حوكمة الشركات خارجياً
د. عبد اللطيف القرني
تعتبر الحوكمة من الأساليب التنظيمية التي تضمن استمرار نجاح الشركات، ولا تستطيع شركة تدار بشكل جيد أن تزدهر وتجتذب استثمارات إضافية إذا لم تتوافر لها معايير الحوكمة الخارجية، وذلك لأن إجراءات الحوكمة الداخلية لا يمكن أن تصبح فعالة إلا إذا عززتها النظم الخارجية للأسواق والمؤسسات. وقد يجهل القارئ معنى الحوكمة الخارجية؛ لأن المشهور في الحوكمة الاعتبارات الداخلية داخل الشركة أو المنظمة، ويمكن استعراض أبرز معايير هذه الحوكمة الخارجية كما يلي:

أ – الأسواق التنافسية للمنتجات: يعتبر وجود الأسواق التنافسية أحد العناصر المهمة في الرقابة الخارجية على الشركات، التي ترغمها على تحقيق الكفاءة والإنتاجية خشية ضياع أو تخفيض حصتها السوقية. ويؤدي نقص وجود الأسواق التنافسية إلى تثبيط عزيمة الإقدام على تنظيم الأعمال، ويعزز تحصين الإدارة والفساد، ويؤدي إلى خفض الإنتاجية.

ب – أسواق الأوراق المالية: أسواق الأوراق المالية الجيدة هي التي تنقل للمستثمرين معلومات دقيقة عن الأسعار، ما يسمح لهم بتسييل استثماراتهم بالسرعة والكفاءة المطلوبتين، فهذه الأسواق تساعد على انضباط المديرين، وتسهل للشركات الحصول على رؤوس الأموال، حتى يعمل سوق الأوراق المالية بكفاءة، فإنه يتطلب إتاحة كل القوانين التي تحكم كيفية إصدار وتسجيل الأوراق المالية والتعامل بها، وتحدد مسؤولية مصدري هذه الأوراق والوسطاء في السوق.

ج – أسواق الاستحواذ: إتاحة هذه الأسواق تفرض على إدارات الشركات العمل بكل اجتهاد، حيث إذا لم تؤد شركة ما عملها بشكل جيد، فإن الأسواق تسمح لملاك جدد بالاستحواذ عليها وتحسين إدارتها. لذلك يجب أن تكون هذه الأسواق متاحة ومنظمة وتتمتع بالشفافية، حتى تسهل عمليات الدمج والاستحواذ بشكل عادل.

د – آليات الخروج من السوق (قوانين الإفلاس): الإفلاس من الحقائق الواقعة في العديد من الشركات، ومن ثم فقوانين الإفلاس الجيدة تعامل الدائنين وأصحاب المصلحة بشكل عادل ومنصف، وفي الوقت نفسه تسمح بالخروج من السوق بيسر. لذلك فإن القوانين والقواعد التي تنظم وتسرع إجراءات الإفلاس تساعد على إعادة توجيه ما تبقى من موارد إلى مشروعات أكثر إنتاجية.

هـ – أجهزة الدعاية: تتضمن أجهزة الدعاية وسائل الإعلام، ووكالات تصنيف الائتمان، ومدققي الحسابات، والمحامين، والاتحادات المهنية. وهذه المجموعات تسد ثغرة نقص المعلومات بين العاملين الداخليين في الشركة والمستثمرين الخارجيين، كما تلعب دورًا مهمًّا في متابعة أداء الشركات، وفي توفير المعلومات للمستثمرين، وفي إعداد معايير فنية للأداء، ومن ثم فيجب أن تتاح لها الفرصة للعمل بنشاط وأن توفر لها المعلومات.

و – القطاع المصرفي: للنظام المصرفي المنظم أهمية كبرى، خاصة في اقتصادات البلدان النامية، حيث يعتمد معظم التمويل الخارجي للشركات على البنوك، ومن ثم فلا بد من وجود آليات تضمن إدارة البنوك لرؤوس الأموال بكفاءة وحكمة حتى تظل ناجحة ماليًّا. وتتضمن هذه الآليات خفض متطلبات الإقراض إلى أقصى حد ممكن، وإلزام البنوك بالإفصاح عن المخاطر التي قد تتعرض لها، وعن علاقاتها.

