى الجمعية العامة بموجب إجراءات نص عليها النظام الأساسي للمحكمة (. ويكون المدعي العام مسئولاً عن التحقيق و إقامة الدعوى ، ويعمل مستقلاً جهازاً منفصلاً داخل هيكل المحكمة ، وليس له أن يتلقى تعليمات من أية حكومة أو من أية جهة أخرى . كما أن التسجيل ، يعتبر مسؤولاً عن إدارة أعمال المحكمة وتسيير شؤونها.

3- المحكمة الدولية الجنائية الخاصة لرواندا

International Criminal Tribunal for Rwanda

بعد تأسيسه للمحكمة الدولية الجنائية ليوغسلافيا السابقة في 25/5/1993 ، انشأ مجلس الأمن محكمة دولية ثانية في 8/11/1994 لمقاضاة الأشخاص المسئولين عن جرائم
الإبادة الجماعية و انتهاكات القانون الدولي الإنساني المقترفة في إقليم رواندا ، أو الأشخاص الروانديين المسئولين عن الإبادة الجماعية وانتهاكات القانون الدولي الإنساني المقترفة في الأقاليم المجاورة لرواندا للفترة ما بين 1/ كانون الثاني و31/ كانون الأول/ لعام 1994، وعبر مجلس الأمن في قرار إنشاء المحكمة ، عن قلقه إزاء تلك الجرائم واصفاً الحالة بأنها تهديد للأمن والسلم الدوليين. واصدر مجلس الأمن قراره (977) الذي حدد فيه مقر المحكمة الدولية الجنائية لرواندا في أروشا في جمهورية تنزانيا المتحدة .

للمزيد من التفصيل والإيضاح بشأن المحكمة الدولية الجنائية لرواندا ICTR www.ictr.org.
جاء تأسيس المحكمة نتيجة لأسوأ حالات الإبادة الجماعية في التاريخ التي حصلت على اثر إسقاط الطائرة التي كانت تقل رئيس جمهوريتي رواندا ـ جوفينال هابياريمانا ـ وبورندي اللذين شاركا في مفاوضات السلام في تنزانيا عند اقتراب الطائرة من عاصمة رواندا ـ كيغالي ، وبعد دقائق من تحطم الطائرة ، اتهمت محطة الإذاعة أر.تي. ال.ام. القوات البلجيكية التي تقوم بمهمة حفظ السلام للأمم المتحدة في رواندا بإسقاط الطائرة . وفي الصباح التالي ، قتل عشرة جنود بلجيكيين بوحشية وانسحبت قوات الأمم المتحدة . وكانت قناة أر.تي.ال.ام. من أعطى إشارة بدء مجزرة التوتسي و الهوتو المعتدلين الموقع www.crimesofwar.org/arabic/africa4.htm
. وقد أفاد مجلس الأمن إلى إحصائية نتائج النزاع في رواندا في أيار 1994 ، أن ما يقارب ما بين 250000 إلى 500000 قتيل ، وما يقارب 1.5 مليون شخص بلا مأوى ، بالإضافة إلى 400000 لاجي في الدول المجاور لرواندا . وفي شهر التاسع لنفس العام ، أن ما يقارب مليون قتيل ، وما بين 800000 إلى مليوني من الأشخاص بلا مأوى ، أكثر من مليوني لاجي في الدول المجاور لرواندا.

إن إنشاء المحكمتين الدوليتين لرواندا و يوغسلافيا جاء بقرار من مجلس الأمن متخذ بموجب الفصل السابع، وفي كلتا القضيتين برر مجلس الأمن الاستعانة بالفصل السابع، لاعتبار انتهاكات خطيرة وعلى نطاق واسع للقانون الدولي الإنساني تشكل تهديداً للأمن والسلم الدوليين. وفي كلتا القضيتين ، أنشئت المحكمة للمساهمة في وقف الأعمال الخطرة ، والمحافظة على السلام و أعادته إلى نصابه فضلاً عن الإسهام في عملية المصالحة الوطنية ، في قضية رواندا. و إن النظام الأساسي للمحكمة الدولية لرواندا وضع بشكل مطابق لحد ما النظام الأساسي لمحكمة يوغسلافيا ، ويتضمن مرافق مرتبطة بمرافق تابعة لمحكمة يوغسلافيا ، ولكن هناك أيضاً بعض الاختلافات بسبب ان طبيعة النزاع في رواندا كان داخلي ، بينما النزاع الدائر في يوغسلافيا السابقة كان يتسم بصفة الداخلي والدولي على حدٍ سواء .

إن هاتين المحكمتين الدوليتين المستقلتين المتشابهتين تقدمان التجسيد الفعلي للقضاء الدولي الجنائي المعاصر ، الذي تطلع إليه المجتمع الدولي منذ وقت طويل ، ولهاتين المحكمتين الدوليتين منذ الآن ميزة الوجود و العمل وقد اتخذتا قرارات كثيرة و هامة ، إلا أن هاتين التجربتين مازالتا مخيبتين للآمال في كثير من النواحي ، فهما شديدتا الجزئية و الغموض و مع ذلك تشكل كلتا المحكمتين تجربة ثمينة ومليئة بالدروس : وقد تصبحان حاسمتين بالنسبة لظهور قضاء دولي جنائي أخذت تظهر بالفعل إمكانيته ، وبالنسبة لتطبيق القانون الدولي الإنساني الذي ينبغي إلا تبقى انتهاكاته دون عقاب .
إن التشابه بين محكمة رواندا ومحكمة يوغسلافيا يتجاوز حدا ما فكلتا المحكمتين مؤقتتين ، خاصتين ، ناشئتين من خلال قرار من مجلس الأمن هيئتين فرعيتين مرتبطة به ، وارتباطهما إداريا ومالياً بالأمم المتحدة ، فالتشابه يرى بوضوح في أن النظام الأساسي لمحكمة رواندا مقتبس من النظام الأساسي لمحكمة يوغسلافيا ، بما يتلاءم مع ظروف رواندا ، إلا أن محكمة رواندا تعد أول محكمة دولية تعالج على وجه التحديد جريمة الإبادة الجماعية خلال نزاع غير دولي . و القاسم المشترك بين النظامين الأساسيين لكلتا المحكمتين الدوليتين ـ يوغسلافيا والذي يتكون من أربعة وثلاثين مادة و رواندا والذي يتكون من اثنتين وثلاثين مادة ـ هو الأسس نفسها التي اعتمدت في محكمة نورمبرغ وهي المسؤولية الجنائية الفردية ، وعدم حصانة رؤساء الدول من المسؤولية ، وعدم جواز الدفع بصدور أوامر من الرؤساء لارتكاب الجريمة .

واجهت محكمة رواندا معضلات كثير قبل إكمال تأسيسها وقبل أن تباشر مهامها، فبعض من هذه المعضلات كانت مشابهة لتلك المعضلات التي واجهتها محكمة يوغسلافيا، والبعض الآخر على وجه التحديد يرجع إلى صعوبات مادية؛ ومن المفارقات التي برزت عام 1997 ، أن محكمة رواندا الدولية قد أصبحت أكثر فاعلية من محكمة يوغسلافيا في الحصول على مقترفي الجرائم الإبادة الجماعية الرئيسيين.
إن كلتا المحكمتين الدوليتين تتكونان من ثلاثة أجهزة: دائرتان ابتدائيتان ودائرة استئناف واحدة والتي تشكل جهاز الهيئة القضائية ، ومدعي عام يعينه مجلس الأمن بناء على ترشيح من الأمين العام ، ومسجل؛ و تتشكل الهيئة القضائية لكلتا المحكمتين من ستة عشر قاضياً من جنسيات مختلفة تنتخبهم الجمعية العامة من قائمة الترشيح التي يتقدم بها مجلس الأمن، ودائرة الاستئناف و المدعي عام مشترك بين المحكمتين، ويساعد المدعي العام نائب مدعي عام إضافي لمحكمة رواندا.
وفيما يتعلق بالاختصاص الشخصي للمحكمة ، نجد ان المادة /6 من النظام الأساسي للمحكمة الدولية لرواندا قد حددت ولاية المحكمة على الأشخاص الطبيعيين دون غيرهم من المنظمات أو الهيئات ، حيث قررت المادة / 6 ان أي شخص خطط أو حرض على ارتكاب أو أمر بارتكاب أو ارتكب أو ساعد أو شجع بأية طريقة كانت على تنظيم أو إعداد أو تنفيذ إحدى الجرائم الداخلة في اختصاص المحكمة ، يكون مسئولا بصفة فردية عن هذه الجريمة . كما أضافت المادة أيضاً ان الصفة الرسمية للمتهم لا يعتد بها ، سواء بوصفه رئيس دولة أو حكومة أو موظفاً كبيراً لا تعفيه من المسؤولية الدولية الجنائية ، ولا تصلح سبباً لتخفيف العقوبة ، كذلك فان ارتكاب الفعل بواسطة المرؤوس لا ينفي مسؤولية رئيسه الأعلى جنائياً ، إذا كان الأخير يعلم أو كان بإمكانه ان يعلم ان المرؤوس كان يستعد لارتكاب هذا الفعل ، أو انه ارتكبه فعلا ولم يتخذ التدابير اللازمة والمناسبة لمنع ارتكاب الفعل .
وقد اصدر مجلس الأمن عدة قرارات عدلت بموجبها النظام الأساسي لـمحكمة رواندا ICTR وهي القرار رقم 978 المؤرخ 27/فيفري/1995 ، والقرار رقم 1165 المؤرخ 30/أفريل/ 1998 ، والقرار رقم 1329 المؤرخ 30/نوفمبر/ 2000 ، والقرار رقم 1411 المؤرخ 17/ماي/ 2002 ، والقرار رقم 1431 المؤرخ 14/أوت/2002 . الوثائق S/RES/978. S/RES/1165. S/RES/1329. S/RES/1411. S/RES/1431 UN.Doc. .

