بحث عقد التأمين في الشريعة الإسلامية

في (ولاء الموالاة) في التشريع الإسلامي وقانون الميراث سنة 1943

للسيد الأستاذ أحمد طه السنوسي المحامي

1 – عرفت الشريعة الإسلامية نوعين مختلفين متميزين من الولاء، وهذا الأخير هو عبارة عن صلة تربط الشخص بسواه من الأشخاص، فتجعله بمنزلة القريب في بعض الأحكام وهو في الواقع ليس من الأقارب، ويرجع التميز في نوعي الولاء – والمقصود بهما ولاء العتق وولاء الموالاة – إلى السبب الذي ينشئ كلا منهما.
والولاء الأول وهو ولاء العتاقة، صورته أن يعتق الرجل عبدًا أو أمة له، فيترتب على ذلك أن يصبح العتيق منسوبًا إلى المعتق بالولاء، ومن أجل هذا أطلق على هذا الولاء (ولاء النعمة) وبمقتضاه يرث المعتق من العتيق دون العكس، وسواء في ذلك أحدث العتق من المعتق لوجه الله تعالى أم لوجه الحاكم أو السلطان، وسواء أعتقه سائبة أم شرط ألا ولاء عليه، كما أنه يستوي العتق بجعل أو بغير جعل أو بطريقة الكتابة [(1)]، ويتبين من ذلك أن ولاء العتاقة هذا أثر من آثار (الرق) وعلى الرغم من إلغاء هذا الأخير في مصر والعقاب عليه باعتباره جريمة منذ زمن بعيد إلا أن المشرع المصري في قانون الميراث الجديد (ق رقم (77) لسنة 1943) قد اعتبر ولاء العتاقة سببًا ثالثًا للإرث بعد الزوجية والقرابة [(2)]، وعبَّر عن هذا السبب الثالث بعبارة (العصوبة السببية).
2 – أما النوع الثاني من الولاء وهو ولاء الموالاة، فهو عقد بين عربي وأعجمي أسلم، بمقتضاه يلتزم العربي دفع الدية عن الأعجمي إذا أجرم هذا الأخير، ويرثه إذا توفي وليس له وارث قط، ومن المهم في بحثنا هذا أن نبين الفرق بين الولاءين من الناحية القانونية، لنميط اللثام عن ولاء الموالاة وخاصة والتعبير به تعبير مهجور فضلاً عن استبعاد المشرع المصري له، عكس الحال في ولاء العتاقة الذي اهتم به هذا المشرع في قانون الميراث وبين أحكامه في نصوصه، والتفرقة بين الولاءين تساعد على التكييف القانوني والشرعي لولاء الموالاة الذي هو حجر الزاوية في هذه الدراسة، وهي تتخلص في ثلاثة أمور:
الأول: أنه في ولاء العتاقة يرث الأعلى وهو مولى العتاقة من الأسفل وهو العتيق دون العكس، على حين أنه في ولاء الموالاة يكون التوريث على مقتضى الاتفاق بين الطرفين، وبناءً ذلك أن ولاء العتاقة إنما سبب التوريث فيه الإعتاق، وهو يوجد من الأعلى في حق الأسفل دون العكس، بينما السبب في ولاء الموالاة هو العقد والشرط، والحكم يثبت على الوجه الذي يوجد عليه الشرط والعقد.
الثاني: أن ولاء العتق لا يحتمل النقض والفسخ على حين يحتمل ولاء الموالاة ذلك، وعلة هذا مفهومه، وهي أن سبب الأول وهو الإعتاق لا يحتمل النقض بعد ثبوته، والمعروف أن ثبوت الحكم يكون على وفق السبب، وهذا على خلاف الحال في ولاء الموالاة، إذ السبب فيه الإيجاب بطريق التبرع، وهو يحتمل النقض، وتظهر القدرة على الفسخ في التفرقة بين الحال بعد العقل وقبله، وتتضح في حالات
أولاها: أن الموجب ينفرد بالفسخ ما لم يعقل عن الطرف الآخر، ولكنه لا ينفرد به بعد ما عقل عنه جنايته، والسبب في ذلك أنه قبل عقل الجناية العقد تبرع بالنسبة له، والمتبرع له الفسخ قبل حصول المقصود بغير رضاء الطرف الآخر، على عكس الحال إذا تحمل عنه جريرته، فالعقد هنا يصير معاوضة، ولا يحدث الفسخ في المعاوضة من جانب واحد بل لا بد من رضاء الطرفين.
وثانيها: أن الموجب ما دام يملك فسخ العقد قبل العقل، فهو يملك التحول بولاية إلى سواه. وذلك بأن يتعاقد مع غيره معاقدة ولاء، فيفسخ العقد عندئذ بينه وبين المتعاقد الأول بذلك العقد اللاحق، أما إذا عقل الجناية فهو لا يملك مثل هذا التحول.
وثالثها: أن من لم يوالِ أحدًا لا يستطيع أن يعقد عقد موالاة مع أحد، في حالة ما إذا جنى وعقل بيت المال جنايته، وذلك لأن ولاءه صار لبيت المال، وتأكد هذا بعقل الجناية، فلا يستطاع من بعد إبطال هذا الولاء، وهذا على خلاف الحال قبل عقل بيت المال جناية الجاني، إذ يستطيع عقد الولاء مع آخر باتفاقه معه.