ل – إجراءات الخصخصة: لقد كان لعمليات الخصخصة التي تمت بشكل سيئ آثار مدمرة في اقتصاديات الأسواق الناشئة، ما أدى إلى تفشي الفساد واستنزاف أصول الشركات؛ لذا يجب أن تكون عمليات الخصخصة عادلة ومنصفة وتتمتع بالشفافية، وأن تدعمها آليات تنفيذ قوية.

ع – نظم ضريبية واضحة وشفافة: ينبغي إصلاح النظم الضريبية حتى تتميز بالوضوح والبساطة والدقة. وفي هذا الصدد، فإن تعدد الإجراءات الخاصة بالتقارير المالية يسمح للمسؤولين بممارسة قدر كبير من الاختيار الشخصي، وهو ما يهيئ لهم الانغماس في الفساد؛ لذا يجب إلغاؤه، كما أن قوانين ولوائح الضرائب ينبغي أن تتمتع بقدر كاف من الإفصاح عن البيانات المالية، وينبغي أن يجري تنفيذها بصورة دائمة بفاعلية وفي أوقات محددة.

ك– الاستراتيجيات المناهضة للفساد: يمكن تنفيذ إجراءات فعالة لمناهضة الفساد عن طريق تحديد النصوص القانونية والتنظيمية والتنسيق فيما بينهما، وتوضيح القوانين الخاصة بتضارب المصالح واتباع وتنفيذ قوانين العدالة العالمية التي جاءت بها الشريعة الإسلامية في الأصل، وذلك بشأن التوريدات الحكومية، واتباع والالتزام باتفاق منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية المناهض للرشوة.

ط – إنشاء آليات روتينية للمشاركة: يتطلب إنشاء الإطار المؤسسي لحوكمة الشركات، إصلاح كثير من القوانين واللوائح الموجودة ووضع قوانين ولوائح جديدة بدلًا منها، حتى يمكن ضمان أن يعمل الإطار الجديد على خلق بيئة ممهدة، فيجب أن تكون لدى المواطنين الفرصة للمشاركة في تشكيل هذا الإطار، ومن الأمور الأساسية إنشاء آليات روتينية للمشاركة في عملية وضع السياسة على أساس يومي.

ظ – دعم وتقوية وكلاء بناء السمعة: وكلاء بناء السمعة هم أفراد أو جماعات تعمل على سد فجوة المعلومات بين الداخليين والخارجيين. وهم يقومون بهذا العمل عن طريق السعي لجمع وتوفير تلك المعلومات للخارجيين عن أداء الداخليين وعن المنشآت، وعن طريق وضع معايير مهنية عالية، ثم يقومون بالضغط، وأحيانًا يقومون بفرض عقوبات، للمحافظة والالتزام بتلك المعايير، ولهذا السبب، فإنه من المهم توفير التدريب الضروري والبيئة اللازمة التي يمكن أن يزدهر فيها عمل أولئك الوكلاء.

ويتمثل هؤلاء الوكلاء- على سبيل المثال- في جهات ذاتية التنظيم مثل خبراء المحاسبة والمراجعة، القائمين بالعمل في بنوك الاستثمار وفي تحليل حوكمة الشركات، أجهزة التصنيف الائتماني، خبراء البيئة، نشطاء المستثمرين والمساهمين مثل المؤسسات الاستثمارية. ومما سبق؛ يتضح للقارئ الكريم أهم المعايير التي تضمن نجاح الشركات والمؤسسات الخاصة والعامة، بل تصاعد هذا النجاح بما يتواءم مع المتغيرات سواء على المستوى الاقتصادي أو السياسي.

إعادة نشر بواسطة محاماة نت

تكلم هذا المقال عن : الحوكمة الخارجية للشركات وفقاً للنظام السعودي – مقال قانوني