إن مسألة تعيين مدعي عام واحد لمحكمتين دوليتين تفصل ما بين مقريهما مسافة شاسعة لهو أمر غير منطقي لا يبرره الاقتصاد في النفقات ، إلا أن مجلس الأمن عالج هذه المسألة بقراره المرقم (1503) بتعديل المادة/15 من النظام الأساسي لمحكمة رواندا ، وبذلك انفصلت وظيفة المدعي العام المشتركة ما بين المحكمتين. وعين مجلس الأمن السيد حسن أبو بكر جالو بناء ً على ترشيح الأمين العام للأمم المتحدة ، مدعياً عاماً للمحكمة الدولية الجنائية لرواندا ابتداء ً من 15/أيلول/2003 ولمدة أربع سنوات.
وبعد إنشاء المحكمتين الدوليتين ليوغسلافيا و رواندا ، وجدت أغلب الدول أنهما تشكل محكمتين خاصتين بمجالات محددة و مؤقتة ، كما أثيرت الشكوك حول الأساس القانوني الذي يستطيع بمقتضاه مجلس الأمن إنشاء مثل هذه المحاكم ، وبدأ التفكير جدياً بإنشاء محكمة دولية جنائية دائمة تنبثق من معاهدة دولية تقرها جميع دول العالم.
الفقرة / 8 من قرار مجلس الأمن المرقم (1503) المؤرخ 28/8/2003 ، كما جاء في القرار طلب مجلس الأمن من الأمين العام ان يرشح شخصاً لشغل منصب المدعي العام لمحكمة رواندا ، الوثيقة S/RES/1503 UN.Doc. .
قرار مجلس الأمن المرقم(1505) المؤرخ 4/9/2003، الوثيقة S/RES/1505 UN.Doc. . وفي الجلسة ذاتها اتخذ مجلس الأمن قراره(1504) بتعيين السيدة كارلا دل بونتي ، بناء ً على ترشيح الأمين العام للأمم المتحدة ، مدعية عامة لمحكمة يوغسلافيا ابتداء ً من 15/أيلول/2003 ، والتي كانت تشغل منصب المدعي العام لكلتا المحكمتين؛ وتجدر الإشارة إلى أن تعيين السيدة كارلا جاء بعد استقالة السيدة لويز ار بور بتاريخ 15/أيلول/1999 والتي كانت تشغل منصب المدعي العام لكلتا المحكمتين ، الوثيقتان 1259 S/RES/ ، S/RES/1504 UN.Doc..
إن قيام مجلس الأمن بإحداث بعض المحاكم الدولية الجنائية المخصصة لبلدان محددة ـ يوغسلافيا و رواندا ـ أعطى دفعاً لإنشاء المحكمة الدولية الجنائية الدائمة ، كما اصدر مجلس الأمن قراره (1315) لعام 2000 لاستحداث محكمة دولية جنائية خاصة بسيراليون للنظر في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وغيرها من الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني التي ارتكبت في إقليم سيراليون .
والمحكمة العليا لسيراليون هي ثالث محكمة دولية خاصة تنشئها الأمم المتحدة خلال العقد الأخير من القرن العشرين وتعد محكمة مركبة ذات صفة دولية و داخلية لمقاضاة المسئولين عن الأعمال الوحشية في حرب سيراليون الأهلية أنشئت بموجب اتفاقية بين حكومة سيراليون و الأمم المتحدة بناء ًعلى قرار من مجلس الأمن المرقم (1315) والذي طلب فيه من الأمين العام التفاوض مع حكومة سيراليون بشأن عقد اتفاقية لإنشائها.

4- المحاكم الوطنية ذات الاختصاص الدولي ( العالمي )

تتجلى إحدى نتائج الاختصاص الجنائي الدولي أو العالمي في لجوء القضاء الوطني إلى التشريع الدولي، وإن لم يكن هذا ملحوظاً في القانون الوضعي، فإن بعض الدول حرصت على تضمين قوانينها أحكاماً تخولها إلى حد ما ممارسة الاختصاص الجنائي الدولي.
وقد تحركت بعض الدول الأوروبية كسويسرا والدنمرك والسويد وبلجيكا وألمانيا في العقد الأخير لملاحقة المتهمين بجرائم دولية على أراضيها مستندة إلى الاختصاص العالمي المكرس في قوانينها الوضعية، وقد طلبت تلك الدول الأوروبية من بريطانيا التي كان يتواجد على إقليمها الرئيس التشيلي السابق بينوشيه تسليمه لمحاكمته عن جرائم الإبادة وجرائم ضد الإنسانية فاعتقلت المملكة المتحدة رئيس تشيلي الأسبق ( بينوشيه ) في 16 تشرين الثاني عام 1998 بناءاً على مذكرة توقيف صادرة عن المحكمة الإسبانية بتهمة ارتكاب جرائم قتل وتعذيب وخطف أثناء إدارته لتشيلي بين عام 1973 و 1990. وفي 29/1/2001 أُدين الرئيس السـابق بجرم الاشتراك في قتل ( 75 ) ضحية بعد خطفهم في الحادثة المعروفة ( قافلة الموت ) (1).
وقد دافع بينوشيه عن نفسه بأنه يتمتع بالحصانة الدبلوماسية في ظل القانون البريطاني باعتباره رئيس دولة سابق، وإن الأعمال المرتكبة منه كانت تنفيذاً لمهام عمله الرسمي بوصفه رئيساً لدولة. فأحالت السلطات الموضوع إلى هيئة الاستئناف في مجلس اللوردات، وفي آذار 1998 رفضت اللجنة لمجلس اللوردات مبدأ الحصانة لأن ارتكاب الجرائم ضد الإنسانية لا تعتبر من وظائف ( رئيس الدولة )، ولا تُشــــكل جزءاً من تلك المهام، وقررت اللجنة تســـــليمه إلى إسبانيا، إلا إن محكمة الاستئناف علّقت الإجراءات ضده بسبب تدهور صحته، وقررت إعادته إلى شيلي لمتابعة قضيته أمام القضاء الشيلي. وفي حزيران عام2000 قررت محكمة الاستئناف بأغلبية ( 17 ) صوتاً ومعارضة ( 6 ) أصوات رفع الحصانة عنه ووافقت المحكمة العليا في شيلي في آب عام 2000 على محاكمته وهو في التسعين من عمره في قضية تتعلق بجريمتي قتل في عام 1973 (1).
وكان لمحاكمة بينوشيه وقع مؤثر في الاختصاص الجنائي الدولي، وبالتالي في تطبيق العدالة الدولية، فقبل المحاكمة في 1998 لم تتقدم أي حكومة بطلب رسمي لتسليم مسئولين ادعى عليهم الضحايا وعائلاتهم بجرائم ارتكبوها في دولهم، فلاذوا بملاجئ آمنة في بلدان ثالثة، وإن فعلت فمن دون جدوى لعدم وجود اتفاقية تسليم مجرمين، أو عدم كفاية النصوص الوضعية الداخلية التي تمكن المدعي العام أو قاضي التحقيــق من بدء الملاحقة، هذا فضلاً عن امتناع الإرادة السياسية عن الاستجابة للطلبات الرسمية في كثير من الأحيان حسب مصالح الدول وعلاقاتها السياسية(2). فإذا وجدت إحدى الدول إن أعمال حصانة رئيس الدولة السابق قد يضر بمصالحها مع بلاده أو الدول التي تطلب تســــــليمه لمحاكمته، فأنها تعمد إلى تسليمه غالباً، أما إذا وجدت إن منحه الحصانة يتفق مع مصالحها ولا يضر بها نجدها لا تتردد في منح هذه الحصانة، ومن ذلك إن مصر قد احتفظت بالحصانة لكل من ملك السعودية الأسبق (سعود بن عبد العزيز ) الذي لجأ إليها عام 1966، وكذلك ملك ليبيا السابق ( إدريس السنوسي) بعد خلعه عام 1969، وكذلك رئيس السودان (جعفر النميري ) الذي لجأ إلى مصر بعد الإطاحة به عام 1985.
ويمكن القول إن محاكمة بينوشيه سجلت التطبيق الأول منذ خمسين عام لأحد المبادئ المكرسة سابقاً في محكمة نورمبورغ بسقوط الحصانة عن رؤساء الدول الذين يرتكبون جرائم دولية ، الأمر الذي شـكل باعثاً محفزاً للشـكاوى ضد كبار المسئولين وللمحاكمات المحظورة سابقاً.
أما الحكومة التشادية فأبلغت بلجيكا عن استعدادها للتنازل عن أي حصانة قد يحتج بها الحبري، ولعل ملاحقة القضاء الوطني للجرائم ذات الطابع الدولي تشكل حلاً مثالياً لمشكلة بُعد الأدلة والشهود عن سلطات التحقيق والملاحقة، وتعزز ثقة المجتمع بالقانون الوطني.
ولهذا باشرت بعض الدول بمحاكمة المسئولين عن الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب فقد بدأت الدعوى ضد (دومنيك اليجازيفيش كومو) المسئول عن مجزرة (ستوبني دو) الشهيرة عام 1993. وجرائم أخرى بحق البوســـــــــنيين المسلمين في أواسط البوسنة عام 2002.

المحور الرابع: عصر العدالة الجنائية الدولية الدائمة و نظرتها للجريمة الدولية.

إرساء المحكمة الجنائية الدولية الدائمة.

1- ظروف نشأة المحكمة الدولية الجنائية الدائمة

عهدت الجمعية العامة للأمم المتحدة إلى لجنة تقنين القانون الدولي بعمل تقنين عام للقانون الدولي الجنائي منذ مراحل مبكرة ، وحتى إنشاء المحكمة الدولية الجنائية ، تقف الصعوبات السياسية أمام تنفيذ هذا العمل الهام ، وبوجه خاص أنانية بعض الحكومات في الحفاظ على وجودها السياسي أكثر من تحقيق السلام العالمي، ولهذا يقع عبء كبير على عاتق الأمم المتحدة لسد هذا العجز المؤثر في تكوين تقنين عام لقواعد القانون الدولي العام. وقد سبقت هذه المحاولات جهود جدية عديدة مبذولة من عديد من فقهاء القانون الدولي كالفقيه بيلوت و بيلا لغرض سد هذا النقص التشريعي والتنظيمي الذي شاب القانون الدولي ، إلا أن تلك المحاولات كانت محدودة الأثر ولم تطف على سطح الواقع . وبذلت كذلك محاولات مهمة على الصعيد الدولي من قبل مؤسسات فكرية و جمعيات ولجان خاصة كان من أبرزها جمعية القانون الدولي و الاتحاد البرلماني الدولي و الجمعية الدولية لقانون العقوبات و معهد الدراسات العليا في العلوم الجنائية لم ترتقِ تحقيق أهدافها بسبب عزوف كثير من الدول وعدم تبنيها تلك المحاولات ، ولكنها أسهمت ، بشكل مباشر أو غير مباشر ، في دفع عجلة تطوير القانون الدولي الجنائي وحث المجتمع الدولي على التفكير جدياً في إنشاء قضاء دائم ومحايد بعيد عن أسس النصر والهزيمة.

2- خصائص المحكمة الدولية الجنائية الدائمة

عرف ميثاق روما المحكمة بأنها هيئة دائمة لها السلطة لممارسة اختصاصها على الأشخاص إزاء اشد الجرائم خطورة موضع الاهتمام الدولي، وتكون المحكمة مكمله للاختصاصات القضائية الجنائية الوطنية، ويخضع اختصاص المحكمة وأسلوب عملها لأحكام ميثاق روما. ونلاحظ في التعريف المذكور آنفاً ورود أربع سمات جوهرية نتلاولها تباعاً .