الثالث: أن مولى العتاقة مقدم (في المذهب الحنفي) على ذوي الأرحام، على حين أن مولى الموالاة مؤخر عنهم، والسبب في ذلك ثبوت العصوبة لمولى العتاقة بالشرع، أما في حالة ولاء المولاة، فالموت هو الذي أوجب صلة التوريث بالعقد، وعلى هذا يكون بمنزلة الوصية بجميع المال، وهي ممتنعة هنا لحق ذوي الأرحام وحق العصبات، وشأنها في ذلك شأن الميراث، وعلى هذا لا ينال مولى الموالاة شيئًا إذا كان ثمة أحد من ذوي الأرحام [(3)].
3 – ولم يذكر المشرع المصري ولاء الموالاة، ولم ينص عليه في قانون الميراث على اعتباره سببًا للإرث على خلاف ما فعل في ولاء العتق، وعللت المذكرة الإيضاحية عدم ذكر القانون [(4)] لهذا الولاء بأنه لا وجود له منذ زمن بعيد، ومن ثم فلا حاجة لذكره والنص عليه [(5)]، ولم يتعرض لما جاء بهذه المذكرة في هذا الصدد ممن شرحوا قانون الميراث بالنقد إلا واحد من الفقهاء [(6)]، قال بأن عدم وجود ولاء الموالاة منذ زمن بعيد لا يمنع وجوده في مستقبل الأيام، ومن أجل ذلك كان حريًا بالمشرع أن يذكره في قانون الميراث، إذ ليس في ذكره ضرر.
4 – وقد أعجبني هذا الرأي كثيرًا، لا لمجرد أن عدم وجود هذا الولاء منذ القدم ليس مانعًا من وجوده مستقبلاً، ولا لمجرد أن ذكره في قانون الميراث ليس فيه ضرر، وإنما على أساس آخر له خطورة قصوى في المجال القانوني الحالي في مصر، هذا الأساس هو أن ولاء الموالاة موجود بالفعل في حياتنا القانونية، وأنه كان على مشرع قانون الميراث أن يلحظ هذا الوجود وأن يساير التطور القانوني الحديث، بتفسير وتطبيق قواعد وأحكام التشريع الإسلامي فيما يتعلق بعقد ولاء الموالاة مع ما يتفق مع هذا التطور ومع الاتجاه التشريعي المدني بوجه عام وما على المشرع – وقد أخفق في قانون الميراث في شأن هذا العقد فيما يخص الأساس الذي أسلفته والذي سأوضحه – إلا أن يتدارك الأمر، فيكمل ما في أحكامه الوضعية من نقص، ويساير التطور الذي قصر عن مسايرته وذلك من تشريع جزئي جديد! ولفهم هذا الرأي الجديد من جهة ولبيان خطورته القانونية من جهة أخرى، أرى أن أتعرض بشيء من التفصيل لمسألة (ولاء الموالاة) في التشريع الإسلامي، لكي أربط بالتالي بينها وبين الأساس القانوني الذي اعتمد عليه!
5 – ولاء الموالاة في التشريع الإسلامي هو عبارة عن رابطة قانونية بين شخصين، بمقتضاها يتعاقدان على أن يعقل أولهما وهو (مولى الموالاة) [(7)] عن الآخر وهو (المعقول عنه) إذا جنى، أي يدفع الدية في مقابل ميراثه منه إذا توفي غير مخلف وارثًا قط [(8)]، وقد اختلف الفقه في صحة هذا العقد ونفاذه من حيث كونه سببًا من أسباب الميراث، ويمكن إجمال وجهات النظر في هذا الصدد في رأيين: قال أولهما بصحته وجوازه واعتباره سببًا للإرث، وقال ثانيهما ببطلانه ورفضه سببًا له.
6 – الرأي القائل بالرفض والبطلان: قال بهذا الرأي جمهور الفقهاء، ومنهم الشافعي ومالك وأحمد، وأسانيده تتلخص في أربعة:
أولها: ورود نص صريح في القرآن المصدر الأول للتشريع الإسلامي [(9)] بمقتضاه يكون ذوو القرابات بعضهم أولى ببعض في الإرث من التوارث بسبب عقد الموالاة، ذلك العقد الذي عرف في الجاهلية!
وثانيها: ورود نص ثابت في الحديث المصدر الثاني للتشريع، بمقتضاه يكون (الولاء لمن اعتق) وهو يحصر الولاء في نوع واحد هو ولاء العتاقة، وعلى ذلك يعتبر باطلاً كل ولاء سواه.
وثالثها: أن عقد الموالاة فيه في الواقع وصية بجميع المال، والوصية بجميع المال ممن لا وارث له غير جائزة (عند الشافعي) لأن وارث من لا وارث له هو جماعة المسلمين، ولا يستطيع المورث أن يبطل حق هذه الجماعة، تفريعًا على عدم إمكانه إبطال حق ورثته في حالة ما إذا كان له ورثة بالوصية بجميع ماله [(10)].
ورابعها: قول الشافعي إن الملك بطريق الوراثة لا يثبت ابتداءً، وإنما يثبت على سبيل الخلافة [(11)] وإن أسباب الإرث معلومة شرعًا، لكن عقد الموالاة ليس منها!
7 – الرأي القائل بالجواز والصحة: وقد قال به أبو حنيفة وأصحابه، وقال به كذلك عمر وعلي وابن مسعود وابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم، وهو الرأي الصحيح والراجح والذي أميل إليه،