الخاصية الأولى : الدوام Permanent وخاصية الدوام في المحكمة الدولية الجنائية هي من أهم خصائصها التي امتازت بها عن غيرها من المحاكم الدولية ـ نورمبرغ و طوكيو و يوغسلافيا و رواندا ـ التي سبقت إنشاءها ، فتلك المحاكم مؤقتة لأغراض محددة ، تنتهي متى ما أنجزت المهام الموكلة إليها . وهذه الخاصية تعني أنها لن تكون مؤقتة Ad Hoc و وجودها القانوني مستمر و لا ينتهي بانتهاء المهمة الموكلة إليها، أي بانتهاء محاكم الأشخاص المحالين عليها فقط بل اختصاص القضائي مستمر ما دامت موجودة. فإنشاء محكمة دولية جنائية دائمة سوف يحقق المصلحة الدولية المشتركة ويعمل على تثبيت دعائم القانون الدولي الجنائي ، ذلك القانون الذي شاركت الدول في صياغته و إقراره ، و ان أي قانون يرجى له الفاعلية والاحترام لأحكامه إنما يحتاج إلى جهاز قضائي دائم و مستقل حتى يعمل على تأكيد احترام هذه الأحكام. و سمة الدوام للمحكمة سوف يجنب المجتمع الدولي لبذل جهود سياسية ونفقات مادية لإنشاء محاكم دولية خاصة تختص في جرائم دولية مقترفة في صراعات أو مناطق محددة.
الخاصية الثانية : المسؤولية الدولية الجنائية الفردية وهو تطبيق اختصاص المحكمة الدولية الجنائية على الأشخاص الطبيعيين الذين يرتكبون جريمة بعد بلوغ سن ثمان عشرة سنة وليس على الأشخاص المعنويين كالدولة أو الهيئات الاعتبارية من شركات ومنظمات مثلاً. فإذا كانت الجريمة الدولية ترتكب من قبل الأشخاص الطبيعيين باسم الدولة ولحسابها ، فان النقاش قد ثار بين الفقهاء على نطاق واسع حول مدى إمكانية مساءلة الدولة جنائياً ، إلا انه نظراً لان القانون الدولي الجنائي يؤكد على أهمية الركن المعنوي ، المتمثل في العلم و الإرادة ، لقيام الجريمة الدولية ومساءلة مرتكبيها ، فقد رُفِضتَ فكرة المسؤولية الدولية الجنائية للدولة و أصبحت المسؤولية قاصرة على الأشخاص الطبيعيين مقترفي الجرائم الدولية باسم الدولة ولحسابها. وهكذا لم تعد المسؤولية علاقة بين الدول وحدها ، مسؤولية دولة تجاه أخرى ، وإنما وجود حالات أخرى للمسؤولية منها المسؤولية الجنائية الفردية على الصعيد الدولي.

أن الشخص الطبيعي الذي يرتكب جريمة تدخل في اختصاص المحكمة الدولية الجنائية يكون مسئولا عنها بصفته الفردية وعرضه للعقاب على وفق النظام الأساسي للمحكمة، و الذي يطبق أحكامه على جميع الأشخاص بصورة متساوية دون أي تمييز بسبب الصفة الرسمية؛ فمن الثابت أن المنصب القيادي أو الرئاسي الذي يشغله أحد المتهمين بارتكاب جرائم دولية ، لا يمكن أن يكون حائلاً دون مساءلة هذا الشخص، عما ارتكبه من جرائم تدخل في اختصاص المحاكم الدولية الجنائية؛ إذ لا يمكن التذرع أو التمسك بالحصانة التي يتمتع بها الشخص المتهم بارتكاب جرائم دولية، أو التذرع بصفته الرسمية كما لو كان رئيس دولة أو أحد قادتها أو مسئوليها الحكوميين، حيث أن مثل هذه الذرائع لا يمكن أن تشكل دفاعاً أو ظرفاً مخففاً للعقوبة حالة ارتكاب مثل هذه الجرائم.

إن النظام الأساسي للمحكمة سار على نفس النهج الذي اتبعته المحاكم الدولية الجنائية الخاصة في مسألة المسؤولية الدولية الجنائية الفردية .
وقد أكد مجلس الأمن مبدأ المسؤولية الجنائية الفردية لمرتكبي الانتهاكات الخطيرة للقانون الدولي الإنساني في قراره المرقم ( 955 ) لسنة 1994 والخاص بإنشاء محكمة دولية جنائية لرواندا كذلك سبق أن أكدت محكمة نورمبرغ مبدأ المسؤولية الدولية الجنائية الفردية .
وانطلاقاً من اختصاص المحكمة للمسؤولية الدولية الجنائية الفردية ، فقد تميزت المحكمة الدولية الجنائية عن محكمة العدل الدولية التي ينعقد لها الاختصاص للفصل في المنازعات التي تنشأ بين الدول .

إن المحكمة الجنائية الدولية (ICC) والتي يحكمها “نظام روما الأساسي” للمحكمة الجنائية الدولية هي أول محكمة دائمة مبنية على معاهدة تم تأسيسها للمساعدة في وضع نهاية للإفلات من العقوبة لمرتكبي أكثر الجرائم خطورة على المستوى العالمي مثل جرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب وجرائم العدوان. ويمكن للمحكمة ممارسة سلطاتها القضائية على مثل هذه الجرائم الدولية فقط في حال ارتكابها على أراضي دولة طرف في هذه الاتفاقية أو من قبل أحد مواطنيها؛ ولكن هذه الشروط تصبح غير قابلة للتطبيق في حال تمت إحالة موقف ما إلى المدعي من قبل مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، أو في حال أعلنت الدولة قبولها للسلطة القضائية للمحكمة.

نص نظام روما الأساسي الذي تم تعميمه كالوثيقة A/CONF.183/9 في الـ17 من تموز/يوليو 1998 وتم تنقيحه في الـ10 من تشرين الثاني/نوفمبر 1998 و 12 تموز/يوليو 1999 و 30 تشرين الثاني/نوفمبر 1999 و 8 أيار/مايو 2000 و 17 كانون الثاني/يناير 2001 و 16 كانون الثاني/يناير 2002 .
قام أول مؤتمر استعراض لنظام روما الأساسي الخاص بالمحكمة الجنائية الدولية والذي عقد في كمبالا بأوغندة خلال الفترة من 31 أيار/مايو إلى 11 حزيران/يونيو 2010 بتعديل نظام روما الأساسي وذلك لإدراج تعريف جريمة العدوان والشروط التي يمكن للمحكمة الجنائية الدولية بموجبها ممارسة صلاحياتها على مثل هذه الجرائم.
إن لمفهوم جريمة العدوان أشكال عده ليس بالضرورة أن يتضمن استعمال القوة المسلحة ، فقد يكون العدوان اقتصادياً أو اديلوجياً، مباشراً أو غير مباشر. وقد قامت الجمعية العامة للأمم المتحدة أكثر من مرة بتسمية القيام باستعمال القوة من خلال وسائل مباشرة أو غير مباشرة باسم العدوان ، ففي قرار الجمعية العامة (السلام من خلال الأفعال) ، قامت بإدانة التدخل في الشؤون الداخلية لدولة أخرى لغرض تغير حكومتها الشرعية من خلال التهديد أو استعمال القوة ، كما أكدت الجمعية العامة أيضاً إن التدخل سواء أكان مباشراً، أي بصورة علنية ـ أم غير مباشر من خلال إثارة نزاع داخلي مدني وغير ذلك يعد من أفدح الجرائم ضد السلام والأمن الدولي .

تم تبني “نظام روما الأساسي” في الـ17 من شهر تموز/يوليو 1998، ودخل حيز التنفيذ اعتبارا من الأول من تموز/يوليو 2002. ومنذ الـ15 من حزيران/يونيو 2010 كانت هناك 111 دولة طرف في “إعلان روما الأساسين بين هذه الدول الـ111هناك 30 دولة إفريقية و15 دولة آسيوية، و17 دولة من أوروبا الشرقية، و24 دولة من أمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي، و25 دولة من أوروبا الغربية ، إضافة إلى دول أخرى. إن المحكمة الجنائية الدولية هي مؤسسة دائمة ومستقلة وليست جزءا من منظمة الأمم المتحدة وعلى الرغم من أن المحكمة تتلقى القسم الأعظم من التمويل من الدول الأطراف ، إلا أنها تتلقى كذلك تبرعات طوعية من حكومات ومنظمات دولية وأشخاص وشركات وهيئات أخرى. ولقد قامت 52 دولة –من بينها دولة واحدة ليست من الدول الأطراف- بالمصادقة أو الموافقة على الاتفاق بخصوص الامتيازات والحصانات التي تتمتع بها المحكمة الجنائية الدولية.

يوضح النظام الأساسي بأن المسؤولية الأساسية في التحقيق والمعاقبة في هذه الجرائم تقع على عاتق الدول الأطراف، وأن المحكمة تعتبر مكملة للجهود التي تبذلها الدول في التحقيق وملاحقة الجرائم الدولية؛ وتعتبر المحكمة النقطة المحورية لنظام ناشئ للعدالة الجنائية الدولية يشمل المحاكم الوطنية، والمحاكم الدولية، والمحاكم التي تضم عناصر وطنية ودولية. ويوجد حاليا أربع قضايا (أوغندة، جمهورية الكونغو الديمقراطية، الجمهورية الإفريقية الوسطى ودارفور، السودان) تحت التحقيق من قبل مكتب الإدعاء في المحكمة الجنائية الدولية. بالإضافة إلى ذلك فقد قامت غرفة ما قبل التحقيق رقم 2 بمنح المدعي العام في الـ31 من أيار/مايو 2010 الصلاحية لفتح تحقيق حول الوضع في كينيا. وقامت ثلاثة دول أطراف بإحالة قضايا وقعت على أراضيها إلى المدعي العام، وقام مجلس الأمن بإحالة قضية واحدة إلى الإدعاء ليتم التحقيق فيها. وتجري حاليا التحقيقات الأولية من قبل المدعي العام في عدد من الحالات. وفي الـ16 من تشرين الأول/أكتوبر 2009 قام وفد من السلطة الوطنية الفلسطينية بتقديم تقرير أولي يعرض فيه الحجج القانونية الداعمة للإعلان المودع في 22 كانون الثاني/يناير 2009 والذي تم فيه قبول اختصاص المحكمة على الجرائم التي ارتكبتها إسرائيل في فلسطين؛ ويقوم المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية في الوقت الحاضر بتحليل الوضع.

الخاصية الثالثة : اختصاص المحكمة إزاء اشد الجرائم خطورة موضع الاهتمام الدولي ، فقد تضمنت المادة الخامسة من النظام الأساسي للمحكمة تعداداً حصرا للجرائم الأشد خطورة التي تدخل في اختصاصها ، وهذه الجرائم تنحصر في جريمة الإبادة الجماعية ، والجرائم ضد الإنسانية ، وجرائم الحرب ، وجريمة العدوان، إلا انه فيما يتعلق بجريمة العدوان ، أوردت المادة المذكورة حكماً خاصاً مفاده أن ممارسة المحكمة لاختصاصها بخصوص هذه الجريمة ، يتوقف على اعتماد حكم بهذا الشأن على وفق المادتين /121 و / 123 من النظام الأساسي يعرف جريمة العدوان ويضع الشروط والأركان اللازمة لممارسة المحكمة لاختصاصها؛ وكان عدم وجود مفهوم واضح لجريمة العدوان أهم سلاح في يد الولايات المتحدة الأمريكية للدفاع عن موقفها الرافض لإنشاء المحكمة الدولية الجنائية.

وعند الرجوع إلى الأعمال التحضيرية بشأن الجرائم التي تختص بها المحكمة ، نلاحظ اتفاق آراء كافة الوفود المشاركة في اجتماع اللجنة التحضيرية المعنية بإنشاء المحكمة في اجتماعها المنعقد خلال الفترة من 20 إلى 30 / 8 / 1996 على أهمية قصر اختصاص المحكمة على اخطر الجرائم التي تهم المجتمع الدولي ككل ، ووضع معايير محددة لهذا الاختصاص تجنباً لعدم التعدي على اختصاص المحاكم الوطنية؛ كما اتفقت الآراء بوجه عام على وجوب تعريف الجرائم الداخلة في اختصاص المحكمة تعريفاً واضحاً ودقيقاً ومحدداً، و أعربت بعض الوفود عن قلقها إزاء احتمال حدوث ازدواج أو عرقلة لأعمال لجنة القانون الدولي المتعلقة بمشروع مدونة الجرائم المخلة بسلم الإنسانية و أمنها.
وتجدر الإشارة إلى أن الجمعية العامة للأمم المتحدة اعتمدت خلال دورتها التاسعة والعشرين تعريفاً لجريمة العدوان بموجب قرارها المرقم (3314) المؤرخ 14/12/1974 ، الذي يتكون من ديباجة وثمان مواد قانونية؛ ولكن إذا كانت الجمعية العامة بتعريفها لجريمة العدوان قد وضعت نهاية لجدل كبير حول تعريف العدوان برغم شمول هذا التعريف على العديد من المزايا وتلافي العديد من العيوب والانتقادات التي وجهت إلى ما سبقه من مشاريع تقدمت بها الدول ، إلا أن ارتكاب جريمة العدوان لن يدخل في اختصاص المحكمة الدولية ، إلا بعد أن يتم اعتماد حكم بهذا الشأن وفقاً للمادتين /121 و / 123 من النظام الأساسي يعرف جريمة العدوان ، ويحدد الأركان اللازمة لممارسة المحكمة لاختصاصها بخصوص هذه الجريمة ، ويجب أن يكون هذا الحكم متسقاً مع الأحكام ذات الصلة في ميثاق الأمم المتحدة. وقد اعتمدت جمعية الدول الأطراف في دورتها الأولى مشروع قرار مقدم من اللجنة التحضيرية بشأن مواصلة العمل المتعلق بجريمة العدوان ، قضى بإنشاء فريق عامل خاص يعنى بجريمة العدوان تكون عضويته مفتوحة للدول الأعضاء كافة في الأمم المتحدة ولأعضاء الوكالات المتخصصة وللوكالة الدولية للطاقة الذرية ، بغية صياغة مقترحات لوضع أحكام العدوان، على أن يعرض الفريق العامل هذه المقترحات على الجمعية في مؤتمر استعراضي بهدف التوصل إلى أحكام مقبولة بشأن جريمة العدوان يمكن أن تدرج في النظام الأساسي للمحكمة.
الفقرتان / 1 و / 2 من قرار جمعية الدول الأطراف بشأن مواصلة العمل المتعلق بجريمة العدوان الذي اتخذته في جلستها العامة الثالثة المعقودة في 9 / سبتمبر /2002 بتوافق الآراء ، الوثيقة ICC-ASP/1/Res1 . وتواصل عمل الفريق العامل المعني بجريمة العدوان بتقديم تقاريره إلى دورات الجمعية ، وبعد التشاور في نطاق الجمعية ، أقامه اجتماع في (معهد ليختنشتاين) المختص بتقرير المصير من 21/ إلى 23/جويلية /2004 و أرسلت الدعوات للمشاركة في هذا الاجتماع إلى جميع الدول التي وقعت على الوثيقة الختامية لمؤتمر روما ، وكذلك إلى بعض ممثلي المجتمع المدني. و أعرب الفريق العامل عن أمله في أن تتخذ الجمعية التدابير اللازمة لعقد اجتماعات أخرى من هذا القبيل تسهم في تعزيز بلوغ المجتمع الدولي لتعريف وتطوير مفهوم جريمة العدوان . راجع مذكرة أمانة الجمعية، 13/أوت/2004، المقدمة إلى الدورة الثالثة للجمعية 6ـ 10 /سبتمبر/2004 ، الوثيقة ICC-ASP/3/SWGCA/INF.1 .

الخاصية الرابعة الجوهرية الواردة في تعريف المحكمة الدولية الجنائية الوارد ذكره في ميثاق روما هو مبدأ التكامل Complementary فاختصاص المحكمة الدولية الجنائية اختصاص مكمل لاختصاص القضاء الجنائي الوطني ، حيث إن ميثاق روما ينطوي على دعوة الدول الأطراف إلى المبادرة بالتحقيق في أي وقائع تشكل جرائم على وفق نصوص الميثاق ، بواسطة السلطات الوطنية المختصة طبقاً للقوانين الداخلية ، باحتساب أن هذا الموقف يشكل خط الدفاع الأول للتعامل مع الجرائم الداخلة في اختصاص المحكمة . أما في حالة عجز السلطات الوطنية عن الاضطلاع بتلك المهمة لسبب أو لآخر ـ كأن تكون غير مختصة أو غير قادرة ـ فان الاختصاص ينعقد للمحكمة الدولية الجنائية ، ومن ثم يمكن القول بان دور المحكمة هو دور مكمل لدور القضاء الوطني وهو ما يتحقق به مبدأ الاختصاص التكميلي أو ما يطلق عليه مبدأ التكامل بين المحكمة الدولية الجنائية و القضاء الوطني.
نصت الفقرة / 10 من ديباجة النظام الأساسي للمحكمة على ( … أن المحكمة الدولية الجنائية المنشأة بموجب هذا النظام الأساسي ستكون مكملة للاختصاصات القضائية الجنائية الوطنية).
إن القضاء الجنائي الوطني هو صاحب الاختصاص الأول و إن القضاء الدولي الجنائي هو التالي و المكمل له وذلك على عكس ما كان الحال في المحكمة الدولية الجنائية ليوغسلافيا السابقة ICTY و رواندا ICTR حيث أن هاتين المحكمتين لهما اختصاص ” متلازم و متزامن ” مشترك مع الولاية القضائية للمحاكم الوطنية، أي اختصاص أولي بحيث يحق لأي من المحكمتين أن تطلب من المحاكم الوطنية في أي وقت أن تذعن لولايتها والسبب في ذلك راجع إلى أن هاتين المحكمتين قد أنشئتا بموجب قرارات صادرة من مجلس الأمن تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.

وفي تعريف دقيق لمبدأ التكامل الذي انفردت به المحكمة الدولية الجنائية انه ( تلك الصياغة التوفيقية التي تبنتها الجماعة الدولية لتكون بمثابة نقطة الارتكاز لحث الدول على محاكمة المتهمين بارتكاب اشد الجرائم جسامة، على أن تكمل المحكمة الدولية الجنائية هذا النطاق من الاختصاص في حالة عدم قدرة القضاء الوطني عن إجراء هذه المحاكمة بسبب عدم اختصاصه أو فشله في ذلك لانهيار بنيانه الإداري، أو عدم إظهار الجدية لتقديم المتهمين للمحكمة).
أن مفهوم مبدأ التكامل يعد مبدأ أساسياً في ميثاق روما ، إلا أن المسألة الأكثر صعوبة المطروحة في صدد مبدأ التكامل هي ، عدم وجود قائمة محدد أو آلية عن تقييم المحكمة الدولية الجنائية لحسن نية القضاء الداخلي عند تطرقه إلى مسألة متعلقة بالقانون الدولي الجنائي؛ علاوة على ذلك، أن صياغة المادة /17 من ميثاق روما تتعامل مع قضايا إدارية في ضوء مبدأ التكامل، والتي تمكن الدول الأطراف في المحكمة، على أكثر الاحتمال، في البحث عن الاحتفاظ بسلطتها للقضاء الداخلي، الذي يكون ضمن سلطان المحكمة الدولية الجنائية.