وأسانيده تتلخص في خمسة:
أولها: وجود هذا الولاء باعتباره سببًا للإرث في الجاهلية، وإقرار الإسلام له حين جاء، وذلك بنص صريح في المصدر الأول للتشريع [(12)]، ولا يرد على ذلك بوجود نص صريح آخر في المصدر نفسه، بمقتضاه يكون ذوو القرابات بعضهم أولى ببعض في الإرث من التوارث بسبب عقد الموالاة، لأن هذا النص الأخير ليس نصًا على الأولوية في الميراث، ثم إنه لا يتعارض مع النص الأول، وذلك لأن حق الإرث المقرر لمولى الموالاة لا يثبت له إلا عند عدم وجود (أولي الأرحام) فمرتبته في الإرث متأخرة عن مرتبة هؤلاء، بل وعن مرتبة مولى العتاقة وعصبته، وما دام ليس بين النصوص التشريعية من تعارض ما، فالواجب إعمالها كلها، كل فيما يخصه [(13)].
وثانيها: إن الحديث القائل بأن الولاء لمن أعتق، وليس الحصر فيه حقيقيًا بل إضافيًا [(14)] ولهذا لا يكون هذا الحديث نافيًا استحقاق الإرث بسبب ولاء الموالاة [(15)].
وثالثها: إن ولاء الموالاة متصل بالوصية بجميع المال، وهي صحيحة ممن لا وارث له، لأن من لا وارث له، يصرف ماله إلى بيت مال المسلمين، ومن حيث إن (الموصى له) هو أحد هؤلاء المسلمين يشركهم في دين الله، ومن حيث إنه ترجح بإيجاب الموصى له، فمن أجل ذلك هو أولى من هذا البيت، وكذلك الأمر بالنسبة لمن عاقده مولى الموالاة عقد الموالاة [(16)].
ورابعها: إنه فيما يتعلق بخلافة الوارث الموروث في ماله، الظاهر أن الإنسان في شأن هذه الخلافة إنما يؤثر قرابته على الأجانب، ومن أجل ذلك اقتضت حكمة التشريع الحنيف أن يقدم الأقرب على الأبعد فيها، لأن المورث نفسه يفعل ذلك ويريده في أغلب الأحوال.
والمسألة لا تخلو من فرضين:
الأول: أن يكون أحد من قرابته، وفي هذه الحالة يوجد النظر من الشرع له، ويقع الاستغناء عن نظرة لنفسه.
والثاني: ألا يكون أحد من قرابته، وهنا تقع الحاجة إلى نظرة لنفسه، فإذا نظر إليها وعقد عقد موالاة مع شخص ما، اعتبر ذلك منه تصرفًا صحيحًا في خالص حقه على سبيل النظر منه لنفسه [(17)].
وخامسها: أن عدم الدليل المقول به في شأن إثبات الخلافة بين الوارث والموروث بطريق العقد عن قصد، فيه نظر، لأن إثبات الخلافة بالعقد قصدًا مشروع بالاتفاق، وذلك في عقد النكاح [(18)] إذ المعروف أن الزوجية التي أساسها العقد وتوافق الإرادتين هي سببًا للميراث ومن أجل هذا ينتفي القول بعدم الدليل في إثبات الخلافة عن طريق عقد الموالاة [(19)].