مكانة جريمة العدوان بين باق الجرائم التي تدخل في اختصاص المحكمة الجنائية الدولية.
بالرغم من أن المادة05 فقرة 1 من النظام الأساسي للمحكمة قد شمل جريمة العدوان بنصها على أن:”يقتصر اختصاص المحكمة على أشد الجرائم خطورة موضع اهتمام المجتمع الدولي بأسره”، وللمحكمة بموجب هذا النظام اختصاص النظر في الجرائم التالية…..جريمة العدوان، متى أعتمد حكم بذلك طبقا للمادتين 121و123 من ذات النظام، يعرف جريمة العدوان ويضع الشروط التي بموجبها تمارس المحكمة اختصاصها فيما يتعلق بهذه الجريمة، ويجب أن يكون هذا الحكم متسقا مع الأحكام ذات الصلة من ميثاق الأمم المتحدة”.
تم تقييد اختصاص المحكمة الجنائية بمحاكمة مرتكبي هذه الجريمة، إلى غاية اعتماد حكم بهذا الشأن، حسب قواعد التعديلات التي يمكن أن تجرى على النظام الأساسي للمحكمة وهذا ما تم الاتفاق عليه من طرف فريق عمل مخصص معني بجريمة العدوان المنشئ من طرف جمعية الدول الأطراف للمحكمة، فقد تركزت مناقشات وأعمال هذا الفريق على عنصرين أساسين وهما شروط ممارسة المحكمة الجنائية الدولية لصلاحياتها القضائية على هذه الجريمة، مع الإشارة إلى دور مجلس الأمن في تحديد ما هو فعل العدوان قبل أن تمارس المحكمة لسلطتها القضائية بنظر جريمة العدوان؛ لم يكن إقرار اختصاص المحكمة الجنائية الدولية بنظر جريمة العدوان أمرا محلا للاتفاق بين الدول بل أثار جدلا ونقاشا قانونيا واسع النطاق، سواء خلال الفترة التي سبقت انعقاد مؤتمر روما أو خلاله، وحتى الفترة التي تليه. وحتى الآن لا يزال العدوان هو المعضلة الأبرز التي لم يتم التوصل إلى اتفاق بشأنها خاصة بعد تأخير تعريف هذه الجريمة وتحديد شروطها وإمكانية ممارسة المحكمة لاختصاصها إزاءها، بالرغم من إدراجها في آخر لحظة في النظام الأساسي للمحكمة.
أدخل المؤتمر الاستعراضي المنعقد في كامبالا للفترة من 31 ماي إلى 11 جوان 2010 تعديلا جوهريا على جريمة العدوان، ليشمل وضع تعريف دقيق لها وتحديد إمكانية ممارسة المحكمة لاختصاصها فيما يتعلق بهذه الجريمة ومن أهم النتائج الأخرى المتوصل إليها هي التعديلات المتعلقة بأركان الجرائم ،وخاصة جريمة العدوان في نص المادة 8 مكرر، وبعض التفاهمات الأخرى المتعلقة بالاختصاص الزمني والمحلي للمحكمة بشأن هذه الجريمة؛ مع التأكيد على أنه يجب أن لا تفسر هذه التعديلات على نحو يخالف قواعد القانون الدولي العام، أو تتنافى مع أغراض النظام الأساسي للمحكمة؛
تعريف جريمة العدوان
تم حذف الفقرة 2 من المادة 5 من النظام الأساسي للمحكمة، وإدراج نص المادة 8 مكرر بعد المادة 8 من النظام الأساسي للمحكمة.
حددت الدول الأطراف في المؤتمر الاستعراضي في المادة 8 مكرر تعريفا دقيقا للعدوان، استنادا إلى قرار الجمعية العامة رقم 3314 وذلك حسب الآتي بيانه:
1/لأغراض هذا النظام الأساسي، تعني جريمة العدوان قيام شخص ما، له وضع يمكنه فعلا من التحكم في العمل السياسي أو العسكري للدولة أو من توجيه هذا العمل، بتخطيط أو إعداد أو بدأ أو تنفيذ عمل عدواني يشكل، بحكم طابعه وخطورته و نطاقه، انتهاكا واضحا لميثاق الأمم المتحدة.
2/ لأغراض الفقرة 1، يعني”العمل العدواني” استعمال القوة المسلحة من جانب دولة ما ضد سيادة دولة أخرى أو سلامتها الإقليمية أو استقلالها السياسي، أو بأي طريقة أخرى تتعارض مع ميثاق الأمم المتحدة. وتنطبق صفة العمل العدواني على أي عمل من الأعمال التالية، سواء بإعلان حرب أو بدونه.
أ– قيام القوات المسلحة لدولة ما بالغزو أو الهجوم على إقليم دولة أخرى أو الاحتلال العسكري لو كان مؤقتا، أو ضم لإقليم دولة أخرى أو لجزء منه باستعمال القوة .
ب– قيام القوات المسلحة لدولة ما بقصف إقليم دولة أخرى بالقنابل، أو استعمال أية أسلحة.
ج– ضرب حصار على موانئ دولة أو سواحلها من جانب القوات المسلحة لدولة أخرى.
د– قيام القوات المسلحة لدولة ما بمهاجمة القوات المسلحة البرية أو البحرية أو الجوية أو الأسطولين البحري والجوي لدولة أخرى.
ه– قيام دولة ما باستعمال قواتها المسلحة الموجودة داخل إقليم دولة أخرى بموافقة الدولة المضيفة، على وجه يتعارض مع الشروط التي ينصص عليها الاتفاق، أو أي تهديد لوجودها في الإقليم المذكور إلى ما بعد نهاية الاتفاق .
و– سماح دولة ما وضعت إقليمها تحت تصرف دولة أخرى بأن تستخدمه هذه الدولة الأخرى لارتكاب عمل عدواني ضد دولة ثالثة.
ز– إرسال عصابات أو جماعات مسلحة أو قوات غير نظامية أو مرتزقة من جانب دولة ما أو باسمها تقوم ضد دولة أخرى بأعمال القوة المسلحة، أو الاشتراك في ذلك.

ملحق بأهم المواد الخاصة بالجرائم الدولية
و المسؤولية المتضمنة بالنظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.
المــادة (5)
الجرائم التي تدخل في اختصاص المحكمة
1- يقتصر اختصاص المحكمة على أشد الجرائم خطورة موضع اهتمام المجتمع الدولي بأسره, وللمحكمة بموجب هذا النظام الأساسي اختصاص النظر في الجرائم التالية:
أ ) جريمة الإبادة الجماعية.
ب) الجرائم ضد الإنسانية.
ج ) جرائم الحرب.
د ) جريمة العدوان.

المــادة (6)
الإبادة الجماعية
لغرض هذا النظام الأساسي تعني ” الإبادة الجماعية ” أي فعل من الأفعال التالية يرتكب بقصد إهلاك جماعة قومية أو أثنية أو عرقية أو دينية بصفتها هذه, إهلاكاً كلياً أو جزئياً:-
أ ) قتل أفراد الجماعة.
ب) إلحاق ضرر جسدي أو عقلي جسيم بأفراد الجماعة.
ج ) إخضاع الجماعة عمداً لأحوال معيشية يقصد بها إهلاكها الفعلي كلياً أو جزئياً.
د ) فرض تدابير تستهدف منع الإنجاب داخل الجماعة.
هـ) نقل أطفال الجماعة عنوة إلى جماعة أخري.
المــادة (7)
الجرائم ضد الإنسانية
1- لغرض هذا النظام الأساسي , يشكل أي فعل من الأفعال التالية ” جريمة ضد الإنسانية ” متى ارتكب في إطار هجوم واسع النطاق أو منهجي موجه ضد أية مجموعة من السكان المدنيين , وعن علم بالهجوم :
أ ) القتل العمد.
ب‌) الإبادة.
ج ) الاسترقاق.
د ) إبعاد السكان أو النقل القسري للسكان.
هـ) السجن أو الحرمان الشديد على أي نحو آخر من الحرية البدنية بما يخالف القواعد الأساسية للقانون الدولي.
و ) التعذيب.
ز ) الاغتصاب أو الاستعباد الجنسي أو الإكراه على البغاء, أو الحمل القسري، أو التعقيم القسري أو أي شكل آخر من أشكال العنف الجنسي على مثل هذه الدرجة من الخطورة.
ح‌) اضطهاد أية جماعة محددة أو مجموع محدد من السكان لأسباب سياسية أو عرفية أو قومية أو أثنية أو ثقافية أو دينية, أو متعلقة بنوع الجنس على النحو المعرف في الفقرة 3 , أو لأسباب أخرى من المسلم عالمياً بأن القانون الدولي لا يجيزها , وذلك فيما يتصل بأي فعل مشار إليه في هذه الفقرة أو أية جريمة تدخل في اختصاص المحكمة.
ط‌) الاختفاء القسري للأشخاص.
ي‌) جريمة الفصل العنصري.
ك) الأفعال اللاإنسانية الأخرى ذات الطابع المماثل التي تتسبب عمداً في معاناة شديدة أو في أذى خطير يلحق بالجسم أو بالصحة العقلية أو البدنية.
2- لغرض الفقرة 1 :
أ ) تعني عبارة ” هجوم موجه ضد أية مجموعة من السكان المدنيين ” نهجاً سلوكياً يتضمن الارتكاب المتكرر للأفعال المشار إليها في الفقرة 1 ضد أية مجموعة من السكان المدنيين , عملاً بسياسة دولة أو منظمة تقضي بارتكاب هذا الهجوم , أو تعزيزاً لهذه السياسة.
ب) تشمل ” الإبادة ” تعمد فرض أحوال معيشية, من بينها الحرمان من الحصول على الطعام والدواء, بقصد إهلاك جزء من السكان.
ج ) يعني ” الاسترقاق ” ممارسة أي من السلطات المترتبة على حق الملكية, أو هذه السلطات جميعها, على شخص ما, بما في ذلك ممارسة هذه السلطات في سبيل الاتجار بالأشخاص , ولا سيما النساء والأطفال.
د ) يعني ” إبعاد السكان أو النقل القسري للسكان ” نقل الأشخاص المعنيين قسراً من المنطقة التي يوجدون فيها بصفة مشروعة, بالطرد أو بأي فعل قسري آخر , دون مبررات يسمح بها القانون الدولي.
هـ) يعني ” التعذيب ” تعمد إلحاق ألم شديد أو معاناة شديدة، سواء بدنياً أو عقلياً، بشخص موجود تحت إشراف المتهم أو سيطرته , ولكن لا يشمل التعذيب أي ألم أو معاناة ينجمان فحسب عن عقوبات قانونية أو يكونان جزءاً منها أو نتيجة لها.
و ) يعني ” الحمل القسري ” إكراه المرأة على الحمل قسراً وعلى الولادة غير المشروعة بقصد التأثير على التكوين العرقي لأية مجموعة من السكان أو ارتكاب انتهاكات خطيرة أخرى للقانون الدولي . ولا يجوز بأي حال تفسير هذا التعريف على نحو يمس القوانين الوطنية المتعلقة بالحمل.
ز ) يعني ” الاضطهاد ” حرمان جماعة من السكان أو مجموع السكان حرماناً متعمداً وشديداً من الحقوق الأساسية بما يخالف القانون الدولي, وذلك بسبب هوية الجماعة أو المجموع.
ح‌) تعني ” جريمة الفصل العنصري ” أية أفعال لا إنسانية تماثل في طابعها الأفعال المشار إليها في الفقرة 1 وترتكب في سياق نظام مؤسسي قوامه الاضطهاد المنهجي والسيطرة المنهجية من جانب جماعة عرقية واحدة إزاء أية جماعة أو جماعات عرقية أخرى, وترتكب بنية الإبقاء على ذلك النظام .
(ط)يعني ” الاختفاء القسري للأشخاص ” إلقاء القبض على أي أشخاص أو احتجازهم أو اختطافهم من قبل دولة أو منظمة سياسية , أو بإذن أو دعم منها لهذا الفعل أو بسكوتها عليه , ثم رفضها الإقرار بحرمان هؤلاء الأشخاص من حريتهم أو إعطاء معلومات عن مصيرهم أو عن أماكن وجودهم بهدف حرمانهم من حماية القانون لفترة زمنية طويلة.
3- لغرض هذا النظام الأساسي، من المفهوم أن تعبير ” نوع الجنس ” يشير إلى الجنسين، الذكر الأنثى, في إطار المجتمع , ولا يشير تعبير ” نوع الجنس ” إلى أي معني آخر يخالف ذلك.
المــادة (8)
جرائم الحرب
1-يكون للمحكمة اختصاص فيما يتعلق بجرائم الحرب, ولاسيما عندما ترتكب في إطار خطة أو سياسة عامة أو في إطار عملية ارتكاب واسعة النطاق لهذه الجرائم.
2-لغرض هذا النظام الأساسي تعني ” جرائم الحرب ” :-
أ ) الانتهاكات الجسيمة لاتفاقيات جنيف المؤرخة 12 آب / أغسطس 1949، أي أي فعل من الأفعال التالية ضد الأشخاص , أو الممتلكات الذين تحميهم أحكام اتفاقية جنيف ذات الصلة :
1 ” القتل العمد.
2 ” التعذيب أو المعاملة اللاإنسانية , بما في ذلك إجراء تجارب بيولوجية.
3 ” تعمد إحداث معاناة شديدة أو إلحاق أذى خطير بالجسم أو بالصحة.
4 ” إلحاق تدمير واسع النطاق بالممتلكات والاستيلاء عليها دون أن تكون هناك ضرورة عسكرية تبرر ذلك وبالمخالفة للقانون وبطريقة عابثة.
5 ” إرغام أي أسير حرب أو أي شخ ص آخر مشمول بالحماية على الخدمة في صفوف قوات دولة معادية.
6 ” تعمد حرمان أي أسير حرب أو أي شخص آخر مشمول بالحماية من حقه في أن يحاكم محاكمة عادلة ونظامية.
7 ” الإبعاد أو النقل غير المشروعين أو الحبس غير المشروع.
8 ” أخذ رهائن.
ب‌) الانتهاكات الخطيرة الأخرى للقوانين والأعراف السارية على المنازعات الدولية المسلحة في النطاق الثابت للقانون الدولي , أي أي فعل من الأفعال التالية :-
1 ” تعمد توجيه هجمات ضد السكان المدنيين بصفتهم هذه أو ضد أفراد مدنيين لا يشاركون مباشرة في الأعمال الحربية.
2 ” تعمد توجيه هجمات ضد مواقع مدنية، أي المواقع التي لا تشكل أهدافاً عسكرية.
3 ” تعمد شن هجمات ضد موظفين مستخدمين أو منشآت أو مواد أو وحدات أو مركبات مستخدمة في مهمة من مهام المساعدة الإنسانية أو حفظ السلام عملاً بميثاق الأمم المتحدة ماداموا يستخدمون الحماية التي توفر للمدنيين أو للمواقع المدنية بموجب قانون المنازعات المسلحة.
4 ” تعمد شن هجوم مع العلم بأن هذا الهجوم سيسفر عن خسائر تبعية في الأرواح أو عن إصابات بين المدنيين أو عن إلحاق أضرار مدنية أو إحداث ضرر واسع النطاق وطويل الأجل وشديد للبيئة الطبيعية يكون إفراطه واضحاً بالقياس إلى مجمل المكاسب العسكرية المتوقعة الملموسة المباشرة.
5 ” مهاجمة أو قصف المدن أو القرى أو المساكن أو المباني العزل التي لا تكون أهدافاً عسكرية بأية وسيلة كانت.
6 ” قتل أو جرح مقاتل استسلم مختاراً، يكون قد ألقى سلاحه أو لم تعد لديه وسيلة للدفاع.
7 ” إساءة استعمال علم الهدنة أو علم العدو أو شارته العسكرية وزيه العسكري أو علم الأمم المتحدة أو شاراتها وأزيائها العسكرية , وكذلك الشعارات المميزة لاتفاقيات جنيف مما يسفر عن موت الأفراد أو إلحاق إصابات بالغة بهم.
8 ” قيام دولة الاحتلال على نحو مباشر أو غير مباشر , بنقل أجزاء من سكانها المدنيين إلى الأرض التي تحتلها , أو أبعاد أو نقل كل سكان الأرض المحتلة أو أجزاء منهم داخل هذه الأرض أو خارجها.
9 ” تعمد توجيه هجمات ضد المباني المخصصة للأغراض الدينية أو التعليمية أو الفنية أو العلمية أو الخيرية، والآثار التاريخية، والمستشفيات وأماكن تجمع المرضى والجرحى شريطة ألا تكون أهدافاً عسكرية.
10 ” إخضاع الأشخاص الموجودين تحت سلطة طرف معاد للتشويه البدني أو لأي نوع من التجارب الطبية أو العلمية التي لا تبررها المعالجة الطبية أو معالجة الأسنان أو المعالجة في المستشفي للشخص المعني والتي لاتجر لصالحه وتتسبب في وفاة ذلك الشخص أو أولئك الأشخاص أو في تعريض صحتهم لخطر شديد.
11 ” قتل أفراد منتمين إلى دولة معادية أو جيش معاد أو إصابتهم غدراً.
12 ” إعلان أنه لن يبقى أحد على قيد الحياة.
13 ” تدمير ممتلكات العدو أو الاستيلاء عليها ما لم يكن هذا التدمير أو الاستيلاء مما تحتمه ضرورات الحرب.
14 ” إعلان أن حقوق ودعاوى رعايا الطرف المعادي ملغاة أو معلقة أو لن تكون مقبولة في أية محكمة.
15 ” إجبار رعايا الطرف المعادي على الاشتراك في عمليات حربية موجهة ضد بلدهم حتى وإن كانوا قبل نشوب الحرب في خدمة الدولة المحاربة.
16 ” نهب أي بلدة أو مكان حتى وإن تم الاستيلاء عليه عنوة.
17 ” استخدام السموم أو الأسلحة المسممة.
18 ” استخدام الغازات الخانقة أو السامة أو غيرها من الغازات وجميع ما في حكمها من السوائل أو المواد أو الأجهزة.
19 ” استخدام الرصاصات التي تتمدد أو تتسطح بسهولة في الجسم البشري مثل الرصاصات ذات الأغلفة الصلبة التي لا تغطي كامل جسم الرصاصة أو الرصاصات المحززة الغلاف.
20 ” استخدام أسلحة أو قذائف أو مواد أو أساليب حربية تسبب بطبيعتها أضراراً زائدة أو آلاماً لا لزوم لها , أو تكون عشوائية بطبيعتها بالمخالفة للقانون الدولي للمنازعات المسلحة, بشرط أن تكون هذه الأسلحة والقذائف والمواد والأساليب الحربية موضع حظر شامل وأن تدرج في مرفق لهذا النظام الأساسي , عن طريق تعديل يتفق والأحكام ذات الصلة الواردة في المادتين 121 , 123.
21 ” الاعتداء على كرامة الشخص وبخاصة المعاملة المهينة والحاطة بالكرامة.
22 ” الاغتصاب أو الاستعباد الجنسي أو الإكراه على البغاء أو الحمل القسري على النحو المعرف في الفقرة 2 (و) من المادة 7 , أو التعقيم القسري , أو أي شكل آخر من أشكال العنف الجنسي يش كل أيضاً انتهاكاً خطيراً لاتفاقيات جنيف.
23 ” استغلال وجود شخص مدني أو أشخاص آخرين متمتعين بحماية لإضفاء الحصانة من العمليات العسكرية على نقاط أو مناطق أو وحدات عسكرية معينة.
24 ” تعمد توجيه هجمات ضد المباني والمواد والوحدات الطبية ووسائل النقل والأفراد من مستعملي الشعارات المميزة المبينة في اتفاقيات جنيف طبقاً للقانون الدولي.
25 ” تعمد تجويع المدنيين كأسلوب من أساليب الحرب بحرمانهم من المواد التي لا غنى عنها لبقائهم , بما في ذلك تعمد عرقلة الإمدادات الغوثية على النحو المنصوص عليه في اتفاقيات جنيف.
26 ” تجنيد الأطفال دون الخامسة عشرة من العمر إلزامياً أو طوعياً في القوات المسلحة أو استخدامهم للمشاركة فعلياً في الأعمال الحربية.
ج ) في حالة وقوع نزاع مسلح غير ذي طابع دولي , الانتهاكات الجسيمة للمادة 2 المشتركة بين اتفاقيات جنيف الأربع المؤرخة في 12 آب/ أغسطس 1949 , وهي أي من الأفعال التالية المرتكبة ضد أشخاص غير مشتركين اشتراكاً فعلياً في الأعمال الحربية , بما في ذلك أفراد القوات المسلحة الذين ألقوا سلاحهم وأولئك الذين أصبحوا عاجزين عن القتال بسبب المرض أو الإصابة أو الاحتجاز أو لأي سبب آخر :-
1 ” استعمال العنف ضد الحياة و الأشخاص، وبخاصة القتل بجميع أنواعه و التشويه، والمعاملة القاسية والتعذيب.
2 ” الاعتداء على كرامة الشخص , وبخاصة المعاملة المهينة و الحاطة بالكرامة.
3 ” أخذ الرهائن.
4 ” إصدار أحكام وتنفيذ إعدامات دون وجود حكم سابق صادر عن محكمة مشكلة تشكيلاً نظامياً تكفل جميع الضمانات القضائية المعترف عموماً بأنه لا غنى عنها.
د ) تنطبق الفقرة 2 (ج) على المنازعات المسلحة غير ذات الطابع الدولي وبالتالي فهي لا تنطبق على حالات الاضطرابات والتوترات الداخلية مثل أعمال الشغب أو أعمال العنف المنفردة أو المتقطعة وغيرها من الأعمال ذات الطبيعة المماثلة.
هـ) الانتهاكات الخطيرة الأخرى للقوانين والأعراف السارية على المنازعات المسلحة غير ذات الطابع الدولي، في النطاق الثابت للقانون الدولي، أي أي من الأفعال التالية:
1 ” تعمد توجيه هجمات ضد السكان المدنيين بصفتهم هذه أو ضد أفراد مدنيي ن لا يشاركون مباشرة في الأعمال الحربية.
2 ” تعمد توجيه هجمات ضد المباني والمواد والوحدات الطبية ووسائل النقل والأفراد من مستعملي الشعارات المميزة المبينة في اتفاقيات جنيف طبقاً للقانون الدولي.
3 ” تعمد شن هجمات ضد موظفين مستخدمين أو منشآت أو مواد أو وحدات أو مركبات مستخدمة في مهمة من مهام المساعدة الإنسانية أو حفظ السلام عملاً بميثاق الأمم المتحدة ماداموا يستحقون الحماية التي توفر للمدنيين أو للمواقع المدنية بموجب القانون الدولي للمنازعات المسلحة.
4 ” تعمد توجيه هجمات ضد المباني المخصصة للأغراض الدينية أو التعليمية أو الفنية أو العلمية أو الخيرية، والآثار التاريخية، والمستشفيات، و أماكن تجمع المرضى والجرحى، شريطة ألا تكون أهدافاً عسكرية.
5 ” نهب أي بلدة أو مكان حتى وإن تم الاستيلاء عليه عنوة.
6 ” الاغتصاب أو الاستعباد الجنسي أو الإكراه على البغاء أو الحمل القسري على النحو المعرف في الفقرة 2 (و) من المادة 7 أو التعقيم القسري، أو أي شكل آخر من أشكال العنف الجنسي يشكل أيضاً انتهاكاً خطيراً للمادة 3 المشتركة بين اتفاقيات جنيف الأربع.
7 ” تجنيد الأطفال دون الخامسة عشرة من العمر إلزامياً أو طوعياً في القوات المسلحة أو في جماعات مسلحة أو استخدامهم للمشاركة فعلياً في الأعمال الحربية.
8 ” إصدار أوامر بتشريد السكان المدنيين لأسباب تتصل بالنزاع, ما لم يكن ذلك بداع من أمن المدنيين المعنيين أو لأسباب عسكرية ملحة.
9 ” قتل أحد المقاتلين من العدو أو إصابته غدراً.
10 ” إعلان أنه لن يبقى أحد على قيد الحياة.
11 ” إخضاع الأشخاص الموجودين تحت سلطة طرف آخر في النزاع للتشويه البدني أو لأي نوع من التجارب الطبية أو العلمية التي لا تبررها المعالجة الطبية أو معالجة الأسنان أو المعالجة في المستشفى للشخص المعني والتي لا تجري لصالحه وتتسبب في وفاة ذلك الشخص أو أولئك الأشخاص أو في تعريض صحتهم لخطر شديد.
12 ” تدمير ممتلكات العدو أو الاستيلاء عليها ما لم يكن هذا التدمير أو الاستيلاء مما تحتمه ضرورات الحرب.
و ) تنطبق الفقرة 2 ( هـ ) علي المنازعات المسلحة غير ذات الطابع الدولي وبالتالي فهي لا تنطبق على حالات الاضطرابات والتوترات الداخلية, مثل أعمال الشغب أو أعمال العنف المنفردة أو المتقطعة أو غيرها من الأعمال ذات الطبيعة المماثلة, وتنطبق على المنازعات المسلحة التي تقع في إقليم دولة عندما يوجد صراع مسلح متطاول الأجل بين السلطات الحكومية وجماعات مسلحة منظمة أو فيما بين هذه الجماعات.
ليس في الفقرتين 2 (ج) و (د) ما يؤثر على مسئولية الحكومة عن حفظ أو إقرار القانون والنظام في الدولة أو عن الدفاع عن وحدة الدولة وسلامتها الإقليمية, بجميع الوسائل المشروعة.
المادة 8 مكرر.
جريمة العــــدوان