8 – على أنه يلاحظ أن ثمة شروطًا تشترط في عقد ولاء الموالاة عند الرأي القائل بجوازه وصحته، وهي أن يكون المعقول عنه حرًا غير عربي (أعجميًا أسلم مثلاً) ولا معتقًا لعربي وليس له وارث نسبي، ولم يعقل عنه بيت المال أو مولى موالاة آخر، وكونه مجهول النسب [(20)] وعلى هذا لا يرث مولى الموالاة مع أحد من أصحاب الفروض والعصبات النسبية والسببية والعصبات النسبية للعصبات السببية، وذوي الأرحام، إلا مع أحد الزوجين إن وجد [(21)].
9 – هذا عن ولاء الموالاة في التشريع الإسلامي، أما عن الأساس القانوني الذي اعتمد عليه في القول بوجود هذا الولاء في المجال التشريعي الحالي ووجوب تدخل المشرع للاعتراف به والتوفيق بينه وبين التطور القانوني الوضعي الحديث، فالقول فيه يتلخص في أن عقد ولاء الموالاة هو صورة حية من صور (عقد التأمين Contrat d’assurance الشائع والمعترف به قانونًا – هي صورة (التأمين على المسؤولية assurance sesponsabilité) – ولفهم ذلك يمكن التعرض بعض الشيء لهذا العقد وهذه الصورة.
10 – يعرف عقد التأمين بوجه عام بأنه عملية يحصل بها أحد الطرفين وهو المستأمن أو المؤمن له L’assurè على تعهد لمصلحته أو لمصلحة غيره في نظير مقابل مالي، ويتعهد فيها الطرف الآخر وهو المؤمن L’assureur بدفع عوض مالي في حالة تحقق خطر معين أي بتحمله تبعة مجموعة من المخاطر [(22)].
ولعقد التأمين أربعة أركان:
أولها: الخطر ويشترط فيه أن يكون حادثًا احتماليًا incertain مستقبلاً futur وليس إراديًا محضًا purement potestaif، وثانيها: المقابل المالي الذي يحصل عليه المؤمن من المستأمن ليتحمل الأول تبعة الخطر المؤمن منه، وهنا يبدو أن عقد التأمين معاوضة تنشئ التزامات متقابلة في ذمة الطرفين.
وثالثها: العوض المالي الذي يلتزم المؤمن دفعه عند تحقق الخطر، ورابعها: المصلحة في التأمين أو المصلحة القابلة للتأمين intèrèt assurable [(23)].
11 – والتأمين على المسؤولية – وهو ما يهمنا هنا – صحيح وجائز قانونًا، وهو بالطبع أفضل عن الإعفاء من المسؤولية، لأنه فضلاً عن أنه يزيح عن عاتق المسؤول عبء المسؤولية، فإنه لا يحرم الطرف المضرور من حقه في التعويض، وهذا النوع من التأمين ميسر وذائع في الحياة العملية يفضل انتشار شركات التأمين، ويلاحظ في هذا التأمين أنه يجوز للشخص أن يؤمن على مسؤوليته التي تترتب على الخطأ عقديًا كان هذا الخطأ أو تقصيريًا، ولا يهم كون الخطأ التقصيري مفترضًا أو ثابتًا وكون الخطأ الثابت يسيرًا أو جسيمًا، بيد أنه يمتنع التأمين على المسؤولية التي تنشأ عن الخطأ العمدي الشخصي، وعلة ذلك أنه لا يجوز أن ييسر الشخص لنفسه سبيل الغش [(24)].
12 – وقد أسلفت التكييف القانوني لعقد الموالاة في التشريع الإسلامي، ومنه يتضح أن أركانه تتفق إلى حد كبير وأركان عقد التأمين في صورة التأمين على المسؤولية في التشريع الحديث،