1- لأغراض هذا النظام الأساسي، تعني “جريمة العدوان” قيام شخص ما، له وضع يمكنه فعلا من التحكم في العمل السياسي أو العسكري للدولة أو من توجيه هذا العمل، بتخطيط أو إعداد أو بدء أو تنفيذ فعل عدواني يشكل، بحكم طابعه وخطورته ونطاقه، انتهاكا واضحا لميثاق الأمم المتحدة.

2- لأغراض الفقرة 1، يعني “فعل العدوان” استعمال القوة المسلحة من جانب دولة ما ضد سيادة دولة أخرى أو سلامتها الإقليمية أو استقلالها السياسي، أو بأي طريقة أخرى تتعارض مع ميثاق الأمم المتحدة، وتنطبق صفة فعل العدوان على أي فعل من الأفعال التالية، سواء بإعلان حرب أو بدونه، وذلك: وفقًا لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 3314(XXIX) المؤرخ في 14 كانون الأول/ديسمبر 1947 الذي عصف جريمة العدوان بأنها:

أ) قيام القوات المسلحة لدولة ما بغزو إقليم دولة أخرى أو الهجوم عليه، أو أي احتلال عسكري، ولو كان مؤقتا، ينجم عن مثل هذا الغزو أو الهجوم، أو أي ضم لإقليم دولة أخرى أو لجزء منه باستعمال القوة؛
ب) قيام القوات المسلحة لدولة ما بقصف إقليم دولة أخرى بالقنابل، أو استعمال دولة ما أية أسلحة ضد إقليم دولة أخرى؛
ج) ضرب حصار على موانئ دولة ما أو على سواحلها من جانب القوات المسلحة لدولة أخرى؛
د) قيام القوات المسلحة لدولة ما بمهاجمة القوات المسلحة البرية أو البحرية أو الجوية أو الأسطولين البحري والجوي لدولة أخرى؛
ه) قيام دولة ما باستعمال قواتها المسلحة الموجودة داخل إقليم دولة أخرى بموافقة الدولة المضيفة، على وجه يتعارض مع الشروط التي ينصص عليها الاتفاق، أو أي تمديد لوجودها في الإقليم المذكور إلى ما بعد نهاية الاتفاق؛
و) سماح دولة ما وضعت إقليمها تحت تصرف دولة أخرى بأن تستخدمه هذه الدولة الأخرى لارتكاب عمل عدواني ضد دولة ثالثة؛
ز) إرسال عصابات أو جماعات مسلحة أو قوات غير نظامية أو مرتزقة من جانب دولة ما أو باسمها تقوم ضد دولة أخرى بأعمال من أعمال القوة المسلحة تكون من الخطورة بحيث تعادل الأعمال المعددة أعلاه، أو اشتراك الدولة بدور ملموس في ذلك.

المــادة (9)
أركان الجرائم
1- تستعين المحكمة بأركان الجرائم في تفسير وتطبيق المواد 6 و 7 و 8، وتعتمد هذه الأركان بأغلبية ثلثي أعضاء جمعية الدول الأطراف.
2- يجوز اقتراح تعديلات على أركان الجرائم من جانب:
أ ) أية دولة طرف.
ب‌) القضاة, بأغلبية مطلقة.
ج ) المدعي العام.
وتعتمد هذه التعديلات بأغلبية ثلثي أعضاء جمعية الدول الأطراف.
3- تكون أركان الجرائم والتعديلات المدخلة عليها متسقة مع هذا النظام الأساسي.

المــادة (10)
ليس في هذا الباب ما يفسر على أنه يقيد أو يمس بأي شكل من الأشكال قواعد القانون الدولي القائمة أو المتطورة المتعلقة بأغراض أخرى غير هذا النظام الأساسي.

المــادة (11)
الاختصاص الزمني
1- ليس للمحكمة اختصاص إلا فيما يتعلق بالجرائم التي ترتكب بعد بدء نفاذ هذا النظام الأساسي
2- إذا أصبحت دولة من الدول طرفاً في هذا النظام الأساسي بعد بدء نفاذه, لا يجوز للمحكمة أن تمارس اختصاصها إلا فيما يتعلق بالجرائم التي ترتكب بعد بدء نفاذ هذا النظام بالنسبة لتلك الدولة, ما لم تكن الدولة قد أصدرت إعلاناً بموجب الفقرة 3 من المادة 12.
المــادة (12)
الشروط المسبقة لممارسة الاختصاص
1- الدولة التي تصبح طرفاً في هذا النظام الأساسي تقبل بذلك اختصاص المحكمة فيما يتعلق بالجرائم المشار إليها في المادة 5.
2- في حالة الفقرة (أ) أو (ج) من المادة 13 , يجوز للمحكمة أن تمارس اختصاصها إذا كانت واحدة أو أكثر من الدول التالية طرفاً في هذا النظام الأساسي أو قبلت باختصاص المحكمة وفقاً للفقرة 3 :-
أ ) الدولة التي وقع في إقليمها السلوك قيد البحث أو دولة تسجيل السفينة أو الطائرة إذا كانت الجريمة قد ارتكبت على متن سفينة أو طائرة.
ب) الدولة التي يكون الشخص المتهم بالجريمة أحد رعاياها.
3- إذا كان قبول دولة غير طرف في هذا النظام الأساسي لازماً بموجب الفقرة 2 , جاز لتلك الدولة بموجب إعلان يودع لدى مسجل المحكمة , أن تقبل ممارسة المحكمة اختصاصها فيما يتعلق بالجريمة قيد البحث , وتتعاون الدولة القابلة مع المحكمة دون أي تأخير أو استثناء وفقاً للباب 9.

المــادة (13)
ممارسة الاختصاص
للمحكمة أن تمارس اختصاصها فيما يتعلق بجريمة مشار إليها في المادة 5 وفقاً لأحكام هذا النظام الأساسي في الأحوال التالية:
( أ ) إذا أحالت دولة طرف إلى المدعي العام وفقاً للمادة 14 حالة يبدو فيها أن جريمة أو أكثر من هذه الجرائم قد ارتكبت.
(ب) إذا أحال مجلس الأمن , متصرفاً بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة , حالة إلى المدعي العام يبدو فيها أن جريمة أو أكثر من هذه الجرائم قد ارتكبت.
( ج) إذا كان المدعي العام قد بدأ بمباشرة تحقيق فيما يتعلق بجريمة من هذه الجرائم وفقاً للمادة 15.

المــادة (22)
لا جريمة إلا بنص
1- لا يسأل الشخص جنائياً بموجب هذا النظام الأساسي ما لم يشكل السلوك المعني وقت وقوعه، جريمة تدخل في اختصاص المحكمة.
2- يؤول تعريف الجريمة تأويلاً دقيقاً ولا يجوز توسيع نطاقه عن طريق القياس, وفي حالة الغموض يفسر التعريف لصالح الشخص محل التحقيق أو المقاضاة أو الإدانة.
3- لا تؤثر هذه المادة على تكييف أي سلوك على أنه سلوك إجرامي بموجب القانون الدولي خارج إطار هذا النظام الأساسي.

المــادة (23)
لا عقوبة إلا بنص
لا يعاقب أي شخص أدانته المحكمة إلا وفقاً لهذا النظام الأساسي.

المــادة (24)
عدم رجعية الأثر على الأشخاص
1- لا يسأل الشخص جنائياً بموجب هذا النظام الأساسي عن سلوك سابق لبدء نفاذ النظام.
2- في حالة حدوث تغيير في القانون المعمول به في قضية معينة قبل صدور الحكم النهائي, يطبق القانون الأصلح للشخص محل التحقيق أو المقاضاة أو الإدانة.

المــادة (25)
المسئولية الجنائية الفردية
1- يكون للمحكمة اختصاص على الأشخاص الطبيعيين عملاً بهذا النظام الأساسي.
2- الشخص الذي يرتكب جريمة تدخل في اختصاص المحكمة يكون مسئولاً عنها بصفته الفردية و عرضة للعقاب وفقاً لهذا النظام الأساسي.
3- وفقاً لهذا النظام الأساسي , يسأل الشخص جنائياً ويكون عرضة للعقاب عن أية جريمة تدخل في اختصاص المحكمة في حال قيام هذا الشخص بما يلي :-
أ ) ارتكاب هذه الجريمة سواء بصفته الفردية أو بالاشتراك مع آخر أو عن طريق شخص آخر، بغض النظر عما إذا كان ذلك الآخر مسئولاً جنائياً.
ب‌) الأمر أو الإغراء بارتكاب , أو الحث على ارتكاب جريمة وقعت بالفعل أو شرع فيها.

ج ) تقديم العون أو التحريض أو المساعدة بأي شكل آخر لغرض تيسير ارتكاب هذه الجريمة أو الشروع في ارتكابها , بما في ذلك توفير وسائل ارتكابها.
د ) المساهمة بأية طريقة أخرى في قيام جماعة من الأشخاص , يعملون بقصد مشترك , بارتكاب هذه الجريمة أو الشروع في ارتكابها , على أن تكون هذه المساهمة متعمدة وأن تقدم:
ا ” إما بهدف تعزيز النشاط الإجرامي أو الغرض الإجرامي للجماعة، إذا كان هذا النشاط أو الغرض منطوياً على ارتكاب جريمة تدخل في اختصاص المحكمة.
2 ” أو مع العلم بنية ارتكاب الجريمة لدى هذه الجماعة.
هـ) فيما يتعلق بجريمة الإبادة الجماعية، التحريض المباشر والعلني على ارتكاب جريمة الإبادة الجماعية.
و ) الشروع في ارتكاب الجريمة عن طريق اتخاذ إجراء يبدأ به تنفيذ الجريمة بخطوة ملموسة , ولكن لم تقع الجريمة لظروف غير ذات صلة بنوايا الشخص , ومع ذلك , فالشخص الذي يكف عن بذل أي جهد لارتكاب الجريمة أو يحول بوسيلة أخرى دون إتمام الجريمة لا يكون عرضة للعقاب بموجب هذا النظام الأساسي على الشروع في ارتكاب الجريمة إذا هو تخلى تماماً وبمحض إرادته عن الغرض الإجرامي.
4- لا يؤثر أي حكم في هذا النظام الأساسي يتعلق بالمسئولية الجنائية الفردية في مسئولية الدول بموجب القانون الدولي.
المــادة (26)
لا اختصاص للمحكمة على الأشخاص أقل من 18 عاماً
لا يكون للمحكمة اختصاص على أي شخص يقل عمره عن 18 عاماً وقت ارتكاب الجريمة المنسوبة إليه.
المــادة (27)
عدم الاعتداد بالصفة الرسمية
1- يطبق هذا النظام الأساسي على جميع الأشخاص بصورة متساوية دون أي تمييز بسبب الصفة الرسمية, وبوجه خاص فإن الصفة الرسمية للشخص, سواء كان رئيساً لدولة أو حكومة أو عضواً في حكومة أو برلمان أو ممثلاً منتخباً أو موظفاً حكومياً, لا تعفيه بأي حال من الأحوال من المسئولية الجنائية بموجب هذا النظام الأساسي, كما أنها لا تشكل في حد ذاتها, سبباً لتخفيف العقوبة.
2- لا تحول الحصانات أو القواعد الإجرائية الخاصة التي قد ترتبط بالصفة الرسمية للشخص سواء كانت في إطار القانون الوطني أو الدولي, دون ممارسة المحكمة اختصاصها على هذا الشخص.

المــادة (28)
مسئولية القادة والرؤساء الآخرين
بالإضافة إلى ما هو منصوص عليه في هذا النظام الأساسي من أسباب أخرى للمسئولية الجنائية عن الجرائم التي تدخل في اختصاص المحكمة:
1- يكون القائد العسكري أو الشخص القائم فعلاً بأعمال القائد العسكري مسئولاً مسئولية جنائية عن الجرائم التي تدخل في اختصاص المحكمة والمرتكبة من جانب قوات تخضع لإمرته وسيطرته الفعليتين, أو تخضع لسلطته وسيطرته الفعليتين, حسب الحالة, نتيجة لعدم ممارسة القائد العسكري أو الشخص سيطرته على هذه القوات ممارسة سليمة.
أ ) إذا كان ذلك القائد العسكري أو الشخص قد علم , أو يفترض أن يكون قد علم , بسبب الظروف السائدة في ذلك الحين , بأن القوات ترتكب أو تكون على وشك ارتكاب هذه الجرائم.
ب) إذا لم يتخذ ذلك القائد العسكري أو الشخص جميع التدابير اللازمة والمعقولة في حدود سلطته لمنع أو قمع ارتكاب هذه الجرائم أو لعرض المسألة على السلطات المختصة للتحقيق والمقاضاة.
2- فيما يتصل بعلاقة الرئيس والمرؤوس غير الوارد وصفها في الفقرة 1 , يسأل الرئيس جنائياً عن الجرائم التي تدخل في اختصاص المحكمة والمرتكبة من جانب مرؤوسين يخضعون لسلطته وسيطرته الفعليتين نتيجة لعدم ممارسة سيطرته على هؤلاء المرؤوسين ممارسة سليمة.
أ ) إذا كان الرئيس قد علم أو تجاهل عن وعي أي معلومات تبين بوضوح أن مرؤوسيه يرتكبون أو على وشك أن يرتكبوا هذه الجرائم.
ب‌) إذا تعلقت الجرائم بأنشطة تندرج في إطار المسئولية والسيطرة الفعليتين للرئيس.
ج‌) إذا لم يتخذ الرئيس جميع التدابير اللازمة والمعقولة في حدود سلطته لمنع أو قمع ارتكاب هذه الجرائم أو لعرض المسألة على السلطات المختصة للتحقيق والمقاضاة.

المــادة (29)
عدم سقوط الجرائم بالتقادم
لا تسقط الجرائم التي تدخل في اختصاص المحكمة بالتقادم أياً كانت أحكامه.

المــادة (30)
الركن المعنوي
1- ما لم ينصص على غير ذلك لا يسأل الشخص جنائياً عن ارتكاب جريمة تدخل في اختصاص المحكمة ولا يكون عرضة للعقاب على هذه الجريمة إلا إذا تحققت الأركان المادية مع توافر القصد والعلم.
2- لأغراض هذه المادة يتوافر القصد لدى الشخص عندما:
أ ) يقصد هذا الشخص , فيما يتعلق بسلوكه , ارتكاب هذا السلوك.
ب‌) يقصد هذا الشخص , فيما يتعلق بالنتيجة , التسبب في تلك النتيجة أو يدرك أنها ستحدث في إطار المسار العادي للأحداث.
3- لأغراض هذه المادة تعني لفظة ” العلم ” أن يكون الشخص مدركاً أنه توجد ظروف أو ستحدث نتائج في المسار العادي للأحداث، وتفسر لفظتا ” يعلم ” أو ” عن علم ” تبعاً لذلك.

المــادة (31)
أسباب امتناع المسئولية الجنائية
1- بالإضافة إلى الأسباب الأخرى لامتناع المسئولية الجنائية المنصوص عليها في هذا النظام الأساسي لا يسأل الشخص جنائياً إذا كان وقت ارتكابه السلوك:
أ ) يعاني مرضاً أو قصوراً عقلياً يعدم قدرته على إدراك عدم مشروعية أو طبيعة سلوكه، أو قدرته على التحكم في سلوكه بما يتمشى مع مقتضيات القانون.
ب‌) في حالة سكر مما يعدم قدرته على إدراك عدم مشروعية أو طبيعة سلوكه أو قدرته على التحكم في سلوكه بما يتمشى مع مقتضيات القانون, ما لم يكن الشخص قد سكر باختياره في ظل ظروف كان يعلم فيها أنه يحتمل أن يصدر عنه نتيجة للسكر سلوك يشكل جريمة تدخل في اختصاص المحكمة أو تجاهل فيها هذا الاحتمال.
ج ) يتصرف على نحو معقول للدفاع عن نفسه أو عن شخص آخر أو يدافع في حالة جرائم الحرب عن ممتلكات لا غنى عنها لبقاء الشخص أو شخص آخر أو عن ممتلكات لا غنى عنها لإنجاز مهام عسكرية ضد استخدام وشيك وغير مشروع للقوة, وذلك بطريقة تتناسب مع درجة الخطر الذي يهدد هذا الشخص أو الشخص الآخر أو الممتلكات المقصود حمايتها, واشتراك الشخص في عملية دفاعية تقوم بها قوات لا يشكل في حد ذاته سبباً لامتناع المسئولية الجنائية بموجب هذه الفقرة الفرعية.
د ) إذا كان السلوك المدعى أنه يشكل جريمة تدخل في اختصاص المحكمة قد حدث تحت تأثير إكراه ناتج عن تهديد بالموت الوشيك أو بحدوث ضرر بدني جسيم مستمر أو وشيك ضد ذلك الشخص أو شخص آخر, وتصرف الشخص تصرفاً لازماً ومعقولاً لتجنب هذا التهديد, شريطة ألا يقصد الشخص أن يتسبب في ضرر أكبر من الضرر المراد تجنبه, ويكون ذلك التهديد:
1 ” صادراً عن أشخاص آخرين.
2 ” أو تشكل بفعل ظروف أخرى خارجة عن إرادة ذلك الشخص.
2- تبت المحكمة في مدى انطباق أسباب امتناع المسئولية الجنائية التي ينصص عليها هذا النظام الأساسي على الدعوى المعروضة عليها.
3- للمحكمة أن تنظر أثناء المحاكمة في أي سبب لامتناع المسئولية الجنائية بخلاف الأسباب المشار إليها في الفقرة 1 في الحالات التي يستمد فيها هذا السبب من القانون الواجب التطبيق على النحو المنصوص عليه في المادة 21, و ينصص في القواعد الإجرائية وقواعد الإثبات على الإجراءات المتعلقة بالنظر في هذا السبب.

المــادة (32)
الغلط في الوقائع أو الغلط في القانون
1- لا يشكل الغلط في الوقائع سبباً لامتناع المسئولية الجنائية إلا إذا نجم عنه انتفاء الركن المعنوي المطلوب لارتكاب الجريمة.
2- لا يشكل الغلط في القانون من حيث ما إذا كان نوع معين من أنواع السلوك يشكل جريمة تدخل في اختصاص المحكمة سبباً لامتناع المسئولية الجنائية, ويجوز, مع ذلك أن يكون الغلط في القانون
سبباً لامتناع المسئولية الجنائية إذا نجم عن هذا الغلط انتفاء الركن المعنوي المطلوب لارتكاب تلك الجريمة, أو كان الوضع على النحو المنصوص عليه في المادة 33.

المــادة (33)
أوامر الرؤساء ومقتضيات القانون
1- في حالة ارتكاب أي شخص لجريمة من الجرائم التي تدخل في اختصاص المحكمة, لا يعفى الشخص من المسئولية الجنائية إذا كان ارتكابه لتلك الجريمة قد تم امتثالاً لأمر حكومة أو رئيس, عسكرياً كان أو مدنياً, عدا في الحالات التالية:
أ ) إذا كان على الشخص التزام قانوني بإطاعة أوامر الحكومة أو الرئيس المعني.
ب‌) إذا لم يكن الشخص على علم بأن الأمر غير مشروع.
ج ) إذا لم تكن عدم مشروعية الأمر ظاهرة.
2- لأغراض هذه المادة تكون عدم المشروعية ظاهرة في حالة أوامر ارتكاب جريمة الإبادة الجماعية أو الجرائم ضد الإنسانية.

تكلم هذا المقال عن : بحث قانوني مفيد في القانون الجنائي الدولي