 

 

 

للحصول على استشارة مجانية

تفضل الى رقم مكافحة الابتزاز

 

 

فهو أولاً: عقد بين طرفين، أولهما (مولى الموالاة) ويقابل المؤمن L’assureur وهو شركة التأمين Societed. Assurance وثانيها (المعقول عنه) وهو المستأمن أو المؤمن له L’assuré، وهو يتضمن
ثانيًا: عنصر (العوض المالي) الذي يلتزم المؤمن (هو مولى الموالاة) دفعه عند تحقق الخطر المؤمن منه، وهو يتمثل في الدية أو التعويض عن الجريمة التي نتج عنها الضرر للغير المستحق له، كما هو الحال في المسؤولية عن الأضرار الناشئة من ارتكاب جريمة تترتب عليها الغرامة المالية، وهو يتضمن ثالثًا عنصر (المقابل المالي) الذي يحصل عليه (مولى الموالاة المؤمن) مقابل تحمله تبعة الخطر، وهو يتمثل في (مال التركة الموروثة) إذا توفي عنه (المعقول عنه المستأمن) غير مخلف وارثًا قط باستثناء الحالة التي يوجد فيها مع مولى الموالاة أحد من الزوجين، فيكون ما يتبقى من مال التركة بعد فرض هذا الزوج حقًا مستحقًا لهذا المولى المؤمن، أما شرط المصلحة في التأمين فمفهوم كما سلف أنه من مستلزمات صورة التأمين على المسؤولية، وهي الصورة التي ينطبق عليها عقد ولاء الموالاة.
13 – وقد يثور الاعتراض على هذا التوفيق الذي أقول به، وذلك بشأن المقابل المالي الذي يحصل عليه مولى الموالاة المؤمن، وهو مال التركة من حيث كون عقد الموالاة الذي يحتويه عليه، فيه (تعامل في تركة إنسان على قيد الحياة، والتعامل في التركة المستقبلة – حسب القانون المدني الجديد – تعامل باطل سواء صدر من الوارث أو من المورث نفسه [(25)]، وفي الحالين يقع باطلاً بطلانًا مطلقًا ولا تلحقه الإجازة، ويجوز لكل ذي مصلحة أن يتمسك به، وللمحكمة أن تقضي به من تلقاء نفسها [(26)].
14 – وردي على هذا الاعتراض إن ثار أن المادة (131) في فقرتها الثانية نصت على أن (التعامل في تركة إنسان على قيد الحياة باطل ولو كان برضاه، إلا في الأحوال التي نص عليها في القانون)، وقد قصد المشرع بالأحوال المستثناة التي نص عليها القانون حالة قسمة المورث تركته بين الورثة [(27)] وقد اعتمد المشرع في استثناء هذه الحالة على حكمة التشريع، فالمورث إنما يقصد من تقسيم تركته بين ورثته بالاتفاق بينهم حال حياته وفقًا لقواعد الميراث أن يتفادى النزاع بينهم بعد وفاته على هذا التقسيم، فهنا ولو أنه يوجد تعامل في تركة مستقبلة إلا أن هذا التعامل مندوب في حد ذاته، وليست به أية مخالفة للنظام العام أو الآداب التي هي أساس خطر التعامل في التركات المستقبلة [(28)].
ومن هنا نستطيع أن نقيس على حالة القسمة حالة عقد الموالاة، ما دام قد تبين اتفاقها مع التشريع الوصفي في اعترافه بنظام التأمين وتنظيمه له بالنصوص القانونية الصريحة، ولكن المفهوم أن هذا القياس لا يكون بمجرد القول، لأن الاستثناء لا يتوسع فيه ولا يقاس عليه كما هو معلوم، ولأن النصوص القانونية التي اشتملت على حالات الاستثناء من قاعدة بطلان التعامل في التركيات المستقبلة لا نجد فيها بالطبع نصًا يقرر استثناء عقد ولاء الموالاة من هذه القاعدة، ولذلك يجب تدخل المشرع لينص على هذه الحالة الجديدة باعتبارها استثناءً ثانيًا إلى جوار حالة القسمة، إقرارًا منه للتوفيق بين قواعد الشريعة الغراء وقواعد التشريع الوصفي الحديث، ما دام قد ثبت أن القواعد الأولى فيها ما يلائم التطور القانوني والاتجاه التشريعي الجديد، وهذا بعد تعديل يحدث في قانون الميراث، بمقتضاه يذكر ولاء الموالاة ضمن أسباب التوريث كما كان الحال في الأصل [(29)]، وأن يعدل عن تلك العبارة الركيكة الواردة في مذكرته الإيضاحية والقائلة بأن عدم ذكر هذا الولاء سببًا للميراث في القانون يرجع إلى عدم وجود هذا النوع من الولاء منذ زمن بعيد.
15 – هذا ويهمني أن أقول إن القضاء قد حكم ببطلان عقدين، أصدر حدهما من زوج والآخر من زوجته، يتبرع كل واحد منهما في عقده للآخر بجميع أمواله يتملكها في حال وفاة الآخر قبله، وقيل إنه تبين أن أيًا من الزوجين لم يرد حقيقة الوصية التي هي عبارة عن تمليك مضاف لما بعد الموت بطريق التبرع، إذ أن كلاً منهما قد جعل وصيته للآخر سببها وصية صاحبه له، وقد شبه هذا التصرف بولاء الموالاة، ولكن في غير موطنه المشروع هو فيه، لأنه ثبت من الواقعة الجزئية أن لكل من المتعاقدين ورثة يمنع وجودهم قيام هذه الموالاة، وعلى هذا ظهر جليًا أن الغرض من هذا التصرف هو حرمان هؤلاء من حقوقهم الشرعية في الميراث، فضلاً عن أنه تصرف ينطوي على تبادل منفعة معلق على الخطر والغرر، ومن أجل هذا اعتبر هذا التصرف من قبيل الرقبى المحرمة شرعًا، إذ فيه تحايل على قواعد الميراث [(30)].
ونلاحظ هنا أن ثمة فرقًا كبيرًا بين عقد الموالاة وبين مثل هذا التصرف المذكور، إذ تبين كما سلف أن هذا الولاء إنما يشترط فيه ألا يكون وارث، حتى لا يكون تحايل على قواعد الميراث وحرمان للورثة الشرعيين من الإرث، كما رأينا أن الوصية بجميع المال صحيحة على الرأي الراجح إذا كان صاحبها لا وارث له مطلقًا، ولم يتعلق بما له حق لأحد، وذلك على سبيل التفضيل لنظره إلى نفسه على نظر المشرع له.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[(1)] انظر شمس الدين السرخسي في (المبسوط) جـ 30 ص (38).
[(2)] انظر المادة السابعة من قانون الميراث (1943) وقد ذكر هذا الأخير أحكام ولاء العتق في م (39)، م (40).
[(3)] انظر شمس الدين السرخسي السالف، جـ (30) ص(45).
[(4)] وذلك خلافًا للأصل (كتاب الأحوال الشخصية لقدري باشا) انظر م (584) من هذا الأخير.
[(5)] انظر (مجموعة القوانين، الوقف والميراث والوصية) جمع وترتيب محمد الغريب، الطبعة الثانية ص (146).
[(6)] هو الأستاذ المرحوم أحمد إبراهيم (بك) في (المواريث علمًا وعملاً) ص (28).
[(7)] وتطلق عليه الشيعة الأمامية اسم (ضامن الجريرة) أي ضامن الجريمة التي تستوجب الغرامة المالية.
[(8)] وقد يكون مقتضى هذا العقد بين هذين الشخصين أن يعقل كل واحد منهما عن الآخر جرائمه الموجبة للمال أي أن يلزم كل منهما التعويض عن جرائم الآخر، وإذا مات أحدهما قبل الآخر، ورثه الآخر في ماله.
[(9)] النص هو الآية الكريمة (وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض).
[(10)] انظر السرخسي، السالف ص (43).
[(11)] انظر. السالف ص(43).
[(12)] هو الآية الكريمة (والذين عاقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم) ومقتضاها أنه يجب أن تعطوا حلفاءكم الذين تعاقدتم وإياهم على النصرة والميراث، نصيبهم منه، لأن ذلك مقتضى العقد!
[(13)] انظر أحمد إبراهيم، السالف. ص (27).
[(14)] أي إن الولاء لمن أعتق لا لغير ممن كان أجنبيًا، وتبيان ذلك أن عائشة رضي الله عنها لما اشترت (بريرة) اشترط أهلها الولاء لهم، فقال النبي – صلى الله عليه وسلم: (الولاء لمن أعتق) يقصد بذلك أن شرط البائع ولاء العتق له إذا أعتق المشتري منه الرقيق الذي اشتراه، شرط باطل، لأن ولاء العتق يثبت للمشتري العتق أي المالك المعتق، وليس للبائع بحال، فالقصر في الحديث إذن إضافي، انظر أحمد إبراهيم، ص (27) وانظر الشيخ عبد الله الشرقاوي في (فتح المبدي بشرح مختصر الزبيدي) جـ 4 ص (369).
[(15)] جاء في حديث تميم الداري رضي الله عنه أنه سأل رسول الله –صلى الله عليه وسلم – بقوله (إن الرجل ليأتيني فيسلم على يدي، ويواليني، فقال الرسول هو أخوك ومولاك فأنت أحق به محياه ومماته، والمقصود محياه في تحمل عقل الجريمة عنه ومماته في الإرث منه، انظر السرخسي، السالف، ص (44).
[(16)] المصدر نفسه، ص (43).
[(17)] المصدر نفسه، ص (44).
[(18)] المصدر نفسه.
[(19)] يلاحظ أن السبب في الميراث في ولاء الموالاة هو العقد والاتفاق، وليس السبب فيه في ولاء العتاقة كذلك، وإنما الإرادة المنفردة، انظر بند من هذا البحث.
[(20)] انظر المادة (584) فقرة (السابع) من (الأصل).
[(21)] انظر حاشية الغفاري، والمادة السابقة الذكر من الأصل وانظر أحمد إبراهيم، السالف ص (102).
[(22)] انظر: Hémard, Théorie et pratique des assurances terrestres t. 10. P. 73, 74.
وانظر دكتور محمد علي عرفة في (شرح القانون المدني الجديد في التأمين والعقود الصغيرة) 1950 ص (10) وما بعدها.
[(23)] تعتبر غالبية الشراح ركن المصلحة غير لازم في (التأمين على الأشخاص) وإن يكن من مستلزمات (التأمين على الأضرار) ويبدو أن المشرع المصري لم يأخذ بهذه التفرقة أي أنه يلزم هذا الركن حتى لانعقاد التأمين على الأشخاص، انظر دكتور عرفة، السالف ص (25)، (26) وانظر المادة (749) من التقنين المدني الجديد.
[(24)] انظر دكتور عبد الرزاق السنهوري في (الوسيط في شرح القانون المدني الجديد) 1852 ص (1981) وما بعدها.
[(25)] انظر المادة (131) ف (2) من التقنين المدني الجديد.
[(26)] انظر المادة (141) ف (1) من التقنين نفسه، وانظر دكتور أنور سلطان في (شرح البيع والمقايضة) 1952 ص (147) وما بعدها.
[(27)] انظر المادة (908) وما بعدها من التقنين السالف الذكر، ويلاحظ أنه في ظل القانون القديم ذكرت حالة القسمة مثلاً للأحوال التي لا تنطوي على مخالفة للنظام العام، انظر دكتور السنهوري في (نظيرة العقد) ب (456) هامش (2).
[(28)] ومثال عدم بطلان الاتفاق المتعلق بالإرث للمخالفة للنظام العام أو الآداب الاتفاق الذي يحصل بين أحد النسابة géné – alogiste ووارث على أن يكشف النسابة له عن نسبة حتى يمكنه الحصول على ميراث يستحقه، ما دام أنه لم يخدع المتعاقد معه وإنما كشف له عن سر حقيقي كان خافيًا عليه، انظر دكتور السنهوري في (الوسيط) السالف ص (433).
[(29)] انظر المادة (584) من (الأصل).
[(30)] انظر حكم محكمة النقض الصادر في 14 يونيه سنة 1934، مجموعة القواعد القانونية جـ 1 رقم (199) ص (449) وما بعدها.

لمزيد من المعلومات تفضل للتواصل مع محامي متواجد الان

تكلم هذا المقال عن : بحث قانوني حول عقد التأمين في الشريعة الإسلامية